فهم تباين الأنظمة في الدول العربية بعد الانتفاضات

رايموند هينبوش[1]

Raymond Hinnebusch

 ترجمة ورد العيسى

 ملخّص

على الرغم من حقيقة أن الديمقراطية كانت مطلبًا رئيسًا للمتظاهرين الذين قادوا الانتفاضات العربية، إلا أن بعد خمس سنوات كانت تونس الوحيدة المؤهلة للديمقراطية، في حين كانت النتائج في أماكن أخرى إما استعادة للسلطوية أو دولًا فاشلة. تسعى هذه الورقة لفهم هذه المسارات الثلاثة المتباينة في الدول العربية ما بعد الانتفاضة، مع أخذ تجارب كلٍّ من تونس ومصر وسورية مثالًا لكل مسار منها.

[1]  رايموند هينبوش؛ أستاذ العلاقات الدولية وسياسة الشرق الأوسط بجامعة سانت أندروز.

مصدر المادة:

The Journal of Historical Sociology Volume31, Issue1.

Special Issue: War, revolt and rupture: The historical sociology of the current crisis in the Middle East.

نُشرت المادة في 6 نيسان/ أبريل 2018، ورابطها على الشبكة العنكبوتية:

https://onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1111/johs.12190

Abstract

Despite the fact that democracy was a main demand of the protestors who spearheaded the Arab uprisings, five years later only Tunisia qualifies as democratic while elsewhere the outcomes have been either authoritarian restoration or failing states. This paper seeks to understand these three divergent trajectories in the post‐uprising Arab states, with Tunisia, Egypt and Syria taken as representative of each.

أدب ما بعد الانتفاضة وعلم الاجتماع التاريخي

لعدة عقود، كانت المقاربات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عالقة بين نموذج الدمقرطة الذي يتوقع تحولًا ديمقراطيًا، ولم يكن لديه اهتمام كبير بفهم الأنظمة السياسية غير الديمقراطية القائمة بالفعل ونهج الاستبداد المرن، الذي عد المنطقة محصنة نسبيًا ضد إقامة الديمقراطية. أعاقت كلتا المقاربتين فهم الانتفاضة العربية: فشلت مدرسة الاستبداد المرن في توقعها ولم تستطع مدرسة التحول الديمقراطي بسهولة تفسير “الحصاد [الديمقراطي] المتواضع” (Brownlee et al. 2013) لفترة ما بعد الانتفاضة (Valbjorn 2015). ولم تتمكن من أن تشرح تباين النتائج الجلي بسهولة.

من المؤكد أن مجموعة مهمة من الأدبيات تتراكم حول أسباب ونتائج الانتفاضات، على الرغم من أنها لا تزال تكافح للهروب من مفترق الثنائية السابقة (Valbjorn 2015). وهكذا، سعت كثير من الأعمال المبكرة إلى فهم ما فات من أدبيات الاستبداد المرن بعد أن استسلمت الأنظمة الاستبدادية بشكل غير متوقع للانتفاضة، وركزت على كيفية نجاح التعبئة المناهضة للنظام بعد سنوات من السكون الشعبي، لتحيي أحيانًا توقعات نموذج الدمقرطة (Aarts et.al; 2012; Tripp 2014; Leenders 2013; Durac 2015). مع تعثر عملية الدمقرطة (التحول الديمقراطي)، تكهنت الأعمال ذات التوجه الاستبدادي المرن فيما إذا كانت أنواع معينة من الاستبداد -ولا سيّما “السلطانية” منها- تجعل التحول الديمقراطي السلمي أقل احتمالًا (Stepan and Linz 2013). بقي معظم العمل على مستوى التمثيل -استراتيجيات النخب أو المعارضة- وكان العدد القليل من أولئك الذين ينظرون في السياق البنيوي أكثر قلقًا بشأن الكيفية التي تم التسبب بمظالم ما وراء الثورة أكثر من اهتمامها بالاستقطاب الناتج عن هذه المظالم وتأثيره على مسارات ما بعد الانتفاضة (Aschar 2103, Heyderian 2104). كان العمل على التأثير الدولي على الانتفاضات يميل إلى التركيز على انتشار التحولات الديمقراطية (Abushouk 2016) أو على التأثير المضاد للدعم المتبادل بين الأنظمة الاستبدادية (Leenders 2016)، مع اهتمام أقل بكثير بكيفية تدخل القوى المتنافسة العديدة ذات المشاريع المتعارضة التي قد تؤثر على النتائج. تميل هذه الأعمال أيضًا إلى تفضيل جوانب معينة على غيرها؛ على هذا النحو، فإن المطلوب الآن هو الجمع بين هذه الأبعاد بشكل منهجي ومقارن والتركيز على تأثيرها المشترك على مسارات ما بعد الانتفاضة (Hinnebusch 2016).

يتناسب تقليد علم الاجتماع التاريخي بشكل خاص مع هذا الجهد إذا عده المرء كنيسة واسعة جدًا تضم خيوطًا مختلفة، يتناول كل منها جزءًا من المعادلة اللازمة لفهم مسارات ما بعد الانتفاضة بشكل مناسب. تشمل أصناف علم الاجتماع التاريخي التي تركز على التمثيل نخبةً قوية من الدراسات لعلم الاجتماع السياسي الكلاسيكي، والمقاربات الفيبيرية الجديدة لإنشاء السلطة ونظرية الحركة الاجتماعية التي تبحث في تمثيل المعارضة. وعند التركيز على السياقات الهيكلية الأعم يُشمل عمل الاقتصاد السياسي المستوحى من الماركسية وعرض علم الاجتماع التاريخي الدولي للدستور المشترك التاريخي للدول وأنظمة الدول (Hinnebusch 2014).

يتمتع علم الاجتماع التاريخي بمزايا مفاهيمية يتميز بها عن منافسيه الرئيسين، نموذج الدمقرطة والاستبداد المرن، في فهم مسارات ما بعد الانتفاضة. أولًا، على عكس نموذج الدمقرطة، لا يفترض علم الاجتماع التاريخي نقطة نهاية ديمقراطية عالمية للتنمية؛ على العكس من ذلك، يؤكد “قانون حكم الأقلية الحديدي” لعلم الاجتماع السياسي الكلاسيكي مرونة حكم النخبة والمزايا التي تتمتع بها النخب في الحفاظ على السيطرة أو استعادتها (Michels 1966, Mosca 1939). من ناحية أخرى، لا يفترض علم الاجتماع التاريخي، أن استراتيجيات النخبة ستسود دائمًا، مع نظرية الحركة الاجتماعية التي تحدد الأوضاع التي يمكن للجماهير -أو بشكل أكثر دقة “النخب المضادة”- اختراق احتواء النخبة. على هذا النحو، بدلًا من “التقدم” الخطي لنموذج الدمقرطة نحو التحول الديمقراطي أو الاستبداد الاستثنائي للاستبدادية المرنة، يجب أن نتوقع صراعات سلطة مستمرة بين النزعات الديمقراطية ونزعات حكم الأقلية والدورات التي يبدو فيها أحدهما مهيمنًا على الآخر في فترات مختلفة.

ثانيًا، في حين أن مقاربتي الاستبدادية المرنة ونموذج التحول الديمقراطي تشدد على التمثيل للصراع بشكل مفرط (للنخب أو النخب المضادة). يؤكد علم الاجتماع التاريخي على تفاعل الممثلين والهيكل -كيف يؤثر السياق الهيكلي الذي تؤثر فيه صراعات السلطة في النزعات السائدة في فترات معينة-. غاب تمامًا الدور الحاسم لهياكل واستراتيجيات الاقتصاد السياسي في جدل المقاربتين السابقتين (كونه بريئًا إلى حد كبير من التفكير الماركسي) في تشكيل الدمج السياسي، وإقصاء القوى الاجتماعية التي تمنح الأنظمة طابعها الأساسي والتي تفضل الدمقرطة في ظل أوضاع محددة تمامًا فقط. علاوة على ذلك، يُظهر علم الاجتماع التاريخي، لا سيما كما يتضح من أعمال تيلي، كيف يقود التأسيس المشترك للدول وأنظمتها وسط صراعات القوى الدولية إلى النتائج.

ثالثًا، بدلًا من افتراق النتائج النموذجية للدمقرطة والاستبدادية المرنة (ديمقراطية أو استبدادية)، يرى علم الاجتماع التاريخي الفيبري مجموعة أكثر تنوعًا بكثير من النتائج. علاوة على ذلك، بينما يفترض نموذج الدمقرطة ببساطة أن الدولة ليست إشكالية، يرى علم الاجتماع التاريخي بناء الدولة على أنها منتج تاريخي (Huntington 1968) يمكن عكسه، كما يتضح من ارتفاع معدل فشل الدول في العالم العربي بعد الانتفاضة. يعد علم الاجتماع التاريخي، بتركيزه على تشكيل الدولة، مناسبًا بشكل خاص لفحص كيف ومتى تفشل الدول، وكيف يتنافس الأنداد لملء الفراغ عبر “بناء تنافسي للنظام”. بالنسبة إلى غائية الدمقرطة، يستبدل علم الاجتماع التاريخي اعتماد المسار، حيث يتم إعادة إنتاج ممارسات بناء السلطة الناجحة تاريخيًا: في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قام مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون، بتحديد هذه الممارسات، بينما قام فيبر بتنظيمها ومنهجتها، على سبيل المثال الحركات الكاريزمية أو الباتريمونيالية Patrimonialism [يُعرّف ماكس ويبر الباتريمونيالية بأنها شكل من أشكال الهيمنة التقليدية، بدايتها من هياكل الأسرة ولا سيما من سلطة الآباء. الأنظمة الملكية الوراثية وأشكال مماثلة من الحكم هي انعكاس للأبوية على مجموعة أوسع من العلاقات الاجتماعية، ومن ثمّ تعني الباتريمونيالية التعامل مع الدولة على أنها امتداد طبيعي للعائلة] الجديدة.

تحاول هذه الورقة ربط هذه العوامل الرئيسة الثلاثة، التمثيل والهيكل والنتيجة. 1) التمثيل: فهي تجمع بين مناهج علم الاجتماع التاريخي العديدة لفهم الوكالة في صراعات السلطة التي أطلقتها الانتفاضة، ولا سيما نظرية الحركة الاجتماعية ونهج بناء القوة الفيبري. 2) الهيكل: يجلب مناهج تشرح كيف تحدد العمليات الكلية للاقتصاد السياسي (الماركسية) والصراعات الدولية على السلطة (علم الاجتماع التاريخي الدولي) نتائج الصراعات القصيرة المدى. 3) النتائج: وتربطها بمقاربات فيبرية تساعد في فهم التباين الكبير في النتائج. قد يُطلق على الجمع بين هذه الخيوط المختلفة من علم الاجتماع التاريخي معًا اسم “علم الاجتماع التاريخي المعقد”. يقدم العمل التالي مزيدًا من التوضيح لهذه المتغيرات الرئيسة وعلاقاتها المتبادلة.

 

إطار التحليل: من خلال عدسة “علم الاجتماع التاريخي المعقد”

عمق التغيير

البعد الأول الذي يشكل المسارات هو عمق أو حجم التغيير الذي بدأ مع بداية الانتفاضات، وهذا هو مقدار “الفضاء السياسي” الذي يفتحه للتغيير عبر تنافس النظام/المعارضة -على الشوارع، وتداول النخبة، والسيطرة على الأراضي-. يتم تحديد ذلك بشكل مباشر من خلال التفاعل بين قدرة حركات المعارضة على تحفيز التعبئة المناهضة للنظام وقدرة النخب الحاكمة على مقاومة هذا التحدي أو التكيف معه.

الهيكل الاجتماعي والتعبئة: شكل الهيكل الاجتماعي، ولا سيما العلاقة بين الهويات الطبقية والطائفية، الاختلافات في عمق واتساع التعبئة المناهضة للنظام في دول الانتفاضة، وأثر أيضًا فيما إذا كانت حركات المعارضة بعد ذلك قد بقيت متحدة بما يكفي لإزاحة النظام أو الاندماج معه، أم كانت مجزأة أو مهمشة.

الهيكل السياسي ومرونة النظام: كانت استراتيجيات النظام وقدرته على التكيف مع التعبئة المناهضة للنظام دلالة على درجات وحدة النخبة الحاكمة وقدرة “البنية التحتية” البيروقراطية (التعاونية والقسرية).

أدى التفاعل بين التعبئة المناهضة للنظام ومرونة النظام، إضافة إلى درجات “الاستقلالية” التاريخية، إلى انفتاح الدول على مستويات متفاوتة من التغيير الذي جعل استعادة الاستبداد أو التحول الديمقراطي أو فشل الدولة أمرًا ممكنًا، بل محتملًا، ولكن ليس ضروريًا.

 

اتجاه تغيير الحوكمة

البعد الثاني لمسارات الدولة هو الاختلافات الناشئة في الحكم أو نوع النظام. تم تشكيل هذا جزئيًا من خلال الطريقة التي بدأت بها الصراعات الأولية بين التعبئة المعارضة ومرونة النظام، ما وضع الدول على مسارات مختلفة. ومع ذلك، تم تشكيل المسارات بشكل أكبر من خلال تفاعل ما بعد الانتفاضة بين القوى الاجتماعية المتنافسة التي عززت تفضيلات مختلفة للحكم والقيود الهيكلية ما حيّز الصراع لمصلحة بعض القوى الاجتماعية ضد بعضها الآخر.

توازن التمثيل في فترة ما بعد الانتفاضة: ساعد توازن القوى الناشئ بين القوى الاجتماعية المتنافسة لتشكيل النظام الجديد – الشباب الثوري والعمال المنظمون والإسلاميون والقوى الموالية للنظام – في تحديد من ستسود تفضيلاته للحكم بعد الانتفاضة. ومن المهم أيضًا قدرتهم على تشكيل تحالفات، بما في ذلك الاتفاقيات بين النظام والمعارضة.

التدخل الدولي: أثر “التدخل التنافسي” للقوى المتنافسة في الدول المنتصرة على المسارات: فكلما كان التدخل أقل قدرة على المنافسة، كانت الفرصة أفضل للانتقال السلمي إلى الديمقراطية. وكلما زاد التدخل، زادت فرص فشل الدولة.

يشكل الاقتصاد السياسي، بما في ذلك استراتيجيات التنمية (أي استبدال الواردات، والتصدير الزراعي)، الهياكل الأعمق التي تحدد الدمج السياسي للأنظمة واستبعاد القوى الاجتماعية.  يمكّن تراث الاقتصاد السياسي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الدولة والرأسماليين المحسوبين عليها، ما يحيّز النتائج ضد التحول الديمقراطي، وذلك يتطلب توازنًا نادرًا إلى حد ما للقوة الطبقية؛ لكن الاختلافات في مدى وجود بعض التوازن مهمة لمسارات النظام.

 

إعادة تشكيل السلطة: تباين نتائج الحوكمة

ظهرت ثلاثة مسارات مختلفة لما بعد الانتفاضة – 1) الدمقرطة؛ 2) استعادة السلطة و3) الدول الفاشلة. تباينت الدول الفاشلة بين تلك التي انهارت فيها الحكومة المركزية كليًا (ليبيا) إلى حالات فشل الدولة الجزئي، حيث فقد النظام احتكاره للعنف والسيطرة على أجزاء فقط من أراضيه (سورية).

في كل من هذه السيناريوهات، اتخذت إعادة تشكيل السلطة بعد الانتفاضة أشكالًا مختلفة تمامًا. في الدول الفاشلة، حدثت “إعادة تشكيل دولة تنافسية” عندما أعادت النخب والنخب المضادة إنتاج ممارسات “خلدونية” “ناجحة” تاريخيًا: أعادت فلول النظام تشكيل نفسها في أشكال أكثر عنفًا من الباتريمونيالية الجديدة التي تعارضها حركات كاريزمية عنيفة بنفس القدر. وحيث لم تفشل الدول، كان التحول الديمقراطي ممكنًا إذا تمكنت الحركات الاجتماعية المعارضة من إنشاء مؤسسات سياسية شاملة (مجالس وأحزاب) قادرة على موازنة السلطة البيروقراطية. بدلًا من ذلك، جاءت استعادة السلطة عندما قام هجين من السلطة الباتريمونيالية والسلطة البيروقراطية بتهميش مثل هذه الحركات.

 

شرح التنوعات في مسارات ما بعد الانتفاضة

عمق التغيير

الهيكل الاجتماعي والتعبئة المتغيرة: يحدد إطلاق العنان للخلاف، وتنوعات الفضاء السياسي المنفتح المتباينة في شدة واتساع التعبئة المناهضة للنظام فيما إذا كان قد تم فتح مساحة سياسية كافية لجعل تغيير النظام ممكنًا وما إذا كانت الحركات المناهضة للنظام قادرة على بناء التحالفات عبر الطبقية وعبر الطائفية المحتاجة لإنشاء ائتلافات رابحة. تعزو نظرية الحركة الاجتماعية هذه الاختلافات (Leenders 2013; Dupont and Passy 2011) إلى قدرة الحركات على استغلال المظالم، وبالتالي نزع شرعية الوضع الراهن، وما إذا كان هيكل الفرصة السياسية يسهل أو يعيق تعبئة هذه المظالم.

على الرغم من أن المظالم المناهضة للنظام كانت منتشرة في كل مكان، إلا أن الاختلافات في حدة هذه المظالم بين الدول أثرت في قدرة الحركات على تعبئة الاستياء. وهكذا، في مصر وتونس، انضمت ائتلافات كبيرة من مختلف الطبقات تضم شبابًا ثوريين، وناشطين نقابيين وإسلاميين، وفقراء من المدن لتطغى عليها أعداد هائلة من قوات الأمن الكبيرة جدًا وتلاقت في مركز السلطة بينما لم تكن هناك قوى اجتماعية -حتى مكونات الأحزاب الحاكمة الكبيرة- بدت مستعدة للدفاع عن الرؤساء الحاليين الذين أُجبروا على الخروج من السلطة (Tripp 2014: 95; Ghobashy 2011) فيما يمكن أن يُطلق عليه الحشد إلى جانب المنتصر المضمون. على النقيض في سورية وليبيا واليمن والبحرين، كان هناك ما يكفي من التعبئة لزعزعة استقرار الدولة، لكن كان لدى الأنظمة قواعد جماهيرية أساسية مستعدة للدفاع عنها، وكانت المجموعات الأوسع غير راغبة في الانضمام للموكب مع المعارضة، ما يعرقل التعبئة اللازمة لاجتياح الحكام الحاليين -وهوما يمكن تسميته بالتعبئة المتوازنة-. ما الذي يفسر هذه الاختلافات؟ تم التأكيد على هيكل الفرصة السياسية المحسّن الناتج عن عوامل مثل استخدام الإنترنت للتغلب على تفتيت المجتمع لفهم سبب حدوث الانتفاضة في 2010-2011 وليس قبل ذلك، على الرغم من وجود المظالم منذ عقود. ومع ذلك، فإن الاختلافات في التعبئة عبر دول الانتفاضة كانت مشروطة بقوة بالاختلافات في البنية الاجتماعية -عمق المظالم/الانقسامات الطبقية التي تقود التعبئة وما إذا كانت هناك انقسامات مجتمعية شاملة تضعف التعبئة أو لا.

كانت المظالم الطبقية نتاجًا لتطور الأنظمة من الاستبداد الشعبي الشمولي إلى النسخ الإقصائية ما بعد الشعبية تحت تأثير النيوليبرالية العالمية. أدى كل من تزايد عدم المساواة الطبقية والتصور بأن الفرص كانت تقتصر على المقربين من النظام إلى خلق مزيج قوي من المظالم التي انفجرت في الانتفاضة. على هذا النحو، مع تساوي الأمور الأخرى، بدأت مرحلة ما بعد الشعبية في وقت مبكر، وبالتالي كلما كانت أكثر تقدمًا، تعمق عدم المساواة الطبقية، وزاد تراكم المظالم، بالتالي زاد احتمال أن تكون التعبئة على نطاق أوسع. في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كان الانتقال إلى ما بعد الشعبية أكثر تقدمًا في تونس ومصر اللتين كانتا من رواد ما بعد الشعبية في السبعينيات، بينما في سورية، حيث ظهر بعد ثلاثة عقود، كان من المحتمل أن يكون تأثيره أقل: رفع الدعم الرئيس، على سبيل المثال على وقود الديزل الذي يستخدمه الفلاحون للري، بدأ يؤثر سلبًا في الطبقات الدنيا في النصف الثاني من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، في حين أن الإجراءات المماثلة في مصر، ولا سيما التراجع عن قانون العلاقات الزراعية الذي يحرم الفلاحين المستأجرين من حيازة آمنة، ولد مظالم ريفية لعقود. يبدو أن مستويات عدم المساواة كانت أعلى في تونس منها في مصر بسبب احتضانها المبكر لليبرالية الجديدة. ودلالة على ذلك، في أواخر التسعينيات، كان مؤشر جيني لعدم المساواة 33.7٪ في سورية، 37.4٪ في مصر و41.7٪ في تونس (Bibi and Nabli 2010).

ومع ذلك، غالبًا ما يتم تقسيم السكان ليس فقط بسبب عدم المساواة الطبقية، ولكن من خلال الانقسامات المجتمعية (الطائفية والعرقية والقبلية) أيضًا، والتي تنعكس في مجتمع مدني مجزأ. عادة ما يضعف التشرذم التعبئة على أسس طبقية ومجتمعية. في مصر وتونس، لم تكن الانقسامات المجتمعية الضعيفة عقبة أمام التعبئة بين الطبقات. فإذا عُززت الانقسامات الطائفية والطبقية، ربما لأن جماعة مجتمعية معينة تمتلك سلطة غير متكافئة، فإن الاعتقاد بأن الأنظمة تميز على أسس مجتمعية طائفية من المرجح أن يزيد من حدة المظالم الاجتماعية والاقتصادية. ومع ذلك، حيث الانقسامات الطائفية عبر الطبقة، على سبيل المثال الطبقة العليا عبر الطوائف المستفيدة مما بعد الشعبية مع الاحتفاظ بالعملاء في الطبقات الدنيا، كما هو الحال في لبنان، ستكون التعبئة ضد النظام محدودة أو مقسمة إلى حركات مؤيدة ومناهضة للنظام (تعبئة متوازنة). كانت سورية حالة وسطى حيث أنتج تحالف من ناشطي الطبقة الوسطى المناهضين للنظام وفقراء الريف الذين وقعوا ضحية ما بعد الشعبية (والشعور بالتمييز ضدهم على أسس طائفية) تعبئة كافية لزعزعة استقرار النظام، ولكن ليس لإطاحته. ويرجع ذلك إلى أن جزءًا كبيرًا من الطبقات العليا والمتوسطة في المناطق الحضرية السنية، وخاصة المستفيدين مما بعد الشعبية، والأقليات الدينية المتحالفة مع أقلية العلويين التي يهيمن عليها النظام، أو (الأكراد) لم ينضموا إلى ائتلاف المعارضة، ما أدى إلى تحقيق التعبئة المتوازنة.

تساعد الاختلافات في مستويات التعبئة في تحديد الدرجة المترتبة عليها من الانفتاح السياسي – أي ما إذا كان الرؤساء الحاليون قد أُجبروا على المغادرة، وبدء انتقال ديمقراطي محتمل (مصر، وتونس) أم أن الحركة تتلاشى دون تغيير كبير (لبنان، البحرين) أو فيما إذا كانت التعبئة كافية لزعزعة النظام/الدولة ولكن ليست بما يكفي للمعارضة لتولي السلطة أو الاندماج بها، ما يضع البلاد على منحدر زلق للحرب الأهلية وفشل الدولة (سورية واليمن وليبيا).

 

الاختلافات الباتريمونيالية الجديدة ومرونة النظام/ الدولة

تعد قدرة النظام المتغيرة على مقاومة التغيير مهمة أيضًا لفهم النتائج ولفهم ذلك نحتاج إلى اللجوء إلى تحليل فيبيري. أظهر “قانون حكم الأقلية الحديدي” لعلم الاجتماع السياسي الكلاسيكي عدم التناسق الكبير في السلطة بين النخب، التي عادة ما تكون موحدة وتتحكم في أذرع القيادة البيروقراطية، مقارنة بالجماهير ذات الطبيعة المنقسمة والسلبية. في الواقع، كانت جمهوريات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كلها هجينة بين السلطة الباتريمونيالية والبيروقراطية التي بدت وكأنها تجسد القانون الحديدي: السلطة الشخصية للرؤساء، المتكاتفة مع عصبية داخل النخبة، عززت تماسك النخبة بينما حُملت القيادة البيروقراطية سلطة البنية التحتية على المجتمع (Mann 1984). ومع ذلك، في الأوقات غير الطبيعية، إذا واجهت التعبئة ضد النظام – أو تسببت – في انقسام النخبة و/أو ضعف القدرة البيروقراطية، وأبطلت عدم تناسق السلطة المؤيد للنخبة، يمكن فتح مساحة لتحول النظام. لقد حدد التكوين الموجود مسبقًا للسلطة جزئيًا ما إذا كانت النخب في دول الانتفاضة ستظل متماسكة أم ستنقسم وما إذا كانت المؤسسات البيروقراطية قد استوعبت ما يكفي من العناصر الشعبية لتقليل التعبئة الجماعية أم غلبتها. تم الكشف عن عدد من السيناريوهات المختلفة التي تم تحديدها في جزء كبير من خلال تأثير العلاقة المتبادلة بين السلطة الباتريمونيالية والسلطة البيروقراطية في تماسك النخبة والقدرة البيروقراطية.

في حالات جمهورية عديدة، كانت التعبئة للانتفاضة كافية لتقسيم النخب الحاكمة، لكن النتائج اختلفت وفقًا للتوازن البيروقراطي – الباتريمونيالي. حيث كانت السلطة البيروقراطية للمنصب متطورة نسبيًا مقارنة بالسلطة الشخصية للرئيس، يمكن البدء في انتقال القيادة دون المخاطرة بفشل الدولة. على وجه التحديد، كما هو الحال في تونس ومصر، حيث كانت القيادة العليا للجيش تتمتع بدرجة من الاستقلالية من الرئيس ولم يتم استعمارها من مجموعة ذات هوية معينة، يمكن لنخب الدولة التضحية بالرئيس لإنقاذ أنفسهم دون تعريض النظام للخطر (Stepan and Linz, 2013; Stacher 2012: 39, 158) وانقسامات النخبة يمكن احتواؤها على المستوى المركزي دون تفكيك الدولة. في مثل هذه السيناريوهات، سمح التخلي عن الرؤساء المستبدين بتداول النخبة، وفتح إمكانية التحول الديمقراطي. من ناحية أخرى، إذا كان الجانب الوراثي للأنظمة، قبل الانتفاضة، قد أضعف النزاهة البيروقراطية للمؤسسات، وإذا فشلت عصبية النخبة في الوقت نفسه في منع انقسامات النخبة، فإن شبكات العملاء المتنافسة لفصائل النخبة تميل أيضًا إلى تقسيم الجيش والبيروقراطية، ما قد يؤدي إلى فشل الدولة، كما رأينا في ليبيا واليمن.

كانت البحرين وسورية الحالتين اللتين لم تنقسم فيها النخب الحاكمة في ظل التعبئة الجماهيرية المناهضة للنظام. في البحرين، أدى تضامن الأسرة الحاكمة، والمساحة الجغرافية الصغيرة التي يتم التحكم فيها بسهولة، وتدخل مجلس التعاون الخليجي إلى إنهاء الانتفاضة بسرعة. في سورية، ساعدت السلطة الشخصية للرئيس على احتواء الشقاق النخبوي، كما ساعد منحه السلطة لقوات الأمن مقابل ولائهم له في تقليل الانشقاقات عندما طُلب منهم استخدام القوة ضد المتظاهرين. بقيت النخب متماسكة وراء الرئيس؛ ولكن، في الوقت نفسه، عنى الانتشار النسبي للسلطة بين النخب الأساسية الراسخة في المؤسسات البيروقراطية المتنافسة (الحزب والجيش وقوات الأمن) أنه لا أحد لديه السلطة لاتخاذ القرار بشأن الانتقال السلس وأنّه لا يمكن لأحد التحرك ضد الرئيس دون تعريض النظام بأكمله للخطر (Stacher 2012).

في الوقت نفسه، كانت القدرة البيروقراطية ذات أهمية بالنسبة للمسارات. تعتمد قدرة النظام على احتواء شدة التعبئة المناهضة للنظام على التوازن بين التعبئة وقدرتها المؤسسية على دمج القوى الاجتماعية. وكلما كان المجتمع أكثر تعبئة اجتماعيًا، كان لابد من تطوير هذه القدرة من حيث القدرة التنظيمية، وعلى وجه التحديد التضمين في التنظيم الحزبي والنقابي، ومن حيث امتلاك الموارد التشاركية (مثل ريع النفط). فكلما تجاوزت التعبئة الاجتماعية القدرة على الاندماج السياسي، قلت حصانة الأنظمة في مقابل التعبئة السياسية المناهضة للنظام؛ في تونس، كانت المستويات المرتفعة نسبيًا من التعبئة الاجتماعية غير مدمجة سياسيًا من جانب حزب بن علي الإقصائي الحاكم، ما ساعد في تفسير التعبئة الجماعية [بتأثير العربة] التي أدت إلى الإطاحة السريعة بالرئيس.

تعتمد قدرة الأنظمة تجنب فشل الدولة في خضم الانتفاضات، ومقاومة التمردات طويلة المدى، وتحقيق الاستقرار في أنظمة ما بعد الانتفاضة، على ما إذا كان جهاز الدولة يتمتع بقدرات مؤسسية مثل اختراق البنية التحتية للمجتمع باستخدام البيروقراطية. كان هذا، إلى حد ما، وظيفة للتواريخ المتنوعة لتشكيل الدولة. وهكذا، حيث حدث، كما هو الحال في مصر وتونس على وجه الخصوص، صراع الانتفاضة على السلطة داخل دولة لها تاريخ مهم من الاستقلالية- “حكومة الحكومة” – ثم كان التماثل القوي مع الدولة، إضافة إلى تقليد طويل من البيروقراطية، أقل احتمالًا إلى أن يؤدي إلى فشل الدولة. وحيث كانت الدولة حديثة العهد بحدود مفروضة ومتنازع عليها من الخارج من هويات متنافسة قوية فوق الدولة وضمن الدولة، كما هو الحال في سورية، كانت الدولة أكثر ضعفًا، وإلى حد كبير، متماسكة بواسطة النظام، ما يجعلها عرضة للانهيار إذا ما تم إضعاف النظام. ومع ذلك، يمكن تعويض ذلك: وهكذا، طور النظام السوري، قدرات بيروقراطية قوية إلى حد ما (بحزبه الواحد القوي وجيشه) واحتفظ بها خلال الانتفاضة، وإنّ قدرته على الصمود لسنوات من التعبئة المناهضة للنظام كانت جزئيًا بسبب هذا. على النقيض من ذلك، كانت هذه القدرات في ليبيا واليمن أضعف بكثير. كان القذافي قد أضعف الدولة عمدًا، بما في ذلك الجيش، بينما أعاقت القبلية سلطة البنية التحتية للدولة في اليمن. وبالتالي، تباينت القدرات البيروقراطية بشكل كبير من مرتفعة نسبيًا في حالة مصر وتونس، إلى الحد الأدنى في ليبيا، ما يفسر القابليات المتفاوتة للإصابة بفشل الدولة.

 

تفاعل التعبئة المناهضة للنظام ومرونة النظام

باختصار، تشرح قدرات النظام التي تتفاعل مع مستويات التعبئة كيف تم وضع الدول على مسارات مختلفة في بداية الانتفاضة. حينما كانت التعبئة منخفضة، فقد تم احتواؤها بسهولة من الأنظمة البيروقراطية نسبيًا (الجزائر) وحتى الأنظمة الباتريمونيالية يمكن أن تستمر، كالأردن على سبيل المثال. على العكس من ذلك، حيث أنتجت التعبئة العالية نشاطًا معاديًا للنظام، لكنها “الاستقلالية” المترسخة القدرة البيروقراطية العالية مقارنة بالسلطة الباتريمونيالية (تونس ومصر)، فتح تغيير القيادة الباب أمام انتقال ديمقراطي محتمل دون التعرض لخطر فشل الدولة. حيث يكون الجانب الباتريمونيالي مرتفعًا وتنخفض البيروقراطية (مع وجود شبكات عملاء للزعيم أقوى من مؤسسات الدولة وهويتها)، إذا تمزق تماسك النظام في ظل التعبئة الكبيرة المناهضة للنظام (حتى لو تمت موازنتها ببعض التعبئة المؤيدة للنظام)، قد تفشل الدولة تمامًا كما هو الحال في ليبيا وربما اليمن. حيث حدثت التعبئة المتوازنة وحافظت العصبية على تماسك النظام، كما هو الحال في سورية، وكانت مؤسسات الدولة البيروقراطية قوية جدًا (على الرغم من استعمارها من أفراد النظام الطائفي العلوي) بحيث لا يمكن الإطاحة بها من قبل المعارضة، ولكنها ضعيفة جدًا بحيث لا يمكن لها الاحتفاظ بالسيطرة على كامل أراضي الدولة، فُتح الباب لفشل جزئي للدولة.

 

الاتجاهات المتنوعة للتغيير

الانتقال إلى أين؟ توازن القوة بين القوى الاجتماعية

عندما تفتح التعبئة المناهضة للنظام مساحة سياسية، فإنها تعجل صراعًا على السلطة يشكل بدوره المسارات اللاحقة. سيكون توازن التمثيل بين القوى الاجتماعية المتنافسة في هذا الصراع، مثل حركات المجتمع المدني والحركات الإسلامية والنقابات العمالية والجيش، حاسمًا في اتجاه المسارات. يتم تحديد توازن الوكالة هذا من خلال عوامل مثل ما إذا كانت القوى المجتمعية يمكن أن تشكل نفسها وكلاء متماسكين، لا سيما أحزاب سياسية مع التنظيم لدمج قوى اجتماعية أوسع ضرورية للفوز بالسلطة والحكم. من المهم أيضًا ما إذا كانت حركات المعارضة – الإسلاميين وناشطي الطبقة الوسطى العلمانيين والعمال – قادرة على التغلب على خلافاتهم وتشكيل تحالفات ديمقراطية قادرة على المساومة على انتقال سلمي مع أتباع النظام أو ما إذا كانوا سينحسرون، ما يمكّن الأنظمة من استمالة أحدهم ضد الآخر.

الحركات الديمقراطية المناهضة للنظام: كان لشباب الطبقة الوسطى العلمانيين بفضل إتقانهم للإنترنت دور فعال في التغلب على التجزئة وتمكين التعبئة المناهضة للنظام في دول الانتفاضة العربية. كانوا طليعة الحركات التي أجبرت على رحيل القادة الاستبداديين و/أو فازت بتغييرات دستورية ديمقراطية محتملة. ومع ذلك، فقد أثبتوا أنهم غير قادرين على الاستفادة من سقوط أو إضعاف الأنظمة القديمة (Durac 2015). أدى افتقارهم إلى أيديولوجية وتنظيم موحدين إلى عدم قدرتهم على حشد أصوات جماهيرية قوية. وسرعان ما انقسموا بلا زعيم وبسبب انعدام تجانسهم إلى فصائل متخاصمة. في مصر والمغرب، أدى عجز الليبراليون العلمانيون عن منافسة الإسلاميين في الانتخابات إلى إضعاف التزامهم بالديمقراطية بسرعة، ما أحيى قدرة النظام على استخدامهم ضد الإسلاميين. في تونس فقط بقيت القوى العلمانية موحدة بما يكفي لتحقيق التوازن والتسوية مع الإسلاميين. في حالات مثل سورية واليمن، أدى انقسام الحركات إلى عدم تمكنها من الوصول إلى أي نوع من معاهدات الانتقال مع الحكام الحاليين، ونتيجة ذلك، سرعان ما أصبحت فصائل مسلحة، أو أفسحت المجال لمزيد من الجهاديين المتشددين، ما أدى إلى فشل الدولة وتقليص احتمالات التوصل إلى نتيجة ديمقراطية بشكل ملحوظ.

الإسلاميون: أدى إضعاف الأنظمة إلى فتح الباب أمام الحركات الإسلامية، لكن أي نوع من هذه الحركات الإسلامية كان له اليد العليا، كان أمرًا حاسمًا للوصول للنتائج. في البداية، بدا الإسلام الحداثي لجماعة الإخوان المسلمين يتمتع بالسلطة من خلال إزاحة الرؤساء الاستبداديين. كان لهم ميزة حاسمة على المنافسين العلمانيين بسبب أتباعهم من الناشطين، والخبرة الانتخابية، والشبكات الخيرية، والمدارس ومحطات التلفزيون، وخدمات الرعاية الاجتماعية؛ القدرة على التحدث عن المحرومين؛ والميزة التنافسية (على المعارضة العلمانية) بسبب استخدام المساجد والمدارس الدينية للتجنيد. في تونس ومصر، حصل الإسلاميون على الأكثرية في أول انتخابات ديمقراطية، لكن لم يحصلوا على أغلبية قوية كانت ضرورية لتهميش المعارضة والحكم بفعالية (Heyderian 2014: 95-110; Lynch 2012: 146-59). كما تم تنشيط السلفيين ودفعهم إلى الساحة السياسية من خلال الانتفاضة وبتمويل من المملكة العربية السعودية، التي عدتهم أداة ضد الإخوان والثوار العلمانيين. إن سلوك الإخوان في مصر، حيث تم تطويقهم ودفعهم إلى اليمين على يد السلفيين، وكسرهم وعودًا عديدة بعدم التمادي في أجندتهم، أثار قلق العلمانيين الذين تحالفوا مع النظام القديم ضدهم، ما أتاح استعادة الاستبدادية في عهد السيسي. إن إقصاء مصر للإخوان المسلمين، وهي حركة إسلامية مستعدة للعب وفقًا لقواعد ديمقراطية، مع قاعدة جماهيرية ضخمة، وصاحبة أكبر قدرة بين القوى الاجتماعية لموازنة قوة الدولة وإضفاء الشرعية على رأسمالية السوق، يعني أن التحول الديمقراطي لم يعد ممكنًا. كانت تونس الاستثناء، حيث مكنّت قدرة العلمانيين وحركة النهضة الإسلامية على تقاسم السلطة من الانتقال الديمقراطي في تونس. أدى تراجع الإسلاميين الحداثيين في أماكن أخرى إلى تحويل ميزان القوى بين الإسلاميين إلى حركات جهادية عابرة للدول مستوحاة من القاعدة التي وجدت فرصًا جديدة في الدول الفاشلة الناتجة عن الحرب الأهلية، كما تجلى في سورية (Volpi and Stein 2015).

العمال (بالتحالف مع الطبقة الوسطى ذات الرواتب) هم عاملون حاسمون في التحالف الديمقراطي المطلوب لدفع وتوطيد الديمقراطية. لاحظ أشار (2013: 152-99) أنهم شكّلوا البديل الحقيقي للقوتين الرئيستين الأخريين المتنافسين في فترة ما بعد الانتفاضة، المؤسسة العسكرية/الدولة والحركات الإسلامية، وكلاهما دافع عن تنوعات في الليبرالية الجديدة التي قامت الانتفاضات ضدها في المقام الأول. كان تهميش العمال المنظمين خلال الانتفاضات في سورية وليبيا واليمن عاملًا في فشل الدولة والفشل الديمقراطي (Allinson 2015). حيث كانت الحركات العمالية، نتيجة للمجتمع الصناعي، أكبر وأفضل تنظيمًا، كما هو الحال في مصر وتونس، أدت أدوارًا رئيسة في التعبئة المناهضة للاستبداد. كانت النقابات العمالية محورية في التعبئة ضد الرئيس في تونس، بينما في مصر، أوضح إضرابهم الذي شمل الدولة بأسرها للجيش المصري أن معارضة مبارك كانت عميقة وواسعة النطاق بحيث لا يمكن التراجع عنها. لكن هنا انفصلت الدولتان: بينما ساعدت النقابات في تونس في التوسط في حل وسط بين العلمانيين والإسلاميين، انضمت في مصر إلى الجيش ضد الإسلاميين. ما أفضى أولًا إلى التحول الديمقراطي، وثانيًا إلى إعادة إحياء الاستبداد.

القوات الموالية للنظام: على الرغم من تحدي القوى الاجتماعية المعارضة الشديد للأنظمة خلال الانتفاضة، إلا أن الأخيرة نجت وشنت معارك قتالية. في حين أن البيروقراطيين والرأسماليين الموالين للحكومة والأحزاب الحاكمة كانت عناصر مهمة في مرونة الأنظمة، كان العامل الأكثر تحديدًا للنتائج هو الجيش وقوات الأمن. تباينت الردود العسكرية على الانتفاضات اعتمادًا على عوامل مثل الاستقلالية المؤسسية والقدرات القمعية والمصالح (السياسية والاقتصادية والمجتمعية والمهنية) للمؤسسات العسكرية. في البداية، بعد رؤية المغادرة السريعة للرؤساء في تونس ومصر واليمن، رأى كثيرون أن التعبئة السياسية قد تجاوزت سلطات الاحتواء القمعية للأنظمة القديمة؛ ومع ذلك، أعاد الجيش وقوات الأمن التجمع، ما أعاد بعض التوازن (أو انعدامه) القديم بين الدولة والمجتمع. لاحظ جوشوا ستاشر Joshua Stacher (2015) أنه في حين قد تكون الدول قد أضعفت بسبب الانتفاضة، فإن الأنظمة -ولا سيما جوهرها القهري- لم تنج فحسب، بل وسعت بشكل كبير من استخدام العنف لإنقاذ الأنظمة القديمة أيضًا.

كانت الاختلافات في دور الجيش محورية للنتائج (Barany 2011; Bellin 2012). في مصر، حيث احتفظ الجيش بالاستقلال المؤسسي للقيادة السياسية العليا وكان لديه تضارب في المصالح مع العائلة الرئاسية أيضًا، إضافة إلى مصلحة كبيرة في الحفاظ على المؤسسة، بما في ذلك السيطرة على قطاعات كبيرة من الاقتصاد، ضحت القيادة العليا برئيس الجمهورية حفاظًا على مصالحها ومؤسسات الدولة. كما أدى اعتمادها على الدعم المالي الغربي إلى عدم استعدادها للمخاطرة بمثل هذا التمويل بسبب قمعها الجماهير نيابةً عن الرئيس. وبمجرد رحيل مبارك، حاول الجيش المصري المُسيّس الضخم الاحتفاظ بقيادة العملية الانتقالية وتوجيهها بطريقة تحافظ على مصالحه. لم يتردد في قمع المتظاهرين عندما استهدفوا مصالحه الخاصة، ولا سيما في هجماته على جماعة الإخوان المسلمين بعد انقلاب السيسي، ما أظهر أن جيشًا ممولًا من الولايات المتحدة الأميركية لم يكن أقل استعدادًا من القادة الباتريمونياليين لاستخدام العنف الهائل للدفاع عن مصالحه الحيوية. علاوة على ذلك، فقد امتلك القدرة القمعية لإعادة تأكيد سيطرته على المجتمع والأرض المصرية (حتى لو كانت موضع نزاع في سيناء). كان هذا محوريًا في تمكين استعادة كثير من النظام القديم. على النقيض من ذلك، كانت القدرات القمعية المحدودة في تونس ونزع تسييس الجيش من العوامل الحاسمة لتمكين الانتقال الديمقراطي. كان التوازن بين الركائز البيروقراطية للنظام مهمًا أيضًا: حيث، وكما هو معتاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كان الجيش هو الركيزة الأساسية للدولة، ما يجعل التحول الديمقراطي أقل احتمالًا؛ إلا أن تونس كانت استثناءً، حيث كان حزب الاستقلال الوطني (حزب الدستور الجديد)، جنبًا إلى جنب مع النقابات المهنية، القوى الرئيسة التي بُنيت عليها الدولة، ما أجهض الدور العسكري المهيمن عادةً في جمهوريات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. في سورية، أدى الاختراق الطائفي والتسييس البعثي للجيش إلى تقليص استقلاليته، ما أبقى الجزء الأكبر منه على ولائه للنظام. أدت الاختلافات في الهوية بين العناصر العلوية في قوات الأمن والمتظاهرين إلى انخفاض كبير في فرص الانشقاق عن السابق عندما أُمروا بإطلاق النار على المدنيين. احتفظ الجيش السوري بتماسك مؤسساتي كافٍ للدفاع عن النظام من الانهيار؛ ومع ذلك، فإن الانشقاقات الفردية المتزايدة والمتسارعة أدت إلى تكتل حاسم وكافٍ لتشكيل المنافس المعروف باسم “بالجيش السوري الحر”، ما أدى إلى حرب أهلية عسكرية وفشل الدولة الجزئي.

ميزان القوى الاجتماعية: أدت الاختلافات في ميزان التمثيل بين القوى الاجتماعية والائتلافات فيما بينها إلى مسارات مختلفة. بشكل عام، يتطلب الانتقال الديمقراطي السلمي اتفاقًا بين المعتدلين في النظام والمعارضة، بينما قد ينتج عن المتشددين من كلا الجانبين حرب أهلية. لكن القوة النسبية للفاعلين تحيّز أنواع التحالفات المحتملة. فحيثما كانت الحركات الاجتماعية المؤيدة للديمقراطية والعمال المنظمون أقوياء، والجيش ضعيفًا أو غير مسيّس، والإسلاميون معتدلون، كانت فرص الانتقال إلى النظام التعددي أفضل (تونس). وحيثما كان الجيش قويًا ومسيّسًا، وكان الإسلاميون والحركات الديمقراطية والنقابات العمالية منقسمين على بعضهم بعضًا، جمعت المؤسسات الحاكمة بين الإكراه والتقسيم والحكم لاستقطاب العلمانيين ضد الإسلاميين ودفع عودة الاستبداد (مصر)؛ إن وجود جيش قوي، وتطرف الإسلاميين، وحركات ديمقراطية ضعيفة ونقابات عمالية وهيمنة متشددة على جميع الأطراف، أدت إلى مواربة النتيجة نحو فشل الدولة والحرب الأهلية (سورية).

 

المتغير الدولي

يُظهر علم الاجتماع التاريخي، ولا سيما كما يتضح في أعمال تيلي (1990)، كيف تتعاون أنظمة الدول والدول في تشكيل بعضها بعضًا حيث يحفز الصراع الدولي على السلطة المركزية القوة والتعبئة الجماهيرية اللازمة لصنع حرب فعّالة. يمكن أن يأخذ الصراع الدولي على السلطة أيضًا شكل محاولات الدول لتصدير أنظمة سياسية مماثلة لأنظمتها، أو الحفاظ عليها من خلال وسائل مختلفة من القوة الناعمة إلى الحروب بالوكالة. كان التأثير الرئيس للمتغير الدولي على مسارات النظام في دول الانتفاضة العربية هو التدخل التنافسي الذي استخدمت من خلاله القوى الإقليمية المتنافسة الأموال والدعاية والأسلحة لقلب ميزان القوى الداخلي في الدول المنتفضة لمصلحة القوى الصديقة: إيران والسعودية وقطر. ودعمت تركيا الأطراف المتحاربة ونماذج الحكم البديلة. انقسمت دول مجلس التعاون الخليجي السنية وتركيا حول دعم أنواع متنافسة من الإسلاميين، وقامت إيران بنشر الاستقطاب الطائفي بينهم. علاوة على ذلك، استخدم كلا الجانبين تحويلات الريع خلال الانتفاضات لتعزيز القوى المناهضة للديمقراطية – الجيش في مصر، ونظام الأسد، والسلفيين، والأنظمة الملكية غير النفطية (الأردن، المغرب). وحيث لم يكن أي من الطرفين قادرًا على السيطرة على الرقعة، كانت النتيجة زعزعة استقرار الدول وشرذمة الجماهير بين العلمانيين وأنواع مختلفة من الإسلاميين المتنافسين. أدى الانقسام النموذجي الناتج عن ذلك إلى ضعف فرصة الديمقراطية في أن تصبح “مهيمنة” في المنطقة (Hinnebusch 2015). على المستوى العالمي، ساعدت حملة الغرب لتصدير الديمقراطية في نزع الشرعية عن الأنظمة الاستبدادية، بينما دعمت الأنظمة الاستبدادية (أو شبه الاستبدادية) بعضها بعضًا ضد ذلك. وقد تجلى ذلك في التدخل الأميركي والروسي في طرفي الصراع السوري.

كلما أصبحت دولة ما ساحة لتدخل القوة الإقليمية والعالمية، قل احتمال التحول الديمقراطي، وزاد احتمال فشل الدولة. وهكذا، أدى الشكل الأكثر تطرفًا وأحادية للتدخل في ليبيا، إلى أكبر فشل كامل للدولة. في سورية التي على عكس ليبيا تتمتع بمؤيدين خارجيين، أدى التدخل الخارجي “المتوازن” أو التنافسي الناتج من مصلحة الأطراف المتصارعة إلى تمكين كل من بقايا النظام والمعارضة الناشئة “الأنظمة المضادة”، وإن كان ذلك كافيًا فقط لهزيمة بعضهم بعضًا. أدى هذا إلى منع استعادة النظام الاستبدادي وترسيخ الحرب الأهلية، ما أدى إلى فشل الدولة الجزئي. في مصر، لم يكن مستوى التدخل المعتدل (الدعم السعودي/الإماراتي مقابل الدعم المالي القطري للأطراف المتنافسة) كافيًا للتسبب في فشل الدولة، ولكنه كان كافيًا لتعزيز قدرات النظام القمعية والاستيعابية وتسهيل عودة الاستبداد. أخيرًا، في تونس، كان التدخل المنخفض نسبيًا متوافقًا مع بقاء الدولة ودمقرطتها.

 

الهيكل فوق التمثيل: الاقتصاد السياسي

تشكل هياكل الاقتصاد السياسي واستراتيجيات التنمية الاندماج السياسي للقوى الاجتماعية التي تعطي الأنظمة طابعها الجوهري أو استقصائها. وفقًا لمور Moore (1966)، تتطلب استراتيجيات التصدير الزراعي تضمين الأرض/رأس المال وإقصاء العمالة، ما يؤدي غالبًا إلى “استبداد اليمين”. على النقيض من ذلك، يميل التصنيع عوضًا عن الاستيراد الدولاني [يتعلق بـ أو يميز نظامًا سياسيًا تكون للدولة فيه سيطرة مركزية كبيرة على الشؤون الاجتماعية والاقتصادية] إلى استبعاد النخب المالكة للأراضي ودمج العمال، أحيانًا في ظل “استبداد اليسار” الشعبي. تتطلب الدمقرطة شروطًا خاصة: توازن القوة الاجتماعية بين الدولة والبرجوازية والطبقات العاملة المنظمة (Rueschemeyer, Stephans and Stephans, 1992) وتحالف ديمقراطي قادر على الضغط على نخب الدولة، مكون من البرجوازية والطبقة الوسطى التي تتلقى الرواتب والطبقات العاملة. في هذا الصدد، فإن تنوع الرأسمالية مهم؛ حيث إن الرأسمالية الفوردية الكيزية Fordist Keysian في فترة “الليبرالية الراسخة” توسعية وشاملة نسبيًا لكل من رأس المال والعمالة ومتوافقة مع الديمقراطية الحقيقية. في حين أن النسخة الليبرالية الحديثة التي رُوج لها في ظل الرأسمالية المالية المعولمة تولد تفاوتات عميقة، وتؤدي بشكل حاد إلى إمالة ميزان القوة ضد العمال (Cavatorta 2010). إنها متوافقة في أحسن الأحوال مع ما سماه روبنسون Robinson (1996) “الديمقراطية المنخفضة القوة” – ديمقراطية إجرائية بحتة يتم فيها إزالة القضايا الأساسية الكبرى لتوزيع الثروة من الأجندة السياسية – وفي أسوأ الأحوال مع نوع من الاستبداد الذي تكون فيه المطالب الشعبية مكبوتة. في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يعد الاقتصاد السياسي غير ملائم بشكل مضاعف لإرساء الديمقراطية وملائم للاستبداد. أولًا، تنتج الدول الريعية برجوازية تعتمد الدولة، ومواطنين زبائن، وفي كثير من الحالات، وتطرد العمالة الوافدة على الفور. في الواقع، أثبتت الممالك الخليجية بإيجاراتها الوافرة واستخدام العمالة الوافدة المستوردة أنها أكثر مقاومة للانتفاضة. ثانيًا، أدى تصدير الليبرالية الجديدة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مدعومًا بشروط قرض صندوق النقد الدولي، إلى تحويل ميزان القوة الاجتماعية ضد العمال، وأدى إلى التحول من الاستبداد الشعبي إلى الاستبداد ما بعد الشعبي، والتخلي عن التصنيع بدلًا من الاستيراد. تتشكل العولمة الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من الدول المحلية في شكل مميز من رأسمالية المحسوبية، التي تعرقل التحول الديمقراطي. وذلك لأن تحالفات الدولة مع الائتلافات الرأسمالية المحسوبة عليها يستبعدون العمال، بالتوازي مع التبعية المتزايدة لرأس المال العالمي (ومطالبته الجماهير بالتقشف)، الأمر الذي يدق إسفينًا بين البرجوازية والعمال؛ ويعيق “التحالف الديمقراطي” بينهما الذي هو أفضل وضع لاستخراج الديمقراطية من الدولة (Guazzone and Pioppi 2009).

الانتفاضات لم تغير هذا الواقع. في حقيقة الأمر، على الرغم من أنها كانت راسخة في الاحتجاج على التحولات الليبرالية الجديدة ما بعد الشعبية للجمهوريات الاستبدادية، كما لاحظ Aschar (2013)، إلا أنها ظلت سياسية بحت، مع محاولات قليلة لمهاجمة الظلم الاقتصادي أو عدم المساواة؛ في الواقع ، أدت الانتفاضات، إلى تعطيل النمو الاقتصادي، وإلى تعميق الاعتماد على النظام المالي الدولي المتمحور حول الغرب، ما أدى إلى حصر تونس ومصر، وهما الدولتان اللتان تتمتعان بأفضل الفرص للتحول الديمقراطي، في ممارسات ليبرالية جديدة جعلت من المستحيل معالجة عدم المساواة والفقر. هذا يتوافق في أحسن الأحوال مع الديمقراطية منخفضة القوة، كما هو الحال في تونس. علاوة على ذلك، عندما تتمتع الدولة بالإيجارات (التي وفرتها دول الخليج لمصر ما بعد مبارك)، فمن الأرجح أن تتمكن من الحفاظ على تحالفها مع الرأسماليين المحسوبين، ما يقلل من احتمال توصلها إلى صفقة ديمقراطية مع العمال ويزيد من احتمال أن يتم إحياء الاستبداد.

 

إعادة تشكيل السلطة: نتائج الحوكمة المتغيرة

البعد الأخير لمسارات الانتفاضة هو إعادة تشكيل السلطة عقبها. تختلف النتائج على أساس بعدين: 1) مستويات توحيد الدولة أو فشلها و2) نوع النظام. كما يخبرنا علم الاجتماع التاريخي، فإن تشكيل الدولة تاريخيًا كان مصحوبًا بعنف كبير بين الأنظمة المحتملة وخصومها (Tilly 1990) واستند إلى احتكار استخدامه. لقد اختبرت الانتفاضات احتكار الأنظمة للعنف بينما تضمنت استعادة الاستبداد استخدام العنف من قبل الأنظمة. وفي الانتفاضات التي أدت إلى فشل الدولة -فقدان مثل هذا الاحتكار للعنف على الأرض- تضمن إعادة تشكيل الدولة أو ما يسمى بإعادة تشكيل الدولة التنافسية (Jones 2008)

لكن ما الذي يفسر كيفية تأسيس احتكار العنف؟ حدد ماكس فيبر، مستندًا إلى ابن خلدون، مسارات إنشاء السلطة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أي السلطة الكاريزمية والباتريمونيالية والبيروقراطية، متوقعًا أن تكون الأنظمة الأكثر نجاحًا ستكون هجينة من هذه الأنواع لسلطته (Zubaida 2011). الاعتراف بأن تبعية المسار تشكل إعادة إنتاج الممارسات التاريخية لا يعني إنكار أن الحركات الاجتماعية يمكن أن تغير الثقافة السياسية الموروثة، على سبيل المثال؛ في كسر حواجز الخوف التي تحول دون المشاركة وإرساء مفاهيم أكثر تطلبًا للشرعية. وعلى الرغم من غياب الديمقراطية بحد ذاتها من أشكال السلطة التاريخية لفيبر، فإن الاختلافات في هذه الأشكال مهمة بالنسبة لمستويات دمج القوى الاجتماعية في الأنظمة الجديدة: وبالتالي، تعمل الحركات الكاريزمية على توسيع الشمول الجماعي الذي يمكن إضفاء الطابع المؤسسي عليه في الأحزاب والتجمعات السياسية التي يحاسب عليها القادة، في حين أن السلطة البيروقراطية للمكتب ذات السلطة التعسفية والتجنيد بناءً على الجدارة يجعل الوصول إليها ديمقراطيًا؛ فهي على عكس السلطة الباتريمونيالية، متوافقة مع التحول الديمقراطي. ومع ذلك، باستثناء تونس، كانت نتائج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إما استعادة الأنظمة التي تمزج بين الممارسات الاستبدادية القسرية مع تضمين بعض أجزاء المجتمع من أجل استبعاد أجزاء أخرى (مصر)، أو فشل الدول، حيث حشدت الحركات الإسلامية الكاريزمية الناشطين المسلحين في نفس الوقت الذي تطورت فيه بقايا النظام إلى نسخ معدلة أكثر قسرية من السلطة الباتريمونيالية. بغض النظر عن تونس، كانت الأنظمة أكثر إقصاءً مما كانت عليه قبل اندلاع الانتفاضة (Stacher 2015, Heydemann 2013).

 

دراسات حالة: نتائج متغيرة

يسعى ما يلي إلى إظهار كيف أدت التكوينات المختلفة للمتغيرات التي تمت مناقشتها أعلاه إلى ثلاثة مسارات متميزة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في فترة ما بعد الانتفاضة، كما هو موضح في ثلاث حالات قطرية تم تلخيصها في الجدول 1.

 

سورية: انتقال فاشل، دولة فاشلة

لم تكن أوضاع التحول الديمقراطي مواتية في سورية: فقد أدى تجزئة الهوية وعدم وجود توازن طبقي إلى إضعاف المجتمع، في حين أن مزيجًا قويًا من كل من السلطة الباتريمونيالية والمؤسسات البيروقراطية أعطى النظام مرونة استثنائية. لقد تم تهميش المعتدلين من كلا الجانبين من خلال استخدام النظام العنف والمطالب المتطرفة للمعارضة، ما حال دون حدوث انتقال ديمقراطي سلمي. نظرًا لشمولية عدم المساواة الطبقية من خلال الانقسامات بين المناطق الحضرية والريفية والطائفية، وأهبة الجيش الموالي، لاستخدام العنف ضد الانتفاضة، بسبب الانقسامات في الهوية بينهم وبين المتظاهرين جزئيًا، لم تكن تعبئة المعارضة كافية للإطاحة بالنظام، ولكن كانت كافية لحرمانه من السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد. كانت الانشقاقات في الجيش، إلى جانب مستويات عالية من التدخل الخارجي، كافيين لعسكرة الصراع، ما أدى إلى حرب أهلية مطولة ودولة فاشلة جزئيًا. تم تمكين هؤلاء العملاء المناهضين للديمقراطية (الجيش والجهاديين) بينما تم تهميش القوى المؤيدة للديمقراطية (الشباب المتظاهر والنقابات العمالية). أدت الانتفاضة إلى زيادة حدة الانقسامات في الهوية على طول الخطوط الطائفية وبين العلمانية والإسلامية: أدى انهيار النظام إلى “معضلة أمنية” رأت فيها المجموعات الهوياتية المتنافسة أن الآخر هو العدو، إلى جانب دعم اقتصاد الحرب من قبل ممولين خارجيين متنافسين الذين خلقوا مصالح لأمراء حرب كلا الجانبين في استمرار الصراع. لخوض حرب أهلية، أعاد النظام تشكيل نفسه بطريقة أكثر عنفًا وإقصائية من الباتريمونيالية الجديدة ولكن مع قدرات بيروقراطية كافية للحفاظ على سيطرته على أغلبية السكان؛ بينما قاد المتمردون ذوو الكاريزما محاولات منافسة لإعادة تشكيل الدولة في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. في كلتا الحالتين، تم تضمين السكان واستبعادهم على أساس الهوية. أدى هذا إلى حبس سورية في أزمة طويلة الأمد ستمتد على الأقل إلى المستقبل القريب (Saouli 2015).

 

مصر: انتقال معكوس

في مصر، مكّن تحالف مناهض للنظام شمل جميع الطبقات تعبئةً جماعيةً ضد الحاكم. وسمحت الاستقلالية النسبية للجيش، التي أعطت الأولوية لمصالحه الخاصة، بهندسة المغادرة الرئاسية. على الرغم من الانتقال السلمي نسبيًا من حكم مبارك، كان الصراع على السلطة بعد الانتفاضة بين الثوار العلمانيين والجيش والإسلاميين غير مقيد باتفاق يوضّح قواعد اللعب. سمح الافتقار إلى حركة منظمة قوية مؤيدة للديمقراطية ونقابات عمالية مستقلة، مقارنةً بالجيش المسيس كبير الحجم، والشقاقات بين العلمانيين والإسلاميين المنقسمين إلى “استعادة” النظام القديم. اعتمدت استعادة الاستبداد التي قادها الجيش على نسخ متطورة من فرِّق تسد، كما يتضح من استقطاب الجيش للإخوان المسلمين لفض احتجاجات الشوارع المناهضة لمبارك، ليتلوه استمالة حركة “تمرد” لتدمير رئيس الإخوان مرسي. لا يمكن ترسيخ أي ديمقراطية تستبعد واحدة من أهم القوى السياسية-الاجتماعية في مصر، ولا يمكن إلا لنظام هجين، يحتفظ بسلطات دستورية إضافية لقوات الأمن، أن يتعامل مع الانتشار العنيف للمقاومة الإسلامية. الأمر الذي يعكس الافتقار إلى توازن القوة الطبقية القادر على التحقق من حالة التمويل الإيجاري. في الواقع، أدت الأموال السعودية دورًا حاسمًا في تشجيع ودعم الثورة المضادة، سواء في تمويل نظام السيسي أو في تشجيع عملائه السلفيين على الانفصال عن جماعة الإخوان المسلمين ودعم الجيش. اقترن التعصب الشعبي الكاره للأجانب والمعارضة الأكثر قمعية من عهد مبارك مع الاستبداد الانتخابي الذي تجلى في انتخابات إقصائية أو تم التلاعب بها، مع تضمين بعض الجماعات من أجل استبعاد أخرى.

 

تونس: توطيد الانتقال

كما هو الحال في مصر، مكّنت مظالم الطبقات الشاملة وهيكل من الفرص المناسبة – المجتمع المدني والخبرة النقابية – من التعبئة الجماعية ضد بن علي الذي نظرًا لرفض الجيش المستقل حماية الرئيس، مكّن تحالفًا ديمقراطيًا من الداخل والخارج. عزز التجانس النسبي في تونس وتاريخها الطويل من الاستقلال المجتمع السياسي المطلوب لدعم الخلاف حول القضايا الأخرى. على عكس حالة مصر، لم يتم عكس الانتقال. ما أحدث الفارق الكبير عن مصر هو حجم الطبقة الوسطى الأكبر في تونس، والثقافة الجماهيرية، والحركة العمالية النقابية القوية، والجيش الصغير غير المسيّس، وحركة إسلامية أكثر اعتدالًا، ما يجعل التسوية مع العلمانيين أمرًا ممكنًا. كان الإسلاميون الديمقراطيون المعتدلون (النهضة) أقوى بكثير من السلفيين، وخلافًا للحالة في مصر، دخلوا في ائتلاف مع العلمانيين بدلًا من السلفيين. ومع ذلك، في عام 2013 أغرق الانقسام العلماني-الإسلامي البلاد في أزمة شبيهة بما كان يحدث في مصر بالتوازي. ومع ذلك، على عكس مصر، لم يكن هناك “رجل يمتطي حصانًا” في الجيش التونسي الصغير غير الطموح سياسيًا والذي يمكن للقوى السياسية المتنافسة أن تطلبه “لإنقاذ” البلاد من الآخر؛ بالتالي كان عليهم تسوية خلافاتهم من خلال الحوار الذي توسطت فيه النقابات العمالية. كانت الجمعية التأسيسية أكثر شمولًا مما كانت عليه في مصر وتمكنت من التوصل إلى صيغة دستورية توافقية. بشكل حاسم، كان ميزان القوة في مصلحة القوى الديمقراطية. يعود الدور المحدود للجيش في الحياة العامة والدور الاستثنائي للحركة النقابية في التوسط للوصول إلى الإجماع على حقيقة أن حركة الاستقلال جمعت بين حزب سياسي قوي، حزب الدستور، وحركة نقابية قوية بنفس القدر، ليحتلوا دور الطليعة الوطنية المنسوب إلى الجيش كما في أماكن أخرى، بما في ذلك مصر. نتيجة ذلك، شهدت تونس أكثر عملية دمقرطة شمولية.

 

مقارنة النتائج

وهكذا، تباينت النتائج المباشرة بعد الانتفاضة بشكل كبير بما يتماشى مع تراكيب مختلفة من العوامل التي نوقشت أعلاه وملخصة في الجدول 1. بينما في مصر وتونس أدت التعبئة الجماعية ضد النظام والاستقلال العسكري إلى إزاحة سلمية نسبيًا للرئيس جنبًا إلى جنب مع بقاء الدولة بسبب قدر كبير من التاريخ الموجود مسبقًا للهوية المتمركزة حول الدولة، في سورية، أدت الانقسامات الشاملة إلى إضعاف التعبئة المناهضة للنظام وحالت إلى جانب السيطرة الرئاسية على الجيش دون حدوث انتقال سلمي. بعد الانتفاضة الأولية، تباعدت المسارات بشكل أكبر وفقًا لتوازن تمثيل ما بعد الانتفاضة. في تونس، سهّل مزيج من الجيش الضعيف والإسلاميين المعتدلين والنقابات العمالية القوية – وقدرة الإسلاميين والعلمانيين على تسوية خلافاتهم – الانتقال الديمقراطي. في مصر، سمحت الصراعات الإسلامية-العلمانية الحادة الجيش القوي المسيّس بهندسة استعادة السلطية. في سورية، أدى الجمع بين جيش قوي وإسلاميين راديكاليين إلى عسكرة الصراع ما أدى إلى تقسيم أراضي الدولة، ونظرًا إلى هوية الدولة الضعيفة نسبيًا، عجل بفشل الدولة الجزئي. كان السياق مهمًا أيضًا: لقد اقتربت تونس من التوازن الطبقي المطلوب لإرساء الديمقراطية، نظرًا إلى القوة النسبية للتصنيع والعمالة المنظمة. أدى الريع الخارجي في مصر إلى الإفراط في تمكين الدولة “العميقة”؛ وزاد اقتصاد الحرب المدفوع من الخارج في سورية الحرب الأهلية. أخيرًا، كان التدخل الخارجي في تونس محدودًا جدًا ليعرقل التحول الديمقراطي؛ سهلت المستويات المتوسطة من التدخل (خاصة السعودية) الانقلاب الديمقراطي في مصر؛ كما وقف التدخل التنافسي المكثف في سورية في وجه أي حل للحرب الأهلية، ما أدى إلى تعميق فشل الدولة.

 

النتائج: ميزات “علم الاجتماع التاريخي المعقد”

حاولت هذه الدراسة إجراء تحليل مقارن منهجي للعوامل التي شكلت المسارات الرئيسة التي اتخذتها دول ما بعد الانتفاضة العربية. في حين أن التحقق من صحة هذا التحليل سيتطلب توثيقًا وأدلة أكثر بكثير مما كان ممكنًا في هذه المقالة، إلا أنه يمكن القول إنه يمثل تقدمًا لم يكن ممكنًا دون علم الاجتماع التاريخي المعقد. الذي مكننا من رؤية أن النتيجة كانت تابعة لصراع على السلطة لم يكن فيه نقطة نهاية محددة مسبقًا (مثل الديمقراطية)؛ بدلًا من ذلك، فإن التوازن بين التعبئة (التي تشكلت بشكل ملحوظ من خلال التباين في البنية الاجتماعية) ومرونة النظام، (التي تشكلت بشكل ملحوظ من خلال التوازن بين القدرات الباتريمونيالية والبيروقراطية)، والتوازن بين القوى الاجتماعية المتنافسة في الصراع على السلطة ما بعد الانتفاضة مباشرة شكلت معًا مسارات مختلفة. من الواضح أن الوكالة مهمة، لكن الهيكل سمح لنا بفهم سبب تكديس البطاقات لمصلحة وضد تفضيلات قوى اجتماعية معينة في هذه الصراعات: عوامل الاقتصاد السياسي، من خلال تشكيل توازنات مختلفة للقوى الاجتماعية الداخلية، وتعزيز استعادة الاستبداد في مصر وانخفاض قوة الديمقراطية في تونس. أخيرًا، عززت الأشكال المكثفة من التدخل الخارجي في دول الانتفاضة فشلًا جزئيًا للدولة في سورية، حيث تنافست فلول جيوش النظام والحركات الإسلامية المسلحة لإعادة تشكيل السلطة. بشكل عام، هذه العوامل الأخيرة، الخارجة عن سيطرة الخصوم المتنافسين في الانتفاضات، تذهب بعيدًا لمساعدتنا على فهم سبب ضعف “حصاد” الانتفاضة.

المراجع

Aarts, Paul, Peter van Dijke, Iris Kolman, Jort Statema, Ghassan Dahhan. 2012. From Resilience to Revolt: Making sense of the Arab Spring. (Amsterdam: University of Amsterdam).

AbuShouk, Ahmad Ibrahim. 2016. “The Arab Spring: A Fourth Wave of Democratization?” DOMES, Digest of Middle East Studies, 25: 1, 52–69

Allinson, Jamie. 2015.“Class Forces, Transition and the Arab Uprisings: A Comparison of Tunisia, Egypt and Syria, “Democratization 22 (2).

Aschar, Gilbert, 2013. The People Want: a radical exploration of the Arab Uprising. London Saqi Books.

Barany, Zoltan. 2011. “Comparing the Arab revolts: The Role of the Military.” Journal of Democracy, 22 (4), 28-39.

Bellin, Eva. 2012. “Authoritarianism in the Middle East: Lessons from the Arab Spring,” Comparative Politics, 44 (2), 127-149.

Bibi, Sami and Mustapha K Nabi. 2010. Equity and Inequality in the Arab Region. Cairo: Economic Research Forum, Research Report 33, February.

Brownlee, Tarek Masoud, and Andrew Reynolds. 2013. “Why the Modest Harvest?” Journal of Democracy, Volume 24(4), 29-44.

Brynen, Rex, Pete Moore, Bassel Salloukh, Marie-Joelle Zahar. (2012). Beyond the Arab Spring: authoritarianism and democratization in the Arab world. Boulder CO: Lynne Rienner Publishers.

Cavatorta, Francesco. 2010. “The Convergence of Governance: Upgrading Authoritarianism in the Arab World and Downgrading Democracy Elsewhere?” Middle East Critique, 19 (3), 217–232.

Dupont, C. and Passy, F. 2011. “The Arab Spring or How to Explain those Revolutionary Episodes?” Swiss Political Science Review, 17: 447–451. doi:10.1111/j.1662-6370.2011.02037.x)

Durac, Vincent. 2015. “Social Movements, Protest Movements and Cross-Ideological Coalitions – the Arab Uprisings Re-appraised.” Democratization, 22 (2).

Guazzone, Laura and Daniella Pioppi. 2009. The Arab State and Neo-Liberal Globalization, Cairo: American University in Cairo Press.

Ghobashy, Mona. 2011. ‘The Praxis of the Egyptian Revolution”, Middle East Report, 258, www.merip.org/

mer/mer258/praxis-egyptian-revolution, accessed 15 September 2014.

Heydemann, Steven. 2013. “Syria and the Future of Authoritarianism,” Journal of Democracy. 24(4), 59-73

Heyderian, Richard Javad. 2014. How Capitalism Failed the Arab World: the economic roots and precarious future of the Middle East Uprisings, London: Zed Books.

Hinnebusch, Raymond. 2014. “Historical Sociology and the Arab Uprising,” Mediterranean Politics. 19(1), 137-140.

Hinnebusch, Raymond. 2015. “Globalization, democratization and the Arab uprising: the international factor in MEN’s failed democratization, Democratization. 22 (2), 335-357.

Hinnebusch, Raymond. 2016. After the Arab Uprisings: between democratization, counter-revolution and state failure. London: Routledge.

Huntington, S.P. 1968. Political Order in Changing Societies. New Haven: Yale University Press.

Jones, Seth. 2008. “The Rise of Afghanistan’s Insurgency: State Failure and Jihad, International Security, 32 (4), 7-40.

Leenders, Reinoud. 2013. “Social Movement Theory and the Onset of the Popular Uprising in Syria”. Arab Studies Quarterly 35 (3), 273-289.

Leenders, Reinoud. 2016. “Arab regimes’ International Linkages and Authoritarian Learning,” Toward an Ethnography of Counter-revolutionary Bricolage,” Project on Middle East Political Science, http://pomeps.org/2016/07/14/arab-regimes-international-linkages-and-authoritarian-learning-toward-an-ethnography-of-counter-revolutionary-bricolage/

Lynch, Marc. 2012. The Arab Uprising: the unfinished revolutions of the new Middle East, NY: Public Affairs

Mann, Michael. 1984. “The Autonomous Power of the State: its Origins, Mechanisms and Results.” European Journal of Sociology/Archives Européennes de Sociologie, 25(02), 185–213.

Michels, Robert. 1966. Political Parties: A Study of the Oligarchical Tendencies of Modern Democracy. New York: Free Press.

Moore, Barrington. 1966. The Social Origins of Dictatorship and Democracy. Boston: Beacon Press.

Mosca, Gaetano. 1939. The Ruling Class, NY: McGraw-Hill.

Robinson, William I. 1996. Promoting Polyarchy: Globalization, US Intervention, and Hegemony, New York: Cambridge University Press.

Rueschemeyer, Dietrich, Evelyne Huber Stephens, and John D Stephens. 1992. Capitalist Development and Democracy. Cambridge: Polity Press.

Saouli, Adham. 2015. “Back to the Future: The Arab Uprisings and state (re) formation in the Arab World,” Democratization, 22(2), 315-334.

Stacher, Joshua. 2012. Adaptable Autocrats: regime power in Egypt and Syria, Stanford, CA: Stanford University Press.

Stacher, Joshua. 2015. “Fragmenting states, new regimes, militarized state violence and transition in the Middle East,” Democratization, 22(2), 259-75.

Stepan, Alfred. and Juan Linz. 2103. “Democratization Theory and the ‘Arab Spring’.” Journal of Democracy 24 (2), 15-30

Tilly, Charles. 1990. Coercion, Capital, and European States, AD 990–1990. Cambridge, MA: B. Blackwell.

Tripp, Charles. 2014. The Power and the People: paths of resistance in the Middle East. Cambridge: Cambridge University Press.

Valbjorn, Morten. 2015. “Reflections on Self-Reflection – On framing the analytical implications of the Arab uprisings for the study of Arab politics.” Democratization, 22(2), pp. 218-32.

Volpi, Frederic and Ewan Stein. 2015. “Islamism and the State after the Arab Uprisings: between people power & state power. “Democratization, 22(2), 276-293.

Zubaida, Sami. 2011. “The ‘Arab spring’ in historical perspective,” Open Democracy, 21 October, Available at http://www.opendemocracy.net/sami-zubaida/arab-spring-in-historical-perspective

 

 

ورد العيسى

كاتب ومترجم سوري عن الإنكليزية، متعاون مع مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر.