العدد الأول؛ كانون الثاني/ يناير 2021​

حوار العدد

حوار مع المفكر سعيد ناشيد

أجرت هيئة تحرير (رواق ميسلون) حوارًا غنيًا مع المفكر المغربي سعيد ناشيد، وتناول الحوار ثلاثة محاور رئيسة؛ الأول، إصلاح الدين والثقافة والسياسة، فيما تناول المحور الثاني الفلسفة ومهماتها، وخُصِّص المحور الثالث للربيع العربي والديمقراطي.

أولًا: إصلاح الدين والثقافة والسياسة

السؤال الأول

يرى بعضنا أن مفهوم “الإنسان المتدين” يتجلى في الحياة اليومية بأشكال عديدة، لكنه يكاد يكون مرادفًا للإنسان الكاره للحياة، والعاشق للموت، خصوصًا مع تعلق إنساننا في المنطقة العربية بالآخرة بشدة على حساب الحياة الدنيا، والنظر إلى هذا التعلق بوصفه واحدًا من فضائلنا مقارنة بأوروبا والغرب عمومًا. كذلك، ترتبط بـ “الإنسان المتدين”، في الغالب الأعم، مجموعة أخرى من الصفات؛ الكآبة، الحزن، احتقار الجسد… إلخ. في حين يرى آخرون أن “الإنسان المتدين” مشبع بالطمأنينة، ومنزه عن المصالح الدنيوية، ولا يعمل إلا ابتغاء مرضاة الله. هل من الصعب تحقيق التصالح أو التوافق بين التديّن والحياة الطبيعية؟

 

أ. سعيد ناشيد:

يخبرنا نيتشه عن وجود علاقة تأثير متبادل بين القيم والغرائز، وبوسعنا توضيح الأمر على النحو الآتي: إن ما يسمى بالواجب الأخلاقي ليس سوى تعبير عن دوافع غريزية تعكس علاقات القوة والهيمنة. مثلا، تعود جذور العفة إلى دوافع الهيمنة الذكورية، وتعود جذور العصبية إلى غرائز القطيع، وتعود جذور الريع إلى غرائز الجشع، وتعود جذور العنف المقدس بمختلف تجلياته إلى عقدة الذنب، إلخ. كما أن القيم الأخلاقية من جهتها تساهم في تنمية الغرائز بمختلف أنواعها، فقيم الاستبداد السياسي تنمي غرائز الخوف، وقيم الريع الاقتصادي تنمي غرائز الجشع، وقيم العنف الديني تنمي غرائز الكراهية، كما أن تصور وجود إله ينتقم من شأنه أن ينمي غرائز الثأر والانتقام لدى الناس، وهكذا دواليك.

يمكننا إعادة صوغ رؤية نيتشه، باستعمال مفاهيمه نفسها، لكن بأسلوب مبسط، على النحو الآتي:

هناك نوعان من الأخلاق يقابلهما نوعان من الغرائز: أخلاق السادة من جهة أولى من قبيل الحرية، الجرأة، الوضوح، التحمل، النزاهة، الطموح، إلخ، وأخلاق العبيد من جهة ثانية من قبيل الطاعة، التبعية، التواكل، النفاق، الخنوع، إلخ؛ تقابلهما من جهة أولى غرائز الارتقاء التي تدفع الإنسان إلى النمو والتفوق من قبيل غرائز الحياة، الفرح، الحب، الإبداع، الاكتشاف، إلخ، ومن جهة ثانية غرائز الانحطاط التي تضعف قوة الحياة لدى الإنسان، من قبيل غرائز الخوف، الكراهية، الذنب، التأثيم، التذمر، السخط، إلخ.

يمتلك جدل الغرائز والقيم نتائج حاسمة على مصائر الحضارة، سواء في أبعادها المحلية أم في بعدها الكوني.

السؤال الآن، ما نوع القيم، ومن ثمّ، نوع الغرائز، التي ينميها الخطاب الديني السائد عندنا في المجتمعات المسلمة؟ قيم السادة أم قيم العبيد؟ ومن ثمّ، غرائز الارتقاء أم غرائز الانحطاط؟

إذا كانت مشاعر الخوف والكراهية تندرج ضمن غرائز الانحطاط، كونها تحرم الإنسان من إرادة النمو وقوة الفرح، مقابل مشاعر الحب التي تندرج ضمن غرائز السمو كونها تدفع الإنسان إلى النمو والفرح، فإن الخطاب الديني السائد عندنا يجعل علاقتنا بالله قائمة على أساس الخوف بدل الحب، وذلك على خلاف التصوف النظري الذي حاول بناء علاقة الإنسان مع الله على قاعدة الحب والعشق بدل الخوف، غير أن أثره على الموروث الديني كان محدودًا. لقد انتصرت المقاربة التخويفية على المقاربة التحبيبية، انتصرت “عبادة العبيد” على “عبادة الأحرار”، وأصبح المسلم محاصرًا بآليات الترهيب والوعيد في كل مناحي حياته، من المهد إلى ما بعد اللحد.

كما أن الخطاب الديني السائد عندنا يجعل علاقتنا بالمختلف دينيا قائمة على أساس الكراهية والنفور، وذلك من خلال مفاهيم البراء، والنجاسة، والمغضوب عليهم والضالين في بعض التفاسير، وما إلى ذلك.

باستعمال مفاهيم سبينوزا، يمكننا أن نستخلص بأن الخطاب الديني السائد عندنا اليوم في العالم الإسلامي ينمي انفعالات الحزن بدل انفعالات الفرح، وبلغة التحليل النفسي فإنه ينمي دوافع الموت (الثاناثوس) بدل دوافع الحياة (الإيروس)، وبلغة إريك فروم فإنه يؤسس للتدين التسلطي بدل التدين الإنساني، ولذلك كله طبيعي أن ينتهي بنا الأمر إلى ظهور انتحاريين بلا قضية، عدا موعد يضربونه في الجنة على أنقاض الأشلاء والأنقاض. شخصيًا سمعت هذا الكلام من شاب مغربي نجا مع أصحابه بعد ارتدائهم الحزام الناسف بفارق دقائق معدودة، فقد قال لي: “قلت لإخواني قبيل ساعة الصفر: موعدنا في الجنة على الساعة العاشرة ليلا”. أبهذه الدرجة من التحديد؟ سألته. أجاب: “نعم، وكان لدينا اليقين”. المهم أن هناك موعد في الجنة! أما باقي الأسئلة حول الهدف الإستراتيجي، والمخطط التكتيكي، والمكاسب القتالية؟ فذلك كله خارج التفكير ما دامت الحياة بلا قيمة.

صحيح أن الأصوليات كافة تنتقد الحضارة المعاصرة بوصفها أول حضارة تجيب عن السؤال ما معنى الحياة؟ بعبارة “لا أدري”، لكن الأصح أن الإجابة التي تقدمها الأصوليات عن السؤال نفسه تعني “لا شيء”، ما دامت الآخرة هي الحياة الحقيقية كما يزعمون! في النهاية لا تُعبر عبارة “لا أدري” عن العدمية بقدر ما تعبر عنها عبارة “لا شيء”.

العدمية عند نيتشه هي القيم التي تنتهي إلى تبخيس قيمة الحياة. معنى ذلك أن الثقافة السائدة عندنا تمثل نموذجا للعدمية في أوضح مظاهرها لأنها تنتهي إلى تبخيس الحياة وقيمة الحياة مقابل تعظيم ما وراء الحياة، وما بعد الموت.

لكي نكون واضحين:

لا يمكننا أن نساهم في بناء الحضارة والعلم والعمران والتقنية والإنسان إذا كنا سنواصل الاعتقاد بأن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة كما يتردد في بعض الأحاديث المنسوبة إلى رسول الإسلام. هنا بالذات يكمن مغزى الإصلاح الديني الذي نحتاج إليه.

 

السؤال الثاني

في منطقتنا يُطلق على رجال الدين اسم “العلماء”، ويكاد هذا الاسم لا يحضر إلا في سياق توصيف أولئك المهتمين أو العارفين بأمور الفقه والإفتاء والعقيدة والشريعة، خصوصًا في غيابنا عن ساحة الإبداع العلمي؛ الفيزياء والكيمياء والرياضيات… إلخ. والغريب أن هذا الاسم لا يُطلق على شخصيات مثل محمد أركون ومحمد عابد الجابري وغيرهم ممن كان مجال عملهم الرئيس هو الدين والتراث أيضًا، لكن بطرائق ومنهجيات ولأهداف مختلفة بالطبع. والأمر الأكثر غرابة أن علم أولئك “العلماء” الذين يسيطرون على المشهد والعقل، يقوم كله على الاجترار: (النقل) و(الإخبار) و(الرواية)، ولا توجد لديهم أي اكتشافات أو إبداعات أو تجديد في أي مستوى. في ذلك يقول إلياس مرقص: “مشكلتنا ليست في سيطرة الفكر الديني، بل في عدم وجود فكر ديني حقيقي”، ويرى أن التيارات الإسلامية في معظمها تتهرب من هذا المصطلح لأنها لا تريد فكرًا دينيًا، فهي “لا تؤمن كثيرًا بقضية الفكر”، لأن “الفكر الديني بوصفه فكرًا يؤدي إلى الفلسفة”. هل تمكن مواجهة التيارات التراثية السائدة و”العلماء” بالفكر والفلسفة؟ وهل لا يزال بناء فكر ديني أمرًا مشروعًا وضروريًا؟

 

أ. سعيد ناشيد:

“رواه فلان عن فلان”، “هذا ما أجمع عليه علماء الأمة”، “هذا ما اتفق عليه السلف الصالح”، “هذا هو رأي التابعين وتابعي التابعين”، “معلوم الدين بالضرورة”، تلك العبارات وغيرها هي التي أفرغت الدين من الفكر، بل لم يعد للتفكير من دور ما دام السلف قد قال كل شيء، ولم يبق للخلف سوى الترديد والاستظهار والتفسير. ثم أن منطلق التفكير الذي هو السؤال أصبح مجرد بدعة، والبدعة ضلالة، ومن تمنطق تزندق، ولا اجتهاد مع النص، بل لا اجتهاد في النص، وفي النهاية أصبح الدين مجرد مدونة سحرية يتم إتباعها طوال اليوم: الحرص على الدخول بالرجل اليمنى سواء تعلق الأمر بالدخول إلى خيمة صغيرة أم فندق ستة نجوم، الحرص على ترديد دعاء الركوب سواء تعلق الأمر بركوب عربة يجرها حمار أم طائرة من آخر طراز، ونحو ذلك، ثم أصبح الحرص على الأكل الحلال أهم من القيمة الغذائية، أو الصحية، أو البيئية، وأصبح غطاء رأس المرأة أهم مما يوجد داخل الرأس، إلخ. وبالجملة صارت المظاهر أهم من المشاعر، والأخبار أهم من الأفكار، والنقل أهم من العقل، وصورة الدين أهم من جوهر الدين.

هذا ما يجب أن نقوله: لقد تعرضت التجربة الدينية للفساد.

كيف؟

إذا كان روسو يعتبر أن كل ما خلقه الله حسن قبل أن تمسه يد البشر، فإن الدين بدوره خرج من يد الخالق بنحو حسن قبل أن تفسده أيادي البشر، من فقهاء وشيوخ ووعاظ، فضلا عن سائر الحركات الدينية المؤدلجة.

حين يخرج الإنسان المتعبد من المجلس الديني مشحونا بمشاعر الحقد والكراهية والغضب، وهي مشاعر باعثة على التوتر والشقاء، فمعنى ذلك أن الخطاب الديني الذي تلقاه قد فشل في أهم مهمة روحية: السكينة والطمأنينة. والطامة الكبرى أنه قد يعاود الكرة مرة بعد مرة على أمل أن يتحقق الهدف في إحدى المرات، فيظل يدور في حلقة مفرغة تأكل أيامه، وتشل نموه، فإن لم ينتفض قبل فوات الأوان فقد ينتهي به المطاف إلى الاكتئاب أو الإرهاب.

اليوم لا يحتاج الدين إلى التفكير وحسب، بل يحتاج إلى التفكير النقدي، وذلك من أجل إعادة بناء الخبرة الدينية من جديد، سواء من حيث العلاقة بالنصوص، العلاقة بالتاريخ، العلاقة بالحضارة المعاصرة، أم العلاقة بالذات الإلهية. نحتاج إلى فكر ديني جديد متصالح مع الإنسان، لأجل أن يساهم في بناء الإنسان. نحتاج إلى الانتقال من الإسلام السياسي المنتج للفتنة، ومن الإسلام الرسمي المنتج للتخلف، إلى الإسلام الإصلاحي المنتج للحضارة، أو هذا هو المأمول.

نحتاج عمليًا إلى ثلاثة مسارات إصلاحية متساوقة:

أولا، تحديث الخطاب الديني، ولا سيما بالنسبة إلى خطب الجمعة والخطب المنبرية، وتخليصه من غرائز الحقد والكراهية والخوف والانتقام والتعصب والجشع، وذلك عبر ضمان تكوين جديد للأئمة وخطباء الجمعة، واستفادتهم من دورات تكوينية في قيم المساواة وحقوق الإنسان والمحافظة على البيئة واحترام الاختلاف والتنوع ومقاربة النوع، فضلا عن تنمية الذائقة الأدبية والموسيقية لديهم.

ثانيا، تحديث مناهج التعليم، ولا سيما بالنظر إلى المواد الدينية، وتخليصها من أشكال التمييز كافة، القائمة على أساس الدين أو الجنس أو العرق أو نحو ذلك، مع التركيز على استنباط القيم الوجدانية من الخطاب القرآني لأجل ترسيخها في الناشئة، من قبيل المحبة، الرحمة، الحكمة، العفو، الصفح، إلخ. وهي القيم التي عادة ما يتم إغفالها مقابل التركيز على الأحكام.

ثالثًا، ترسيخ ثقافة احترام القانون، وإخضاع الفتوى والرأي الديني والاجتهاد الديني لسلطة القانون، وعدّ القانون تعاقدًا اجتماعيًا يضمن العيش المشترك بين مواطنين محكوم عليهم بالاختلاف في الآراء والأذواق والميول والرغبات، وأيضًا عدّ الاجتهادات الدينية محكومة من جهتها بمبدأ النسبية، ما دامت الأحكام ترجيحية، والمعاني حمالة أوجه، والاختلاف في ذلك رحمة للعلماء وللعالمين.

3 السؤال الثالث

ألا تستغرب معنا استمرار هذا الحضور الكثيف للأيديولوجيات والمعتقدات الخلاصية في عالم اليوم، بعد أن ساد اعتقاد موقّت بخفوت دورها وتأثيرها مع بدء ظاهرة العولمة، وأيضًا مرة أخرى، بعد فشلها في بناء دول ومجتمعات حديثة إبان الربيع العربي؟ أليس غريبًا أن كثيرًا من البشر، في المنطقة العربية بصورة خاصة، لا يزالون ينتظرون عودة “العصر الذهبي” للإسلام؛ وبعضهم ينتظر عودة المهدي، وآخرون عودة المسيح، وغيرهم عودة “جنة” الاتحاد السوفياتي والستالينية “المظفرة”، وبعضهم لا يزال يعمل ويقاتل بوحي من رؤيته الكلاسيكية إلى “الخلاص الثوري”؟

 

أ. سعيد ناشيد:

عقيدة الخلاص سواء في أشكالها الدينية أم الوضعانية هي مظهر من مظاهر الرؤية السحرية إلى العالم، حيث يجري الاعتقاد بأن هناك عصر ذهبي للإنسان مضى في غابر الأزمان، أو سيتحقق في المستقبل القريب أو البعيد، أو أنه كان قديمًا وسيعود قريبًا. وهي فكرة تغري الأنفس المعذبة وتواسيها، وقد ساهمت من ثمّ، في انتشار الفكر الماركسي الثوري خلال أواسط القرن العشرين، إلا أنها تسببت بالموازاة في مآس كارثية، من قبيل معتقلات ستالين الرهيبة، ومجازر الخمير الحمر في كامبوديا، والحملات التطهيرية باسم الثورة الثقافية في الصين. لكن هناك ملاحظة لم تُؤخذ في الحسبان كما ينبغي، وإن كان قد أشار إليها جورج طرابيشي في بعض كتاباته: لقد انتصرت الثورات الماركسية خارج المجتمعات الغربية أكثر مما انتصرت داخلها، انتصرت في روسيا، والصين، وفيتنام، وحتى في اليمن الجنوبي. لماذا؟ يصعب علينا أن نفترض بأن العقل غير الغربي أكثر قدرة على استيعاب أطروحة عقلانية من حجم الماركسية، فلا شك في أن هناك أبعاد سحرية كامنة “في جدل الطبيعة” جعلت الأطروحة الثورية للماركسية الكلاسيكية تتمتع برواج أكبر خارج العقل الغربي.

على أن الرؤى الخلاصية باسم الدين لم تكن أقل عنفًا من الخلاص الثوري، علما بأن الثورة الإيرانية ستمثل لحظة امتزاج الخلاص الديني بالخلاص الثوري، وأما المآسي الناجمة عن ذلك الامتزاج فلا تخفى.

إن الخلاص المطلوب اليوم لهو الخلاص من الأيديولوجيات الخلاصية نفسها، سواء في أشكالها الدينية أم الوضعانية، غير أن التخلص منها لن يكون سريعًا ونهائيًا، لن يتحقق بين ليلة وضحاها، وبالجملة لن يتخذ من جانبه طابعًا خلاصيًا. هذا يعني أن أمامنا كثيرًا من الوقت والجهد بقصد التمرن على النفس الطويل، وهو أعز ما يطلب في الأوقات العصيبة، وضمنها أوقاتنا الحالية.

 

4 السؤال الرابع

في الحقيقة، كان أمرًا مدهشًا أن يعترض بعض رجال الدين على الحجر الصحي استجابة لجائحة كورونا، والأكثر إدهاشًا أن يتبعهم قسم غير قليل من البشر، ويصرّ على الذهاب إلى أماكن العبادة على الرغم من الأخطار المترتبة على ذلك. كذلك، كانت ردّات فعل كثير من البشر في المنطقة العربية ضد كلام الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون في ما يتعلق بالإسلام، مثيرة للدهشة والاستغراب؛ تحشيد كبير في مواجهة كلمات أو رسوم، وإدارة الظهر للظلم والاستغلال وانتهاكات أبسط حقوق الإنسان في داخل بلداننا. أُضيف إلى ذلك أن ظاهرة التشدّد الديني، الأصولي والسلفي والجهادي، تتخطى اليوم التصورات التقليدية التي كانت تفسر الظاهرة بوصفها ردة فعل على الفقر والتهميش والإذلال في بلداننا. هل ينفع التنوير في مثل هذه الحالات؟ كيف يمكن دفع البشر إلى التفكير بمصلحتهم وفائدتهم؟ كيف يمكن لهم أن يتجنبوا الحماقات التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر، ليهتموا بما يمكن أن ينفعهم في حياتهم، بل في آخرتهم أيضًا؟

 

أ. سعيد ناشيد:

إحدى معضلات التدين عندنا أنه يوشك أن يرتبط بغرائز القطيع (التزاحم، التجمهر، التجمع، إلخ)، لذلك لم يكن سهلا إقناع الناس بالتعبد في إطار التباعد على الرغم من ظروف جائحة كورونا، وإنه لمن الصعوبة بمكان أن نطالب التجربة الدينية باستعادة طابعها الفرداني والروحاني الذي جسدته تجربة غار حيراء، والتي هي الأصل والمنبع.

والحال كذلك فإن التوظيف الإيديولوجي للدين قد حوله من رحمة للعالمين إلى أداة لاستلاب وعي الناس، وتعطيل ذكائهم. مثلا، أن يتغاضى الوعي الإسلامي اليوم عن فساد التهرب الضريبي، وفساد تهريب الأموال، وفساد الرشوة، وفساد التلوث البيئي، ثم يرى الفساد، كل الفساد، في التنورة والكعب العالي فهنا تكمن معضلة انحطاط العقل والغرائز والإنسان.

تتجلى الوظيفة الأساسية للعقل في القدرة على إدراك المصلحة، وتمييز المنفعة، سواء في بعدهما الفردي أم الجماعي، على أن تعطيل العقل ينتهي بالناس إلى تضييع مصالحهم مقابل التمسك ببعض المظاهر التي قد تكون فارغة أو مجرد أوهام. حين تصبح الأولوية للحجاب على حساب الشغل، الأولوية لتجريم إفطار رمضان على حساب تجريم الفقر، الأولوية للبسملة في أثناء ذبح الأكباش على حساب الظروف الصحية للإنتاج اللحوم، فمعناه ضياع المصالح الفعلية للناس.

إذا كان بعض الفقهاء يقول، “أينما توجد المصلحة فثمة شرع الله”، فمعنى ذلك أن ضياع مصالح الناس هو في منزلة ضياع لشرع الله. والحال أنه، كثيرا ما يضيع شرع الله باسم شرع الله! هنا الطامة الكبرى.

 

5 السؤال الخامس

هناك قول للإمام علي بن أبي طالب: “القرآن لا ينطق، وإنما ينطق عنه الرجال”. يعطينا هذا القول قاعدة ثمينة في التعامل مع النص القرآني؛ لكل زمان دولة ورجال، أي ينبغي لنا أن نبني تفاسيرنا الخاصة بعصرنا وواقعنا، وألّا نتعامل مع التفاسير القرآنية عبر الزمن بوصفها نصوصًا مقدسة. لكن، من جانب آخر، لهذه القراءة المعاصرة محذور أيضًا، يتجلى في سعي بعض رجال الدين والفقهاء لإثبات أن منجزات العصر كلها قد ورد ذكرها في النصوص القرآنية، فالذرة وعلوم الفضاء وغيرها، كلها جاء القرآن على ذكرها قبل أن يكتشفها الغرب، و”نحن” سبقنا الغرب كله!، ومن ثمّ علينا الاقتناع بأن “الإسلام هو الحل” وأن “القرآن دستورنا”. كيف يمكن لنا حقًا التعامل مع النص القرآني؟

 

أ. سعيد ناشيد:

ضمن هذا السؤال المركب هناك مسألتان، تتعلق المسألة الأولى بما يسمى بالإعجاز العلمي في القرآن، والذي يندرج ضمن نوع من الاستعمال السحري للدين، في سياق التغطية على العجز العلمي والفشل الحضاري؛ وتتعلق المسألة الثانية بكيفية التعاطي مع النص القرآني؟ ورأيي على النحو الآتي:

القرآن الكريم خطاب تعبدي بالأساس، نصلي به، نقرؤه قراءة تعبدية، لكنه ليس مرجعا في العلم أو السياسة أو القانون أو الأحكام. “القرآن دستورنا” مجرد حيلة أيديولوجية انطلت على الملايين، لأن الخطاب القرآني الذي وصف نفسه بعديد من الأوصاف لم يصف نفسه بأنه دستور، ولأن الدستور ليس من طبيعته أن يكون حمال أوجه، أو ينزل على عدة أحرف، أو يتضمن المتشابهات، أو الناسخ والمنسوخ، أو ما إلى ذلك.

أما بالنسبة إلى أفعال الأمر الواردة في الخطاب القرآني فلسنا نحن المأمورين فيها بأي حال من الأحوال، بل إن لها مأمورين محددين في الزمان والمكان وسياق التنزيل، وهي أحكام تنتهي بزوال السياق أو فناء المأمورين. مثلًا، نعلم أن الآيات التي تأمر بالقتل وضرب الأعناق والرؤوس على نحو معين موجهة إلى مأمورين معينين في سياق معارك محددة ومحدودة، وقد انتهى حكمها بنهاية تلك المعارك، كما أن الآيات التي تأمر بالهجرة انتهى حكمها مباشرة بعد فتح مكة، على الرغم من أنها لا تزال مبثوثة في النص القرآني، ذلك أن الوظيفة الأساسية للخطاب القرآني هي القراءة التعبدية. وهذا ما يفسر كيف أن الأغلبية العظمى من مسلمي العالم ليسوا عربا، ولا يفقهون العربية، وعلى الرغم من ذلك فإن قراءتهم للقرآن تحتسب دينيًا، ما دامت الغاية هي التعبد. بعد هذا يمكننا أن نستنبط من الخطاب القرآني ليس الأحكام، بل القيم الوجدانية، من قبيل المحبة والرحمة والحكمة والصفح وغيرها.

من حسن حظنا أننا نحفظ عن ظهر قلب كثيرًا من آيات التسامح والعفو والرحمة والمحبة، غير أن العقل المهووس بالذبح يجعلها ضمن الآيات المكية التي-في حال تضاربها مع آيات القتال- تغدو منسوخة من طرف القرآن المدني. والنتيجة أن عددا كبيرا من الآيات، من قبيل (لا إكراه في الدين)، (لكم دينكم ولي دين)، (لست عليهم بمسيطر)، (ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، يُعتبر منسوخًا!

هنا يمكننا مواجهة هذا الرأي بمنطقه فنقول:

هب أنّ بعض أو معظم أحكام القرآن المدني ناسخة لبعض أو معظم أحكام القرآن المكي، وذلك بحكم أن المرحلة المدنية لاحقة عن المرحلة المكية، أليست هناك مرحلة مكية ثانية أعقبت المرحلة المدنية نفسها، بعد فتح مكة!؟ أليست المرحلة المدنية التي يستند إليها المتطرفون مجرد مرحلة انتقالية بين مرحلة ما قبل الهجرة، ومرحلة العودة، أي الفتح؟

بعد فتح مكة لم تنزل على رسول الإسلام أي أي تحفز على القتال أو تعلي من شأنه. وذلك انسجاما مع تحقّق غاية الرسالة المحمدية، (لتنذر أم القرى وما حولها). وحتى على افتراض أن الحاجة إلى القتال استمرت فقد صار القتال هذه المرة بلا حوافز، أو أقل تحفيزا، من قبيل الآية التي تلفت الانتباه إلى أن الجهاد قبل الفتح أعظم أجرًا مما بعده، (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكُلًا وعد الله الحسنى) الحديد، 10. والسؤال هنا، بعد أن يعلم المقاتل بأنه سيحصل على أجر أدنى ممن سبقوه فهل سيكون أكثر تحفيزًا؟ الإجابة، لا.

باستحضار الآيات التي تندرج على الأرجح ضمن الآيات الأخيرة في تسلسل النزول (سورة النصر، تكملة سورة المائدة، وغيرها)، لم يعد القتال مفهوما مركزيا منذ فتح مكة، ذلك الفتح الذي ليس اعتباطًا أن يسمى بـ”الفتح” بألف ولام التعريف. هنا تكمن بعض تفاصيل الإصلاح الديني المنشود.

 

السؤال السادس

هل تعتمد عملية الإصلاح الديني على الفكر والفلسفة فحسب أم أن العملية أعقد من ذلك كثيرًا، وتحتاج إلى تغيير سياسي اقتصادي يتزامن معها أو يسبقها بما يؤدي إلى ولادة شرائح اجتماعية جديدة لها مصلحة حقيقية في الإصلاح الديني؟ في كتابه (العرب والفكر التاريخي)، كان السؤال الذي يؤرق عبد الله العروي هو: كيف يمكن نحظى بمكتسبات الليبرالية من دون أن نمر بمرحلة ليبرالية. هل هذا ممكن حقًا؟ هل من الممكن إنجاز الإصلاح الديني من دون السياسة والاقتصاد؟

 

أ. سعيد ناشيد:

الخطاب الديني مؤثر وحاسم في مجتمعاتنا الإسلامية كافة، ولذلك لا يمكن القفز على مرحلة الإصلاح الديني بأي حال من الأحوال، فإذا كان الخطاب الديني الشائع عندنا كما سبق القول، ينمي المشاعر والقيم السلبية من قبيل الخوف والغيرة والكراهية والتواكل وغيرها، وهي أساسيات الاستبداد السياسي، واقتصاد الريع، والعنف الاجتماعي، فمعنى ذلك كله أن إصلاح الغرائز هو المدخل الأساسي للإصلاح السياسي والاقتصادي، ومن ثمّ، فهو مدخل بناء الحضارة، وهو ما ينطبق على مضمون الآية (حتى يغيروا ما بأنفسهم).

غير أني على قناعة تامة بأن الإصلاح الديني وظيفة الفلسفة بالأساس، ما دام الأمر يتعلق بإصلاح الفكر، والعقل، والمفاهيم، والقيم، والغرائز، والوجدان. وشخصيًا لستُ أهتم بالإصلاح الديني إلا لأنه في مجتمعاتنا يمثل المدخل الأساسي لإصلاح الكينونة، بحكم أن الخطاب الديني يبقى هو المتحكم الأساسي في مشاعر الناس وانفعالاتهم، وسيظل الأمر كذلك حتى إشعار آخر.

 

السؤال السابع

لا شك في أن عوائق تحوّل “دولنا” إلى دول وطنية ديمقراطية حديثة عديدة، وفي المركز منها النظم الاستبدادية، لكن ألا ترى معي أن هناك عوائق ثقافية أشد ضراوة؟ فالملاحظ أنّ المفاهيم الأساسية التي تنتظم فكر ورؤى التيارات والقوى السياسية السائدة، الإسلامية والقومية واليسارية، هي مفاهيم قبلية احترابية الطابع؛ الغزو، الجهاد، الحرب، القتال، الفتنة، الخيانة، العمالة، التصنيف… إلخ، وهذه المفاهيم تساهم بقوة في صناعة التفكير وتوجيه السلوك. هنا يأتي السؤال الذي يشبه حديث “أيهما أولًا البيضة أم الدجاجة؟”؛ هل الأولوية للسياسة وإنهاء النظم الاستبدادية الحاكمة أم للثقافة والتنوير؟ هل هناك ضمانة لعدم وصول تيارات مضادة للديمقراطية والحداثة بعد إنهاء نظم الاستبداد؟ هل تكمن الجدوى في الذهاب في طريق التنوير والتثقيف أولًا؟ هل من الممكن أصلًا أن تتوافر مساحة للفعل التنويري في ظل نظم استبدادية؟ إنه سؤال الأولويات والجدوى، ما رأيك؟

 

أ. سعيد ناشيد:

كنت، ولا أزال، ممن يعتقدون بأن العوائق الثقافية أشد ضراوة. وإن كنت قد تحمست لما كان يسمى بالربيع العربي إبان عامه الأول، في أثناء ثورة الياسمين، وميدان التحرير، وحنجرة إبراهيم القاشوش، وما إلى ذلك، قبل أن ينقلب الربيع إلى زلزال من الفتن التي لا تبقي حجرا على حجر، إلا أني أدركتُ مبكرا مخاطر غرائز الانحطاط عندما تتغول بفعل المفاهيم الرائجة، والقيم الشائعة، فتنفجر براكين الحقد الأصولي والطائفي والقبلي والعشائري، والتي تجهض الثورات مهما بلغت قوتها، وتحولها إلى جحيم من الفتن التي تحرق اليابس والأخضر.

في زمن السيوف كانت تكلفة الفتن أخف ضررًا من اليوم، فبعد كل ساعتين أو ثلاثة من الاشتباك كان المتقاتلون يضطرون إلى فك الاشتباك والتوقف بسبب العياء والإرهاق، كان الإيقاع البيولوجي للأجساد يفرض فترات طويلة من الهدنة، الآن في عصر القنابل والمدافع والمتفجرات والدبابات والقاذفات من بعيد، والتي سمحت للجبناء بالانخراط في الحروب، أصبحت الفتنة تعني الاشتباك 24/ 24 ساعة، 7/ 7 أيام، 12/ 12 شهر، إلى أن يهلك الحرث والنسل والأوطان والعمران. في زمن السيوف كانت تكلفة تعطيل العقل أقل ضررًا مما هي عليه اليوم.

لذلك كله أمامنا خياران: إما أن نستعيد الثقة في نعمة العقل أو سنفنى بغباء.

على أن الاستبداد ليس مؤامرة تحبكها السلطة من الفوق وفق تصور الحس العام، بل هو ثمرة منظومة ثقافية تسري في كل التفاصيل اليومية بدءا من الوجدان وانتهاء إلى العمران. هنا وجب الاشتغال بجهد جهيد ونفس طويل. لا يجب أن نيأس، لكن لا يجب أن نتحمس أكثر من اللزوم.

 

السؤال الثامن

نحن إلى الآن لم نصل إلى طريقة واضحة في التعامل مع ظاهرة الإسلام السياسي؛ فمن جهة أولى، ننظر إلى الأيديولوجيات الأخرى في منطقتنا، فنكتشف أنها كانت أديانًا مقدسة هي الأخرى، وننظر إلى الغرب فنجد أن هناك أحزابًا عديدة تستند إلى المسيحية أو تجمع بين المسيحية والديمقراطية في أسمائها، وأحيانًا في أهدافها. ومن ثانية، ننظر إلى منطقتنا فنكتشف أنها ممزقة نتيجة الصراع المستمر بين العسكر والإسلام السياسي، ونجد أيضًا أن التيارات العنفية في معظمها قد نمت وترعرعت في أحضان الإسلام السياسي، مثلما نكتشف ببساطة وجود محاولات حثيثة للإسلام السياسي لأسلمة الحداثة تارة وإبعاد مجتمعاتنا عن العصر تارة أخرى. هل يمكن بناء رؤية خاصة بمنطقتنا حول دور ووظيفة الدين في المجتمع أو الدولة؟

 

أ. سعيد ناشيد:

خلال السنوات الماضية تبلور نوع من الرهان على أن تفضي الممارسة السياسية (البراكسيس) بالإسلام السياسي إلى نوع من العقلنة، أو على أقل تقدير يمكن أن يؤدي التورط في السلطة إلى مثل ذلك المآل. ذلك الرهان بدا بادئ الأمر كأنه معقول. لكن الذي حدث هو العكس، إذ أن سنوات طويلة من الممارسة السياسية لم يزدد فيها السقف الاجتهادي للإسلام السياسي إلا انحدارًا، وخلال أشهر حكم الإخوان في مصر كادت الدولة تنهار من جرّاء قرارات ارتجالية تستجيب لغرائز الانحطاط، من قبيل الحقد والثأر والانتقام والخوف، وكانت الغاية السياسية في الأخير هي تحقيق نبوءة خيرت الشاطر حين قال “جئنا لنحكم مصر 500 عام”.

الإسلام السياسي في مجتمعاتنا عموما مر بكل التجارب السياسية الممكنة وغير الممكنة: السلطة، الثورة، المعارضة، السرية، العلنية، السجون، البلاط، الإرهاب، إلخ، غير أن السقف المرجعي الفقهي ظل هو هو من دون أدنى تطور، بل ازداد انحدارًا، وبحيث نلاحظ اليوم بأن الجدع المشترك لتيارات الإسلام السياسية كافة هو السيد قطب، وابن تيمية. هل يمكننا بناء فقه جديد، ورؤية دينية حداثية، انطلاقا من تينك المرجعيتين؟ هل يمكن أن يتطور الإسلام السياسي بعد أن أدار ظهره للتراث الكلامي كله، والفلسفي، والصوفي، والفني، واقتصر على فتاوى فقهاء التكفير، وأحيانًا على الكتب الصفراء؟!

تقوم الأيديولوجيات الشمولية في مجملها على أساس أن الحق بيِّن والباطل بيِّن، وأن صراع الحق والباطل قائم في كل المجالات إلى يوم الدين، وعلى أساسه يجب أن يصطف الناس، وأن التضحية من أجل الحق واجب أخلاقي على الجميع، وأن الحل لكل مشكلات الناس يمكن اختزاله في كلمة واحدة، أو عبارة واحدة، تكون في منزلة مفتاح سحري لتوجيه الجموع. قد تستند الأيديولوجيا الشمولية إلى فكرة الوطن، مثل شمولية فرانكو، قد تستند إلى مبدأ التقدم التاريخي، مثل شمولية ستالين، قد تستند إلى مبدأ التفوق العرقي، مثل شمولية هتلر، قد تستند إلى فكرة استعادة مجد الماضي، مثل شمولية موسولوني.

يمثل الإسلام السياسي بكل أطيافه (من الإخوان إلى داعش) نمطا من الشمولية القائمة على فكرة الدين: الدين هو الحل، الدين في خطر، الدين هو الحق، الدين هو الوطن والعرق والتاريخ والأمة والعصر الذهبي والخلاص.

المشكلة –عطفا على سؤالك- أنه لم يثبت في تجارب التاريخ أن كانت هناك أيديولوجيا شمولية أمكن إصلاحها من الداخل بأي حال من الأحوال.

كل الأيديولوجيات الشمولية تنتهي إلى الانهيار: الستالينية، النازية، الفاشية. الشيء نفسه سيحدث لليمين المتطرف في حال مواصلة صعوده.

انخفاض السقف الاجتهادي داخل الإسلام السياسي يجعلنا نفترض أن الحل الباقي أمامه هو الانهيار، وعندما ينهار يمكن أن يُبنى شيء قد يكون أصلح للأنفس وأنفع للناس.

 

ثانيًا: الفلسفة ومهماتها

السؤال التاسع

هل الصراع بين الفلسفة واللاهوت طريق طبيعية وبديهية؟ ظهر في الغرب، بحسب إلياس مرقص، أن الفلسفة المعادية للاهوت والميتافيزيقا ليست فلسفة بل هي إلغاء للفلسفة. والعرب ضائعون بين الموقفين: فلسفة دينية تلجم الفكر، ووضعانية علماوية تلجم بدورها الفكر وتلغي الفلسفة باسم الفلسفة”. ما رأيك؟

 

أ. سعيد ناشيد:

إجمالًا، ظهرت التجربة الدينية في القدس/أورشلم، وظهرت التجربة الفلسفية في أثينا. والصورة على النحو الآتي:

انطلاقًا من مدينة القدس/أورشلم نبعت التجربة الدينية متمثلة في الديانات الإبراهيمية الثلاث، أو الأربع باحتساب الصابئة، ومن خلال ذلك ظهرت المفاهيم الأساسية للروحانيات (الصلاة، الغيب، الخشوع، العناية الإلهية، العدالة الأخروية، إلخ)؛ في المقابل، انطلاقا من مدينة أثينا نبعت الفلسفة والمنطق والهندسة والرياضيات والمفاهيم الأساسية للتفكير الإنساني (العقل، الوجود، الطبيعة، العالم، الحركة، المادة، الفراغ، الذرة، الزمان، المكان، الدولة، إلخ). بلغة الفيلسوف الأميركي ليو شتراوس فقد شكلت المدينتان خطان متوازيان في تاريخ البشرية، خط الروح، وخط العقل.

كيف تعاملت الفلسفة مع خط الروح؟

ثمة ثلاثة استنتاجات:

الاستنتاج الأول أن الفلسفة تعاملت مع التجربة الدينية للشعوب بكثير من التواضع الذي يتلخص في الاحترام من دون التنازل عن مهمة تنوير العقول، هذا النموذج كرسه سقراط بوصفه أب الفلسفة، مثلا منذ السطرين الأولين من كتاب الجمهورية لأفلاطون، نجد سقراط رفقة صاحبه غلوكون في أثناء زيارة أحد المواسم الدينية يقوم بواجب العبادة قبل أن يذهب إلى الفرجة الاحتفالية التي يحبها كثيرا، ثم ينتهي إلى جلسات التنوير الشعبي التي سينجزها على هامش النشاط العام للاحتفالات الشعبية.

الاستنتاج الثاني أن الفلسفة ساعدت الفكر الديني على تطوير مفاهيمه الأساسية بنحو لا يبتعد بها عن المجال العقلاني. مثلًا، لدى فلاسفة مثل سينيكا، ولايبنتز، وروسو، وسيمون فايل، نجد التأسيس الفعلي لمفهوم العناية الإلهية أكثر مما نجده في كتب اللاهوتيين كافة. مثال آخر، في حضارتنا لم يجد الفقهاء كلهم للاستدلال على وجود الله أفضل من استدلال ابن رشد، في ما يسمى بدليل الصنعة.

الاستنتاج الثالث أن الفلسفة لعبت دورًا أساسيًا في الإصلاح الديني، والغاية أن تتحول التجربة الدينية من عائق أمام العلم والمعرفة والحرية والإنسان إلى عامل من عوامل النمو والبناء والتنمية. هنا يكمن فحوى الجهد الأساسي لسبينوزا في محاولة نقل ميزان ثقل اللاهوت من دعم الانفعالات الحزينة إلى دعم الانفعالات المبهجة. أعتقد أن جذور ذلك التوجه توجد في التجربة السقراطية نفسها، فلا ننس أن سقراط كان يوصي باستبعاد القصص الأخروية التي تنمي مشاعر الخوف والفزع لدى الناشئين، ما دامت تجعلهم عديمي المروءة في النهاية. والمروءة هي الأخلاق عندما تستند إلى الشجاعة، وهو ما يذكرنا مرة أخرى بأخلاق السادة لدى نيتشه، أخلاق من هم سادة أنفسهم أوّلًا.

اليوم يتحدث كثير من الفلاسفة عن مفهوم “الروحانيات العلمانية”، على رأسهم لوك فيري، أندريه كومت سبونفيل، ومشيل لونوار، وهو ما يؤكد الخصائص الأساسية للتعامل الفلسفي مع التجربة الدينية: التواضع أمام الخبرة الدينية للشعوب، عقلنة مفاهيمها الأساسية بقدر الإمكان، إعادة الصوغ وإعادة التأويل بما يخدم نمو الإنسان أو يخفف من عوائق نموه في مختلف أبعاده.

 

السؤال العاشر

تحاول في كتبك وأحاديثك أن تضع الفلسفة في سياق الحياة أو جعلها أسلوبًا في الحياة، أي أن يكون للفلسفة دور في تزويد البشر بالقدرة على عيش الحياة، حتى أنك استخدمت مرة تعبير “فلاسفة العيش”، لتدلِّل على هذا الدور للفيلسوف، بعيدًا عن الشعارات وأوهام العقائد والأيديولوجيات الخلاصية. هل يمكن أن تنجح الفلسفة في ذلك، خصوصًا أن أكثرية الناس تنظر إليها بوصفها كلامًا فحسب أو سفسطة لا تفيد في شيء أو أنها رؤى وتصورات متعالية على الهموم الحقيقية أو الواقعية للبشر؟ وأنت تدعو أيضًا إلى مواجهة المشكلات والعقبات بالفلسفة، هل ما تزال الفلسفة “أم العلوم”، وهل يمكن أن تكون أزمات ومشكلات العالم، مثل جائحة كورونا مؤخرًا، دافعًا لعودة الاهتمام بالفلسفة؟

 

أ. سعيد ناشيد:

أعتقد أن للفلسفة دورًا كبيرًا اليوم في عالم ما بعد الأيديولوجيات الخلاصية في شقها الديني والوضعاني. كيف؟

يشبه وضعنا الحالي حال العالم القديم في الحقبة الهلنستية، حين انهار المشروع السياسي الكبير للإسكندر الأكبر، وانهارت كذلك معظم الديانات المحلية، أو على الأقل فقدت جاذبيتها، فما الذي حدث؟ اتخذت الفلسفات طابعًا شعبيًا ولا سيما مع مدارس الأبيقورية والرواقية والكلبية في العصر الروماني. يكفي التذكير بأن من أبرز فلاسفة الرواقية كان هناك عبد فقير اسمه إبيكتيتوس، وكان هناك أيضًا إمبراطور عظيم اسمه ماركوس أوريلوس. مثل هذا الاستقطاب الذي يخترق مختلف الطبقات والثقافات لا تقدر عليه في العادة إلا الديانات، لكن الفلسفات كانت بدورها قادرة عليه بعد أن اتخذت طابعًا عمليًا تطبيقيًا، وهذا هو الطابع الذي أحاول المساهمة في الكفاح من أجل استعادته اليوم.

لا شك في وجود نوع من الأزمة الروحية داخل الحضارة المعاصرة. إن الأزمة التي تحدث عنها الرئيس الفرنسي ماكرون لا تخص الإسلام حصرًا، بل تشمل الديانات كافة ولو بدرجات متفاوتة في الحدة والخطورة، ولا سيما منها الديانات التي تتخذ طابعًا تسلطيًا إذا استوحينا مفاهيم إريك فروم. تكمن الأزمة بالضبط في أن الديمقراطية من حيث هي مشاركة الناس كافة في تدبير العيش المشترك والمصير المشترك تحتاج إلى مواطنين يتحكمون في انفعالاتهم ورغباتهم، بمعنى يكونون على درجة من الحكمة والتعقل والتعفف. غير أن الطابع التسلطي الذي اتخذته كثير من الأديان (الله يغضب وينتقم…) قد ساهم في تأجيج انفعالات الخوف والحزن والأسى والندم والتذمر، وأنتج مواطنين عاجزين عن أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، فضلًا عن وجود نصوص كثيرة تنمي غرائز النهم والجشع. وإذا كانت فلسفات الأنوار مع روسو وفولتير وكانط قد ساهمت إلى حد بعيد في تقليص الطابع التسلطي للتجربة المسيحية، فإن التجربة الإسلامية لم تمر بعصر تنوير يخصها أو يشملها.

 

السؤال الحادي عشر

في غمرة صراع الأيديولوجيات والعقائد وسطوة الأوهام، تسعى أكثرية البشر للظفر بحياة بسيطة، ومع ذلك، لا يتحصلون عليها، على الرغم من الاعتقاد السائد بسهولة عيشها. يذكرنا هذا بقول نيتشه “إن نمط الحياة البسيطة هدف بعيد جدًا بالنسبة إليَّ، وسأنتظر حتى يأتي أناس أكثر حكمة مني ليعثروا لنا عليه”. فما الحياة البسيطة؟ وهل هي بعيدة إلى هذه الدرجة؟ وهل من دور للفلسفة في تقريبنا منها؟

 

أ. سعيد ناشيد:

الحياة البسيطة هي أسلوب في الحياة يدركه الفرد حين ينجح بدرجات معقولة في التحكم في انفعالاته ورغباته، وذلك عبر تمارين روحية يومية تهدف إلى تنمية القدرة على التفكير في كل مناحي الحياة التي يعيشها، وإخضاع كل الأفكار والأخبار اليومية للحس النقدي؛ ذلك أن معظم الانفعالات الهائجة والرغبات المكلفة هي مجرد أوهام يتوهم العقل أنها حقائق لا بد منها.

معظم الأفكار التي تعذب قلب المرء لزمن طويل لا يمكنها أن تكون حقيقية، فإما أن محتواها مضلل، أم أن صوغها خاطئ، ذلك أن الأفكار الحقيقية والمصاغة بنحو جيد، مهما بلغت حدتها، فإنها سرعان ما تريح القلب بدل أن تواصل إيلامه.

ليس هنالك ما هو أبسط من الحقيقة، وليس هناك ما هو أصدق من البساطة. تصدق هذه القاعدة على مناحي الحياة كلها.

مثال آخر، يعرف العارفون أن التغذية الصحية أقل تكلفة من الأطعمة غير الصحية، وأن المنتوجات المحافظة على البيئة غالبا ما تكون أقل تكلفة. لذلك فإن ما نسميه بثقافة الاستهلاك لا يعدو أن يكون فخًا تسويقيًا يضاعف من حجم الشقاء حين يتوهم العقل أن الكماليات ضروريات، وأن المؤذيات نافعات، وأن الأوهام حاجيات أساسية للإنسان. هنا لدي فرضية إضافية أبسطها على النحو الآتي: يكمن المعنى الحقيقي لمقاومة الرأسمالية الاستهلاكية في تحرير العقل من الأوهام الاستهلاكية، وذلك عبر تنمية القدرة على التفكير النقدي، والذي بوسعه أن يحرر الإنسان من الاستلاب الذهني والغرائزي.

 

ثالثًا: الربيع العربي والديمقراطية

السؤال الثاني عشر

في ثقافتنا الموروثة هناك عشق ووله كبيران بمفهومي الوحدة والانسجام، وهذا يؤسِّس بالضرورة لرفض التعدّد أو عدم الاعتراف به، والذي يُشار إليه بالخروج على الجماعة أو الملة، ومن ثم ملاحقة كل معارضة لأنها قد تسبب “الفتنة”، وهذه الأخيرة خطرة على تماسك ووحدة الدولة والمجتمع، وقد تكون مدخلًا للخارج أو العدو ليستثمر فينا أو ليجد له موطئ قدم في بلداننا. هل يمكن بناء مجتمع سياسي حديث في ظل سيطرة هذه المفهومات على الوعي السياسي، بمن فيه وعي الأحزاب التي ترفع لواء الديمقراطية والحداثة؟

 

أ. سعيد ناشيد:

فعلًا، هناك مفاهيم رائجة في ثقافتنا، بوسعنا أن نعتبرها منتجة للنظم الشمولية سواء في صبغتها الدينية أم الوضعانية، من قبيل مفاهيم الوحدة، الجماعة، الطاعة، الولاء، العورة، الممثل الشرعي والوحيد، معلوم الدين بالضرورة، صوت الشعب، الشرعية الثورية، اللباس الشرعي، أمة خالدة، الخونة، الكفار، أعداء الدين، إلخ. إذا كان من طبيعة المفاهيم أن تؤطر العقل وتوجه السلوك، فمعضلة ذلك النوع من المفاهيم أنه ينتهي إلى تقسيم الناس على أساس الحق والباطل، وهو ما يجهض ممكنات السياسة والتي لا يمكن ممارستها إلاّ داخل المنطقة الرمادية بين الأبيض والأسود، بين الحق والباطل، بين الجنة والنار.

يقوم المجتمع الديمقراطي على أساس النقاش العمومي الذي يفضي إلى تطوير الوعي والممارسة والقوانين، غير أن الشرط الأساسي لأخلاقيات النقاش العمومي في المجتمعات الديمقراطية هو الاعتماد على أدلة وحجج قابلة للدحض والتشكيك والتكذيب. فليس من الأخلاق في شيء أن يعتمد المرء في النقاش العمومي على أدلة يرفض أن يخضعها لاختبار التشكيك والتفنيد، كما يفعل كثيرون. ليس من أخلاقيات النقاش العمومي أن يستند المرء إلى حجج يراها مقدسة، ثم يرى أن إخضاعها لاختبار التكذيب انتهاكٌ للمقدسات.

انطلاقًا من وجهة نظر أخلاقيات النقاش العمومي، فإن المواطن لديه خياران: إما أن يكف عن الاستدلال بما يعتبره مقدسًا، أو يقبل بإخضاع أدلته لمبدأ القابلية للتكذيب.

 

السؤال الثالث عشر

يبدو اليوم خطر الشعبوية أكثر مما كنا نظن في السابق، فهي لا تقتصر على رجال الدين بل تشمل قسمًا من المثقفين والسياسيين أيضًا، كما ليست محصورة في البلدان الاستبدادية، بل امتد أثرها ودورها إلى البلدان الديمقراطية، وربما يصلح أن نضع عنوانًا لهذه الحالة مفاده “كيف يمكن أن تستبد، لكن بشكل ديمقراطي”. من المؤكد أن الشعبوية يمكن أن تقوَّض الديمقراطية، لكن كيف يمكن تعزيز الديمقراطية بأدوات تحدّ من أثر وتأثير الشعبويين؟

 

أ. سعيد ناشيد:

هذا بالذات هو السؤال الذي اشتغل عليه الفكر الديمقراطي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، في مواجهة صعود الأنظمة الشمولية التي كادت تبتلع أوروبا قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية. كان الجميع مدركًا أن الديمقراطية تعاني هشاشة أصلية تجعلها عرضة للانهيار باسم الديمقراطية نفسها. وكي لا ننسى فقد صعد النازيون ومعهم هتلر في إطار انتخابات حرة ونزيهة، واليوم يتصاعد اليمين المتطرف في بعض دول الاتحاد الأوروبي ممتطيًا صهوة الديمقراطية. الشعبوية هي المرض المزمن الذي تعانيه الديمقراطية، ما دام الأمر يتعلق بالاختيارات الشعبية. ولأجل التخفيف من أعراض ذلك المرض اهتدى الوعي الديمقراطي المعاصر إلى عدة تدابير احترازية قد تكون غير كافية غير أنها ضرورية، من بينها فصل السلط، وإقرار حقوق الأقلية السياسية، والأقليات الاجتماعية، وعدم السماح بأكثر من ولايتين متتاليتين، وإجراء الانتخابات على مرحلتين، والحفاظ على فارق زمني بين الانتخابات المحلية والوطنية، ونحو ذلك من التدابير والإجراءات.

الشعبوية هي المرض الملازم للديمقراطية منذ نشأتها، لأجل ذلك طورت الديمقراطيات العريقة في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية قدرًا من المناعة المؤسساتية والحصانة القانونية ضد مخاطر الانقلاب الشعبوي الذي قد يتم ضدها وباسمها في الوقت نفسه. لقد صعد هتلر في انتخابات حرة ونزيهة، غير أن الخطر لا يزال جاثما من خلال اليمين المتطرف. إن خطاب الإسلام السياسي، ومعه خطاب الساسة الذين يقامرون بورقة الإسلام السياسي، لهو الوجه الشعبوي في المجتمعات الإسلامية التي لا تزال تبحث عن الطريق إلى الديمقراطية. والحال أن خطر الشعوبية أصبح أكثر حدة وشراسة في زمن منتديات التواصل الاجتماعي.

قبل أزيد من عقد من الزمن كنت متفائلًا بأن منتديات التواصل الاجتماعي ستدفع بعجلة الممارسة الديمقراطية، وستنمي العقل التواصلي بدل العقل الأداتي، اليوم يبدو لي أن حماستي تلك كانت زائدة عن الحد؛ ذلك أن منتديات التواصل الاجتماعي قد شكلت أيضا فرصة لنمو غرائز القطيع، والتي هي المنبع الأساسي للفاشيات بكل أنواعها. هناك فعلًا خطر صعود فاشيات جديدة على أكتاف كتائب التجييش الإلكتروني، والتي يسهل توجيهها انفعاليا نحو أهداف قد تكون مدمرة للأوطان والعمران والإنسان.

 

السؤال الرابع عشر

هُزمت ثورات الربيع العربي التي نشدت الحرية والكرامة بدرجات متفاوتة. أصلًا ما كان للحكماء أن يحلموا بانتصار مظفر لها، أو كما نشتهي، بعد رحلة طويلة من الاستبداد، وفي ظل سيطرة ثقافة معادية للديمقراطية والحداثة. لكن، ألا تعتقد أن الربيع العربي، على الرغم من نتائجه الكارثية، قد فتح بابًا ليس بإمكان أحد إغلاقه، وأنه سيكون خطوة لربيع آخر مقبل لا محالة، أم أن الاحتمال الأكثر ترجيحًا هو العودة إلى الاستبداد، وكأن قدرنا أن نبقى ندور في “التاريخ الدائري” الذي حدثنا عنه ابن خلدون؟

 

أ. سعيد ناشيد:

يبدو أننا حتى إشعار آخر سنبقى نتأرجح بين أتون الفتنة وبراثن الاستبداد، كلما حاولنا الخروج من طوق الاستبداد إلا وسقطنا في جحيم الفتنة التي لا يخرجنا منها إلا استبداد جديد قد يكون أشد وطأة من سابقه، وهكذا دواليك ضمن حلقة مفرغة شبيهة بدورات التاريخ الخلدوني كما ورد في السؤال. لكن هل ذاك هو قدر تاريخنا الهجري؟

بكل بساطة لا يمكننا أن ننجح في إقامة دولة ديمقراطية على أرضية مجتمع استبدادي في مستوى علاقاته الأسرية والاجتماعية واليومية. هناك درس أساسي في تاريخ الفلسفة السياسية: يجب على الحاكم أن يكون حكيما. قالها مؤسس الفلسفة السياسية، أفلاطون، لكن لماذا؟ يكمن السبب في أن من يرد أن يحكم الآخرين يجب أن يكون قادرًا على أن يحكم نفسه أولًا، بمعنى أن يحكم انفعالاته ورغباته، وإلا سيغدو طاغية في مجال السياسة، وشقيًا في مجال الحياة، وليس هناك من هو أقدر على حكم نفسه من الحكيم، لذلك يجب أن يكون الحاكم حكيمًا.

في عصر الديمقراطيات حيث يغدو المواطنون كافة شركاء في الحكم يجب تعميم الحكمة على الجميع. إنه الدرس الثاني في تاريخ الفلسفة السياسية، وصاحبه هذه المرة هو سبينوزا. إنه الدرس الذي يكمله مشيل فوكو على النحو الآتي: لا تأتي السلطة من الفوق بل تنبع من التحت، من داخل العلاقات الاجتماعية اليومية بين الناس.

هكذا يمكننا أن نسترجع أطروحة أفلاطون على النحو الآتي:

يجب أن يكون رجل السلطة حكيمًا بحيث يحكم نفسه، فيتحكم في انفعالاته ورغباته، وذلك لكي يسهل عليه أن يحكم الآخرين، لكن ما دامت السلطة تنبع من التحت كما يكشف فوكو، وكما هي قواعد الديمقراطية في الأساس، فلا يكفي أن يكون الملك حكيمًا ما لم يكن المواطنون حكماء أيضًا. لا يتعلق الأمر بالحلقة المفرغة لسؤال أسبقية البيضة أم الدجاجة؟ بل يتعلق بعملية إعادة ترميم تطال الأسس هذه المرة. حين يفشل الحاكم في أن يحكم نفسه أولًا، ويفشل المواطنون أن يحكموا أنفسهم أولًا، وحين تتغول الانفعالات الخطرة، والرغبات الشرسة، لدى عموم الناس حكاما ومحكومين، وقتها تنفجر غرائز التوحش، وتنهار الدول والمجتمعات على حد السواء، ويصبح الإنسان أكثر شراسة من وحوش الأدغال. هنا تكمن إحدى خلاصات الدرس العملي والدراماتيكي لما كان يسمى بالربيع العربي.

في بداية ثورة الياسمين كتب صحافي فرنسي يقول: أيها التونسيون أين خبأتم الإسلاميين؟!

لكن، في سائر بلدان ما كان يسمى بالربيع العربي سرعان ما تغير السؤال، وأصبح على النحو الآتي: أيها الثوار أين خبأتم الإنسان؟!

هناك معادلة قوية سبق أن أشار إليها إدوارد سعيد حين قال: لا يمكن أن تنتصر الضحية على الجلاد ما لم تتفوق عليه أخلاقيًا.

أين نحن اليوم من هذه المعادلة؟!

 

رابعًا: كلمة أخيرة

في ختام حوارنا هذا، طلبنا من الأستاذ سعيد ناشيد أن يتوجه إلى القراء بكلمة أخيرة.

 

أ. سعيد ناشيد:

في نهاية روايته (كانديد) وعلى لسان أحد شخصيات الرواية –بعد أن أدرك الجميع خيبة العالم- أطلق فولتير عبارته الشهيرة: ليزرع كل واحد منا حديقته.

ما معنى ذلك؟

انطلاقًا من الخيبة الجذرية، والتي تخبرنا بأن الجنة ليست غدا، وأن الواقع لا يرتفع سريعا، وأن البناء الديمقراطي معركة عقود طويلة من النفس الطويل والاشتغال المتأني على الذات ضد النوازع البدائية الكامنة، وأن الحرية والعلم والكرامة والعدالة وغيرها من قيم الحضارة المعاصرة هي معارك عشرات السنين، وأن معركة بقاء النوع البشري لن تنتهي بأي انتصار نهائي، انطلاقًا من تلك الخيبة الجذرية يمكن أن ينبعث الأمل الجميل، وذلك بأن يشتغل كل واحد منا على ذاته لكي تواصل نموها في كل الظروف عوض تدميرها بمشاعر السخط والحقد والتذمر، بأن يشتغل كل واحد منا على مجاله الخاص لكي يجعله ملائما لحياة كائن عاقل جدير بالحرية والاحترام، وبالجملة أن يشتغل كل واحد منا على حديقته الخاصة، وبعد ذلك، بعد ذلك فحسب، يمكن أن يتغير وجه الشارع، ثم المدينة، ثم الوطن، وفي النهاية وجه العالم، ولو بعد أجيال طويلة.

في كل المراحل ليس مطلوبا من الأبناء سوى أن يعرفوا أخطاء الآباء لعدم تكرارها، بمعزل عن التعظيم الكاذب، والذي هو من بقايا “عبادة الأسلاف”، كما أنه تغطية عن عقدة ذنب كامنة.

في الأثناء هل ننتظر؟

هل نضحي بجيل أو جيلين أو ثلاثة؟

لن يكون الأمر كذلك، ما دام كل واحد منا سيعتني بحديقته وردة وردة، وسيمنحها قطرات الماء الكافية بمعزل عن وعود الغيوم السابحة في السماء، وفي سبيل ذلك سيتعلم كثيرًا، سيتعاون كثيرًا، وسيستمتع كثيرًا.

تلك هي العبرة الباقية مما كان يسمى بثورة الياسمين.

لعلها عبرة لا تخلو من نفحة شاعرية. لكن ربما صدق هولدرلين حين قال: يقيم البشر في هذا العالم شعريًا.

وفي مثل هذه الإقامة كثير من العزاء.

 

سعيد ناشيد​

الأستاذ سعيد ناشيد، مفكر وباحث وكاتب مغربي، مهتم بقضايا التجديد الديني، من أبرز الذين تناولوا بالتحليل والتفكيك بنية خطاب الأحزاب والجماعات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، عضو رابطة العقلانيين العرب، عضو مؤسِّس لعديد من الجمعيات التنموية في المغرب، كاتب رأي في صحيفة السفير اللبنانية، كاتب في موقع الأوان وعضو الخلية الاستشارية في الموقع، صدرت له عدة كتب، منها: التداوي بالفلسفة، الطمأنينة الفلسفية، الوجود والعزاء: الفلسفة في مواجهة خيبات الأمل، الحداثة والقرآن، دليل التدين العاقل، الاختيار العلماني وأسطورة النموذج، قلق في العقيدة، و"اليسار الفرنسي والإسلام".