الربيع العربي والفشل؛ أسئلة المصطلح

تاريخ وصول المادة: 7 نيسان/ أبريل 2021

الكلمات المفتاحية: الربيع العربي . الشعارات الكبرى . البدايات الكبرى . حاجز الخوف . مرحلة انتقالية

تمهيد

ما الجديد الذي يمكن أن يضيفه سؤال المصطلح بالنسبة إلى الربيع العربي ضمن مبحث يهدف إلى قول جديد يتجاوز ما كتب وما قيل عن هذا الحدث العظيم في تاريخ العرب والعالم؟

من المهم التنبيه في البدء أن وصف “العظيم” لا نعتمده هنا حكم قيمة صادر عن فاعل أو داعم لهذا الحدث، بل وسمًا يعبر عن مكانة هذا الحدث في تاريخ البشرية أثرًا واهتمامًا، ويكفي هنا أن نستدل بوصف بول ماسون لحدث 2011 إذ عددناها “لحظة البدء في كل مكان”[1]

لهذا السبب اخترنا مدخلا جديدًا للقول في هذا الحدث وعنه، نعتقد أنه يكسر “رتابة ” التناول التي عمت البحوث والدراسات العربية والعالمية لهذا الحدث، ويتجنب في الوقت نفسه الوقوع في جدل سكولاستيكي بتعبير برهان غليون لقضية حقيقة.

مبحث الورقة

تطرح هذه الورقة على نفسها مقاربة علاقة الإضافة التي صارت لازمة في كل دراسة أو تحليل بين الربيع العربي والفشل، بصيغ مختلفة غلب عليها التسليم -بوعي أو دون وعي – بفشل هذا الحدث، حتى صار الفشل بديهيًا وانتقل اهتمام الباحثين من فهم الحدث وتوقع مآلاته إلى تفكيك أسباب الفشل.

وأول خطوة نلج بها مبحثنا هذا بسط الأسئلة التي نعتقد أنها تخلخل هذا التفكير البديهي السائد في التعامل مع ظاهرة اجتماعية مركبة. من ذلك مثلًا هل نحن إزاء فشل الربيع أم إزاء ربيع فاشل؟ ما الإخلالات المنهجية في هذا الوسم؟ ما آثار هذه المراجعة المنهجية لهذه العلاقة في فهمنا للربيع العربي مسارًا وحصائل وآفاقًا؟

هذه جملة الأسئلة المؤطِّرة لمبحثنا، ومن دون أي شك ولا مصادرة على المطلوب تمكن إضافة أسئلة أخرى في هذا السياق.

يجدر بنا هنا التوقف عند ملاحظة مهمة يغفل عنها كثير من الباحثين في الربيع العربي فهمًا ودراسة، وقد أرجعنا هذا التغافل إلى ما سميناه ببديهية الوسم، أي الاطمئنان إلى جملة من التوصيفات، ومنها الفشل أساسًا والانتقال مباشرة إلى تفكيك أسبابها، دون طرح السؤال عن الوسم نفسه.

والملاحظة التي نشير إليها هي ملاحظة منهجية تخص تناول الحركات الاجتماعية، فما وقفنا عنده من دراسات فلسفية وسوسيولوجية للحركات الاجتماعية في مختلف أنحاء العالم وعند كبار الباحثين، تحرص على تجنب استعمال مصطلح الفشل أو النكوص أو حتى اندثار بعض هذه الحركات تاريخيا في دراسة التراجع، وهذا الأمر عرض إليه بالتفصيل مايكل بوراوي.

Burawoy Michael في دراسته الموسومة بـمواجهة عالم غير متكافئ، خلص فيها بعد استعراض مقولات مفكرين وباحثين وعلماء اجتماع أعلام إلى القول إنه بحلول 2014 هيمنت الثورة المضادة على المشهد السياسي، و “تم إضعاف أو حتى محو الحركات الديمقراطية من الوجود بوساطة قمع الدولة. ومع ذلك فقد تركت مكاسبها أثرًا في الوعي الشعبي وأعطت المشاركين والداعمين لها الشعور بالفعالية الجماعية المشتركة “[2]

أسئلة المصطلح

يحيل مصطلح الفشل آليًا لدى المتلقي إلى السلبية التي تعني عدم قُدرة الإنسان على أداء المهمات، والإخفاق في تحقيق النجاح بسبب الإهمال أو العجز، وهو وسم معيق لأنه ينفتح في اتجاه واحد، هو وجوب العقاب والإقصاء، ونعتقد أنه قد حان الوقت لمراجعة هذا المدلول السلبي لهذا المصطلح الذي يبدو أننا وحدنا العرب مازلنا نتمسك به بوعي أو من دون وعي خاصة إذا كان الأمر ضمن دائرة الفعل الجماعي، مثلما هو شأن الحراك الذي شهدته المجتمعات بعد الربيع العربي، مراجعة في اتجاه معنى ممكن كامن في المصطلح بالقوة، ويحتاج الى تجسيد فعلي ليكون الفشل “مرحلةً انتقالية للوصول إلى النجاح، وهو فُرصة للتطوّر، واكتساب المعرفة، والتجدّد، والإبداع”[3]. وهذا المعنى عبر عنه ماس أديسون مخترع المصباح الكهربائي حين سئل عن شعوره حيال فشله المتكرر قبل اختراع المصباح بالقول “أنا لم أفشل، بل اكتشفت ألف طريقة لا تؤدي إلى اختراع المصباح”.

 ويبدو أننا نحتاج إلى فهم السبب الرئيس المعيق للانفتاح في هذا الاتجاه، وهو غياب ثقافة الخطأ، فنحن لا نملك ما يكفي من ثقافة الخطأ.

وحتى معالجاتنا النظرية الأكاديمية المتخصصة تميل الى التصنيف الحدي الصارم وفق آليات منهجية شكلانية جامدة تهيمن عليها ما قبليات أيديولوجية تنظر إلى الموقف من الفاعل أساسا، وليس لممكنات الفعل وارتداداته في الواقع. 

فاذا أردنا سحب هذه المقدمات على إشكالية بحثنا، سنعيد النظر في تقييمنا لمسارات الربيع العربي ونتائجه وآفاقه.

الربيع العربي والفشل

نعتقد أننا أوضحنا بقدر كافٍ جملة الإخلالات المنهجية في إضافة “الفشل” للربيع العربي، بما يجعلنا نخرج من العلاقة التلازمية، فليست الإضافة هنا إضافة لازمة غير منفكة بين الربيع والفشل، ومن باب أولى يجب أن تكون العلاقة الوصفية أقل صرامة مما يوحي به إصرار بعض منتقدي الحراك الثوري في بلدان الربيع العربي أو رافضيه، بما يفرض تنسيبا لتبعية النعت للمنعوت، فلسنا إزاء الربيع العربي الفاشل بألف لام الاستغراق، ولا حتى إزاء ربيع فاشل،  بالعودة إلى المقدمات النظرية آنفة الذكر، أو  بالنظر إلى الوقائع العملية في مختلف بلدان الربيع العربي

وهذا الاستنتاج ينبي أولًا على حقيقة علمية مفادها أن لا شيء يرقى إلى الحقيقة المطلقة في الفعل الاجتماعي، وثانيًا إن التأمل في وقائع الفعل الثوري يفرض هذا التنسيب طوعًا أو كرهًا على كل ملاحظ موضوعي نزيه.

فتونس مثلًا، وهي بلد المنشأ للحظة البدايات الكبرى، اكتشفت بتعبير أديسون صاحب المصباح ألف طريقة لتجنب الاقتتال الداخلي على الرغم من أنها لم توفق في تركيز استقرار اجتماعي وسياسي ليكون قاطرة هذا الحراك، وهنا تجوز إضافة الفشل دون إطلاق النظر إلى أنه أحد وجوه الإعاقات، وليس العائق الرئيس الذي جعل التجربة تنكص إلى ما قبلها.

إن هذه الفكرة جوهرية في فهمنا لإشكالية بحثنا، هل نعني بالفشل جزئيًا كان أم كليًا عودة إلى ما قبل الربيع العربي، أم تأخرًا في بلوغ الشعارات الكبرى لهذا الحراك في نموذجها المثالي؟

لا تسعف الوقائع العملية في كل بلدان الربيع العربي القائلين بالعودة إلى ما قبل هذه اللحظة، فيكفي الاستدلال بسقوط حاجز الخوف لدى المواطن العربي بالتعبير السلمي أو المسلح، لتأكيد أن الأمر لا يتعلق بعودة رجعية إلى ما قبل 2011.

كما يمكن الاستدلال بدخول مفهوم الحرية للمجال التداولي العام، حتى وإن ارتدّ إلى حيز ضيق في بعض البلدان، مثل مصر وسورية، لكنه ارتداد لم يخرجه من التداول، فالمواطن /الفاعل -بصرف النظر عن وضعه- إما أنه يمارس حريته كما يراها، وهذا جلي في تونس أكثر، أو أنه يفكر في حلول لاسترجاعها وتطويرها في بلدان أخرى، إذ صارت هذه التيمة، من باب المسلمات خلافًا لما كانت عليه قبل الثورات، حلمًا من أحلام المناضلين فقط.

إن التأخر في بلوغ الشعارات الكبرى للربيع العربي بهذا المعنى لا يمكن وصفه ولا إدراجه ضمن مصطلح الفشل، لأن الفشل في اعتقادنا هو توقف عن الفعل، ونكوص إلى ما قبل لحظة الصفر، والاستقرار في وضع السقوط، وهي أمور تفندها الوقائع على الأرض، ولغة الشارع العربي الجديدة.

إن تأخر القطار عن موعد وصوله إلى محطته النهائية يحمل مسؤولي شركة السكك على التحقيق في معرفة أسباب الـتأخر، لا على بحث حلول لإغلاق خط السير، وهو مثال ينسحب على كل فعل بشري، ومن المؤكد أنه أكثر الحاحًا بالنسبة إلى الربيع العربي، غير أن غياب الموضوعية في البحث، وغلبة الأيديولوجيا والمواقف المسبقة، وتأثير العامل الخارجي، يحول مقياس التقييم، فينظر إلى التأخر على أنه فشل والهدف لا يعدو أن يكون تتفيهًا للحدث من خلال ترذيل كل أبعاده الرمزية، وإخفاء نتائجه الإيجابية.

[1] Mason, Paul (2013). Why It’s Still Kicking Off Everywhere: The New Global Revolutions. London: Verso.

[2] awoy Michael «Facing an Unequal World,» Current Sociology, vol. 63, no. 1 (2015), pp. 5-34,

[3] شارلز مانز (2009)، قوة الفشل، الجيزة- مصر: دار الفاروق للاستثمارات الثقافية، صفحة 18.

سمير ساسي

كاتب تونسي من مواليد 1967، يحمل شهادة الدكتوراه في الحضارة العربية من جامعة تونس 1، والماجستير في الحضارة العربية من جامعة منوبة بتونس، والأستاذية في اللغة والآداب العربية من جامعة منوبة بتونس. من مؤلفاته: رواية (برج الرومي أبواب الموت)، وكتبت داخل السجن، ونشرت في 2003 بلندن تحت عنوان (البرزخ)، ثم نشرت في تونس بعد الثورة تحت عنوان (برج الرومي أبواب الموت)، وتروي معاناة التعذيب داخل السجون التونسية في التسعينيات؛ رواية (خيوط الظلام)، نشرتها دار الحوار السورية في 2010؛ مجموعة شعرية بعنوان (سفر في ذاكرة المدينة)؛ (المواطنة بين الديني والسياسي عند برهان غليون).