الفن الافتراضي في سياق العولمة؛ مقاربة سوسيولوجية للموسيقى "نموذجًا"

ملخص

     تروم هذه الدراسة تحقيق هدفين: الهدف الأول، الاهتمام بموضوع الفن الموسيقي في عالمنا المعاصر، وذلك من منظور سوسيولوجيا الفن. والتأكيد على أن الأذواق الفنية التي يمتلكها الأفراد متعددة ومتناقضة مهما كانت أصولهم الاجتماعية، وأن الحكم الجمالي على الأشكال الموسيقية، بات يتصف بالتهجين، بسبب تأثير العولمة على الثقافة من خلال الإنترنت (Internet). والهدف الثاني، هو توجيه النقد لأطروحة بيير بورديو في مسألة الأذواق والممارسة الثقافية عند الأفراد.

الكلمات المفتاحية: الفن ـ الموسيقى ـ الذوق ـ بورديو ـ العولمة

Abstract

The first goal is to focus on the subject of musical art in our contemporary world, from the perspective of the sociology of art. And the assertion that the artistic tastes that individuals possess and are contradictory regardless of their social origins, and that aesthetic judgment on music has become characterized by hybridization, due to the effect of globalization on culture (the Internet). The second goal is to criticize Pierre Bourdieu’s thesis on the tastes and cultural practices of individuals.

Keywords : Art – Music – taste – Bourdieu – Globalization.


مقدمة

     ما الذي يقصد بالفن؟ من هو الفنان؟ وكيف يتم إنتاج الأعمال الفنية؟ وما هو دور الفن وعلاقته بالمجتمع؟ …إلخ. هي مجموعة من الأسئلة طرحتها السوسيولوجيا، وحاولت تقديم إجابات عنها، لأن الفن من وجهة نظر الباحثين يعد وسيلة ممتازة من أجل فهم المجتمع. فالفن هو واحد من الأشكال الثقافية التي تعبر عن طبيعة المجتمع، وعن أهم التغيرات الاجتماعية والثقافية التي تمسه، خصوصًا إذا نظرنا إلى وظائف الفن، والتأثير الذي يمكن أن يحدثه في المجتمع. والفن يشمل أشكالًا تعبيرية عديدة، كالرسم والتصوير والغناء والموسيقى…إلخ.

     تعد الموسيقى ظاهرة فنية خاصة بالمجتمعات الغربية، على الرغم من وجود أنواع من الموسيقى في أجزاء أخرى من العالم، إلا أن ماكس فيبر (Max Weber) قد بين أنه في الغرب فقط، منذ عصر النهضة، ظهرت موسيقى متناغمة عقلانية مدعومة بنظام التدوين، الذي جعل تكوين وإنتاج الأعمال الموسيقية الحديثة ممكنًا، ومن ثمّ بقاءها.

     وقد أدى انتشار التقنيات الرقمية في المجتمعات الغربية، إلى ترابط الفن الموسيقي بأشكال جديدة من الاتصال والتطبيقات؛ حيث بدأ العديد من الفاعلين في الأوساط الفنية يتخذون من شبكة الإنترنت مساحة افتراضية، من أجل مواجهة مجموعة من التحديات من خلال المزايا التي يوفرها الويب والتي بدورها تحفز الفنانين والفاعلين على تحقيق مجموعة من الرساميل (المادية، الثقافية، الاجتماعية، الرمزية). فهناك العديد من المشاركين والفاعلين في مجال الحقل الفني، قد انتقلوا من الحالة الواقعية للفن إلى الحالة الافتراضية له من أجل تعزيز مكانتهم الاجتماعية. وتظهر الملاحظة أن مشاركتهم في شبكات الويب على الإنترنت، يشجعهم على تبني ثقافة المشاركة والتواصل التي تُعلم وتؤثر على نشاطهم الفني، ذلك لأن الويب يوفر للفاعلين القدرة على عرض أعمالهم الفنية، والبحث عن فرص لتجربة طرق جديدة لإنتاج عروضهم الفنية دون قيود المؤسسات الرسمية المهيمنة.

     في هذا السياق، فإن السؤال المطروح هو كيف يشتغل الفن الموسيقي في العالم الافتراضي؟ وما تأثير العولمة على الموسيقى؟

     تهدف هذه المقالة إلى مناقشة النظرية التي طورها بيير بورديو حول مسألة الذوق الفني. وذلك بغرض إظهار الاختلاف والتمايز في مسألة الذوق بالنسبة للأفراد الذين ينتمون إلى الطبقة أو الفئة الاجتماعية ذاتها، وأن التوجه الثقافي الذي يميز المجتمعات الغربية يقوم على تذوق كل شيء، خصوصًا في المجتمعات الافتراضية. ونشير إلى أن الغاية من إنجاز هذا العمل المتواضع، يرجع إلى فضولنا العلمي وكوننا من المهتمين بدراسة المجتمعات الافتراضية.

     أما من الناحية المنهجية، ستكون مقاربتنا للموضوع مقاربة سوسيولوجية، من خلال اعتماد مجموعة من الأطر النظرية التي تهتم بالحقل الثقافي والفني خاصة. وذلك حتى يمكن أن توفر لنا نطاقًا أوسع من الفرص بغرض النظر في الكيفية التي تؤدي إلى تفاعل الفرد مع الفن الموسيقي. وسوف نعتمد على تقنية الملاحظة بغرض وصف وتحليل الترابط الذي يجمع الفن الموسيقي بالواقع الافتراضي.

أولا: في سوسيولوجيا الفن

     تؤثر الطبيعة الإشكالية للفن على كيفية دراسته، بسبب التخصصات الإنسانية التي ينتمي إليها العلماء، مثل فلسفة الفن أو تاريخ الفن أو علم الجماليات أو السوسيولوجيا أو الأنثروبولوجيا؛ حيث يعد الفن من أصعب القضايا التي تواجه باحثين عديدين، ذلك أن “علماء الاجتماع الذين يوجهون انتباههم إلى الفنون في المجتمع يسيرون في مناطق خطرة بطريقة أخرى. فهم يكسبون استياء المتخصصين في الفنون والمشككين في شرعية مساعيهم”[1].

     تعد سوسيولوجيا الفن أحد الفروع الغامضة لأن جذورها التاريخية ترتبط أساسًا بتاريخ الفن، والنقد الأدبي أو الفني، وعلم الجمال وفلسفة الفن، كما أنها تحضر بشكل هامشي في تاريخ نشأة السوسيولوجيا، فالاهتمام بالفن من طرف إيميل دوركهايم (Émile Durkheim) كان ضعيفًا إلى حد ما. حيث نجد أن دوركهايم لم يتناول مسألة الفن إلا لأنه يشكل ـــ في نظره ـــ نقلة للعلاقة بالدين[2]. فقد أشار إلى دور النقوش على الأخشاب والجدران في التعبير عن الطوطم الذي يخص المجتمعات القبلية. ومع ذلك لم يترك لنا بعد وفاته أي كتاب أو مقال منفرد أو خاص بدراسة الفن.

     أما في ألمانيا ومع بداية القرن العشرين، فقد تم إنتاج أعمال عديدة تهتم بالمسائل الثقافية في إطار سوسيولوجيا الفن، على عكس ما كان في فرنسا. من بين الأعمال المؤسسة لسوسيولوجيا الفن، نجد ما كتبه ماكس فيبر حول الموسيقى، واجتهاداته الخاصة بالبحث في أسسها العقلانية، مركزًا على الكيفية التي جعلت الموسيقى الغربية تنشأ “نظامًا من التدوين المكتوب للعلامات، ما مكن من حفظ الألحان وإعادة تأديتها بأنواع معقدة وأكثر موسيقية… وعد أن العقلنة التناغمية لا توجد في التقاليد الموسيقية في الحضارات الأخرى. فبعض التقاليد الموسيقية تقوم على نظام بسيط مؤلف من خمس نغمات”[3]، بينما في المجتمعات الغربية تقوم على ثماني نغمات. كما أن العقلنة في الموسيقى تتمثل في تطوير تكنولوجية الموسيقى مثل البيانو والكمان وغيرها. ويرى فيبر أن نتيجة هذه العقلنة بروز ما يسمى بالمؤلف الموسيقي أو الفنان الذي يمتلك علمًا بالموسيقى.

     بينما نجد أن جورج زيمل (Georg Simmel ) هو أكثر السوسيولوجيين الكلاسيكيين الذين اهتموا كثيرًا بالفن، فقد عد أن السؤال الاجتماعي ليس سؤالًا أخلاقيا فقط ، وإنما سؤال جمالي أيضا. وقد كان يرى أن تأثير القوى الجمالية على الحقائق الاجتماعية أكثر وضوحًا في الصراعات الحديثة بين الميول الاشتراكية والفردية. وتميز بأنه أراد أن يدفع بالسوسيولوجيا إلى الأمام من خلال دراسته لأعمال “رامبرانت ومايكل أنجلو ورودان، بهدف بيان التكييف الاجتماعي للفن، وخاصة في علاقاته مع المسيحية، وإظهار أثر النظرة إلى العالم (رؤية العالم) على الأعمال الفنية. وقد أبرز على نحو خاص الانسجام بين الميل الفني إلى الأشكال المتناظرة والمتناسقة وأشكال الحكم الاستبدادية والمجتمعات الاشتراكية، في حين أنه ربط بين الفردية والأشكال الليبرالية للدولة والأشكال الفنية المتنافرة”[4].

     أما في المرحلة المعاصرة من تطور السوسيولوجيا، وخصوصًا منذ أوساط القرن العشرين، ظهرت لنا مجموعة من الأعمال السوسيولوجية التي تهتم بالفن في بلدان أوربية عديدة، مثل أعمال تيودور أدورنو (Theodor W. Adorno) الذي انشغل كثيرًا بالفن الموسيقى، فقد عد الفن وسيلة ممتازة للتحرر من الضغوطات التي تفرضها الحياة الاجتماعية، كما كان يرى بأن “التقاليد الموسيقية المختلفة في المجتمعات الغربية الحديثة لا يمكن فهمها إلا من خلال طبيعة علاقاتها المتبادلة، وأن الموسيقى بحاجة إلى أن تُفهم ليس من حيث خصائصها الشكلية فقط وإنما من حيث علاقة هذه بأوضاع إنتاجه واستقباله أيضًا “[5].

     يرى ديفيد انغليز (David Inglis) أن سوسيولوجيا الفن تحيط بموضوعات ومسائل متباينة عديدة، بدءا من التحليلات المحدودة النطاق Micro-Level، مثل دراسة كيف ينتج أو يمارس أولئك الأفراد الذين يطلق عليهم »فنانون« إبداعاتهم الفنية. وصولًا إلى التحليلات الكبرى الواسعة النطاق Macro-Level، كالتفكير في مكانة الفن في البناء العام للمجتمعات الحديثة[6]، ويرجع ذلك إلى أن معظم علماء الاجتماع يختلفون في مقدار الاهتمام الذي يولونه لجوانب معينة من المجتمع، والشيء نفسه مع الفن الذي يساعدهم في تحليل الجوانب الجمالية للمجتمع.

     بالنسبة إلى بيير بورديو، فإنه يرى أن السوسيولوجيا والفن ثنائي غريب وشاذ، فالعلاقة بينهما مزعجة، ومبهمة في الآن نفسه، لأن الفن كثيرًا ما يحيل إلى محاكاة الواقع ويسعى إلى التعبير عن جمال الحياة ومعانيها، في حين أن السوسيولوجيا تهدف أساسًا إلى فهم الحياة الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية والثقافية التي يمارسها الأفراد والمؤسسات.

      وما يميز بورديو هو رفضه لما يسميه “القراءات الداخلية للأعمال الفنية التي تكتسب معناها وقيمتها من أنها تتجاوز الأحوال التاريخية التي أنتجتها وقبلتها في الأصل، ويرفض كذلك الأنماط التقليدية من التحليل السوسيولوجي، الذي يدعوه القراءات الخارجية، متهما إياها بأنها تميل إلى اختزال نشأة عمل فني ما في الأصل الاجتماعي لصانعه”[7]. فما يجادله بورديو هو أن العديد من نقاد الفن يناقشون الخصائص الشكلية للرسم بطريقة “غير تاريخية” من أجل إثبات صلاحية القراءة الداخلية للفن. وبعبارة أخرى، قراءة وفك رموز تطور الأشكال الفنية، بطريقة تحجب الأحوال الاجتماعية التي أنتجتها.

     يتميز معظم الباحثين في سوسيولوجيا الفن عن باقي المتخصصين مثل علماء الجماليات، بأنهم ينطلقون من “فرضية أن الفن يجب أن يوضع في سياقه، من حيث المكان والزمان بالمعنى العام، وكذلك بشكل أكثر تحديدًا، البنيات المؤسسية، وقواعد التوظيف، والتدريب المهني، والمكافأة، والمحسوبية أو دعم آخر. إذ يوجه علماء الاجتماع الانتباه إلى علاقة الفنان والعمل الفني بالمؤسسات السياسية والأيديولوجيات وغيرها من العلامات غير الجمالية”[8].

     يركز علماء الاجتماع في أبحاثهم العلمية على السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي للأعمال الفنية، على عكس علماء الجماليات الذين يركزون على جمالية الأعمال الفنية. فأكثر ما يميز علماء الاجتماع أنهم يعملون على اختيار الأعمال الفنية دون الاهتمام بجودتها وحسها الجمالي. وكما تقول (Vera L. Zolberg): “يمكنهم دراسة الفن الشعبي، أو مهن الفنانين في الصناعات الإنتاجية، أو أي نوع من الأعمال الفنية بغض النظر عن جودتها. قد يفصلون مكونات الفن لفهم مكانته في المجتمع. لا يعرقلهم أفكار الطبيعة المقدسة للفن، فهم يشككون في مثل هذه الكليشيهات مثل التصور الرومانسي المبالغ فيه للفنانين وإبداعاتهم”[9]. وبخلاف علماء الاجتماع الذين يربطون موضوع الفن بسياقه الاجتماعي والثقافي. “يدعي الجماليون أن الفن العظيم يتحدث عن كل العصور وللإنسانية جمعاء. ولهذا السبب فإنهم ينتقدون التحليل السوسيولوجي الذي، كما يقولون، يختزل الفن إلى مجرد انعكاسات للعمليات الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية”[10].

     ونجد بيير بورديو يصر على أن سوسيولوجيا الفن “يجب ألا يسعى إلى تفسير نشأة عمل فني بالإشارة إلى الأصل الاجتماعي لصانعه فقط، فالخيارات الأسلوبية والابتكارات الجمالية لا يمكن أن تفسر إلا من خلال الأخذ في الحسبان المدى والمحدد تاريخيًا، من المواقف الممكنة والمتاحة لأي فنان وليس بالإشارة إلى العوامل الخارجية مثل الأصل الاجتماعي وحده[11].

    إن الطابع الثقافي الذي ميز المجتمعات الأوروبية خلال القرن العشرين، دفعت سوسيولوجيا الفن منذ بداية الستينيات إلى دراسة مجموعة من المؤسسات الفنية، معتمدة في ذلك تحليلات كمية وكيفية للأسواق الفنية، ونماذج الاستهلاك في الفنون. فقد ركزت هذه السوسيولوجيا على الممارسات السلوكية والمؤسسية الخاصة بتلقي الفنون البرجوازية والشعبية. كما ركزت في دراستها على مختلف الفاعلين الاجتماعيين الذين ينخرطون في ما يسمى بالشبكات الاجتماعية للفنون، مثل الباعة، والرعاة، والنقاد، والفنانين، والأعمال الفنية. نظرًا لأن المقاربة السوسيولوجية للفن تسعى إلى النظر في التأثيرات التي يحدثها المجتمع في عالم الفن، أي الدوائر والمؤسسات المباشرة وغير المباشرة التي لها علاقة بعالم الفن، خصوصًا تلك المتعلقة بالتأثيرات الثقافية. إذ يمكن أن يتفق “العديد من علماء الاجتماع على أننا نستطيع أن ننظر إلى هذا المجال على أنه مكون من شبكة الإنتاج والتوزيع والاستهلاك الثقافي”[12].

     ويمكن تصنيف سوسيولوجيا الفن حسب نتالي إينيك (nathalie heinich) إلى ثلاثة تصنيفات، وهي على النحو التالي[13]:

1 ـ تفسيرية يقوم بها علماء الاجتماع الذين ينشطون ويمارسون التنظير في الحقل الأكاديمي الجامعي، وتركز بحوثهم في الغالب على الأعمال الفنية، حيث يعملون على تقديم تأويلات للأعمال الفنية، معتمدين في ذلك التاريخ والفلسفة وعلم النفس والسيميائيات.

2 ـ وهي التي لها علاقة بمؤسسات استطلاعية، حيث إن المنهج المعتمد في هذه المؤسسات هو الإحصاء، وتركز على الموضوعات التي لها علاقة بجمهور الفن، والذوق الفني، والتسويق، وإدارة الأعمال، وغيرها. ونادرًا ما يتم نشرها في مؤلفات أو مجلات علمية.

3 ـ ما يرتبط بالمراكز والمعاهد الوطنية والدولية لدراسة الفنون، وهي تعتمد أساسًا على تنويع مناهجها مثل المنهج الكمي والكيفي (الملاحظة ـ المقابلة ـ تحليل المضمون ـ دراسة الحالة..)، وتعد أكثر تأثيرًا من سابقاتها لأنها تؤثر في صنع القرار.

     في الأخير، تأتي سوسيولوجيا الفن لكي تثير مجموعة من الأسئلة وتساهم في إعطاء التحليلات والتفسيرات ذات طبيعة خلافية حول الفن. وهي سوسيولوجية لا ترتكن إلى الأجوبة الجاهزة والأحكام المسبقة، فما يهم بالنسبة إليها هو البحث عما هو خفي في الظاهرة الفنية. حيث إنها ليست سوسيولوجيا وصفية فقط، وإنما سوسيولوجيا نقدية بالدرجة الأولى، وتعد أيضا محفزة للتفكير في طبيعة حياتنا التي نعيشها بشكل يومي.

ثانيًا: الذوق الفني عند بيير بورديو

     قل لي ما هو ذوقك؟ وماذا تحب؟ أقول لك من أنت. بمعنى آخر، أخبرني نوع الأشياء التي تحب ممارستها والقيام بها، أقول لك ما نوع الطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها، والرساميل والمراتب التي تتوفر عليها. هذا ما بينه بيير بورديو في كتابه “التميز”[14] (La Distinction) الذي صدر سنة 1979م، فقد قام بصياغة نظرية تهتم بسوسيولوجيا الأذواق وأساليب وأنماط العيش، واستعراض ما يسميه بالكفاح من أجل التميز عند الطبقات الاجتماعية. فهو يوضح كيف أن نظريات الفن السائدة في المجتمع الغربي تعزز الانقسامات الاجتماعية في المجتمع، كونها جزءًا من “رأس المال الثقافي” الذي ينشره مثقفو الطبقة المهيمنة لإعادة إنتاج التمييز بينها وبين الطبقة المهيمنة (وأيضًا في نضالهم مع القسم المهيمن في طبقتهم، أولئك الذين يمتلكون رأس المال الاقتصادي بدلًا من الثقافة).

      ومن المعلوم أن مفهوم الهابيتوس (Habitus)[15] قد أدى دورًا مهمًا في التحليل السوسيولوجي لدى بورديو خاصة في مد الجسور بين أبحاثه السابقة مثل: “حب الفن” L’amour de l’art  و”الفن المتوسط”  Un art  moyen و”إعادة الإنتاج”  La reproduction، حيث يعرف الهابيتوس بكونه “نظام من الاستعدادات في الإدراك والتقييم والعمل، يسمح للفرد بالقيام بعمليات ذات صلة بالمعرفة العملية … وبأن يولد استراتيجيات ملائمة ومتجددة على الدوام”[16]. فهو نظام منغرس بشكل ضمني في البنية الجسدية للأفراد؛ “الإشارات الأكثر تلقائية أو التقنيات الجسدية التي تبدو غير مهمة مثل طرق المشي أو التمخط، وطرق الأكل أو التحدث … وتقويم العالم الاجتماعي”[17].

     إن منظومة الاستعدادات التي يحملها الأفراد والتي تتيح لهم الحكم في مدى جودة المنتجات والسلع، ونوع الموسيقى، أو التجول في أحد المتاحف، هي هذا “الهابيتوس”. وقد أظهر بورديو في انشغاله على مسألة “الذوق”، أن هذا الأخير يخضع للمجتمع في المقام الأول. فالأذواق المتمثلة في المأكل والمشرب، وفي اللباس، والموسيقى، وزيارة المتاحف، والرياضة…إلخ، هي كلها تعد انعكاسًا لمكانة الفرد داخل المجتمع الذي ينتمي إليه؛ أي إن هذه الأذواق تعبر عن انتماء الفرد لطبقة اجتماعية معينة. وعليه، فإن الذوق يعد أحد أهم الأمثلة الحية على الهيمنة الثقافية. فهو لا يعد اعتباطيا وإنما يتم فرضه من طرف الطبقة البرجوازية والمتحكمة داخل المجتمع عبر الأجهزة الأيديولوجية مثل المدرسة. وبالتالي، فإن كل طبقة اجتماعية تتميز بمجموعة من الممارسات والسلوكات الاجتماعية والثقافية التي تتم إعادة إنتاجها وتوريثها بين الأجيال.

     تتميز مساهمة بيير بورديو في الفن، عندما عد أن الحقل الفني هو مجال محدد للممارسة والخبرة الاجتماعية، ويتكون من الفاعلين الاجتماعيين الذين يمتلكون استراتيجيات لتحقيق مجموعة من الرساميل. وتتميز معظم الحقول بالنضال على رأس المال الرمزي والاجتماعي والاقتصادي، أي الاعتراف والسمعة والأشكال الأخرى من الموارد غير الملموسة، والموارد المالية وغيرها من الموارد المادية التي تحافظ على مكانة الفرد في الحقل. فجميع الحقول عند بورديو هي عبارة عن حقول قائمة على الصراع والتنافس بين الفاعلين الاجتماعيين.

     يستخدم بورديو مفهوم الحقل (Champ) بكونه نموذجًا نظريًا يؤكد الطابع التنافسي في جميع المجالات. فهو تعبير عن علاقات السلطة والسيطرة والتنافس الاجتماعي بين الفاعلين الاجتماعيين من أجل تحقيق رهاناتهم وأهدافهم الخاصة التي تنسجم مع الطبقات التي ينتمون إليها، وتتمثل هذه الرهانات والأهداف في ما هو رمزي بالدرجة الأولى، وليس ما هو مادي ملموس فقط، هذه الرهانات والأهداف هي ما تشكل لنا مفهوم “الرأسمال” (Capital) الذي يعبر عن درجة حيازة الفرد لأشكال الرأسمال (الاقتصادي، الثقافي، الاجتماعي…)، فكل حقل اجتماعي يتميز “بملاحقة غاية معينة، خاصة بتيسير الاستثمارات المطلقة كليًا عند أولئك (وهؤلاء تحديدًا) الذين يملكون الاستعدادات اللازمة”[18]. كما أن “كل حقل هو تبرير لوجهة نظر في الأشياء وفي الهابيتوس. فالهابيتوس النوعي الذي يفرض نفسه على الوافدين الجدد على أنه حق للدخول، ليس سوى كيفية تفكير محددة (“الفكرة” التي تعد الماهية تجريدًا من فعل الوجود)، مبدأ بناء معين للواقع، قائم على اعتقاد قبل انعكاسي في القيمة المعترف بها لوسائل البناء ولمواضيع مبنية على هذا الشكل (المزاج)”[19].

     ويلخص بورديو الارتباط بين الهابيتوس والرأسمال والحقل في المعادلة التالية:

[(الهابيتوس) (الرأسمال)] + الحقل = الممارسة

     إن الحقل بالنسبة إلى بورديو هو السياق الوحيد الذي يسمح بتفسير عالم الممارسات الواقعي[20]. حيث يتطابق مع كل حقل تطبع (منظومة استعدادات مختزنة) خاص بالحقل[21]. وغالبا ما يشهد هذا الحقل تفاوتا بين الأفراد والمؤسسات في المستوى المتعلق بحيازة الرساميل. من هنا، فإن الحقل الفني عند بورديو يتميز في المقام الأول بالنضال من أجل الاعتراف، ومن أجل إعلان الفاعلين الاجتماعيين على أنهم على قيد الحياة.

     يعود اهتمام بورديو بالفن والثقافة إلى فترة الستينيات من القرن الماضي، وقد أنجز مجموعة من الدراسات في الحقل الثقافي. ويرجع اهتمامه بالثقافة نظرًا إلى المكانة التي احتلتها في تحديد محتوى التعليم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. و”إذا كان التعليم مهمًا في تدريب القوى العاملة على الوظائف الحديثة المطلوبة في إعادة الإعمار الفرنسي والاستعماري، فقد كان مهمًا أيضًا في طريقة تطور الناس شخصيًا بالمعنى الفكري والجمالي”[22].

     في دراسة أنجزها بورديو مع فريق من الباحثين حول الإقبال على الفنون وعلاقتها بالأصول الاجتماعية، أظهرت دراسته أن الأصول الاجتماعية لها علاقة كبيرة بالرأسمال الثقافي عند جمهور الفن، وأنه يؤدي دورًا كبيرًا في تحديد الذوق الفني. حيث إن المنشأ الاجتماعي لدى الأفراد يؤثر على الاستعدادات التي يحملونها عندما يتعلق الأمر بمسألة الفن. فالمزارعين هم الأقل زيارة للمتاحف الفنية بنسبة 0.5%، بينما أصحاب المهن مثل الطبيب والمهندس، يواظبون على زيارتها بنسبة 43.3%. أما الأكثر حضورًا وزيارة للمتاحف الفنية، فهم الأساتذة والمثقفون والمتخصصون في الدراسات الفنية بنسبة 151%[23].

     وقد بين بورديو في نفس الدراسة بأن درجة الرأسمال الثقافي الذي يحمله الفرد عامل أساس في طبيعة الذوق الفني أو عدم تذوقه للفن، وذلك بسبب التنشئة الاجتماعية التي تلقاها الفرد داخل الأسرة أو خارجها. وأن الجمهور الذي لا يستطيع زيارة المتاحف، إنما راجع أساسا إلى عدم امتلاكهم للإمكانيات التي تخولهم تأويل تلك الأعمال التي يتم عرضها في المتاحف. حيث لا يمتلكون الكفاءة أو المهارة الخاصة بالتذوق الفني. يعني ذلك أن أحكام الذوق تظهر في كل عملية يقوم بها الفرد عبر الهابيتوس الذي يتشكل لديه عن طريق عملية التنشئة الاجتماعية، الشيء الذي يسمح له بالقيام بعمليات وفق ما يتم تقديمه ضمن الحقل الاجتماعي. وتوضح المعادلة التي اقترحها بورديو: “كيف يشكل الهابيتوس ورأس المال داخل حقول الممارسة. وبالتالي، فإن استهلاك الفن ليس مجرد حدث ساذج أو منفصل، بل هو تحقيق للدينامية الجمالية بأكملها”[24]. وعلاوة على ذلك، فإن المنطق الذي يميز الحقل الثقافي، والفني على الخصوص، هو أنه مجال للصراع والتنافس من أجل امتلاك الشرعية والسلطة والهيمنة بغرض تحقيق التميز الاجتماعي.

     تمثل الأذواق أحد أهم الأشكال الثقافية تعبيرًا عن التمايز الاجتماعي، وهي عبارة عن تفضيلات يحملها الأفراد حول نوع ثقافي معين (أنواع الموسيقى، والمؤلفين الموسيقيين، والمغنيين)، فمثلا قد يكون هناك شخص يفضل سماع الموسيقى الشرقية ويرفض استماع الموسيقى الغربية أو العكس. وذلك نظرًا لعوامل عدة مرتبطة بالتغيرات الثقافية والتربوية الخاصة بطبقة معينة التي تدفع الأفراد إلى اختيار نوع من الموسيقى.

     يلفت بورديو الانتباه إلى أن الأذواق هي التأكيد الفعلي على اختلاف حتمي، وتعمل على تمييز مجموعة من الطبقات الاجتماعية عن الأخرى[25]. فالذوق، وفقًا لبورديو “هو ما يجمع الأشياء والأشخاص معًا”[26]. وهو يجادل بأن أولئك الذين يتشاركون أوضاعًا متشابهة في الوجود (أشخاص من عائلات متشابهة أو طبقية)، مع موارد (مادية) وكفاءات مماثلة تحت تصرفهم (الكفاءة الثقافية، مستويات التعليم)، من المحتمل أن يكون لديهم أذواق متشابهة أو على الأقل سوف يصنفون ويستهلكون الأشياء الثقافية بطرق مماثلة.

     يرى بورديو في كتابه التمييز أن هناك ثلاثة أصناف من الأذواق تتميز بها كل طبقة اجتماعية، حيث إنها محكومة بهابيتوس ثقافي عبارة عن انعكاس لأوضاع اجتماعية وأحوال معيشية خاصة بها، وهي:

ـ الأذواق المشروعة التي ترتبط بالأعمال الفنية الراقية والنخبوية التي تتطابق مع الطبقة الاجتماعية العليا المهيمنة.

ـ الأذواق الوسطى التي تضم أعمال فنية أقل نخبوية، وتنتشر بين الطبقات المتوسطة أكثر من انتشارها بين الطبقات العليا.

ـ الأذواق الشعبية، وهي الأذواق التي تمتلكها الطبقة الشعبية، وتتمثل في صنف من الأعمال الفنية المبسطة التي تفتقر لأي طموح فني[27].

     من خلال هذا التصنيف، يبين بورديو في مؤلفه التمييز أن الطبقة الاجتماعية العليا أو المسيطرة تتميز بأنها تبحث عن التميز، وأخذ مسافة اتجاه الطبقات الأخرى، وتتميز بأنها على اقتناع راسخ بشرعيتها الثقافية. بينما تتميز الطبقات الوسطى بأنها تعبر عن إرادة ثقافية جيدة، وتعمل على متابعة السلع الثقافية بنوع من التأخير وعدم التوفيق. أما الطبقات الشعبية فهم مجبرون على الأخذ بالاختيارات الضرورية المفروضة عليهم من خلال الإكراهات الاجتماعية. فإذا نظرنا إلى الفن الموسيقي سوف نجد أن الفن الكلاسيكي يتعارض مع الفن الشعبي، وهكذا يعمل الحقل الثقافي على أنه نظام للتصنيفات يقوم أساسًا على التدرج من الأكثر شرعية إلى الأقل شرعية ومن استعمال اللغة المتميزة إلى اللغة المبتذلة. فهل يتحقق التصنيف والتمايز الثقافي في الحقل الافتراضي؟ وهل ينسجم الهابيتوس مع الحقل الافتراضي؟

ثالثًا: الفن الموسيقي في الحقل الافتراضي

     أصبح الإنترنت (Internet) قوة منافسة لمؤسسات ثقافية عديدة موجودة على أرض الواقع، نظرًا لقدرته على تمكين مستخدميه من الفرص لمنافسة مشاهير ونجوم الشاشة الكبيرة، ويشير كل من جون شيبرد (John Shepherd) وكايل ديفاين (Kyle Devine) إلى أنه: “في أواخر القرن العشرين، أثر انتشار الإنترنت والتقنيات الرقمية بشكل كبير في كيفية تسجيل الموسيقى وسماعها وأدائها، فضلاً عن طبيعة الاستمتاع الموسيقي… فقد أدى هذا الانتشار أيضا إلى تغيير كيفية شراء الموسيقى وبيعها”[28]. وقد استطاع الإنترنت توفير منصة لكثير من الوجوه المجهولة عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي تمكنهم من الظهور أمام المشاهدين الذين يتصلون بالويب إما عبر وسيلة الهاتف النقال أو الحاسوب. وهؤلاء الوجوه المجهولة التي نتحدث عنها هم “فنانوا التسويق الافتراضي”، وأقصد بهذه التسمية: المغنيين والموسيقيين الذين يمتلكون الرأسمال الثقافي والرأسمال المعلوماتي، الذي نعني به درجة حيازة الفرد على الموارد التي تمكنه من توظيف كل ما هو رقمي من أجل تحقيق المنفعة الاقتصادية والاجتماعية التي يراهن عليها.

     نجد أن الفنانين (الموسيقيين والمغنيين) يرتبطون بعلاقة كبيرة مع مواقع التواصل الاجتماعي. إذ يعد موقع التواصل الاجتماعي MySpace أول وسيط اجتماعي عالمي يستقطب اهتمامًا واسعًا من طرف الموسيقيين والفنانين للتعبير عن أنفسهم والوصول إلى الجماهير، فقد كان عدد الفنانين والفرق الفنية المسجلة بالموقع نحو 5 ملايين تقريبا في سنة 2008 حسب موقع MySpace. وقد كان لهؤلاء الفنانين والفرق الفنية كثير من الأصدقاء والمعجبين. ومنذ تأسيس موقع الفيسبوك facebook، تعززت العلاقة بين مواقع التواصل الاجتماعي والموسيقى، حيث انخرط بموقع الفيسبوك مجموعة من الفنانين، وأصبح لهم أيضا مجموعة من المعجبين مثل موقع MySpace، وهو الأمر نفسه الذي حدث مع موقع التويتر Twitter، حيث اعتمده فنانون عديدون[29].

     وما يجعل مواقع التواصل الاجتماعي أكثر المنصات نجاحًا وتأثيرًا هو عامل الثقة الذي توفره للفنانين والمتتبعين للفن الموسيقي، فنجاح موقع MySpace يرجع إلى عامل المصداقية في صناعة الموسيقى، فقد كان عاملًا في نجاح العديد من الفرق الفنية الناشئة مثل Hollywood Undead وWest Grand وFall Out Boy وغيرها[30]. حيث مكّن موقع MySpace الفنانين من تقديم مقاطع موسيقية ومعلومات عن الفرق، والحديث مع المعجبين.

     كما يعد موقع الفيسبوك من أهم تلك المواقع التي يستخدمها الفنانون الموسيقيون في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وفي الشرق الأوسط لترويج فنهم الموسيقي في حساباتهم الشخصية. وقد أعلنت شركة الفيسبوك عن توفير منصة خاصة بالتوزيع الموسيقي، إذ قامت بعقد اتفاق مع شركة “سوني/إيه.تي.في” المختصة في الإنتاج الموسيقي، ما يتيح لمستخدمي موقعها تحميل وتبادل الملفات (فيديو) من قائمة الشركة المنتجة للموسيقى. إضافة إلى ذلك، سيتيح الاتفاق لمجموعة من الفنانين الذين يرتبطون بشركة “سوني/إيه.تي.في”، بأن يحصلوا على الحقوق المالية مقابل استخدام أغانيهم على منصة الفيسبوك. وتضم قائمة “سوني/إيه.تي.في” فنانين مثل بوب ديلان Bob Dylan وإد شيران Ed sheeran وغيرهم.

     وتكمن أهمية مواقع التواصل الاجتماعي في مقدرتها على صناعة الشهرة عن طريق الجمهور الذي تستقطبه، خاصة إن كان يهتم بالإبداعات الموسيقية، فهي تؤدي دورًا مهما في إظهار الكفاءات الفنية “الجديدة” التي تعلن عن نفسها من خلال المنشورات الافتراضية، خصوصًا عندما يشارك الأفراد إبداعاتهم الفنية على موقع اليوتيوب Youtube. إن شبكة الإنترنت التي تعبر عن الحقل الافتراضي، ويتم تجسيدها في المجال الاجتماعي عن طريق السوشيال الميديا والتطبيقات الرقمية، تساهم بشكل أو بآخر في نشر صور الفنانين ومشاركتها عبر العالم، وتمكنهم أيضا من إشهار أسمائهم.

     ويرى كل من ريتشارد بيترسون (Richard Peterson) وآندي بينيت (Andy Bennett) في أثناء تحليلهما لمشاهد الموسيقى الشعبية، أن زيادة الوصول إلى الإنترنت عند عشاق الموسيقى قد أدت إلى ظهور شكل جديد من المشهد يشيرون إليه على أنه “مشهد افتراضي” (virtual scene) حيث يقولان: “في حين يتم الحفاظ على المشهد المحلي التقليدي من خلال سلسلة من العربات، والنوادي الليلية، والمعارض، والأحداث المماثلة، حيث يتقارب المعجبون ويتواصلون ويعززون شعورهم بالانتماء إلى مشهد معين، فإن المشهد الافتراضي يتضمن شخصًا مباشرًا بوساطة الشبكة – التواصل الشخصي بين المعجبين… قد يشمل ذلك، على سبيل المثال، إنشاء غرف دردشة أو قوائم مخصصة للمشهد، وقد يتضمن تداول الموسيقى والصور عبر الإنترنت”[31].

     يظهر لنا أن الحقل الافتراضي بتعدد مجالاته، يدفع الأفراد الذين يمتلكون مجموعة من الإمكانيات الفنية التي اكتسبوها عبر التنشئة من الظهور بشكل ممتاز أمام الجمهور، وذلك في حالة إذا كانوا يمتلكون “الرأسمال المعلوماتي” من حيث القدرة على استخدام الإنترنت والبرامج التي ترتبط بالعرض والتصوير. فالإنترنت دون شك وسيلة ممتازة لأي فرد يمتلك الموهبة الفنية مثل الغناء والعزف الموسيقي كي يحقق الرأسمال الرمزي مثل الاعتراف والشهرة، وهو الأمر الذي يثبت أهمية شبكة الإنترنت في انتشار الفنانين الموسيقيين[32] في عالمنا المعاصر.

     تدخل المساهمة التي يقدمها الحقل الافتراضي في ارتباطه بمجال الفن ضمن ما نسميه “ديمقراطية الفن الافتراضي”، كون أن هذا الحقل يتميز بالسيولة في توزيع الرؤية للفن الموسيقي، حيث يعتمد ظهور الفنانين في الإنترنت على الممارسات الجماعية الخاصة بالنوع الموسيقي للفنانين. ويلاحظ أن موسيقى الراب Rap وغيرها من أنواع الموسيقى الأقل نخبوية تستثمر بشكل جيد مواقع اليوتوب والإنترنت[33]، ما يجعلها حاضرة لدى الأفراد من أجل رؤيتها والاستمتاع بها.

     إن التطور الحاصل في سيولة الوصول إلى وسائل الإنتاج التي يوفرها المجتمع الرقمي، مكنت فنانين عديدين من تحقيق شهرة عالمية. ففي عصرنا الحالي، يبدو أننا “نواجه وضعًا سيطر فيه الفنانون بأنفسهم على كل ما ينتجونه من حيث كيفية تقديم سلعتهم ووسائل اتصالهم وتوزيعهم للعالم[34]. علاوة على ذلك، فإن انتشار مواقع الموسيقى وكثرة التطبيقات والبرامج الخاصة بتحميل وتعديل الموسيقى، جعل من الفن الموسيقي يمثل أهم السلع الافتراضية المنتشرة على الويب، ولأنه مرتبط بسهولة عرض المضامين والتخزين والتحميل. الأمر الذي مكن الأفراد المستخدمين للويب من الولوج إلى هذا النوع الثقافي بسرعة وبأقل تكلفة. وأيضا لأن شبكة الإنترنت العالمية هي “جزء من ديمقراطية الاختيار التي تمنح الناس الحرية في اختيار ما يريدون، ومتى يريدون ذلك وماذا يريدون أن يفعلوا بها”[35].

     غير أن هذه الديمقراطية في الاختيار نادرًا ما نجدها حاضرة في إطار المؤسسات الثقافية ذات الطابع الرسمي التي تهتم بالثقافة عمومًا والفن الموسيقي خصوصًا. حيث يغيب عليها قواعد الديمقراطية في كثير من الأحيان، لكونها تخضع لمعايير خاصة بالنخب الثقافية التي تتحكم في المجال الثقافي، والتي لها الحق أو السلطة في الاعتراف بالأفراد الذين يمارسون نوعًا من الفنون. فليس كل من يمارس الفن قادرًا على الولوج إلى هذه المؤسسات لكي يظهر موهبته الفنية أمام الجمهور.

     وإذا كانت مشاهدة الفن النخبوي مثل “الأوبرا” حكرًا على الطبقات العليا فقط، وذلك خلال الفترة ما بين الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، فإنه مع انتشار الإنترنت، سرعان ما سوف يجد نفسه يشترك مع باقي الألوان والأنواع الموسيقية الأقل نخبوية إلى الأكثر شعبوية مثل الراب Rap، لأن “الإنترنت وفر أساسًا لظهور المشاهد الذي لم يظهر إلى حيز الوجود على المستوى العالمي”[36]. وعلاوة على ذلك، فإن مجموعة من الشركات الكبرى الخاصة بالإنتاج والتوزيع الفني لم تعد تستطيع أن تحقق نفس النجاح الذي حققته في الفترة ما بين الخمسينيات إلى حدود التسعينيات نظرًا لعدم مواكبتها للتحولات التقنية مثل وسائل الاتصال. فمع ظهور الإنترنت وتغيراته التكنولوجية مع إدخال تنسيقات الملفات الموسيقية الرقمية مثل MP3 وCD burners، أصبحت الموسيقى الرقمية تشكل تهديدًا لنموذج الأعمال الراسخة في صناعة الموسيقى[37]. الأمر الذي حمل الشركات على السعي المتواصل للسيطرة على الحقل الافتراضي من أجل تعويض العائدات المفقودة الناتجة عن انخفاض مبيعات الأسطوانات والكاسيت والأقراص المدمجة، حيث بدأت الشركات في إدراك إمكانيات التوزيع من خلال الإنترنت، وقد قدمت خدمات “البث” التي تتيح الوصول إلى قدر كبير من الموسيقى مقابل رسوم عادية متواضعة إلى حد ما.

     يمنح الحقل الفني الافتراضي مقدارًا مهمًا من (الرأسمال الاقتصادي)، لأنه يمكن تحويله حالًا ومباشرة إلى مال، كما يمنح علاقات اجتماعية (الرأسمال الاجتماعي) تتخطى الحدود الجغرافية، ويعزز الشرعية والاعتراف (الرأسمال الرمزي) لدى الفنانين الموسيقيين، لكن بنسبة متفاوتة بين الفنانين الموسيقيين. فالأعمال الفنية ذات الطابع الموسيقي التي تتميز بالنخبوية وتسعى إلى إبراز نوع من الفروق الطبقية وتميزها مثل الأوبرا، فإنها في مجال الحقل الافتراضي لم تستطع أن تحقق المكانة نفسها التي حققتها الأعمال الفنية الأقل النخبوية مثل أغاني البوب Pop من حيث عدد المشاهدات والأرباح المحصل عليها التي تقدمها شركات التسجيل الموسيقي المرتبطة بالاقتصاد الرقمي. ذلك أن المنافسة بين شركات التسجيل تكون في الكميات لا في الأسعار، حيث يلاحظ أن هوامش الربح أعلى بشكل ملحوظ في الألبومات[38]. مما يؤكد أن الارتقاء الموسيقي لم يعد يستجيب لمعايير خاصة بالنخبة المثقفة من الفنانين التي يتعارض فيها الكيف مع الكم، وإنما أصبح مترتبًا بالدرجة الأولى على الكم. كما أن الربح الذي تحققه شركات التسجيل أصبح مرتبطًا بالتنوع في الأذواق الموسيقية عند الجمهور، وبتركيزها على فئة الشباب.

     ولذلك، يجب أن نعترف بأن الحقل الثقافي عامة والحقل الفني خصوصًا قد عرف تحولًا كبيرًا منذ أواخر القرن العشرين على مستوى الذوق. فهناك طلب على كل الأشكال الفنية بما فيها الشعبية من النخبة المثقفة ذات الذوق الرفيع، وقد ذكر ريتشارد بيترسون حول هذا التحول قائلًا:

“إننا نرى تحولًا في السياسة الجماعية النخبوية من أصحاب الثقافة الرفيعة الذين يحتقرون في غرور كل الثقافة الوضيعة أو السوقية أو الشعبية، إلى أصحاب الثقافة الرفيعة الذين يستهلكون في شره نطاقًا واسعًا من الأشكال الفنية الشعبية والراقية”[39].

    يقوم حقل الفن الافتراضي على الاختلاط والانتقائية على مستوى الممارسة الثقافية. فالفئات الاجتماعية العليا أصبحت تنوع ثقافتها وتضيف إليها ممارسات جديدة، وينطبق ذلك حتى بالنسبة إلى الفئات الاجتماعية الدنيا، وهو ما يؤثر بشكل كبير في موقع الشرعية الثقافية. فانتشار مواقع الويب الخاصة بالتوزيع الموسيقي يساهم في بروز النزعة الانتقائية عند الأفراد، لأن تلك المواقع تعزز ما يسمى بديمقراطية الاختيار.

   أظهرت معطيات بورديو خلال فترة السبعينيات من القرن العشرين، بأن العروض الفنية مثل الموسيقى تميزت بكونها تخاطب الطبقة التي تنتمي إليها. وكانت النخبة المثقفة تخشى بدورها من أن يتم الخلط بين الأذواق الفنية، حيث سعت بشكل دائم لكي تحافظ على شرعيتها ووظيفتها. ولهذا، كانت تعمل على تصنيف المعاني الجميلة في الحقل الثقافي لأنها تنطوي على زاد كبير من الرأسمال الثقافي. غير أن هناك بعض السوسيولوجيين الأميركيين قد استنبطوا نتائج مختلفة من المعطيات التي حصلوا عليها في أبحاثهم، ما جعلهم يوجهون لبورديو عدة انتقادات أهمها: “أن بورديو كان حتميًا بشكل مفرط في تقييمه لعجز الطبقة العاملة ومجموعات أخرى منخفضة في المجتمع عن التمييزات الجمالية…[40]

     وتشير ميشيل لامونت (Michèle Lamont) إلى أن الامتياز الذوقي الذي ميز المجتمع الفرنسي خلال فترة الستينيات والسبعينيات، يصعب تعميمه أو إقامته على المجتمعات الغربية التي تشهد تغيرًا كبيرًا في البنى الثقافية، مثل الولايات المتحدة الأميركية. وتقول لامونت: “في حين نجد حيازة الرأسمال الثقافي مهمة للقوة وللنجاح في المجتمع الفرنسي أكثر مما هو الحال في الولايات المتحدة، فإنها ليست بتلك الأهمية كما أكد بورديو. وبصورة عامة نقول، إن ترتيب البنى الثقافية في طبقات المجتمعات الغربية قد تغير منذ زمن بحث بورديو. فالتعليم الإنساني اللاوظيفي في مدارس وجامعات النخبة راح يؤدي دور شرعنة في الوصول إلى السلطة والثروة أقل في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. فالوصول الواسع إلى التعليم العالي المترافق مع ارتفاع مداخيل الطبقة الوسطى الدنيا والطبقة العمالية العليا أدى إلى مساهمة شعبية أوسع في مؤسسات الفنون الجميلة وإزالة بعض حدود المراتب القديمة”.[41]

     من خلال ذلك، يبدو أن بورديو لم يتوقع أن الحقل الثقافي سوف يشهد تحولات اجتماعية عديدة نتجت عن الصناعة الثقافية وصاحبتها العولمة التي ساهمت في تحرير الثقافة والفن من القيود والمعايير الصارمة، فقد أصبح الطلب على الفن النخبوي أكثر اتساعا وليس حكرًا على النخبة المثقفة فقط، كما أصبحت هذه الأخيرة أكثر قبولًا للفن الأقل نخبوية والفن الشعبي بسبب انتشارها الواسع عبر وسائل الإعلام والاتصال وتزايد استهلاكها من الجمهور وخاصة فئة الشباب. ويشير بيترسون في هذا الإطار إلى أن “مجموعات الطبقة الوسطى العليا الآن لا تقتصر على رعاية الثقافة العليا وإنما تغوص أيضا في طيف واسع من أصناف المنتوجات الثقافية تشمل فيما تشمل، موسيقى كلاسيكية وكذلك موسيقى ريفية ـ وأوبرا كلاسيكية وأيضًا أوبرا صوبونية. وبالعكس، صار عند مجموعات الطبقة الوسطى الدنيا المزيد من وقت الفراغ والمال، خاصة في المجموعات العمرية الشابة”[42].

     ومن ثمّ، فإن الممارسة الثقافية على مستوى تصنيف الأذواق عند النخبة قد تغيرت، وأضحت أقل حدة مما كانت عليه من قبل. وكما يقول زيجمونت باومان (Zygmunt Bauman) فإن “علامة الانتماء إلى نخبة ثقافية اليوم تتمثل في إبداء أقصى قدرة على التسامح وأقل قدرة على الاختيار. فالزهو الثقافي يتشكل من إنكار ظاهر للزهو. ومبدأ النخبوية الثقافية هو الشراهة التي تأكل كل شيء، وتشعر بأنها في بيتها في كل بيئة ثقافية، من دون عد أي منها بيتها، فضلًا عن عد أي منها بيتها الوحيد”[43].

     تظهر سوسيولوجيا الثقافة في الوقت الحالي، أن المشروعية الثقافية تتعارض بشكل كبير مع الممارسات الثقافية، حيث إن فكرة تطابق السلع الثقافية مع الجمهور أو الطبقة يختلف حتى بين الطبقة نفسها، نظرًا إلى الانتشار الواسع لمواقع الموسيقى التي تؤدي إلى العبثية في استهلاك أنواع من العالمية عند الأفراد، حتى وإن كانوا يحملون الرأسمال الثقافي نفسه. كما أن الممارسات الثقافية هي أكثر تعقيدًا وأكثر اختلافًا بين الطبقات الاجتماعية، ومن الصعوبة تصنيفها وتحديدها، لأنها تخضع إلى السياق الاجتماعي الذي ينتجه الحقل الافتراضي. معنى ذلك أن الأفراد يمارسون نشاطهم الثقافي حسب الإمكانيات التي يوفرها الحقل الافتراضي مثل الرأسمال المعلوماتي. فامتلاك الفنون لم يعد مرتبطًا بالمؤسسات الثقافية العمومية، لأن توزيع التكنولوجيا الرقمية شجع العديد من الأفراد الذين ينتمون إلى مختلف الفئات الاجتماعية والطبقية أن يلجوا إلى كل أشكال الثقافة حسب السياقات والوضعيات الاجتماعية التي يعيشها الأفراد في حياتهم اليومية. ولذلك فإن “ما يجب على سوسيولوجيا الثقافة أن تهتم به عندما تتعامل مع الموسيقى العالمية هو الانجذاب القوي الذي يشعر به الناس عادة نحو الموسيقى التي لم ينشؤوا معها أو التي ليست لديهم صلة مباشرة بها عبر التراث”[44].

     إضافة إلى أن ما يميز الأفراد، مثل الشباب أنهم كثيرًا ما يسعون إلى تكييف المواد الثقافية الأجنبية مع ما هو محلي أو العكس. كما أنهم يخلقون ثقافة أكثر تجانسًا ومعاصرة من الثقافة التي تميز من هم أكبر سنًا، وتتأسس ثقافة الشباب على التنوع والتعدد في الاستماع إلى الفن الموسيقي بمختلف أشكاله وألوانه الثقافية.

     في ظل هذه الأوضاع، أصبح الذوق الموسيقي الذي ينتجه الفنانون الموسيقيون متنوعًا وملائمًا للعديد من الفئات والطبقات الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، نجد أن الفنان (المغني/الموسيقي) له أعمال موسيقية وغنائية متنوعة بين الموسيقى الكلاسيكية والهيب هوب والجاز والراب وغيرها. وبالتالي لم يعد بالنسبة إلى العديد من الفنانين الموسيقيين حتى وإن كانوا ينتمون إلى الطبقة العليا والمحافظة أن يرفضوا جميع الأعمال الفنية والنفور منها، وإطلاق أحكام قيمية تحط من شأنها. وهو ما يعني أن الهابيتوس الذي يحمله الفنان أو الفاعل في الحقل الموسيقي يتسم بالتغير، وعدم الثبات، ويتأثر بحسب السياق والأوضاع الاجتماعية.

     وقد نغامر بالقول: إن مفهوم الهابيتوس يصبح بدون معنى عندما نفكر في البرامج الفنية والترفيهية، مثل البرنامج الشهير “أميركان أيدول” (American Idol) الذي يساهم في تقديم التنوع الثقافي الذي يميز الثقافة الأميركية، من حيث تنوع الأذواق الموسيقية، إلى جانب تأثير صوت الجمهور أثناء مسار العروض في البرنامج[45]. وأيضا لا ننسى برنامج “أميركان غوت تالنت” (American’s Got Talent) الذي يعرض على القنوات الفضائية وعلى القناة الرسمية بموقع اليوتوب. فالبرنامج يعد واحدًا من أكبر البرامج الفنية والترفيهية في الولايات المتحدة الأميركية، حيث نجد المشاهدين والفنانين والحكام يتذوقون كل الألوان والأشكال الفنية بدءًا من الفن الشعبي مثل الروك والهيب هوب مرورًا بالفن السامي أو البرجوازي مثل الأوبرا. لأن الهابيتوس عند الأفراد الذين يعيشون في مجتمعات متمايزة خاضع لتعدد أطر التنشئة الاجتماعية، والبنى الثقافية التي أثرت فيها وسائل الإعلام والاتصال. حيث كما يرى برنار لايير (Bernard lahire) فإن الثورة الرقمية تمثل أحد العوامل الجديدة في التنشئة الاجتماعية التي يمكن أن تؤدي إلى التناقض الاجتماعي في مستوى الممارسة الاجتماعية. الأمر الذي يخلق ما يسميه لايير بالإنسان المتعدد الأبعاد، أو الإنسان الجامع (L’homme pluriel)[46]، الذي يتسم بمجموعة من التصرفات التي تبدو غير متجانسة وموحدة، بل على العكس من ذلك متنوعة وقابلة للتغيير وفقًا للسياقات الاجتماعية.

     وبالتالي، فإن مشكلة بورديو أنه أصر على القاعدة التي تقول: (الهابتوس/الرأسمال + الحقل = الممارسة الاجتماعية)، وذلك دون أن يستحضر قدرة الفاعلين على الإبداع والابتكار وخلق واقعهم الخاص. فنظرية بورديو تذهب إلى الاعتقاد بأن الفاعلين المشاركين في العالم الأصغر الواحد لديهم استعدادات مشتركة. بمعنى آخر، أن كل هابيتوس يتطابق مع حقل خاص به، وهو ما يخلق لديهم الممارسة الاجتماعية نفسها. وهذا يعني أن الأطر التحليلية التي طورها بورديو، هي في الواقع، حتمية وتتسم أيضا بالتناقض، وذلك عندما وظف “الهابيتوس الذي يرتبط بالمجتمعات ذات التمايز الضعيف على أنه نموذج في دراسة المجتمعات ذات التمايز القوي التي بحكم طبيعتها تعمل على إنتاج فاعلين أشد تباينًا داخليًا وفي ما بينهم”[47].

     ينتقد لايير طبيعة الوحدوية لمفهوم الهابيتوس، موضحًا أن معظم الناس لديهم أذواق ثقافية متعددة ومتنافرة. ومعتمدًا في ذلك مجموعة من البيانات والمعطيات الميدانية. رافضًا بذلك الحتمية الاجتماعية التي تحدث عنها بورديو في مسألة الذوق. فالفرد نفسه اعتمادًا إن كان بمفرده أو في مجموعة، يمكن أن يحب موسيقى الأوبرا والراب[48]. في مقابل ذلك، يدعو برنار لايير إلى سوسيولوجيا الأفراد التي تشدد على مسألة التعرف على الأشكال غير المتجانسة التي تميز كل من الشخصية الفردية والجماعية، حيث يقترح لايير “تطوير سوسيولوجيا تهتم بتعدد منطق الفعل وتعدد أشكال العلاقة للفعل”[49]، والتي تؤكد بأن الإنسان متعدد الأبعاد، خصوصًا في مستوى تعدد الاستعدادات التي يختزنها الفرد بسبب تعدد الصوغ الاجتماعي، ويقول لايير: “الصوغ الاجتماعي المتعدد للأفراد في مجتمعات متمايزة هو ما يفسر أولًا وقبل كل شيء التنوع الفردي المتبادل لسلوكاتهم الاجتماعية. ففي مجتمعات كهذه، نجد فردين ينتميان إلى طبقة اجتماعية واحدة، أو إلى جماعة اجتماعية فرعية واحدة، أو إلى أسرة واحدة، يتمتعان بفرص قوية لأن يتوفر لديهما جزء من ممارساتهما التي تتباين، لأنهما لم يكونا خاضعين بشكل دقيق لأطر صوغ اجتماعي واحدة. ومن جهة أخرى، فإن معاينة وجود تنوعات لدى الفرد الواحد في السلوكات الاجتماعية إنما تسجل من ثم آثار التمايز الاجتماعي وتعدد أطر الصوغ الاجتماعي. وبحكم تعدد مؤثرات الصوغ الاجتماعي التي عاشها الذين يشكلون هذه التكوينات الاجتماعية كما بحكم تنوع السياقات التي اضطروا إلى الفعل ضمنها، فإن من المرجح بقوة أن يتميزوا بتعدد استعداداتهم”[50]. هذا ما يقترحه لايير عن طريق اقتراح سياقات لأنظمة الفعل ودراسة الطريقة التفاضلية التي يتم من خلالها إعادة استثمار الهابيتوس وفقا للسياقات.

     لا شك أن مفهوم الهابيتوس مهم جدًا في سوسيولوجيا بورديو، لكن إذا أردنا فعلًا أن نطور من المفهوم علينا أن نحرره لا أن نقيده، وذلك بأن نجعله قابلًا للتعديل حسب السياق الزمكاني، وتعدد أطر التنشئة الاجتماعية. فالهابيتوس قد لا يصبح له معنى إذا كان ثابتًا، وذلك عندما نجد الأفراد جميعهم الذين ينتمون إلى خلفيات طبقية مختلفة، يعملون على تذوق أشكال الفنون كلها، خصوصًا في المجتمعات المتمايزة. فانتشار المعاهد الفنية، والمعارض الموسيقية، والتلفزيون، والإنترنت، ثم تزايد الإقبال عليها من طرف جل الطبقات الاجتماعية، قد أدى إلى تغير في التراتبية الاجتماعية التي تتمثل في تراجع احتكار الطبقة العليا لفن موسيقي معين، ونهاية ما يسمى بالذوق الواحد.

رابعًا: الفن الموسيقي في زمن العولمة  

     تعد النقاشات حول العولمة أساسية وملحة في المناقشات التي تهتم بالثقافة، إذ “تكمن العولمة في قلب الثقافة المعاصرة، وتكمن الممارسات الثقافية في قلب العولمة”[51]. فالعولمة الثقافية تؤثر بشكل كبير في تغيير التسلسل الهرمي للثقافة، نظرًا إلى التبادل الثقافي المتزايد عبر الحدود الوطنية، وإلى سرعتها الدينامية في تغيير الأشكال الثقافية؛ أي تغييرها من الأشكال الوطنية إلى الأشكال العالمية، مثل الأشكال الموسيقية التي يتم تسويقها تحت عنوان “الموسيقى العالمية”. ذلك أن أكثر ما يميز الموسيقى العالمية، هو أنها يمكن أن تبدأ من منطقة ما، وتنتشر في أنواع أخرى من الموسيقى على مستوى العالم، “أو إلى أماكن وطنية أخرى حيث يؤدي اندماج الموسيقى إلى خلق أشكال جديدة من الثقافة المحلية أو الوطنية في تلك المنطقة، أي أشكال جديدة من التوطين”[52].

    في الماضي، ارتبط الفن الموسيقي بالنمط الاجتماعي الذي كان يميز أحد الطبقات الاجتماعية عن الأخرى، فقد كان يتم العمل على تكييف الأسلوب الموسيقي مع أشكال وعادات الحياة الاجتماعية لفئة أو لطبقة معينة. فالناس العاديون، والبرجوازيون، والنبلاء كانوا يعملون على توليد الأشكال الموسيقية المعدلة وفقًا لبيئتهم[53]. أما اليوم، فإن ما يميز عالمنا المعاصر، هو أن العولمة ساهمت في عملية الامتزاج والتهجين للفن الموسيقي، وذلك عن طريق مجموعة من التقنيات والتطبيقات الموسيقية. علاوة على ذلك، يلاحظ أن العولمة تؤدي إلى التنوع الثقافي والتعدد الموسيقي، كما أنها تعيد إحياء الموسيقى، وإبراز أنماط جديدة من الموسيقى. “فبالنسبة إلى الجماهير، يساعد التعاون عبر الحدود بين الموسيقيين والمنتجين على اكتشاف موسيقى جديدة يمكن أن يستمتع بها الجمهور الغربي. حينها، يمكن إدهاش مثل هؤلاء المستمعين من قبل توفيقات جريئة لم تكن متصورة أو يعتقد أنها ممكنة من قبل”[54].

     تهدف العولمة الثقافية إلى نشر عملية الاستهلاك في العديد من المجتمعات الإنسانية، لكون الاستهلاك يمثل تحكما مرنا في التفضيلات الثقافية، فهو يهدف إلى تحقيق التنوع في السلوكات والأذواق، والحد من التراتبية الثقافية عبر “التقليل من الفروق القائمة منذ القدم بين الجنسين وبين الأجيال، وذلك لفائدة تمايز فائق، في الوقت الحالي للسلوكات الفردية المتحررة من الأدوار والأعراف المتصلبة”[55]؛ حيث يرجع ذلك إلى انتشار وسائل الاتصال مثل مواقع التواصل الاجتماعي، وانخفاض تكلفة الإنتاج التي تعد من أهم العوامل المساعدة في تضخم السلع الثقافية وتوفرها بشكل مفرط. ولهذا، أصبح “الاستهلاك بنية مفتوحة ودينامية، فهو يحرر الفرد من علاقات التبعية الاجتماعية ويسرع حركات الاستيعاب والرفض، وينتج أفرادًا عائمين وحركيين، ويعولم أنماط الحياة مع السماح بالحد الأقصى من التفرد للناس”[56].

     تشهد الموسيقى العالمية ارتفاعًا في كمية السلع الموسيقية، إلى جانب تعدد أنواعها وأشكالها بسبب تأثير العولمة. الشيء الذي يؤدي إلى تنوع في الأذواق عند الأفراد، مثل الذوق الجيد والذوق المبتذل أو ما نسميه باللاذوق (انعدام الذوق). فضلًا عن ذلك، فإن الأفراد الذين يهتمون بالأشكال الموسيقية، هم الذين يحددون جودة السلع التي ينتجها الفنان الموسيقي مهما كانت أصوله الاجتماعية (الطبقة العليا أو الطبقة المتوسطة أو الطبقة الدنيا)، نظرًا إلى الدور الذي يلعبه الإنترنت في توزيع ومشاركة السلع الموسيقية بين الأفراد الذين ينتمون إلى مجتمعات مختلفة. وقد أصبحت الموسيقى العالمية تعطي انطباعًا بفتح آذاننا على عالم واسع من الاحتمالات الثقافية، فإذا كانت الموسيقى العالمية هي النموذج المثالي للثقافة العالمية، فإننا قد نجد أو نصادف أشكالا من السلع الموسيقية التي تبدو منعدمة الذوق بالنسبة إلى الأفراد، لأنها تتميز عن غيرها من الألوان الموسيقية بالتوليف، وهو ما يجعلها تبدو غريبة على مستوى ذوق الأفراد. فهناك مجموعة من “الأشكال الموسيقية الناتجة من امتزاج نوعين أو أكثر من الأشكال الموسيقية، التي كانت قبل ذلك الوقت متمايزة جغرافيًا أو صوتيًا”[57]. ومع ذلك، نجد الأفراد أو جمهور الفن يستهلكونها من أجل الترفيه فقط.

     إن أكثر ما يميز الأنواع الموسيقية (ريغي، صلصا، الراب، البوب، البلوز، الراي…) عن باقي السلع الثقافية (الأدب، الأفلام…)، هو قدرتها على الانتقال بين أطراف الكرة الأرضية، لأن العولمة الثقافية من خلال آلياتها (شركات الإنتاج الموسيقي “الصغرى والكبرى”، وسائل الإعلام والاتصال… )، تهدف إلى تفجير الحدود الثقافية والاجتماعية التي تميز المجتمعات القومية، فهي ترسم لنا الوجه الجديد للمجتمعات المعاصرة التي تقوم على التنوع في الأشكال الثقافية، من خلال التداخل بين المحلي والدولي أو الامتزاج بين الأصيل والتقليدي. كما أنه من خلال التكنولوجيا الرقمية تسعى العولمة الثقافية إلى تحرير المجتمعات المعاصرة من المؤسسات المادية والثقافية، وذلك عن طريق خلق الفضاءات الرقمية بكونها بنيات تحتية من أجل تعزيز الملكية الثقافية، إضافة إلى تخفيض التكاليف المرتبطة بالصناعات الثقافية مثل الفن الموسيقي. وقد أدى كل ذلك إلى ارتفاع “تجارة الموسيقى عالميًا من 27 مليون دولار أميركي عام 1990م إلى 38 مليون دولار أميركي في عام 1998. كما حقق إجمالي تجارة السلع الثقافية نسبة 2.8% من إجمالي الاستيراد العالمي في عام 1997م، وبزيادة فاقت 2.5% عما كانت عليه في عام 1980م”[58].

     وعلى الرغم من انتشار التكنولوجيا الرقمية بين الناس، ودورها في انخفاض تكلفة الإنتاج الموسيقي، وارتفاع كميتها على شكل ألبومات، وتبادلها بين صفوف مستخدمي الويب، فإن الممارسة الثقافية عند الأفراد الذين يهتمون أو يحيطون بالفن الموسيقي تكشف نوعا آخر من التمايز الاجتماعي. ذلك أن موقع اليوتيوب بكونه أحد المواقع الناجحة في عرض وتسويق الموسيقى، يمثل وسيلة ممتازة لكشف التمايز الاجتماعي. 

     في هذا السياق، نلاحظ أن هناك ثلاث فئات اجتماعية رئيسة تحيط بالفن الموسيقي على موقع اليوتيوب، وهي تختلف كثيرًا على مستوى الممارسة الثقافية، ومن حيث درجة الرأسمال المعلوماتي، إذ لا يعني أن وجود عدد كبير من “متصفحي” موقع اليوتيوب أن هناك مساواة في حيازة الرأسمال المعلوماتي، وهذه الفئات الاجتماعية تتوزع كالتالي[59]:

1 ـ جمهور الفن، الذي يمثل الفئة السائدة في حقل الفن الافتراضي، ومكونة على الأغلب من فئة المعجبين، ويتميزون عن بعضهم بعضًا في طبيعة اختيارهم للموسيقى، وهم وسيلة ممتازة في تمكين الموسيقيين من الشهرة وتحقيق الأرباح من خلال المشاهدة للأعمال الفنية.

2 ـ الموسيقيون الهواة، وهم فئة تتجه نحو أنواع اللهو والتقليد والمحاكاة، وهي أقل تكلفة في الاستهلاك، وتتوفر على الرأسمال المعلوماتي مثل المهارات والقدرات المتعلقة باستخدام الإنترنت، إلا أنها ضعيفة على مستوى الإمكانيات الثقافية والمادية، ما يؤدي إلى منعهم من الوصول إلى النجومية والشهرة.

3 ـ الموسيقيون ذوو الخبرة، وهم الفئة القادرة على الإنتاج الموسيقي مثل الألبومات عن طريق شركات الإنتاج، وهي أكثر تكلفة للاستهلاك، ويتوفرون على الرأسمال الثقافي والاجتماعي والمادي، وهي الفئة المسيطرة في حقل الموسيقى الافتراضية.

     تلك هي أهم الفئات الاجتماعية حضورًا وتجسيدًا في الحقل الموسيقي، فكل فئة اجتماعية لها مجموعة من الرهانات والمصالح التي تريد تحقيقها عندما تختار الولوج إلى الإنترنت. وقد تكون هذه الرهانات والمصالح قائمة على التنافس والصراع، وفي كثير من الأحيان قائمة على التعاون. وعلى سبيل المثال، فإن “موقع مايسبيس يساعد في تسهيل الوصول إلى المعلومات حول الاهتمامات والتفضيلات الموسيقية المشتركة التي تؤدي إلى التعاون المهني”[60] بين مجموعة من الفاعلين (الفنانين والهواة وحتى الجمهور). حيث إن هذا التعاون الذي توفره تكنولوجيا المعلومات ووسائل الاتصال قد عمل على زيادة حجم التبادلات الثقافية وإحداث مزيج بين مجموعة من الثقافات. وبالتالي، فإن “العولمة الثقافية سهلت الاتصال بشكل أكبر بين الثقافات الموسيقية، من خلال توفير مزيج أسلوبي وهجين طمس الوضوح المفترض لرسم الخرائط الموسيقية وفقًا للأمة والعرق”[61].

     في الوقت الحالي، إن عالم الموسيقى هو عالم كوني، فهو أكثر الأشكال الثقافية انتشارًا من الأشكال الأخرى مثل (الأفلام والمسرح والأدب…إلخ). لأن السوق الافتراضية، تمنح لجمهور الفن الإمكانية من أجل الحصول على الألبومات الموسيقية وتخزينها وتداولها ملفات أو بيانات، وليس ملكية مادية ملموسة، فالموسيقى هي أسهل الملفات للتخزين والتشغيل الإلكتروني، على عكس أشكال الترفيه الأخرى التي تأخذ الكثير من الوقت من أجل تحميلها أو حتى تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي. فما يميز الموسيقى أنها مجانية في عملية التنقل بين المنصات ومواقع الويب، وهي الأكثر شيوعًا من خلال البث الإذاعي، بطريقة لا تتاح بها أشكال أخرى من الثقافة؛ حيث يمكن للإذاعة الموسيقية أن تقوم ببثها في أي وقت، وأن توجهها لجميع الفئات والطبقات الاجتماعية.

     لهذا، نجد أن الذوق الموسيقي عند الأفراد يتسم بالتنوع والتعدد، حيث هناك إصدارات موسيقية لها طابع الريميكس Remix. وتكون غالبًا عبارة عن خليط ممزوج بين الهيب هوب والراب، أو بين الأوبرا والهيب هوب. إذ يمكن ملاحظة تهجين للموسيقى الكلاسيكية من خلال مزجها بأغاني معاصرة ​​بطريقة مبدعة وفريدة من نوعها، وباعتماد التطبيقات الرقمية مثل VirtualDJ2020 وSofeh Music Studio وWindows Movie Maker وذلك من أجل تحرير الموسيقى، حتى يتم نشرها في موقع اليوتيوب، لكي يستطيع زوار الموقع من مشاهدتها والاستماع لها. فالفكرة الأساس هنا، هي “أن الأشكال الثقافية الهجينة الجديدة آخذة بالظهور مع العولمة”[62]. ومن الأمثلة: أنه يوجد في موقع اليوتيوب مجموعة من فناني الأداء وهم يعزفون أشكالًا موسيقية هجينة أو معدلة، فقد أصبحت الأوبرا التي يتم تصديرها من الغرب إلى كل أنحاء العالم، من أهم الأشكال الموسيقية التي يتم تعديلها أو تهجينها، حيث تمارس بطريقة مختلفة في مناطق جغرافية مختلفة مثل بلدان جنوب آسيا وأميركا اللاتينية.

     ومثل هذه الممارسة الثقافية التي تميز فئة المبدعين والموسيقيين تزعزع فكرة الذوق الواحد، والفن الموسيقي المهيمن. لأن الحياة الموسيقية بطبيعتها إبداع وابتكار، وهي لا تبقى على حالها دائمًا، فهي تتميز بالدينامية والتفاعل مع الواقع الاجتماعي. فالصناعة الموسيقية تحدث بشكل فوري ولا تأخذ وقتًا للانتظار في العرض، وتهدف أساسًا إلى أن تلبي الرغبة عند كل المستهلكين ما دام هناك جمهور يتطلع لما هو جديد في الفن الموسيقي، وكما يقول باومان: “فالعرض المتواصل لعروض جديدة دومًا هو أمر واجب من أجل حركة بيع متزايدة للبضائع، مع فاصل قصير بين امتلاكها والتخلص منها، ويصاحب ذلك استبدالها لتحل محلها بضائع جديدة أفضل”[63]. لذا، يتميز الفن الموسيقى في المجتمعات المعاصرة، بأنه مجال مفتوح للجميع؛ أي لكل المعجبين والهواة وأصحاب الخبرة وحتى الشركات، وليس حكرًا على طبقة اجتماعية أو فئة معينة. ولذلك فإن النتيجة التي يمكن أن نستنبطها من انتشار الموسيقى العالمية هي: “تعددية ثقافية مريحة للمستهلك”[64]، لأن العولمة الثقافية زادت من اتصال العالم وإحساسنا به، وجعلت من التنوع الثقافي جزءًا مهمًا في حياتنا اليومية. كما استطاعت عبر آلياتها أن تدفع الأفراد إلى استهلاك السلع الموسيقية بشكل مفرط، وأن تؤدي إلى ما يسمى باستهلاك اللاشيء.

     أخيرًا، يعد الحقل الموسيقي من أكثر الحقول الاجتماعية تعقيدًا وتقلبًا، فالموسيقى عبارة عن حقل مفتوح على كل الاحتمالات والفرضيات، كما أنها حقل يتسم باللايقين وعدم الثبات، نظرًا للأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي أفرزتها العولمة. وكما يقول جورج زيمل: “إن الواقع الاجتماعي اليوم شديد التعقيد، والتقلب، وعدم الاستقرار ويتصف بشكل مفرط، بالبعد، وسرعة الزوال والغموض، فلا يقدر أن يدعم أي شيء سوى المحاولات السريعة الزوال عند الجمع الشامل للحياة”[65].

      كل هذا يدفعنا إلى استنتاج أن الفن الموسيقي يتسم بالتعقيد والتشابك، كما يمتاز بالكثير من عدم الثبات. نظرًا لأن مجموعة من أنواع الموسيقى أصبحت عالمية بسبب تأثير التكنولوجيا الرقمية، ما حولها إلى شكل من الأشكال الثقافية المعولمة، حيث لم تعد الموسيقى في الوقت الراهن، ترتبط بالحدود القومية للدولة، أو خاصة بفئة أو طبقة معينة. ذلك أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة، أنتجت ما يسمى بالتداخل الثقافي، كما أدت إلى تعزيز التنوع في الأذواق وفي إنتاج ما يسمى باللاذوق.

ختام القول

     لقد كان لتطور تكنولوجيا الاتصال في المجتمعات الغربية دور كبير في تغيير مجموعة من البنى الثقافية التي كانت سائدة خلال أوساط القرن العشرين، فانتشار الإنترنت أدى إلى ظهور أشكال جديدة من التصنيفات والأذواق الثقافية، وذلك خلافًا لما أكده بيير بورديو في مجموعة من أبحاثه السوسيولوجية قبل بروز ما يسمى بالثورة المعلوماتية. حيث أشارت بعض الدراسات السوسيولوجية (ذات طبيعة نقدية) إلى أن التحليلات التي اعتمدها بورديو حول الحياة الثقافية اتسمت في جوهرها بالحتمية في مسألة الذوق، كما أنه كان يغالي في مسألة التراتبية الثقافية.

     يتميز الفن الموسيقي بالتغير على المستوى العالمي. فهناك تطور ملحوظ في أنواع وأشكال الموسيقى العديدة، كما أن جمهور المعجبين بالفن الموسيقي أصبحوا يساهمون في إنتاج الموسيقى ونشرها في المنصات الخاصة بالتواصل الاجتماعي بدلًا من استهلاكها. إلى جانب أن انتشار الإنترنت حول العالم قد زاد من تواصل الناس مع بعضهم بعضًا، وهو الشيء الذي أثر على الناس وبشكل كبير في طريقة اكتشافهم لأنواع كثيرة من الموسيقى.

     في النهاية يمكن القول، إن سهولة إنتاج الموسيقى وسرعة تدفقها عبر مواقع الإنترنت قد أدى إلى إنتاج أنواع من الموسيقى تحت عبارة الموسيقى العالمية، وهو ما خلق أشكال متعددة من الأذواق عند الأفراد، فهناك حاليًا أنواع من الموسيقى دون أذواق نظرًا للطابع التوليفي الذي يميزها، والذي يقوم على مزج أكثر من لون موسيقي في شكل واحد، وذلك على الرغم من وجود اختلافات ثقافية بين المجتمعات الإنسانية.

 

المراجع المعتمدة

أنغليز، ديفيد./هغسون، جون. “سوسيولوجيا الفن: طرق للرؤية”، ليلى الموسوي (ترجمة)، العدد 341، الكويت: سلسلة عالم المعرفة، يوليوز2007.

إينيك، نتالي. “سوسيولوجيا الفن”، حسين جواد قبيسي (ترجمة)، ط 1، بيروت ـ لبنان: المنظمة العربية للترجمة، 2011.

باومان، زيجمونت. “الثقافة السائلة”، حجاج أبو جبر (ترجمة)، ط 1، بيروت ـ لبنان: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2018.

شوفالييه، ستيفان./ شوفيري، كريستيان. “معجم بورديو“، الزهرة إبراهيم (ترجمة)، ط 1، الشركة الجزائرية السورية ودار الجزائر، 2013.

العجيلي، شمسي./ هايدن، باتريك. “النظريات النقدية للعولمة”، هيثم غالب الناهي (ترجمة)، ط 1، المنظمة بيروت ـ لبنان، المنظمة العربية للترجمة، 2016.

فرح، عبد الإله. “العالم الافتراضي ونظرية الممارسة”، فئة مقالات ـ قسم الدين وقضايا المجتمع الراهنة، منشورات مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، بتاريخ 28 أكتوبر 2019.

لايير، برنار. “عالم متعدد الأبعاد: تأملات في وحدة العلوم الاجتماعية”، بشير السباعي (ترجمة)، ط 1، القاهرة ـ مصر: المركز القومي للترجمة، 2015.

ليبوفتسكي، جيل. “عصر الفراغ: الفردانية المعاصرة وتحولات ما بعد الحداثة”، حافظ إدوخراز (ترجمة)، ط 1، بيروت ـ لبنان: مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، 2018.

Bostard, Irène & Bourreau, Marc & Maillard, Sisley & Moreau, François : « De la visibilité à l’attention les musiciens sur internet » Réseaux. N°175/2012 . P.P22-42.

Bourdieu, Pierre. (1969) : L’amour de L’art . Paris : éditions de Minuit.

Bourdieu, Pierre. (1996), Distinction : a social critique of the judgement of taste, Translated by Richard Nice, Eighth printing. Harvard University Press.

Bourdieu, Pierre. (1997) : Méditations Pascaliennes ; Paris le Seuil.

Grenfell, Michael & Hardy, Cheryl. (2007) : Art Rules. Pierre Bourdieu and the Visual Arts. Berg Publishers.

Lahire, Bernard. (1998) : L’homme pluriel. Les ressorts de l’action, Paris, Nathan.

Lahire, Bernard. (2004) : La culture des individus : dissonances culturelles et distinction de soi, Paris, La Découverte.

Martell, Luke. (2016) : The Sociology of Globalization. Cambridge, UK ; Malden, Polity Press : 2 ND EDITION.

Meizel, Katherine L. (2010) : Idolized_ Music, Media, and Identity in American Idol. Indiana University Press.

Mjøs, Ole  J. (2013) : Music, Social Media and Global Mobility ; MySpace, Facebook, YouTube. Routledge.

Pitt, Ivan L. (2010) : Economic analysis of music copyright ; income, media and performances. Springer-Verlag New York.

Shepherd, John. Devine, Kyle. (2015) : The Routledge Reader on the Sociology of Music. Routledge.

Supičić, Ivo. (1987) : Music in Society a Guide to the Sociology of Music. Pendragon Press.

Zolberg, Vera L. (1990) : Constructing a Sociology of the Arts. Cambridge- University Press.

[1] . Vera L. Zolberg (1990) : Constructing a Sociology of the Arts. Cambridge- University Press,  P.3.

[2] . نتالي إينيك، سوسيولوجيا الفن، حسين جواد قبيسي (مترجم)، ط 1، بيروت ـ لبنان: المنظمة العربية للترجمة، 2011، ص: 27.

[3] . أوستن هارينغتون، الفن والنظرية الاجتماعية، حيدر حاج اسماعيل (مترجم)، ط 1، بيروت ـ لبنان: المنظمة العربية للترجمة، 2014، ص: 260 ـ 261.

[4] . إينيك، سوسيولوجيا الفن، ص: 28.

[5] . John Shepherd, Kyle Devine, (2015) : The Routledge Reader on the Sociology of Music. Routledge, P.4.

[6]. ديفيد أنغليز وجون هغسون، سوسيولوجيا الفن: طرق للرؤية، ليلى الموسوي (ترجمة)، العددي 241، الكويت: سلسلة عالم المعرفة،  يوليوز2007، ص: 31.

[7] . المرجع السابق، ص: 72.

[8] . Vera L. Zolberg (1990) : Op.Cit, P.8.

[9] . Vera L. Zolberg (1990) : Op.Cit, P.11.

[10] . Ibid, P.14

[11] . إنجليز وهغسون، سوسويلوجيا الفن، ص: 73.

[12] . المرجع السابق، ص: 52

[13] . إينيك، سوسيولوجيا الفن، ص: 19 ـ 20.

[14] . Pierre Bourdieu (1996), Distinction : a social critique of the judgement of taste, Translated by Richard Nice, Eighth printing. Harvard University Press.

[15]. كثيرًا ما يتم ترجمة مفهوم الهابيتوس Habitus في اللغة العربية بالسجية أو الخلقة أو الطبع أو السمت أو الاعتياد التي توجه السلوك بطريقة تلقائية وعفوية. وقد وجده بورديو عند دوركايم الذي استعاره من فلاسفة العصور الوسطى، لكي يوضح مختلف ما يتعلمه الطفل خلال تربيته.

[16] . Pierre Bourdieu, (1997) : Méditations Pascaliennes ; Paris le Seuil ; P.200.

[17] . Pierre Bourdieu (1996) ; Op. Cit, P.466.

[18]. ستيفان شوفالييه وكريستيان شوفيري، معجم بورديو، الزهرة إبراهيم (ترجمة)، ط 1، الشركة الجزائرية السورية ودار الجزائر، 2013، ص: 148.

[19]. المرجع نفسه، ص: 149 ـ 150.

[20] . برنار لايير، عالم متعدد الأبعاد: تأملات في وحدة العلوم الاجتماعية، بشير السباعي (ترجمة)، ط 1، القاهرة ـ مصر: المركز القومي للترجمة، 2015، ص: 124.

[21] . المرجع نفسه، ص: 131.

[22] . Michael Grenfell & Cheryl Hardy (2007) : Art Rules. Pierre Bourdieu and the Visual Arts. Berg Publishers, P. 40.

[23] . Pierre Bourdieu (1969) : L’amour de L’art. Paris : éditions de Minuit. P.40.

[24] . Michael Grenfell & Cheryl Hardy (2007), Op. Cit, P.46.

[25] . Pierre Bourdieu (1996), Op.cit, P.56

[26] . Ibid, P.241.

[27] . Ibid, P.16.

[28] . John Shepherd, Kyle Devine, (2015), Op.Cit, P.13.

[29] . Ole  J. Mjøs (2013) : Music, Social Media and Global Mobility ; MySpace, Facebook, YouTube. Routledge ; P. 58.

[30] . Ibid, P. 64.

[31] . John Shepherd, Kyle Devine, (2015), Op.Cit, P.149.

[32]. Irène Bostard & Marc Bourreau & Sisley Maillard & François Moreau : « De la visibilité à l’attention les musiciens sur internet » Réseaux. N°175/2012. P.P22-42. P.23.

[33]. Ibid, P. 30.

[34] . Michael Grenfell & Cheryl Hardy (2007) ; Op. Cit, P. 177.

[35] . Ibid. P.P 177-178.

[36] . John Shepherd, Kyle Devine, (2015), Op.Cit, P.149.

[37] . Ivan L. Pitt (2010) : Economic analysis of music copyright ; income, media and performances. Springer-Verlag New York, P.5.

[38] . Ibid, P. 10.

[39] . زيجمونت باومان، الثقافة السائلة، حجاج أبو جبر (ترجمة)، ط 1، بيروت ـ لبنان: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2018، ص: 12

[40] . هارينغتون، الفن والنظرية الاجتماعية، ص: 178.

[41] . المرجع نفسه، ص: 179.

[42] . المرجع السابق، ص: 180

[43] . زيجمونت باومان، الثقافة السائلة، ص: 21.

[44] . ديفيد انغليز وجون هغسون، سوسيولوجيا الفن، مرجع سابق، ص: 275.

[45] . Katherine L. Meizel (2010) : Idolized_ Music, Media, and Identity in American Idol. Indiana University Press.

[46] . Bernard Lahire (1998) : L’homme pluriel. Les ressorts de l’action, Paris, Nathan.

[47] . Ibid, P.13.

[48] . انظر دراسة برنار لايير حول ثقافة الأفراد.

Bernard Lahire, (2004) : La culture des individus : dissonances culturelles et distinction de soi, Paris, La Découverte.

[49] . Bernard lahire, (1998), Op.Cit, P.188.

[50] . برنار لايير، عالم متعدد الأبعاد، ص: 111.

[51] . شمسي العجيلي وباتريك هايدن، النظريات النقدية للعولمة، هيثم غالب الناهي (ترجمة)، ط 1، بيروت ـ لبنان: المنظمة العربية للترجمة، 2016، ص: 289.

[52] . Luke Martell, (2016) : The Sociology of Globalization. Cambridge, UK ; Malden, Polity Press : 2 ND EDITION.

[53] . Ivo Supičić (1987): Music in Society a Guide to the Sociology of Music. Pendragon Press, P.131.

[54] . إنغليز وهغسون، مرجع سابق، ص: 269..

[55] . جيل ليبوفتسكي، عصر الفراغ: الفردانية المعاصرة وتحولات ما بعد الحداثة، حافظ إدوخراز (ترجمة)، ط 1، بيروت لبنان: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2018، ص: 113.

[56] . المرجع نفسه، ص: 116.

[57] . إنغليز وهغسون، سوسيولوجيا الفن، ص: 262.

[58] . العجيلي وهايدن، النظريات النقدية للعولمة، ص: 291.

[59] . عبد الإله فرح، العالم الافتراضي ونظرية الممارسة، فئة مقالات ـ قسم الدين وقضايا المجتمع الراهنة، منشورات مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، بتاريخ 28 أكتوبر 2019.

[60]. Ole  J. Mjøs (2013) ; Op.Cit, P.101.

[61] . John Shepherd, Kyle Devine, (2015), Op.Cit, P.201.

[62] . العجيلي وهايدن، النظريات النقدية للعلومة، ص: 313.

[63] . زيجمونت باومان، الثقافة السائلة، ص: 23.

[64] . إنغليز وهغسون، سوسيولوجيا الفن، ص: 270.

[65] . هارينغتون، الفن والنظرية الاجتماعية، ص: 270.

عبد الإله فرح

باحث مغربي، حاصل على دبلوم الدراسات الجامعية العامة في علم الاجتماع عام 2011، جامعة ابن طفيل ـ القنيطرة. حاصل على شهادة الإجازة في علم الاجتماع سنة 2012، تخصص علم الاجتماع، جامعة ابن طفيل ـ القنيطرة. حاصل على شهادة الماستر في سوسيولوجيا التنمية المحلية سنة 2017، جامعة ابن طفيل ـ القنيطرة. طالب باحث في سلك الدكتوراه بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة. يعدّ أطروحة في علم الاجتماع حول موضوع "جائحة كوفيد 19: التأثير الاجتماعي والاقتصادي بالمغرب"، تحت إشراف الدكتور مبارك الطايعي. عضو مستشار في المكتب الوطني للجمعية المغربية لعلم الاجتماع بالرباط منذ سنة 2017. له مقالات ودراسات علمية عديدة منشورة في المجلات العلمية والثقافية المحكَّمة. وله عدة كتب قيد النشر، منها: التنظير والنظرية في سوسيولوجيا ريتشارد سويدبيرغ، سوسيولوجيا التنمية بالمغرب، سوسيولوجيا المجتمعات الافتراضية.

منى الجراري

باحثة مغربية في علم الاجتماع، مهتمة بقضايا البيئة والتنمية والأسرة. حاصلة على شهادة الإجازة في العلوم الاقتصادية بجامعة القاضي عياض بمراكش سنة 1999. حاصلة على شهادة الإجازة في علم الاجتماع بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة سنة 2017. حاصلة على شهادة الماستر في سوسيولوجيا المجال وقضايا التنمية الجهوية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة سنة 2019. طالبة باحثة في سلك الدكتوراه، تخصص علم الاجتماع، جامعة ابن طفيل القنيطرة ـ المملكة المغربية. مديرة مصالح مجموعة الجماعات الترابية بني أحسن للبيئة بإقليم سيدي سليمان ـ المغرب. رئيسة جمعية الكرامة لذوي الاحتياجات الصعبة وحماية حقوق المرأة والطفولة ـ المغرب. عضوة في الجمعية المغربية لعلم الاجتماع.