العدد الأول؛ كانون الثاني/ يناير 2021​

الهوية الوطنية السورية

فادي كحلوس​

الكلمات المفتاحية: الربيع العربي . الوطنية السورية . الهوية الوطنية . هزيمة حزيران . ياسين الحافظ

مقدمة

كشفت المحطات التاريخية المهمة لواقعنا العربي المعاصر، مدى هشاشة وعفوية وتأخر البنى المجتمعية فيه، الثقافية والفكرية والاقتصادية والسياسية. فعلى سبيل المثال، بيّنت الدراسات والأبحاث العقلانية التي تناولت هزيمة حزيران/ يونيو 1967، مدى التأخر الموجود في مل جزء أو ركن من واقعنا العربي، ابتداءً بأصول التربية في العائلة، وانتهاءً بأصول الفكر السياسي الخاص بنا، الأمر الذي جعل من تلك الهزيمة نتيجة منطقية وطبيعية.

ساهم التشريح المقدّم من قبل مفكرين عديدين أمثال إلياس مرقص وياسين الحافظ وهشام شرابي وجورج طرابيشي وعلي زيعور ومحمد شحرور وغيرهم، في تشخيص واقعنا وتفنيد إشكالياته “الذاتية والموضوعية”، منذ نحو نصف قرن، واليوم، نصل إلى نتيجة مهمة، حين نطّلع على الأسباب التي وقفت وراء عجزنا عن إنجاز دولتنا خلال المرحلة الذهبية المواتية لذلك، والتي أعقبت مرحلة الاستعمار الغربي المباشر، في مطلع القرن العشرين المنصرم، هذه النتيجة مفادها: إن المعطيات أو المقدمات التي منعت إنجاز الكيان السياسي العربي ما بعد الاستقلال، هي ذاتها المقدمات التي أفضت إلى نكبة 1948 وهزيمة حزيران/ يونيو 1967، ولنصل باستنتاجاتنا إلى مرحلة الذهول واللامعقولية، حين ندرك أيضًا أن مقدمات العجز والهزائم ذاتها، كانت حاضرة في ثنايا الربيع العربي، وأنتجت الكوارث التي واكبته.

حين التحدث عن واقع عربي معاصر، يمتد من مطلع القرن العشرين المنصرم -إعلان استقلال سورية وتأسيس أول دولة سورية- وحتى زمن الربيع العربي، فإننا نتحدث عن قرن كامل من الزمن، قرن عنوانه الرئيس “التأخر والعجز عن تجاوزه”، وهذا ما اصطلح عليه تسمية “مأزق تاريخي” قائم على دائرة مغلقة ومتكررة، أركانها “تأخر، عجز، هزيمة”.

أعتقد أننا، وفي محاولة كسر هذه الدائرة في سبيل تجاوز مأزقنا التاريخي، لم نتناول الإشكاليات الرئيسة التي منعتنا وتمنعنا من كسرها حقًا. بل تناولنا آثارها الجانبية -الكارثية أيضًا- وهذا ما أدى إلى بقائنا أسيري تلك الدائرة، وبقينا نراوح في المكان تجاه مأزقنا التاريخي.

تحاول هذه الدراسة طرح وتناول تلك الإشكاليات، وأعتقد جازمًا، بأن أيّ محاولة نهضوية وطنية، لن يكتب لها النجاح ما لم تأخذ هذه الإشكاليات في الحسبان، وأيضًا أن تشكل مقدمات حلّها نهجًا نؤسسه ونؤصله ونرسّخه في واقعنا، فكرًا وممارسةً. وتأتي -باعتقادي- إشكالية “الهوية” على رأس جميع الإشكاليات المعنية، ومفرزة لها. هذه الإشكالية المرتبطة بوعي الذات ووعي الآخر “الوعي الموضوعي”. لذا ستحاول هذه الدراسة، رصد وتتبع مسألة الهوية الوطنية في سورية، كنموذج يعبر عن المسألة ذاتها في الواقع العربي ككل.

امتثالًا للموضوعية، وتقصيًا للحقيقة، ونزوعًا للنقد، علينا الإقرار بأننا وبحكم سيرورة واقعنا العربي التاريخية، ندفع اليوم أثمانًا باهظة، ضريبة تأخرنا، وصلت حدّ الدماء والدمار، حال فلسطين والعراق وسورية وليبيا واليمن وغيرها. ذاك التأخر الذي أُبعدنا عبره عن الوجود بالمعنى الحضاري والإنساني، فنحن خارج إطار العمل والإنتاج، والتفاعل والتأثر والتأثير، منذ قرون. فمنذ الانحطاط في أواخر العهد العباسي ومرورًا بالدويلات والملكيات المتشظية، والوجود العثماني، وما بعده من استعمار غربي مباشر، محمّل بحربين عالميتين، وسايكس بيكو، وإنشاء “إسرائيل”، ومن ثمّ حقبة الاستبداد في مرحلة ما بعد الاستقلال والتي امتدت إلى يومنا هذا.

ومن باب عزاء الذات وتفاديًا لجلدها، نقول: إن تلك هي المقدمات المساهمة في تشكيل مُخرج التأخر، الذي نترنح اليوم بين حبائله. فبينما توقفت عجلة التاريخ عن الدوران عندنا خلال الحقب المذكورة آنفًا، كانت عجلة العمل والإنتاج التاريخية في الغرب في أوج ديناميتها، فقد توّج عصر النهضة في أوروبا 1400-1600، بحراكه الثقافي والفكري والمعرفي، مرحلة انتقالية بين العصور الوسطى وعصر الحداثة، ومثّل ذاك الحراك، اللبنات الأولى لتجسيد الحداثة، والتي شكّلت وبلّورت بدورها دولًا حديثة قائمة على عقد اجتماعي ودستور ومجتمع مدني. وبالطبع، لا يلغي هذا “العزاء” مسؤوليتنا تجاه ديمومة التأخر واستمرارية العجز عن تداركه. والمسؤولية هذه، تعود بداية إلى الفرصة التي أُتيحت لنا في مطلع القرن العشرين للبدء بإنجاز دولتنا الحديثة، ولتمتد المسؤولية لتطاول محطات النكبات والهزائم التي تعرضنا لها، بوصفها فرصًا للتحول والتبدل نحو الأفضل، ودوافع للوعي والنهوض، لتصل المسؤولية ذاتها إلى واقعنا اليوم، واقع الربيع العربي، بنزعته النهضوية وبوصفه الفرصة الأكبر لاستدراك الوعي واستئناف تجارب الخلاص. فالربيع العربي كساحة فعل وإنتاج حقيقية، عليه كي يثمر، أن يؤصّل بين ثناياه ما يفتقر له واقعنا من مفاهيم تؤدي إلى وعي الذات، وإلى وعي الهوية الجامعة، كي لا يصل بنتائجه إلى النهاية ذاتها المتكررة، وأعني هنا، الهزيمة أو إعادة إنتاجها. إن خروجنا من دائرتنا المغلقة لن يتم بإشعال الشموع والتوسل إلى السماء، بل بتأصيل مفاهيم الوعي والحداثة نظريًا، وتجسيدها عيانيًا داخل ساحة عملنا وإنتاجنا، ولعلّ أوّل هذه المفاهيم: مفهوم الهوية.

فادي كحلوس​

مدير تنفيذي لمؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، مدير سابق لمكتب مركز حرمون للدراسات المعاصرة في تركيا، من مواليد 1979، خريج كلية الإعلام بجامعة دمشق، ناشط سياسي واعلامي، من مؤسسي (تجمع أحرار دمشق وريفها للتغيير السلمي – لجان التنسيق المحلية – تجمع أحرار ثورة الكرامة) 2011، له عديد من المقالات والقراءات النقدية منشورة في عدد من الصحف المطبوعة والإلكترونية.