العدد الأول؛ كانون الثاني/ يناير 2021​

المسألة الوطنية في سورية.. مقاربة ثقافية​

جاد الكريم الجباعي​

الكلمات المفتاحية: سورية . الوطنية . الدولة . الحداثة . المواطنة

لا تفيدنا القواميس العربية وثقافتنا التقليدية وتراثنا الشفوي والمكتوب، ولا تاريخنا السياسي و”الثقافة القومية الاشتراكية” المتسيّدة عندنا، منذ أكثر من نصف قرن، في تحديد معنى الوطن والوطنية والمواطنة، ومعنى المجتمع المدني والدولة الوطنية والشعب والسلطة السياسية، إذا كنا سنذهب معًا، نحن السوريات والسوريين، نحو تدبير مصيرنا وتحديد مستقبلنا. ذلك لأن مفهوم الوطنية هو مفهوم حديث مقترن بمنجزات الحداثة بوجه عام، والحداثة السياسية بوجه خاص، أي إنه مقترن بالمجتمع المدني والدولة السياسية الحاملة جنين الدولة الديمقراطية، ومقترن بسيادة الشعب والقانون وحقوق الإنسان والمواطن، والمواطنة بالطبع.

المسألة الوطنية، في سورية اليوم، هي مسألة المصير قبل أن تكون مسألة المستقبل، بعدّها مسألة علمانية- ديمقراطية ومسألة تشكل مجتمع مدني سوري وشعب سوري وأمة سورية ودولة وطنية سورية، وجمهورية سورية هي فضاء عمومي مشترك بين جميع السوريات والسوريين بالتساوي. لقد انبثقت الوطنية الحديثة، مفهوميًا وواقعيًا، من جملة من التحولات التاريخية التي وسمت الأزمنة الحديثة بميسمها، وأولى هذه الوقائع انتقال مركز ثقل المعرفة من السماء إلى الأرض وصيرورة الطبيعة، لا السماء والنصوص السماوية، مصدرًا وحيدًا للمعرفة، وصيرورة المجتمع، لا التراث والنصوص التأسيسية للأديان والمذاهب، مصدرًا وحيدًا للقيم. لذلك، تنحّت أساطير الخلق والخليقة والنعم الإلهية من وحي وإلهام وظهرت الإنسانيات، ونعني هنا الاتجاهات الإنسانية وعلوم الإنسان، وظهور الفرد الإنساني الحر والمسؤول عن أعماله على مسرح التاريخ.

 الثانية هي ظهور نمط الإنتاج الرأسمالي على أنقاض النظام الإقطاعي وتحلل البنى الإقطاعية، وتطور هذا النظام وصيرورته نظامًا عالميًا مقترنًا بالثورات العلمية التكنولوجية واندماج المعرفة والعلم في الإنتاج. الثالثة هي الثورة الديمقراطية البادئة بتشكل المجتمع المدني، والتقسيم الحديث للعمل وما ولده من انتظامات وتنظيمات اجتماعية وثقافية وسياسية، مثل الجمعيات والنقابات والأحزاب، وتشكل النظم الديمقراطية وصيرورة هذا المجتمع الحديث فضاءً من الحرية، ابتداءً من حرية المبادرة الفردية والتنافس الخلاق، في مجالات الاقتصاد والمعرفة والثقافة والعمل الجماعي التطوعي. من ذلك، النقابات وجماعات المصالح أو جماعات الضغط والجمعيات والأندية والأحزاب السياسية، وكلها مؤسسة على مبادئ المساواة والحرية والتكافؤ والتزام القوانين المقبولة من جميع أفرادها، ما يشير إلى آليات أو ميكانيزمات التشكل الذاتي أو الانتظام الذاتي الذي يُفترض أن يتعاشق والنظام العام ويساهم في إعادة إنتاجه، وفقًا لمعدلات النمو في جميع المجالات، فلا يشبه المجتمع نفسه ما كان عليه قبل حين.

جاد الكريم الجباعي​

مفكر سوري، مجاز في علوم اللغة العربية وآدابها من جامعة دمشق. عمل مدرسًا للغة العربية، ثم محررًا ومدققًا لغويًا في هيئة الموسوعة العربية بدمشق. مهتم بالفلسفة المدنية وقضايا الديمقراطية والمجتمع المدني والدولة الوطنية، وحقوق الإنسان والمواطن. نشر عشرات المقالات في صحف عربية، وعددًا من الأبحاث والدراسات في مجلات عربية، بعضها مجلات محكمة. كما نشر عددًا من الكتب منها "جدلية المعرفة والسياسة، حوار مع الياس مرقص" و"المجتمع المدني هوية الاختلاف" و"قضايا النهضة" و"طريق إلى الديمقراطية" و"وردة في صليب الحاضر، نحو عقد اجتماعي جديد وعروبة ديمقراطية" و"أطياف الأيديولوجية العربية". حرر "موسوعة أعلام الفكر العربي الحديث والمعاصر". ويدير موقع "سؤال التنوير" الإلكتروني. له مشاركات في عدد من الندوات والمؤتمرات العلمية.