تجربتي مع الثورة

 قبل عشر سنوات، وقف قلبي على رؤوس أصابعه، شأنه شأن جميع قلوب السوريين، لم أكن أصدق حينها أن الحياة منحتني فرصة أن أعيش هذه اللحظات، لحظات سقوط بن علي في تونس، ثم سقوط مبارك في مصر، ثم أول صرخة صعدت من حناجر سورية قهرها الذل والقمع المتراكم فينا منذ أربعين عامًا، قهرها الخوف والرعب الذي بنت عليه دولة الأسد دولتها الثانية داخل الدولة، والذي كان يتجسد في كل عين ترقبني وفي أي مكان.

في هذا اليوم أذكر أنني تحولت إلى مجرد أذنين وعينين تتنقلان بين الفضائيات كي ترَيا ما لا تصدقانه، كي تفرحا كما لم تفرحا من قبل، وكي تخافا وتحزنا كما لم تحزنا من قبل، أربعة شباب سقطوا في هذا اليوم، حينها بدأت الرصاصات التي ثقبت صدور شباب درعا تدخل قلبي، ولا أدري كيف يمكن لجيل كامل من الأمهات السوريات أن يعيش هذه التجربة الأسطورية المليئة بمزيج غريب من الدهشة والفرح العميق الذي لا يصدق، من الحماس والانفعال واللهفة، ومن الخوف في الآن نفسه، الخوف على كل شاب وشابة، على أبنائهن وبناتهن، الخوف من نظام تاريخه كله يقول إنه لن يتردد في مواصلة العنف وتصعيده، ولن يتردد في جعل هذا العنف الممنهج نظامًا في حد ذاته، نهجًا قاتلًا سيحوّل الحناجر السلمية الصارخة بهذا الشكل الجماعي الملحمي إلى مزيج مرعب من الفصائل المتناحرة، نهجًا يصيب القلب برصاصة بشكل مقصود، رصاصة ظالمة تقتل قلب كل من كان يسكن في هذا القلب المغدور، وتحوّل تلك القلوب كلها إلى قنابل قابلة لأن تصيب الآخرين في قلوبهم أيضًا.

في الشهر الأول من الثورة تحوّلت أيامنا كلها إلى دفاتر تسجّل الأماكن التي صرخت فيها التظاهرات اليومية، وعدد الذين سقطوا، وبدأ كل ما فينا في استنهاض الخوف القابع فينا منذ عقود، وفي التخطيط لتظاهرات طيارة تستطيع الهروب من جيش المخابرات والشبيحة الذي جهزه النظام للسويداء تحديدًا. شخصيًا لم أستطع أن أكون في أي تظاهرة في الشهر الأول لأن حجم جهاز المخابرات وعدد أفراده كان مرعبًا، لكن زوجي وزوج أختي استطاعا المشاركة.

بعد شهرين دخل الجيش إلى مدينة درعا، فأخذت أعداد النازحين ترتفع في قريتي القريا، ثم أطلق الجيش الرصاص على تظاهرات داريا الرائعة، فبدأ نازحو داريا يدخلون مكان إقامتي في صحنايا. في عزاء غياث مطر، حين وصل وفد صحنايا والأشرفية، استقبلونا أهل داريا بهتافهم “واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد”، ومسكوا أيدينا وانهالت الدموع من قلوب الجميع، كان إحساسًا يرتق ثقوب القلب ويجعلنا نثق بأنه ما من شيء يمكنه حرف هذه الثورة عن مسارها أو تخريبها.

نعم هي الثورة المستحيلة التي عشناها نحن، هذا الجيل من الأمهات، بكل خلية فينا. لقد عشتها بعدد نازحي أهل داريا الذين افترشوا طرقات صحنايا، وتحولوا إلى مرضى أساسيين في صيدليتي، ولربما ساعدوني في الحقيقة أكثر بكثير مما كنت أحاول أن أساعدهم، فقد جعلوني متوازنة مع نفسي، وخففوا عني عبء عدم قدرتي على المشاركة في التظاهرات.

في عزاء الشهيد صفوان شقير، وهو أول شهيد مدني في السويداء، في صيف عام 2012 في القريا، كنت واقفة على شباك بيتي الذي يبعد عن صرح باشا الأطرش قليلًا، ولم أصدق نفسي حين سمعت صوت الحناجر وهي تهتف “عاشت سوريا ويسقط بشار الأسد”، وحين حاولت البحث عن ولديّ اللذين يبلغان من العمر 17 و13 عامًا، اكتشفت أنهما غافلاني وذهبا مع والدهما وأخي خلدون إلى التظاهرة،  كنت فرحة وفخورة جدًا بهم، وخائفة جدًا عليهم، وحين سمعت صوت إطلاق الرصاص بكثافة، توقف قلبي وركعت على الأرض كما لم أفعل في حياتي، أخي وزوجي وولداي هناك والرصاص يشق السماء.

في الصيف نفسه بدأت الأعداد الكبيرة، التي دخلت أشرفية صحنايا هاربةً من الصواريخ التي تهوي على بيوتها، تخبرنا أيضًا عن دخول مجموعات مسلحة لها طابع إسلامي يميل إلى التطرف إلى داريا. وحين التقيت في صيدليتي في أشرفية صحنايا بأم غياث مطر، تعانقنا كأننا نعرف بعضنا منذ دهر، بكينا معًا كأننا صديقتين عزيزتين، وقد قالت لي إنها تخاف على ولديها الاثنين المتبقيين اللذين عرفتني بهما حينها، وتخاف أيضًا على أحلام غياث التي بدأت تتبخر بسبب عنف النظام وصواريخه، وبسبب بدء تشكل جهات مسلحة لا تمثل أبدًا أحلام غياث، بل تخونها بكل معنى الكلمة.

هناك في بيتي في صحنايا، كل يوم حوالي الساعة الثامنة صباحًا، كانت الطائرات تقلع من مطار المزة القريب، لكنني كنت أحس أنها تقلع من رأسي، ثم أعيش تلك اللحظات المرعبة ما بين إقلاع الطائرة وصوت الانفجارات الذي يهز كل زجاج البيت ويهز روحي. لم أكن أستطيع تخيل حال الأمهات اللواتي بقين في داريا، كيف تمر عليهن اللحظات بانتظار سقوط القذائف والصواريخ، أي جحيم هذا الذي تعيشه الأمهات، كيف لا يمتن، كيف يقاومن، كم يخفن، كم يخاف أطفالهن، الأطفال الكثيرون الذين كانوا يلعبون في البيت فصار البيت يلاعبهم ويهوي كاملًا فوقهم، كم يصلين، وكم تخذلهن الصلاة.

أذهب إلى صيدليتي وأبدأ عملي وأستنجد به أن يشغلني قليلًا، لكن علب الدواء تشدّني من قلبي، هذا الدواء نفسه الذي كان عندي والذي كان يستعمله جاري الطيب قبل أن تأتي القذيفة وتقدم له الشفاء التام. وهذا هو شراب الأطفال الخافض للحرارة، الذي كان الفرح يصل إلى كل خلية في جسمي حين كنت أقدمه بلا ثمن إلى النازحين الذين جاؤوا إلى مدينتي هناك، النازحين الذين تركوا ملامحهم في بيوتهم التي دمرت.

في يوم 28 كانون الأول/ ديسمبر 2012 استيقظنا على صوت الطائرات، وجهزت أولادي للذهاب إلى الامتحانات في المدرسة التي نصب الجيش في باحتها قاذفة صواريخ باتجاه داريا. في حوالي الساعة العاشرة صباحًا جاءنا اتصال لم أفهمه، لكن زوجي أخبرني أن أخي تعرّض لحادث وهو في حالة سيئة، حينها فهمت أن حياتي ستتوقف في هذا التاريخ، وفهمت أني خسرت أقرب شخص إلى روحي، وعرفت أنهم قتلوا خلدون شقير الذي كان مطلوبًا للتحقيق، قتلوه وهو في أرض والدي يحاول أن يقصّ شجرات السرو التي تحيط البستان كي يؤمّن حطبًا يدفّئ به أهلي وعائلته والنازحين القادمين من درعا، فهمت أنهم غدروه هناك، وأني أُصبت في القلب إلى الأبد.

باغتيالهم أخي، ثقبوا قلب والدي لأنه قال يومًا رأيًا مخالفًا لما أرادوا، لأنه صرّح بشكل علني بأن الحل العنفي هذا سيدمّر كل شيء، لأنه كتب رواياته التي تعرّي البنية الانتهازية التي يقوم عليها النظام، وثقبوا قلب أخي لأنه كان يحاول أن يمنع السوري في الجيش من قتل السوري في التظاهرة، ولأنه كان يعمل صامتًا في إغاثة النازحين من دون أي ضجيج.

تغير كل شيء بعد هذا التاريخ، لم أعد قادرة على الفرح، وحين زاد قصف الصواريخ على الغوطة والمعضمية بشكل مرعب، في تلك الليلة من صيف 2013 التي لم نستطع فيها النوم، صعدنا أنا وزوجي إلى سطح البناء، كانت أضواء الانفجار وأصواته مرعبة، وكان إطلاق الصواريخ كثيفًا خاصةً في الساعة الخامسة صباحًا، ثم بدأتُ في حوالي الساعة السابعة أشم رائحة الكبريت في الهواء، وبدأت أسعل بسبب الربو، لكنني أدركت أن شيئًا غير طبيعي قد حصل. نزلنا وفتحنا التلفاز كالعادة، وعرفنا حينها أن أكثر من ألف طفل ناموا جميعًا دفعةً واحدة وفي اللحظة نفسها، ناموا مبكرًا هناك في الغوطة، وفي المعضمية، ناموا بأمر من السيد الكيماوي، ناموا جميعًا كي يحلموا جميعهم معًا بملابس العيد، وكي يستيقظوا معًا في الوقت نفسه هناك في القبور ويذهبوا معًا إلى المراجيح، الأطفال الذين منذ ثماني سنوات لم يدخلوا مدرسة ولم يهربوا من صف، الأطفال المؤدبون جدًا، والخجولون جدًا، إلى درجة الموت.

في نهاية عام 2013 جاءت المخابرات إلى صيدليتي تبحث عني، كانت تهمتي أنني أتعامل مع الإرهابيين لأنني أحاول مساعدة الأمهات القادمات من داريا مكسورات القلب والروح، وبدأت الحواجز تحقق مع ابني وتسأله عني، وأنا خفت، نعم، خفت على نفسي من الاعتقال، خفت على أولادي من الاعتقال أو القتل، وأحسست أن ثورتي الغالية تُسرق من بين أصابعي وكان عليّ الرحيل.

 وصلت إلى اسبانيا وكان عليّ أن اصطحب واحدًا من أبنائي فحسب كي أستطيع الحصول على فيزا زيارة، كان هذا أصعب القرارات في حياتي، اخترت ابني الأكبر كي أتمكن من لمّ شمل الأصغر، ورحلنا، وهنا عشت فعلًا تجربة أن أكون لاجئة، لكن هدفي بأن أقدّم طلب لمّ شمل لزوجي وابني الأصغر الذي تركته للمرة الأولى في حياتي جعلني أقوى قليلًا مما أتخيل. بعد سنة ونصف، عندما جهزت ورقة لمّ الشمل وجهز زوجي وابني نفسيهما، كي يأتيا إليّ أخيرًا، اعتقلت قوات النظام زوجي على الحدود السورية اللبنانية وضربته بشدة أمام ابني الذي يبلغ من العمر 14 عامًا والذي مضى وحيدًا إلى لبنان.

لقد كسرني اعتقال زوجي وخوفي من أن يخرج ميتًا من التعذيب مثلما خرج صديقنا مروان الحاصباني، وقد كسرني بقاء ابني وحيدًا في لبنان. شأني شأن جميع زوجات وأمهات المعتقلين السوريين، لمدة شهرين لم أعرف أي معلومة عن زوجي، أحترق وأذوب وأموت وأكتوي، ابني وحيد هناك ومريض، وأنا هنا عاجزة ووحيدة ومرعوبة. خسرت 27 كليو من وزني في شهرين، تغيرت شخصيتي كلها وضعفت مقوماتها، ضعفت جدًا، وعشت صراعًا بين إحساس بالذنب بأن زوجي اعتُقل بسبب مساعدتي أنا للناس في صيدليتي وإحساس آخر بأنني تركت ابني الأصغر يعيش وحيدًا رعب اعتقال والده ومرضه الشديد في لبنان. بعد شهرين خرج زوجي من السجن مكسور الروح، وبعد ثلاثة أشهر وصلا إلى إسبانيا.

وكشجرة تحاول أن تتسمك بالجذور، وكجذور تحاول أن تتمسك بالتراب، وكتراب يحاول أن يتمسك بباقي الأرض، هكذا كنت في هذا الرحيل الكبير، في هذه التغريبة القاتلة، في هذا الاقتلاع الكامل لمكونات ذاتي وشخصيتي كلها، وفي وضعها في أماكن لا تعرف شيئًا عن ملامحي، ولا تستطيع أن تعي حجم الخراب الذي عمرته الحرب فينا، ولا تصدق أننا قادمون من آلاف السنين قبل اليوم، وأننا أينما ذهبنا فإننا سنحمل في أصابعنا أول نوتة موسيقية في العالم، وفي شفاهنا أول أبجدية عرفتها البشرية، وعلى أجسادنا آثار أقدم وأحدث أجهزة التعذيب، وآثار أفخر أنواع السجائر.

 أنا لم أركب البحر كما فعل معظم السوريين، ومن غرق في البحر منهم نجى من الحياة، ومن وصل إلى الشواطئ، وصل مبلّلًا بالموت والغربة، وصل غريقًا فاقدًا كل ملامحه. سيكون صعبًا جدًا على هذه البلاد التي لا رصاص فيها يُطلق على حناجرنا، هذه البلاد البعيدة التي لا مكان فيها لموتنا واعتقالنا، لا مكان فيها لرعبنا وذلنا وسجوننا وتعذيبنا، لا سماء فيها لرايات سوداء تسرق منا لون دمنا، هذه البلاد البعيدة الجميلة، البلاد الجديدة النظيفة، المرتبة، المنظمة، المليئة بالغابات، وبالأطفال الشقر النظيفين، البلاد التي لا يعرف هواؤها لغتنا، ولا يعرف فيها الكلام طعم الكلام، هذي البلاد التي لا رائحة لأحبتنا على ورودها الكثيرة ولا رائحة لأقدامنا على طرقاتها، سيكون صعبًا عليها جدًا أن تنقذنا.

منذ أن وصلنا إلى هذه البلاد ونحن نضحك على أنفسنا، نحاول أن نحيك من أحلامنا الممزقة شالات تحمي أرواحنا من هذا البرد كله، لكن الحقيقة بعد عشر سنوات من الانكسارات المتتالية، بعد عشر  سنوات من الانتظار ثم الحلم ثم تحطُّم أحلامنا أمام أقدامنا وأعيننا، الحقيقية الوحيدة هي هذا الإحساس الخانق بالعجز وخيبة الأمل التي بدأت تنهش العظام، الحقيقة هي اكتشافنا المتأخر أن لا أحد يكترث، وأننا سنموت هنا، متكفِّنين بالذلّ والخيبة والخذلان، وحيدين ومقهورين كفدوى سليمان، ومهزومين ذابلين كصوت سميح شقير الآن وكعيون فارس الحلو.

اكتشاف هذه الحقيقة الآن يذكّرنا بليلة الرحيل الكبير التي كنا نجلس فيها أمام الحقيبة التي سنحملها وتحملنا طويلًا، والتي كان علينا أن نحشر فيها كل أيامنا الطويلة الماضية المطوية جيدًا، نحشر فيها أحلامنا المكوية، شالات أمهاتنا المطرّزة بالدعاء التي وضعناها كي نقنع هذا الرحيل بأننا سنكون بخير، أوراقًا كثيرة مصدَّقًا عليها تحمل طوابعًا كثيرة، محفظة صغيرة وضعنا فيها هوياتنا وشهاداتنا التي كنا نعتقد أنها ستشهد علينا في البلاد الجديدة، صور طفولتنا وشبابنا ودراستنا وأولادنا وهم صغار جدًا، صورنا حين لم نكن نتخيل أنه سيأتي يوم نضطر فيه إلى ترك دمنا خلفنا والرحيل مسرعين. في تلك الليلة كان علينا أن نحمل صور الذين سنتركهم هناك وحيدين يرعون غيابنا جيدًا، وأن نخبئ في زاوية الحقيبة صورًا للذين تركناهم تحت التراب، صورهم مع شريطة سوداء نزعناها عن الجدار الذي كانت تسنده من السقوط، وضعناها في الحقيبة كي نقول لهم إنهم معنا وإننا لن نتركهم وحدهم ينتظرون في القبور.

نحن السوريين الناجين من الغرق نكتشف اليوم أن هذه البلاد الغريبة، البلاد الجميلة إلى حد لا يُحتمل، الهادئة حدّ الموت، قد “فرّت” لنا عمرنا الذي حاكته لنا أمهاتنا، كل شيء فيها، حتى الأشياء التي جئنا لأجلها، الأشياء التي حرمنا منها، الأشياء التي ألبسناها أحلامنا الواسعة كلها، هذه الأشياء كلها مررت لنا عمرنا الذي بُسط فوق بخار احتراق بلادنا فينا الساخن، وشدّت لنا خيوط هذا العمر، جعلتها مستقيمة، ثم أعادت لنا حياكتها، لكن عمرنا الجديد صار ضيقًا جدًا علينا، ولن نستطيع أن نلبسه مرة ثانية. وسنكمل حياتنا هنا بلا عمر.

ربما ستكون هذه التغريبة أقل احتراقًا على صغارنا الآن، ربما سيبهجهم نموهم في بلاد تحب الطفولة، وتترك لهم حرية المراهقة والبلوغ، لكن ما نخشاه، نحن السوريين الذين تركنا حياتنا خلفنا وحيدة تحت الأنقاض، هو أن ينمو أطفالنا هنا، وحين يصبحون كبارًا، نخاف أن يكتشفوا حجم الهاوية، وأن يصيروا كالفلسطيني الذي لا يزال يبدّد حياته في العثور على وطن.

في ليلة الرحيل الكبير التي كان علينا أن نشد فيها سحّابات الحقائب جيدًا كي نتأكد من عدم سقوط شيء منها على الطريق، والتي جففنا فيها ملح دموعنا على خدودنا مُقنعين عيوننا أنه ليس هناك من حل، وأن ذاك القبر/الوطن لم يعد يسعنا، وأن هذا الرحيل الكبير محتَّم علينا، في تلك الليلة حاولنا أن نترك في الحقائب مساحة صغيرة للشهداء كي يعيشوا حياة كاملة، كي لا يكبروا كثيرًا في غيابنا، حَسَبنا وزن الحقائب وسندفع وزن الحياة الزائد فيها في كل مطار.

لكننا الآن بعد عشر سنوات كاملة من التحطم المستمر، من التخريب الكامل لبلادنا، وناسنا، وماضينا، وثورتنا، هتافاتنا، أحلامنا، وعودتنا، ووجودنا هنا، بعد كل ذلك، نكتشف الآن، بكل وجع تلك الاكتشافات المتأخرة للسرطانات مثلًا، نكتشف ونعترف: “نحن السوريين الناجين الواصلين بحقائبنا المقفلة جيدًا إلى البلاد الجميلة، نعلن أن حقائبنا قد وصلت كاملة وبأمان، لكننا سقطنا منها على الطريق.

ميسون شقير

كاتبة وباحثة سورية، إجازة ماجستير في الدراسات العربية والاسلامية المعاصرة من جامعة مدريد حول تأثير الحدث السياسي على السرد الروائي السوري بين عامي 2000 و2020، تعدّ حاليًا رسالة دكتوراه حول الإعلام العربي المقروء ودوره في الربيع العربي.