حوار مع إشراق المقطري؛ نجاحات وإخفاقات الربيع اليمني

إدارة الحوار: نور حريري

مساء الخير، وأهلًا بكم في جلسة حوارية جديدة من جلسات مجلة (رواق ميسلون). جلستنا الحوارية اليوم بعنوان نجاحات وإخفاقات الربيع اليمني.

أسئلة كثيرة لدينا بعد مرور نحو عشر سنوات على الربيع العربي. انطلقت أولى تظاهرات الثورة اليمنية عام 2011، لتعم الاحتجاجات بعدها كل المدن اليمنية بشعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، وعلى الرغم من تمكن المحتجين بعد نحو عام من إسقاط نظام حكم استمرّ أكثر من ثلاثين عامًا، يبدو اليمن اليوم بعيدًا عن تحقيق مطالب الشعب بالتغيير، إذ يعيش حربًا لا يبدو أن نهايتها تلوح في الأفق، حيث تستفحل الأوضاع الإنسانية فيه يومًا بعد يوم، وتتجه بحسب ما حذر مسؤول أممي نحو أسوأ مجاعة يشهدها العالم منذ عقود.

هل فشلت الاحتجاجات الشعبية الشبابية في اليمن، أم أن نظام الرئيس علي عبد الله صالح استطاع إعادة إنتاج نفسه، ونجح في وأد مطالب الشعب؟ ومن يتحمل مسؤولية الأزمات والانقسامات المجتمعية والحروب الأهلية التي لم يفلح العالم في احتواء عواقبها الإنسانية؟

يسعدني أن أستضيف في هذه الندوة الحوارية الأستاذة إشراق المقطري التي ستحدثنا عن نجاحات وإخفاقات اليمن، والربيع اليمني، وأرحب أيضًا بكل من انضم إلينا في هذه الندوة، وأدعو الجميع إلى المشاركة في جولة النقاش، وطرح الأسئلة التي ستكون في نهاية الجلسة.

مرحبًا أستاذة إشراق، وكل عام وأنت بألف خير، ورمضان كريم. شكرًا لك على تلبية الدعوة، وتفضلي الكلمة معك.

 

إشراق المقطري

بسم الله، إن الحديث حول الربيع العربي أو الربيع اليمني هو حديث حول حلم اليمنيين.

كلنا نعرف أن ثورات الشبان هي ثورات التغيير التي بدأت مع نهاية عام 2010 وبداية 2011، لم يكن الموضوع كما يعتقد بعضهم أن الدول العربية قلدت بعضها بعضًا، بل كان لكل دولة أسبابها ومبرراتها في المطالبة بالتغيير، ولتقول لسياسات أنظمتها كفى. باعتقادي ربما كانت اليمن البلد الأسوأ في الوضع الإنساني والاقتصادي، وهذا ما أفادت به تقارير دولية بخصوص حقوق الإنسان، وتقارير بخصوص الوضع الاقتصادي. وكل هذه التقارير كانت أمام مرأى ومتابعة من خلال عدد كبير من القيادات الشبابية، ولا سيما التي بدأت تحتك بالخارج، وتحصل على بعض التدريبات.

بناء على تجربتي الخاصة، فقد زرت عددًا من الدول، وشاركت في مؤتمرات عديدة، ولكن من المؤسف أنني كنت أعود إلى مطار صنعاء أو عدن، لأجد أن الشعب قد وصل إلى مرحلة الاختناق واللاعودة، إضافة إلى حروب في الشمال وفي الجنوب، وتهميش المناطق الوسطى. غير أن الوضع في فترة ما قبل الحرب لم يكن بحال أفضل مما نحن فيه الآن، فالناس مشردون ينامون في العراء، إضافة إلى نسبة الأمية الكبيرة والقاتلة، وباعتقادي أن هذا الوضع الاجتماعي المتردي لم يكن السبب الوحيد للحراك الثوري في اليمن.

بدأ الحراك سلميًا، حتى قبل الخروج إلى الساحات واتخاذ القرار باللاعودة عنها، فقد جرت لقاءات مع النظام الحاكم، ومحاولات للمطالبة بالإصلاح، وتألفت من خلالها ما يسمى بالأحزاب السياسية، وإن كانت الأحزاب السياسية في الحقيقة جزءًا من النظام الحاكم، إلا أنها قد حملت في بعض برامجها مطالب إصلاحية. ولكن كان الاعتقاد الراسخ عند كثير من اليمنيين أنه لا يمكن أن يحدث تغيير جذري.

إضافة إلى ما ذكرت من أسباب سياسية واجتماعية واقتصادية للثورة، هناك قضية المرأة اليمينة، التي تشكل سببًا مهمًا للحراك، فالقانون اليمني يظلم المرأة في وجوه كثيرة، كأن لا يعطيها مثل دية الرجل، كما يعطي الزوج الحق في الزواج دون أن تعرف الزوجة بهذا، يطلقها تعسفيًا دون علمها ودون سبب، والقانون يشرع العنف والتمييز على أساس النوع الاجتماعي، وعلى أساس الجنس، وعلى أساس المنطقة أو المعتقد أو الانتماءات السياسية، أي إنه وضع مزر بالنسبة إلى المرأة بشكل خاص.

غير أن المحاولات لإقناع النظام بالتغيير الحقيقي لم تنجح، ولم نجد أكثر من وعود متكررة لم تنفذ كما العادة. فبعد خروج الناس في مصر إلى الساحات، بدأ الخروج في اليمن من جامعة صنعاء، وكان القرار باللاعودة وإنشاء أول ساحة تغيير أو ساحة حرية في تعز، وربما حصدت هذه المحافظة، ليس لأنني أنتمي لها حقيقةً، العقاب الكبير نتيجة خروجها، بعد أن خرج الشبان والشابات إلى الساحات، وبدأت عملية التخييم والنشاط والفاعليات الثقافية والفكرية، وكان الشبان يعتقدون أنه من هذه الساحة يمكن أن يبدأ التغيير، وأن تبدأ توعية القبائل والنقابات العمالية والفئوية، ولا سيما فئة المهمشين. كانت محاولات كبيرة، ولكن لم تنجح.

إجمالًا بدأت الثورة في المحافظات كلها، ولم تكن محصورة في محافظة معينة، وانطلق نشاط هذه الفاعليات إلى مديريات داخل المحافظات في محاولة الوصول إلى أكبر قدر من المؤمنين بهذه الثورة.

وبما أن جلستنا هي حول النجاحات والإخفاقات، يمكن القول إن من النجاحات التي يراها كثيرون، أن ثورة الشبان في اليمن نجحت في إيقاف الحرب في وقتها، إذ كان من الممكن لهذه الحرب أن تحدث في وقت مبكر، لكن وعيهم منع ذلك في البداية، غير أن هذا الوعي قدم تنازلات كبيرة لمصلحة النظام، وقبل بأن تكون نصف السلطة له، وهذا كان خطأ جسيمًا، لأنه لا توجد ثورة تعطي حصانة لنظام حكم لـ 35 عامًا، فهذا أمر يتعارض مع مبدأ عدم سقوط حقوق الإنسان بالتقادم، أي كان أمرًا غير مقبول، ومع ذلك تم هذا التنازل بهدف الوصول إلى الحوار الوطني، وتحقيق إجماع وطني يشترك فيه النساء والرجال اليمنيون، ومكونات الشبان والأحزاب، وما إلى ذلك.

ومن النجاحات بالنسبة إليّ، من حيث كوني امرأة، يمكن القول إنها كانت أول مشاركة جادة وفعلية للحراك النسوي في اليمن، فصورة المرأة اليمينة التي كان يقدمها النظام هي صورة المرأة الأمية الضعيفة التي لا تستطيع المشاركة، ولكن في الحقيقة إن مشاركتها في الساحات بشكل كبير جدًا شجعت أخريات على الانخراط في سلك الإعلام وسلك الحقوق وسلك المجتمع المدني، فتشكلت منذ عام 2011 مؤسسات مجتمع مدني كثيرة تقودها نساء، وعدد من التكتلات الشبابية كانت تقودها نساء أيضًا، فالصورة التي قدمتها الثورة عن المرأة اليمنية هي كما وصفتها الزميلة السورية علياء أحمد التي كانت تشارك في المركز الدولي للعدالة الانتقالية في تونس عام 2013 بقولها: إن هذه الثورة لو لم يكن لها إنجاز إلا أنها أظهرت قدرات النساء اليمنيات لكفى.

أرى أنه نتيجة هذه الثمرة، تمكنت النساء من المشاركة في الحوار الوطني بنسبة لا تقل عن 30 في المئة في ثمان لجان، أربع منها كانت تقودها النساء، منها لجنة الحقوق والحريات التي كانت مهمتها تقديم الصيغة الأولى للدستور، لذلك بالنسبة إلينا كنا نريد أن نقول إن هذا النظام حجبنا عن إمكاناتنا، وهذا النظام قدمنا على أننا إما إرهابيات أو أميات أو مغيبات، والوضع ليس كذلك حقيقةً، وهي عبارة عن ردة أو ارتداد عن حقيقة المرأة اليمنية التي كانت تعتز بها في التاريخ القديم أو التاريخ الإسلامي.

وعدا عن مشاركة النساء، كانت هناك مشاركة الشبان، ففي حكومة المحاصصة أو المناصفة التي كانت بين الأحزاب السياسية كان هناك نوع من الخجل أو الاعتراف لدى بعض الأحزاب بأننا لا يمكن أن نقصي الشبان عن المشاركة، فبدأت دماء جديدة تدخل إلى القيادة اليمنية، اختلفنا أم اتفقنا معها، لكن كان هناك تغيير صغير في الصورة.

بالنسبة إلينا، نحن نرى أن الربيع اليمني يمتد من 2011 إلى نهاية الـ 2013 عندما تمت صياغة مسودة الدستور، لكن حقيقةً بعد الـ 2013 وأحداث الـ 2014، كان النظام لم يسقط كاملًا، وكان الجيش لا يزال في يد النظام السابق، وأدوات الحرب في الشمال والجنوب كان يملكها النظام القديم لتحريك هذه المكونات، وكان النظام قائمًا أساسًا على مسألة عقد صفقات لإحياء العداوات وإحياء الثارات والخلافات، فاستطاع أن يرتب نفسه للأسف خلال السنوات الثلاث التي كان الشبان منشغلين فيها في مسألة الحوار الوطني وإنشاء مكونات المجتمع المدني التي كانت محظورة وعليها كثير من القيود، وبدأت تحالفات جديدة متمثلة بمن يريد أن يعيد اليمن إلى ما قبل الـ 2011، ولكن حقيقةً، لم يكن الخاسر في هذا الخطأ المتحالفين فحسب، بل الجميع، أي كل اليمنيين، وكما ترون الآن، لم تعد حتى الحرب فيما بين اليمنيين أنفسهم، بل أصبحت الحرب ربما مع نهاية 2014 وبداية 2015 واضحة المعالم، وأصبحت هناك أطراف خارجية، وبدأ وجود جماعات مسلحة مختلفة، ولهذا عندما يتم انتقاد شبان 2011 أو شبان فبراير بأنهم أحد أسباب الحرب، حقيقةً ليس دفاعًا عنهم، لكنهم لم ينخرطوا في هذه الحرب، ولم يكونوا من ساهم في إشعالها، إنما كما ذكرت كانوا حريصين على شعارات السلمية من خلال استمرارهم في الساحات لعام كامل تعرضوا فيه للقتل والقمع؛ فخلال العام 2011 سقط من النساء أنفسهن أكثر من 18 امرأة قتيلة، 8 منهن تقريبًا قتلن في الساحات أو المسيرات. لقد كان عملًا مدنيًا سلميًا فعلًا، وكان قرار مجلس حقوق الإنسان في دورته الثلاثين في العام 2011 بأنه من الضروري وجود لجنة وطنية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي تعرض لها شبان الثورة، وتم فيها الاعتداء على معتصمين ومخيمات ومتظاهرين سلميين لا يحملون السلاح.

كانت هناك دعاية أن اليمن شعب مسلح وأمي، وكان المتوقع من بداية لحظات الثورة أن تنفجر الحرب الأهلية، لكن حقيقةً لم تنفجر الحرب الأهلية في ذروة النشاط والحماس والغضب من النظام، إذ استطاع المجتمع اليمني بشبانه ونسائه ورجاله كبح جماح النفس الانتقامية وعنفوان الشبان، وكان هناك تغليب لمصلحة اليمن على موضوع الانتقام، وتم التنازل للنظام وإعطائه حصانة كما ذكرت.

لكن للأسف، كانت المخططات أكبر، وكان للنظام علاقاته الإقليمية، استطاع استثمارها كي يستمر أو يعود. وكان هذا أكبر من تجربة الشبان التي كانت لم تكن كبيرة، إذ لم يكونوا يدركون أن الأمر له أبعاد الإقليمية عديدة.

كما تم تصدير عدد كبير من أعمدة النظام السابق إلى المشهد في الثورة، فأصبحوا قادة، وأصبحوا متقدِّمين، على الرغم من أن المطالب كانت في الأشهر الستة الأولى ليست إسقاط رأس النظام فحسب، بل إسقاط المنظومة التي كانت مشاركة، منظومة الفساد بأكملها، الاقتصادية والعسكرية والإدارية التي كان لها دور في تردي الأوضاع، وشاركت في إقصاء وتهميش كوادر كبيرة من اليمنيين، لكن النظام استطاع تصدير عدد كبير من أذرعه، ومن ثمّ شاركوا في مسألة تأخير الإصلاحات، إضافة إلى عدم رضى فصائل كثيرة من مكونات الثورة عن وجود هؤلاء، ما أدى إلى نوع من الخلافات، أو نوع من الانتقادات التي وصلت إلى حدّ الفجوة بين المكونات.

الحرب في اليمن تحتاج ربما إلى إشارة أخرى مختلفة عن مسار 2011، ليس تبرئةً للمكونات التي شاركت في الثورة، لكن في الحقيقة نحن نقرؤها بأنها عبارة عن تحالف قديم جديد، بدأه النظام ممثلًا برأس هرمه علي عبد الله صالح، بقدراته المالية والمليارات التي ما زالت بحوزته، وتم التحالف مع من كان يحاربهم فترة، وكان من أنشأهم في التسعينيات، أنشأ هذا الفصيل، لأبعاد إقليمية وسياسية ليس لها علاقة بالبعد الديني باعتقادي أبدًا، إلا أنه أدى وظيفة إشعال الحرب معه. والآن بعد الـ 2015 أعاد هذا التحالف، وكان أسوأ ما في التحالف أن أكثر الجيش موال، لأن الجيش في اليمن وفي عدد من الدول العربية أسريّ للأسف وليس مؤسسيًّا ولا وطنيًّا، أي ليست هناك ثوابت وطنية تعيده إلى رشده أو تمنعه من مؤازرة النظام، ما دام هذا النظام لا يزال يملك الأموال والعلاقات الإقليمية، ولا يزال يستطيع أن يغير أشياء كثيرة، فكانت التوجيهات؛ جميع الألوية التي كان من المتوقع أن تواجه مجموعة مسلحة ممثلة بالحوثيين أعلنت ولاءها، ليس ولاء جماعيًا، إنما ولاء لهذا التحالف الداخلي، وبدأت الحرب. كان الأمر بالنسبة إلى بعض المحافظات، ولا سيما المحافظات الجنوبية والوسطى من اليمن مثل البيضاء وتعز ومأرب والحديبة، في منزلة القضاء على الحكم الملكي الإمامي، وإعلان الحكم الجمهوري، فكان يصعب عليهم القبول أن تقوم جماعة بحكمهم عن طريق السلاح، وكانوا يرون أن هذه الحرب هي انقلاب على ثورة 2011، وهي بمنزلة مخطط من هذا التحالف القديم لإعادة النظام القديم بجميع أشكاله.

استمرّ التحالف بين الحوثي وقوات صالح طوال الأعوام 2014-2017 حتى ديسمبر 2017، ولا نعرف سبب الخلاف الذي حدث، لكن خلال خمس سنوات كانت الخارطة قد تغيرت بالكامل، وانتشرت النار في الهشيم اليمني، ووصلت إلى المديريات والجبال والقرى، في دولة كانت البنية التحتية فيها مدمرة أساسًا، فالتعليم في مدن كثيرة يعتمد فيه الأهالي على أنفسهم وعلى المغتربين الذي يساعدون في بناء المدارس، كان ذلك في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، والاعتماد على التبرعات الدولية والمانحين، وليس عن طريق عمل مؤسّسي، وأنا نفسي بحكم طريقة عملي أتنقل خلال فترة الحرب بين مديريات ريفية، وتلمست الشعور اللاوطني عند كل القيادات التي حكمت في المرحلة الماضية، لأن هنالك مناطق لم تعرف الحياة بعد، على الإطلاق، عيش مهين، عيش لا كريم، لا يمكن أن يرتضيه بشر، وهذا يقودنا إلى الإقرار بأنه لم يكن خروج الشبان خطأ، لكن ربما يكمن الخطأ، وهم لا يتحملونه، في أن تجربتهم كانت ضعيفة، فقد كانوا يعتقدون أن التغيير سيحصل من خلال هذه الساحات المفتوحة في عدد من المحافظات، ولم يكونوا يعرفون أن خلف الجبال وخلف السهول هناك أميّون يمكن أن يقودهم أي نظام فاسد أو أي قوي يعطيهم قيمة وجبة واحدة في اليوم، فتتحول حتى أكذوبة صناديق الاقتراع إلى وهم، حيث يتم استخدام الوهم لمصلحة الحكم.

يمكن الإخفاقات إذًا في أن التغيير المنشود لم يتحقق، وأن النظام عاد إلى الواجهة، وأكبر إخفاق كان حدوث هذه الحرب، التي لم يستطع لا الشبان، ولا المكونات، ولا حتى محاولات الترقيع ومحاولات الإصلاح بشكل عام، إيقافها، لأن الحرب اتسعت بشكل لم يتوقع حتى من صنع هذه الحرب أن تصل إليه، سواءً التحالف الداخلي المتمثل بالحوثي وصالح، أو حتى تحالف الشرعية مع قوات التحالف الخليجية، كانوا جميعهم يتوقعون أن الحرب ستكون عبارة عن أشهر، وإن طالت ستستمر سنة لا غير، لكننا حاليًا وصلنا إلى العام السابع، والحرب مستمرة، والألغام مستمرة، فحتى عندما تنتهي الحرب سيظهر ما هو أقسى، بسبب ما تخلفه الحرب عادة من تشوهات جسدية وأضرار اقتصادية.

مؤسف أنني أحاول أن ألبس قبعة فبراير، لكن القبعة التي ألبسها الآن هي قبعة حقوق الإنسان والانتهاكات التي أستمع إليها بشكل يومي، ونحن نحقق في كل الانتهاكات، من كل الأطراف، سواء الداخلية أو الخارجية، لكن مشهد الحرب وقسوتها أعطاني صورة أخرى عن نظام الحكم، وكيف كانت تعيش أغلبية القرى والمناطق. يجب الإشارة إلى أن أغلب اليمن ريف، وحتى المدن الرئيسة، تعز مثلًا فيها ثلاث مديريات مدينة، وفيها عشرون مديرية ريف، فاليمن إما ساحل وصيادون أو ريف ومزارعون، وعندما يكون هذا الريف فقيرًا وجائعًا يمكن أن يستثمره أي نظام، ويمكن أن يستثمره أي طرف خارجي، ويمكن أن يستثمر فيه المتطرفون، فالجوع كافر، والفقر كافر، والمجتمع شاب، وعلى قدر الفقر نجد زواجًا مبكرًا وإنجابًا مبكرًا مع الفقر.

هذا لا يعني أنه يجب ألّا تستمرّ محاولات إيقاف الحرب، لكن ليس على أساس منعها من خلال مداراة الحاكم أو مداراة الوضع، بل لا بدّ من إيقاف الحرب على أساس مطالب الضحايا، وعلى أساس حقوق الإنسان، وإنصاف الضحايا، فالضحايا ليسوا مئة ولا ألفًا ولا ألفين، بل أسر هُجِّرَت، ومنازل فُجِّرت، ومزارع انتهت، وأطراف مبتورة، ومعتقلون اعتقلوا بلا ذنب، إما لسبب مناطقي، أو سبب سياسي، أو عقائدي، أو لأي أسباب مختلفة، وفي اعتقادي الآن الدور الكبير هو للمكونات، لأنه يوجد عدد كبير من المكونات الشبابية ما زالت إما مراقبة أو تعمل في المجال الحقوقي والتقييم، وما إلى هنالك من هذه الأمور، للوقوف في مكان يختلف عن البقية، والمشاهدة المختلفة عن مشاهد بقية الأطراف ممن ارتكبوا الانتهاكات، وتسبّبوا في هذه الحرب.

على الرغم من كل المشاهدات اليومية القاسية في اليمن وفي تعز وفي الحديبة وصنعاء وفي مأرب التي يوجد اليوم آلاف النازحين الهاربين إليها، ويسكنون في العراء ويتعرضون للقصف المستمر، وكل المآسي الأخرى، إلا أن هذا كله لا يعني أن نيأس، بل يعني أنه ينبغي له أن يعطينا قراءات مختلفة، ويعني أن نكون أكثر وضوحًا، في الوقوف مع المواطن، مع الضحية، وليس مع مرتكب الانتهاك، أو المتسبب بهذا الانتهاك. هذا ما أستطيع أن أقدمه الآن بشكل سريع من ملاحظات على عجالة.

 

نور حريري

شكرًا لك أستاذة إشراق على هذه المعلومات، والسؤال الأول لدي، وفقًا لما تفضّلت به من قضايا ومشكلات وأزمات يعيشها المجتمع اليمني على المستوى الإنساني والاجتماعي والاقتصادي والتعليمي وانتهاكات المرأة، في رأيك من أين يجب أن يبدأ اليمنيون بالعمل لكي يتم تفكيك هذه الأزمات تباعًا؟

 

إشراق المقطري

في اعتقادي، يجب أولًا أن يقترب اليمنيون من بعضهم بعضًا أكثر، فالآن الانقسامات زادت بشكل أكبر. فحتى لو قلّلنا من الانقسامات، وقلنا إن اليمنيين انقسموا إلى فريقين أو ثلاثة، يمكن البحث حينئذ عن قواسم مشتركة بين الفرقاء، لكن في الحقيقة، للأسف، توجد انقسامات عديدة جدًا.

ما يجعل الموضوع أكثر صعوبةً هو، كما ذكرت، مسألة النظر إلى الضحايا، فكل مفاوضات السلام الحالية تبحث في أن تعطي أطراف النزاع القليل من النصر.

لذلك، فالحل هو أن يقترب اليمنيون من بعضهم بعضًا أكثر، وإذا نظرت اليوم إلى وسائل التواصل الاجتماعي، تجدين أن بعضهم يحمِّل المسؤولية لشبان الثورة، أنتم الفبرايريون أو الثورجيون السبب، وبعد انهيار تحالف صالح والحوثيين، فإن مجموعة كبيرة من اليمنيين الذين كانوا موالين للنظام، كانوا يقولون إنه كانت لدينا دولة وأنتم السبب في التخريب، هذا عدا عن الصراعات المناطقية في الجنوب، وأصبح لدينا الكثير من الأطراف التي تغذي الوضع في الجنوب، ومكونات غير متوافقة مع بعضها بعضًا.

كثرة الخسارات، سواءً التي تكبدتها النساء في الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب، من الممكن في ضوئها أن تتقلص أو يقل مستوى التشرذم، لنصل إلى العدد الذي يمكننا من الوقوف مع بعضنا وقفة الضحايا، وقفة النظر إلى الخسارات؛ ماذا سنفعل بهذه الخسارات؟ كيف سنتعامل مع الضحايا؟ ماذا يريد الضحايا؟ لنتخاطب مع بعضنا بعضًا فيما بعد بوصفنا قيادات أو مؤثرين؟ لكن أن يتحدث المرتكبون مع بعضهم بعضًا فيما الضحايا يتفرجون، فهذا لا يجوز!

فنحن في جلسات الاستماع التي نقيمها، بعد أن نستمع إلى قصص الانتهاكات والسرديات لسنوات من الظلم والقمع، نسأل الضحايا عن مطالبهم – وكثير من الضحايا على فكرة على الرغم من الخسارة الكبيرة والتكلفة التي دفعوها لديهم الإحساس الوطني – تتلخص مطالبهم بجبر الضرر، وتوقف الحرب، وأن يتم تعويضهم.

فلإنهاء الحرب علينا أولًا تحديد مطالب المتضررين ثم تبدأ مرحلة البناء. لكن من الطبيعي أن البناء لا يمكن أن نشرع فيه من البداية، أي قبل 2011، فما بين 2011 و2013 قطعنا شوطًا كبيرًا، وشارك اليمنيون في الحوار الوطني، وشاركوا في صياغة الدستور، وأصبحت لدينا مرجعية أممية، ومن الضروري ألا يتم تهميش الإرادة الشعبية لمجرد أن بعض الأطراف لديها العلاقات وقوة السلاح لفرض إرادتها، لأن ذلك سيعيدنا إلى حروب أخرى.

 

نور حريري

هل هناك إمكانية لحوار وطني في اليمن؟ مع الأخذ في الحسبان طبعًا الحجم الكبير للتدخل الخارجي، وهل هناك دور معرقل للخارج؟

 

إشراق المقطري

كلامي هذا هو قراءة إشراق المقطري بوصفها مواطنة يمنية، ليست قراءة قاض ولا ناشط ولا محام ولا غير ذلك: القول إن هناك إمكانية حوار وطني يمني قريب، هذا غير ممكن، حقيقةً، وأيضًا الحرب مستمرة، بما يعني أن التكلفة أكبر، والأحقاد مستمرة، ولا توجد نيات فعلية لإيقاف الحرب.

الجزء الثاني من سؤالك حول وجود تدخل إقليمي؛ بالتأكيد توجد تدخلات إقليمية، وكلها تصب في الجانب السلبي. حتى لو تم دعم طرف ليسيطر، وسيطر بشكل كامل، ربما يستسلم اليمنيون، ليعودوا بعد مدة إلى المطالبة بالتغيير. لكن أعتقد أيضًا أن بعض الأطراف يعتقد أن لديه الفرصة ليسيطر، وأن الوقت في مصلحته، لكن هذا كله يكون على حساب اليمنيين وقتلهم وتدميرهم.

لكن، هل توجد إمكانية لمفاوضات حقيقية في هذا الوقت؟ ولمحادثات سلام؟ في اعتقادي، للأسف كل ما يقال حول ذلك يندرج ضمن قصص السلام المزيفة والوهمية التي علبها المجتمع الدولي. على الرغم من أنني في أغلب سنوات عمري كنت أعمل في منظمات دولية، لكن كنت أعمل غالبًا في قضايا النساء وحقوق الإنسان، وفي الحقيقة قضايا السلام تم تمييعها كثيرًا، وكأن السلام لا علاقة له بحقوق الإنسان، فالسلام كما يريدون في المجتمع الدولي فحسب. عندما بدأت الحرب كانوا يستطيعون على الأقل التدخل لمنعها في بداياتها عبر الضغط من خلال مفاهيم السلام، لكنهم لم يبدؤوا بالتفكير في قضايا السلام إلا عندما بدأت الدماء.

أمر آخر، إن جزءًا كبيرًا من المشاركين أو المؤسسين لمؤسسات السلام، سواءً الإقليمية أو الدولية أو حتى المحلية، كانوا قد شاركوا سابقًا في مسألة التأجيج للحرب ضد اليمنيين، وشاركوا في مسألة التحريض، وشاركوا في مسألة العنف، لذلك فإن المواطن العادي البسيط، المتعلم طبعًا، في المدن وليس الأرياف، يرى أن ما يتحدثون عنه هو سلامهم أنفسهم وليس سلام اليمنيين.

لا أتكلم من دافع الإحباط، لكن طريقة التمييع الحالية، من الطبيعي في ظلها ألا نتحدث عن فرص سلام.

 

نور حريري

حسنًا أستاذة إشراق، ما دور الثقافة اليمنية؟ وأين المثقفون اليمنيون اليوم مما يحدث في اليمن؟

 

إشراق المقطري

 لا أعرف فيما إذا كان ما يحدث في سورية وليبيا وتونس وبقية الدول العربية هو نفسه الذي يحدث في اليمن، لكن الانقسام في اليمن وصل إلى المكونات الثقافية، فالمثقفون انقسموا أيضًا. مثلًا اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، فرع صنعاء، يغلب عليهم الصمت على الرغم من أن صوتهم في البدايات كان من الممكن أن يكون مؤثرًا، وفي تعز كان هناك قسم مع الحكومة الشرعية، وقسم مع المجلس الانتقالي المدعوم من الإقليم. فللأسف المثقفون كانوا جزءًا من المشكلة إلا قلة، لا أقول حافظوا على حيادهم، لكن حافظوا على خطابهم المعقول، وخطابهم الذي يدين الانتهاك أيًا كان مصدرها، وخطابهم الذي يذكّر بالقيم.

أما المؤسسات الثقافية والفكرية، أو المكون الثقافي، بخاصة الأدباء والكتّاب والمسرحيون، فإن الانقسام نفسه بين المكونات السياسية نجده بينهم أيضًا بوصفهم مكونات ثقافية.

ليس المثقفون فحسب، بل المجتمع المدني بأكمله، فعندما نتحدث عن المثقفين والأدباء، يمكن أن نقول قد يكون الأمر بسبب الوضع المالي والفقر ووضع البلد المزري، أما بالنسبة إلى المجتمع المدني، فقد كنا نعتقد أن دوره يمكن أن يكون مبكرًا في مسألة الحث على التعايش والرفض المبكر للاعتداء، إلا أنه خيب الأمل ووقف متفرجًا.

كانت هناك مؤسسات مجتمع مدني كبيرة في اليمن، ولديها الصفة الاستشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وكانت من الدول العربية القليلة التي لديها مؤسسات مجتمع مدني لها هذه الصفة الاستشارية، تخيّلي أن هذه المؤسسات لو أصدرت بيانًا أو تنديدًا في بدايات الـ 2014، لكان على العكس أوقفوا نشاطهم بشكل كامل.

 

نور حريري

ننتقل إلى السؤال الأخير قبل أن نتوجه إلى أسئلة الحضور، هل تتوقعين أستاذة إشراق أن يتم في مرحلة ما مستقبلًا تطبيق برنامج منصف للعدالة الانتقالية، خصوصًا في ظل كثرة الضحايا؟

 

إشراق المقطري

حقيقةً، هذا الذي يجب أن يتم. هذه ليست أول حرب تحدث في اليمن، لكنها الحرب الأكثر قسوة، وصلت إلى القرى، والجبال، والسهول، والأرياف. في الـ 86 قامت حرب في الجنوب، وقامت في مرحلة حرب بين المناطق الشمالية والجنوبية، وقامت حرب في المناطق الوسطى، وفي الـ 94 حدثت حرب، إذًا هي ليست الحرب الأولى إطلاقًا، لكن لأنه في السنوات الماضية لم تحدث عدالة انتقالية، ولم يتم جبر الضرر، فضلًا عن أننا لم نعرف مصير المخفيين في السبعينيات والثمانينيات إلى هذا اليوم، وبالتالي من الطبيعي أن تحدث حرب بعد مدة أو أخرى، وأنا أكلمك الآن من باب أنني استمعت إلى ضحايا تم إخفاؤهم لستّ سنوات، واستمعت إلى مبتورين، ومصابين، وضحايا من كل الأطراف بلا استثناء، وإن كانت انتهاكات جماعة الحوثي أكبر كثيرًا، لكن في الحقيقة الانتهاكات تحدث من الجميع. لا يمكن أن تتوقف الحروب في اليمن قريبًا، ليس لأن الشعب اليمني مسلح، لكن بحكم وجود فكرة الأخذ بالحق، فكرة يمكن أن يستثمرها أي طرف في المستقبل داخليًا أو خارجيًا، إضافة إلى مسألة الفقر، وهو ما يخلق وضعًا هشًا لحروب مقبلة، لذلك فإن مسألة العدالة الانتقالية هي الحل لليمنيين، هي الحل للآلاف من الضحايا، وهذا لا يعني أننا نغيّب العدالة الجنائية في ما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة والممنهجة التي استخدمت بشكل كبير، وتم فيها اتباع سياسة معينة تجاه عدد كبير من الناس بطريقة متعمدة، هذه العدالة من الطبيعي أن تحصل إذا أراد الضحايا المحاسبة، لكن هذا أمر آخر، أما المدخل حاليًا فهو موضوع العدالة الانتقالية التي توجد لها تحضيرات مبدئية بالنسبة إلينا، أقلها تجميع ملفات قانونية بشهود ووثائق وفيديوهات تساعد الضحايا مستقبلًا في مسألة جبر الضرر ومسألة التعويض والإنصاف.

 

خليل حسين

مساء الخير، تحدثت الأستاذة إشراق عن مشاركة المرأة في الحراك المدني الحالي في اليمن، ومن المعروف أن المرأة اليمنية كان لها دور سابق في المراحل السابقة في الحياة السياسية، ونشاط كبير في المجتمع اليمني، خاصةً في الجنوب، في فترة اليمن الديمقراطي، وسؤالي للأستاذة: هل مشاركة المرأة اليمنية في هذه المرحلة جاءت نتيجة تلك التراكمات السابقة أم نتيجة عوامل أخرى؟ وشكرًا.

 

إشراق المقطري

شكرًا خليل، أنا طبعًا أؤكد كلامك. هناك إرث جيد للمرأة في الجنوب، وهذا لم يكن عائدًا للشق المناطقي، بقدر ما هو يعود إلى النظام الاشتراكي في جنوب اليمن، كان قائمًا على مسألة تمكين النساء، ومن ذلك مساعدة اتحاد نساء اليمن، لكن للأسف، لكل نظام عيوبه، ومن وجهة نظري فإن من عيوب ذلك النظام، على الرغم من أنه كانت هناك تشريعات ممتازة مكنت النساء بشكل كبير، أنه أعطى هذه الحقوق كمنحة أو هبة، ولم يحدث امتلاك النساء لهذه الحقوق فعليًا، ولذلك ربما بعد عام 1994 كانت هناك ردة أيضًا عن مشاركة النساء، لأن النظام الحالي الجديد أصبح قائمًا بعد الـ 94 على مشاركة الجماعات الدينية، وتحالف النظام مع الفكر الأصولي.

كانت مسألة إشراك النساء في النظام السابق، للأسف، مسألة ديكورية لتحسين شكل النظام، وزيرة أو وزيرتان، مديرة أو مديرتان، لكن عندما نتكلم عن مكانة المرأة فعلًا، يجب أن نتكلم عن نسبة الأمية في أوساط النساء، عن تشريعات متساوية، عن قاضيات، عن رئيسات مؤسسات مجتمع مدني… إلخ.

مع ذلك، ذكرت أنه كان هناك تأثير للمكانة التي حصلت عليها المرأة في جنوب اليمن، وهذا لم يقتصر على الجنوب، بل وصل إلى الشمال أيضًا، لكن لا ينبغي لنا إغفال دور ثورة الشباب أيضًا، لأن مجموعة من الشباب الذين كما ذكرت كانوا خارج اليمن، وشاركوا في محافل، وكان لديهم كثير من الوعي، كانوا مدركين أنه لا يمكن أن يكون هناك حراك قوي من دون مشاركة النساء، وقد قدمت النساء بالفعل نموذجًا رائعًا.

 

فايز القنطار

أسعد الله مساءكم، وشكرًا للسيدة المحاضرة، وشكرًا لكل المشاركين في هذه الندوة الكريمة، تعرفنا إلى بعض الأبعاد من خلال هذه المحاضرة القيمة، المحيطة بالمأساة اليمنية، لكن لم تتوضح الأمور تمامًا، ما الذي يجعل هذه الحرب تستمر؟ لماذا كل هذه السنوات ولم تُحسَم؟ على الرغم من تدخل قوى السعودية والإمارات لدعم الشرعية اليمنية، هل هو قدر العالم العربي أن تُجهَض تطلعاته بسبب تدخلات إيران، إيران التي كانت قد قدمت نفسها على أنها نصيرة للمظلومين والمستضعفين والمعذبين في الأرض، لتقف إلى جانب قضايا الحق والعدل والخير، فيما نجدها اليوم تمارس البشاعة والفظاعة وإثارة الفتن والحروب في كل منطقة تصل إليها، ولا سيما اليمن هذا البلد العزيز على قلوبنا جميعًا، البلد الذي يحتاج إلى التنمية والبناء. يؤلمنا كما تؤلمنا الحرب السورية أن تستمر هذه الحرب، بأيدٍ يمنية، والضحايا يمنيون، والخراب في اليمن، كنت أود لو توضحت المسؤولية الحقيقية، مسؤولية الأطراف المشاركة في هذه الحرب، بشكل أكثر وضوحًا. تحياتي وكل الشكر والتقدير.

 

علياء أحمد

أشكر الأستاذة نور و(رواق ميسلون) على هذه الفرصة الرائعة باستقبال إنسانة مناضلة وشجاعة، أستاذتي إشراق المقطري، وأنا كان لي شرف التدريب على يديك في مجال حقوق الإنسان، وتعلمت منك الكثير، وقلبي حقًا يرفرف لسماع صوتك من جديد.

هذه الثورات أشبه بشهب انطلقت في السماء العربية، لكنها للأسف تنطفئ واحدة تلو الأخرى، وفي هذا السياق أريد القول إنه ليس خافيًا على أحد، أن النساء اليمنيات، وأنت نموذج مشرف لهن، خضن ثورة مزدوجة، ثورة في وجه النظام الديكتاتوري، وثورة في وجه المجتمع الأبوي والذكوري، عندما حطمن كل الحواجز وتخطَّين العوائق وتجاوزن عادات متشددة جدًا في وجه النساء.

صحيح أن النساء اليمنيات أثبتن على مر سنوات طويلة المشاركة والوجود في مجالات مختلفة من الحياة، لكن في الوقت نفسه كانت هناك تأثيرات كبيرة جدًا لعوامل مهمة تسببت في ظهور مشكلات مثل زواج القاصرات الكارثي الموجود في اليمن، وأنا شخصيًا أعتقد أن التجمعات الشبابية الثورية التي كانت النساء اليمنيات جزءًا كبيرًا منها، كانت أكثر إخلاصًا للثورة، وتم اغتيالها فعلًا. في اعتقادي، الثورات لا تتطلب تراكم خبرات سياسية، بقدر ما تتطلب صدقًا في نقد ومراجعة الذات وتحمل المسؤولية، وهذا للأسف لم نشهده لا في اليمن ولا في سورية، فهل يمكن أن نقول إن الفشل السياسي للثورة اليمنية هو نتيجة فشل الأحزاب السياسية التي تسلقت وتصدرت المشهد السياسي للثورة وأثر خطابها المتخشب في مسار العملية السياسية كلًا؟ وأثر حتى في مكتسبات النساء فيما بعد، التي نلنها سابقًا، ولو أن الأنظمة الديكتاتورية أعطت النساء الفتات، وقدمت لهن ما لا يشبع قوتهن الحقيقي، سواء في الحياة أو المساواة أو العدالة، لكنها قامت بتخديرهن، لكن هل ما زالت المكتسبات التي نالتها النساء قبل الثورة مستمرة بعد الثورة، وبعد الإخفاق الذي حدث في اليمن. ما الذي سيحدث فيما بعد؟ ما الخطة التالية؟ ما مصير هؤلاء النساء؟ ما مصير تأثير التيارات المتشددة التي تستقطب أحيانًا نساء تصدرن الثورة، أو ارتفع اسمهن بسبب الثورة، وهن لا ينتمين للثورة فعلًا، لا أريد أن أذكر أسماء، لكننا نشهد نتيجة هذا التسلق على الثورة. مرة أخرى أعانقك حتى الثمالة أستاذتي إشراق.

 

إشراق المقطري

إنها مفاجأة سارة حقًا أن أسمع صوت علياء في هذه الجلسة، فشكرًا لكم على هذه الفرصة.

الرد بالنسبة إلى علياء أولًا، لكي أطمئنها على مكاسب النساء. صحيح أن الحرب أضرت بكل شيء، وأحرقت الأخضر واليابس، المنجز وغير المنجز، لكن في الحقيقة، وهذا ليس مدحًا لليمنيات، إن قساوة الحياة صنعت من اليمنيات ومن حياتهن تحديًا أكبر. ولذلك، على الرغم من الحرب والوضع الاقتصادي الرديء، وجدنا أن النساء هن اللواتي تصدرن المشهد للمطالبة بإيقاف الحرب، وهن اللواتي شكلن مكونات المجتمع المدني للمطالبة بأبنائهن المعتقلين، وحتى النساء اللواتي خرجن إلى المهجر بدأن يشتغلن في قضايا حقوق الإنسان والمجتمع المدني، لذلك أنا أرى أنه على الرغم من كون النساء الضحية الأكبر لهذه الحرب، إلا أنها لم تؤثر على نتائج تجربة النساء التي حدثت في الـ 2011. وفي الحقيقة، في الـ 2016 والـ 2017 ظهرت شخصيات نسوية جميلة، شجاعة، تحمل أقلامًا صادقة، وتواجه هذا القبح بكامله.

أما بالنسبة إلى ما ذكره الأخ فايز، كيف ستتوقف الحرب؟ ومتى ستتوقف؟ ولماذا لم يتم حسم المعارك؟ أو حسم الحرب بشكل أو بآخر؟ الحقيقة إن القناعة الموجودة لدى اليمنيين هي أن المنفذ والمخرج الإقليمي بشكل عام ارتضى هذا الوضع، لكن نتمنى أن يكون لدى اليمنيين قول آخر، مختلف عما يريده الإقليم أو حتى المجتمع الدولي، لأن كثيرًا من التكالبات حدثت على اليمن، وهذا الوضع يشارك فيه البقية، وهم يريدون أن يُنهَك جميع اليمنيين، وألا ينتصر أي طرف، وربما يريدون أن يروا من هو الطرف الملائم والأكثر ولاءً. هذه أمور مخزية لكن هذه هي حقيقة الوضع في اليمن حاليًا.

 

محمود الوهب

مساء الخير، وشكرًا لمجلة (رواق ميسلون)، وشكرًا للمحاضرة السيدة إشراق، سؤالي ليس بعيدًا عن سؤال الدكتور فايز، حيث لم يتبين بالضبط أحقية من في القتال إذا صح التعبير، هناك ثورة في الأصل، لكن يبدو أن الثورة ضاعت بين طرفين، وفي الحقيقة أنا واحد من الناس، ألوم المتدخل الخارجي أكثر من المتدخل الذي تربطنا به جوانب قومية أو إلى آخر ذلك، ويبدو أن الثورة الإسلامية الإيرانية جرت وباءً على البلاد العربية، فنراها في لبنان وفي العراق وفي سورية، وأيضًا في اليمن. طبعًا الطرف الآخر أيضًا فيه نظام قبلي، ونظام ليس بنظام ثوري، ولا يساعد المنطقة على عبور هذه المرحلة الجديدة في حياتنا، والتي يبدو أننا سندفع فيها كثيرًا من الدماء وكثيرًا من الخراب وكثيرًا من الجراح التي ستستمر إلى عقود طويلة على الرغم من الصلح الذي سيحصل مستقبلًا. هذا هو سؤالي، وشكرًا.

 

حازم نهار

شكرًا نور، وشكرًا سيدة إشراق على هذا العرض الجميل، والحميمي فعلًا، وأشعر أن مصيبة اليمنيين قريبة فعلًا من المصيبة السورية.

في الحقيقة، في أيلول سبتمبر 2011، عندما غادرت سورية، اتصل بي الدكتور خالد الدخيل، وهو أحد المثقفين السعوديين، وحدثني عن مسألة لافتة للنظر، وهي أن أكثر ما يدهشنا في عام 2011 هو شجاعة السوريين، وسلمية اليمنيين، وبالفعل هاتان النقطتان كانتا مثار إدهاش، غير أن الثورات كلها عمومًا في المنطقة كانت مثار إدهاش أيضًا.

فالسوريون هم شعب عاش تحت القمع والسطوة الأمنية الخانقة مدة نصف قرن، وكانوا قادرين على مواجهة نظام بهذه القدرات، أما بالنسبة إلى اليمنيين فوجه الإدهاش كان أنه شعب مسلح، والسلاح متوافر بين أيادي اليمنيين، وعلى الرغم من ذلك مشت الثورة في إطار سلمي، وهذا يوحي بوجود مجتمع مدني قوي وحاضر ما قبل الثورة اليمنية، وحقيقةً هذا الأمر نحن ليس لدينا إطلاع عليه، فقد كان اليمن دائمًا يشبّه بالمكان المنسي أو المغيّب، حتى على مستوى المثقفين والحقوقيين والناشطين المدنيين، ومن هنا جاء الإدهاش من الثورة اليمنية، لكن كما ذهبت الثورة السورية في طرق وعرة، فإن الثورة اليمنية ذهبت أيضًا في طرق وعرة، والأسئلة المطروحة على اليمنيين اليوم هي تقريبًا الأسئلة ذاتها المطروحة على السوريين، حول الوحدة الوطنية ودور المثقفين ودور القوى السياسية والعامل الخارجي، كل هذه المسائل تقريبًا مطروحة علينا نحن السوريين واليمنيين، لكن واحدًا من الأسئلة التي ما زال حتى هذه اللحظة مثار جدل هو مسألة السلمية والسلاح، فعلى الرغم مما أنتجه السلاح من كوارث على مستوى البلدان التي تدخل فيها السلاح، ما زال هناك من يرى أن النضال السلمي غير كاف في بلداننا. بعد هذه التجربة، وبعد عشر سنوات على الثورة اليمنية، ما رأيك، ومن جانب عملي، في مسألة السلاح والسلمية؟ وشكرًا.

 

إشراق المقطري

شكرًا للزميلين، حقيقةً السؤال الذي يربط الزميلين، هل التدخل الإقليمي كان أحد الأسباب؟ بمعنى تدخل إيران بشكل رئيس في الوضع في اليمن؟

حقيقةً، لأتحدث عن نفسي على الأقل، نحن في ذلك الوقت لم نكن واعين لمسألة أنه يوجد دعم من إيران للحوثيين فعلًا، لكن المشهد الحالي الآن من الـ 2015 وحتى الآن، يظهر منه أنه بالفعل تمت تقوية جماعة معينة لتكون أقوى من بقية المدنيين، تستخدم السلاح للسيطرة على الحكم، ومن هنا بدأت الحرب.

حازم ذكر نقاطًا مهمة، في تشابه الثورتين السورية واليمنية، مع فارق أن السوريين لم يكن لديهم السلاح منتشرًا كما هو منتشر في اليمن بسبب حروب سابقة، والوضع الذي كان دائمًا غير مستقر، إضافة إلى الشق القبلي، ومع ذلك استطاع شبان الثورة أن يغيروا هذه الصورة تغييرًا حقيقيًا.

وجهة نظري الشخصية، هل بالفعل الحراك السلمي في ظل هذا الوضع من الممكن أن يحقق نتيجة؟ باعتقادي بعد بداية الحرب الآن أصبح الأمر صعبًا، لأنه لم يعد هناك شيء اسمه حراك سلمي اليوم، حاليًا الكل مسلح، الأطراف، المحافظات مسلحة، تعز مسلحة، عدن مسلحة، أبين مسلحة، في السابق كان السلاح موجودًا لدى بعض القبائل، والآن هو موجود حتى في المدن، وإن مسألة كبح هذا السلاح وبحوزة من يكون، هذا صعب، لكن من سيحسم هذه الحرب؟ الطرف الذي سيضعف هو الذي سيتوقف ربما، فحاليًا تعد جماعة الحوثيين أكبر جماعة في اليمن ولديها سلاح ثقيل وصواريخ وقذائف وألغام، وهي مسيطرة على جزء كبير من المحافظات اليمنية، لذلك من الصعب أن أقول إنه سيحصل في مناطق الحوثيين حراك سلمي أو سيتم إيقافهم عن ارتكاب الانتهاكات أو السيطرة، والسماح للآخرين بإدارة الحكم، أو حتى ممارسة الحياة الطبيعية والحريات. أيضًا، من الصعب لمن يحمل هذه القوة أن يتوقف عن الحرب، أو أن يرتضي بالسلام في حال لم نعترف به حاكمًا فعليًا.

أما بقية المحافظات الأخرى الرافضة، أو التي توالي الشرعية، ودُعِمَت من السعودية أيضًا، لو توقف دعم الإقليم للشرعية، سيصبح الناس خائفين، لأنهم باتوا يتعرضون لانتقامات منهجية كبيرة وجماعية، وبالتالي يرون بأنه لا عودة، وهذا أيضًا للأسف أسمعه من الضحايا، فالقصص لم أعد أحصل عليها من ورشات التدريب أو العمل، بل عبر المقابلات المباشرة من الضحايا. فالضحية الذي قابلته اليوم بعد الإفطار، سألته عن مطلبه، فتحدث عن وضع المعتقلين، وقال إن الوضع سيء جدًا، ويجب أن ينظروا إلينا بعين الرحمة، فسألته عن الحل في رأيه، هل هو مع العدالة الانتقالية أم ماذا؟ مع العلم أنه من منطقة يسيطر عليها الحوثيون وتصعب عودته إليها، فقال سأقاتلهم حتى بأظافري!

ولذلك، أنا نفسي التي أعيش في اليمن، ولم أخرج إطلاقًا خلال السنوات الستّ الماضية، أقول إن الناس الذين كانوا محسوبين أصلًا على الثورة، وهم تقدميون ويساريون، أصبح وضعهم اليوم أكثر خطورة، قد لا ينالون الرضا من هذا الطرف ولا من طرف آخر. أنا فضلت أن أبقى، لكن تشردت، فابنتي الكبيرة في قرية، هي تدرس طب الأسنان في السنة الثالثة، عمومًا أنا خضت جزءًا بسيطًا من هذه التجربة، لكن هناك قصص أسمعها من الضحايا.

لذلك، كان الوضع خلال الستّ سنوات الماضية سوداويًا فعلًا، لكن أن ننتظر أن تنتهي الحرب، أو ينتصر طرف على طرف في هذه المرحلة، هذا أمر لا أعتقد أنه سيحصل.

 

إبراهيم هواش

مساء الخير، وشكرًا للأستاذة إشراق، وللأستاذة نور، أنا أود أن أسمع منها إن سمح الوقت عن موقف الإصلاح في اليمن، وفكرة بسيطة عن الحراك الجنوبي، والدور الاشتراكي في الحراك، وشكرًا.

 

ماهر إسبر

مساء الخير، شكرًا للأستاذة إشراق على المعلومات القيمة فعلًا. في الحقيقة لقد تكرر في كلامها مرات عديدة عبارة إسقاط النظام القديم وعودة النظام القديم والنظام الجديد، وما شهدناه في أماكن أخرى في بلدان الربيع العربي، في تونس كانت هناك عودة كبيرة للنظام القديم، وكذلك في مصر، وليبيا، وأيضًا على الرغم من أن النظام سقط لكن القوى التي حكمت عادت، والجيش عاد، في كل مكان كانت هناك عودة، حتى في سورية، على الرغم من أن النظام لم يسقط، لكن البدائل التي توفرت، رأينا فيها بعض سلوكيات النظام القديم، فأنا أسأل نفسي قبل أن أسأل الأستاذة إشراق، هل كانت هناك فعلًا إمكانية لإسقاط النظام بالكامل؟ وهل النظام منفصل عن مجتمعنا بالكامل؟ وهل توجد قوى سياسية جديدة بالكامل لديها سلوكيات جديدة وثقافة جديدة ورؤية جديدة؟ لا أتحدث عن الشعارات، فشعارات الأنظمة أحيانًا تكون أجمل من شعارات بعض المعارضين، لكن في التنفيذ نجد سلوكيات النظام القديم نفسها، وربما أسوأ، والعودة إلى وجوه النظام القديم، حتى في المعارضة السياسية في سورية وغيرها، فهل سيكون حلّ هذه المشكلة، في رأي الأستاذة إشراق، طويل الأمد، إلى أن تنشأ قوى ديمقراطية فعلًا قادرة على أن تطبق الأفكار الحداثية في حياتها بشكل حقيقي، في المفاهيم الاجتماعية كدور المرأة، وفي المفاهيم المتعلقة بالحريات الفردية وتقبل الاختلاف وطريقة الاختلاف وما إلى ذلك. هل توجد قوى في اليمن حاليًا يمكن أن تكون في منزلة بذور لخلق هذا الوضع؟ ما الخريطة الحالية للقوى اليمنية التي ظهرت بعد الثورة؟ وشكرًا لكم جميعًا.

 

إشراق المقطري

بالنسبة إلى سؤال إبراهيم هواش، عن الحراك الجنوبي، الحراك كان حتى الـ 2013 ودخل عدد من مكونات الحراك في الحوار الوطني بوصفه حراكًا، ودخلت بعض قيادات الحراك مع الحزب الاشتراكي ومع الناصري، ومن ثمّ عندما حدثت الحرب في الـ 2015، وتحررت عدن، فإن أغلبية أهل الحراك كانوا ضد تحالف مجموعة من القيادات الجنوبية مع الإمارات، وتشكل ما يسمى بالمجلس الانتقالي الجنوبي، هذا المجلس كان فيه قيادة كبيرة من الحزب الاشتراكي اليمني الذي كان يحكم، لكن حدث تغير في الأفكار، فلم تبقَ الأهداف نفسها التي كان الحزب الاشتراكي قائمًا عليها قبل الـ 94 أو حتى بعدها، ورؤية المجلس الانتقالي كانت مختلفة تمامًا عن رؤية الحزب الاشتراكي، سواء في مسألة النظر إلى شكل الدولة، أو مسألة تمكين النساء، أو المكونات الاجتماعية والقبلية والعشائرية أكثر من المكونات الثقافية والفكرية، ولذلك فإن الحزب الاشتراكي في الجنوب، ما حصل فيه هو ما حصل مع المثقفين أيضًا، حيث ذهب فصيل باتجاه الحكومة الشرعية، وفصيل باتجاه المجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات، وفصيل ذهب مع مكونات جديدة تشكلت الآن، الائتلاف الجنوبي، أو مكون علي ناصر.

وبالنسبة إلى الإصلاح الذي سأل عنه أيضًا، فالإصلاح قوته الكبيرة ووجوده الأساس اليوم هو في مأرب وفي تعز، لكن في اعتقادي إن وجوده الأكبر هو مع المكون الموالي للحكومة الشرعية، وعلى خلاف مع جماعة الحوثي، لكن وجوده بشكل أكبر، كرؤساء ومناصب إدارية، هو في تعز المدينة، وليس المديرية أقصد، وفي مأرب المدينة أيضًا، لكنه ليس ظاهرًا باسمه من حيث كونه حزبًا سياسيًا، فحاليًا هو موجود بشكل أساس في قوام الجيش الوطني التابع للحكومة الشرعية في تعز أو في مأرب، لكن ضمن منظومة الحكومة الشرعية، أي لم يظهر بشكل كبير على أنه مسمى حزبي، إلا في بعض إدارات ومكاتب الشبان والرياضة ووكلاء المحافظين في تعز ومأرب.

وبالنسبة إلى سؤال ماهر، هل يمكن خلق نظام سياسي بالكامل، وما هي القوى السياسية التي خلقها الربيع العربي؟

في اعتقادي، إنه منذ الـ 2012-2014 بعد أن انتبه عدد من المكونات الشبابية إلى حقيقة أنه تم تآكل، أو لنقل استبعاد قيادات الثورة، لمصلحة أغلبية من النظام القديم، كان هناك انتباه مبكر إلى هذه المسألة، لذلك كانت هناك بدايات لتأليف مكونات شبابية ونسوية، لتكون هي الحاضرة والظاهرة في المشهد، لكن حاليًا أعتقد مع مسألة الحرب، لم تعد الرؤية واضحة إن كانوا قادرين أم غير قادرين، كما توجد اليوم مكونات مناوئة للوجود الإيراني، وأخرى مناوئة للوجود السعودي، وأخرى مناوئة لهيكل الشرعية الحالية، لكن هي أيضًا جزء من نظام سابق أو خليط من النظام السابق، ولهذا فإن كثيرًا من الناس لا يعولون عليهم أو لا يفهمون حقيقة الأهداف التي يعملون عليها. وحاليًا في اعتقادي، وهذا موضوع مؤسف، وقد يكون محزنًا بالنسبة إليكم، وليس سوداويةً مني، لا توجد قوة معينة جديدة لديها إمكانات، ولديها قراءة يمكن أن تقود اليمن في المرحلة المقبلة، أو أن تتمكن من إسقاط كل النظام القديم بكامل تشوهاته.

إشراق المقطري

محامية وناشطة في مجال حماية وتعزيز حقوق الإنسان في اليمن منذ 2005. خريجة ليسانس شريعة وقانون من جامعة صنعاء وماجستير قانون عام من جامعة أسيوط سنة 2008. كانت إشراق من أوائل النساء اللواتي نزلن إلى الشوارع في تعز، المدينة التي أصبحت تعرف باسم مهد الثورة. تعمل الآن بصفة الناطق الرسمي وقاضي تحقيق في اللجنة الوطنية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان منذ 2015. تعمل هذه اللجنة في التحقيق بوقائع الانتهاكات المرتكبة من كافة أطراف الحرب في اليمن في عموم اليمن، وفي هذا الصدد شاركت خلال هذه السنوات في كتابة ثمانية تقارير دورية شاملة عن نتائج التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن. كما تعمل منسقة لمعهد جنيف لحقوق الإنسان في اليمن منذ العام 2010، إضافة إلى كونها مديرة الدائرة القانونية في اتحاد نساء اليمن في تعز. عملت سابقًا مديرة لبرنامج الحماية القانونية والمناصرة المنفذ من منظمة أوكسفام بالشراكة مع فروع اتحاد نساء اليمن، ومن خلاله كان دورها في تقديم المشورة القانونية والمتابعة لـ 45 محامٍ ومحامية يقدمون العون القانوني المجاني للنساء المحتجزات والسجينات وضحايا العنف بين 2006 و2013. وهي من أبرز المدربين على مستوى الإقليم في الآليات الوطنية والدولية لحماية حقوق الإنسان. وهي عضو فريق التدريب مع عدد من المنظمات الدولية والمحلية منها فريدريش إيبرت ومركز المعلومات لحقوق الانسان ونقابة المحامين والملتقى الوطني لحقوق الإنسان وجمعية رعاية الأسرة. قامت بتدريب عشرات منظمات المجتمع المدني في اليمن في هذا المجال. شاركت في مؤتمرات وطنية واقليمية ودولية في مناهضة العنف ضد المرأة والإخفاء القسري وحقوق الطفل، إضافة إلى كتابة عدد من أوراق العمل حول القوانين التمييزية ضد النساء ومعوقات عمل المرأة والحقوق السياسية للمرأة، وإعداد كتيبات ودراسات حول العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي ودليل الرصد والتوثيق لانتهاكات حقوق الإنسان. تقديرًا لجهدها المستمر في مجال مناصرة حقوق الانسان تم تكريمها من قبل وزارة حقوق الإنسان ومحافظ تعز وائتلاف الإغاثة الإنسانية بتعز بعدد من شهادات الشكر والدروع التكريمية. شاركت في إنشاء عدد من منظمات المجتمع المدني في تعز وعدن والمكلا، منها: منظمة الحق ومنظمة نيد لحقوق الإنسان ودفاع للحقوق والحريات، عضو مجلس أمناء عدد من منظمات المجتمع المدني منها المرصد اليمني لحقوق الإنسان ومؤسسة وجود للأمن الإنساني.

نور حريري

مهندسة وكاتبة ومترجمة. ماجستير في الفلسفة. حائزة على المركز الأول في مسابقة القصة القصيرة لعام 2016 التي ينظمها المعهد الأوروبي للبحر الأبيض المتوسط في برشلونة، إسبانيا. لها عدة ترجمات منشورة منها: مفترق الطرق: اليهودية ونقد الصهيونية لجوديث بتلر، سُبُل النّعيم: الميثولوجيا والتحوّل الشخصي لجوزيف كامبل، الحياة النفسية للسلطة: نظريات في الإخضاع لجوديث بتلر؛ وعدة أبحاث منشورة منها: الترجمة تفكيكيًا: الخطاب النسوي نموذجًا، جوديث بتلر: أدائيات الذات.