عشر سنوات ونحن نقاوم اليأس

إن كان هناك من وصف بكلمتين لعام ألفين وعشرة، فأعتقد أن “عام اليأس” هو أول ما يتبادر إلى ذهني. كانت قد مرت خمس سنوات على اهتمامي واشتغالي بقضايا المرأة والطفولة في سوريا، وسبع سنوات على بداية نشري للقصص القصيرة الساخرة في مناشير المعارضة، كان الأمل بضوء تسرّب من فجوة في آخر النفق في العام ألفين قد قُضي عليه بنجاح بسدّ أي انفراجة قد تفضي إلى حراك سياسي أو حقوقي. أُغلقَتْ المنتديات، ولوحِقَ مؤسِّسوها، واعتُقِل المحامي أنور البني ومجموعة إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي. ثم اعتُقل المحامي مهند الحسني، والمدوّنة طل الملوحي، وحوكموا جميعًا وأُغلِقَ مكتب المركز السوري مرات عدة. كل هذا لم يجعل سوى شجرة صغيرة من اليأس تكبر وتكبر، لتطغى على كل مساحات رؤيتنا.

تحولت لقاءاتنا في “قصر العدل” لحضور المحاكمات من أفعال احتجاجية خطِرة إلى مناسبات للقاء من تبقى. تسللت فروع شجرة اليأس إلى قلوبنا، وصرنا نلتقي لنصمت أو نشكو، نستشعر الاختناق، ولا نستطيع لتنفس الأمل سبيلًا.

كان قد مضى على انتقالي للعيش في دمشق سنوات ثلاث، فقد قررت في العام ألفين وسبعة أن أعيش في مكان يتيح لي حرية أكبر في اتخاذ القرارات. وبين قريتي “الصنوبر” التي كبرت فيها وأنا أشهد انتهاكات “الشبيحة” شخصيًا، والأفرع الأمنية في اللاذقية التي كانت قد بدأت باستدعائي بعد سلسلة قصص ساخرة في مناشير المعارضة ومقالات تعنى بواقع المرأة والطفولة، كنت قد ضقت ذرعًا بذلك، وكان الضغط على عائلتي يزداد في محاولة لجمي عن ذلك كله، جهدت سرًا في استصدار سند إقامة لي في دمشق، وأرسلته إلى وزارة الزراعة لكي أُفرز للعمل في دمشق، وكان هذا ما حدث!

مهندسة عاملة في وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي نهارًا، وناشطة حقوقية، صحفية، معارضة، في بقية أوقاتي العصيبة، أمضي عطلة نهاية الأسبوع في دمشق أكتب وألتقي أصدقائي وأناقش في شتى مشكلات البلاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي ولّدتها لنا طغمة ديكتاتورية طائفية حاكمة، وفي عطلة نهاية الأسبوع التي تليها، أقضيها في اللاذقية، في قريتي، صامتة أشاهد أخبار التلفزيون السوري الرسمي وقناة “الدنيا” التي تؤكد في كل ما تعلنه أن سوريا بلد مثالي بكل ما فيه!

صادفت كثيرًا من الشابات السوريات والشبان السوريين، واكتشفت أن التمزق الذي عشته لسنوات عاشه كثيرون وكثيرات، نحن الجيل الذي عاش الرغبة بالتغيير، لأن هذا الواقع الذي يعيشه لا يمثّله ولا يرضيه، بل يرهقه ويُرغمه على فعل ما لا يريد، ويرغمه على الكذب.

كانت قضايا النساء جزءًا لا يتجزأ من هواجسنا الأولى بالتغيير، شاركت مع ناشطات وناشطين في حملة “زهرة لعيون زهرة” استنكارًا لمقتل الشابة “زهرة العزو” على يد أحد أفراد عائلتها. كان مقتلها صدمةً بالنسبة إلينا، نحن الذين كنا مهدَّدين من طرف النظام بتصنيفنا الخطِر “مجتمع مدني: معارضة”. وبحسب قانون العقوبات السوري الذي يرفض النظام تعديله، فقد استفاد القاتل من العذر المخفَّف الذي يوفره قانون العقوبات السوري في حالة قتل امرأة على يد أحد أقاربها بداعي “الشرف”. كنا واعين لقضية أن هدفنا أبعد من إثارة الرأي العام لمعاقبة الجاني في قضايا “الشرف”، كان هدفنا المطالبة بحقوقنا كنساء، المطالبة بحق الحياة والتعلم والتنقل والزواج والميراث وبكثير من حقوق الإنسان الأخرى، لكن النظام كان، وما زال، واعيًا أيضًا لضرورة عدم الاستجابة لأصغر مطالبنا، فهذا يتناقض مع بنيته الرافضة للتنازل لمواطنيه، لأنه لا يعدّهم أصلًا مواطنين، بل تابعين!

تعرفت إلى ملك الشنواني في إحدى ورشات العمل السرية، ورشة كان قد خطط لها الصحفي كمال شيخو واستضافها، لنقاش أدوات التغيير السلمي. لفتت نظري ملك بشدة، كان فيها من الجرأة ما يكفي نساء الأرض، امرأة متمردة، تصغرني بسنوات، لكنها قرأت وتعلمت من هذه الحياة بشكل أسرع بكثير مما مرت به عجلات الزمن، كان وجودها بذاته وآراؤها الصادمة كفيلة باستفزازي أنا الفتاة البسيطة، ابنة الريف البعيد، المتحفظة والمنطوية ربما، كان استفزازها إيجابيًا فقررت أن أتعلم منها، وأصبحنا صديقتين.

قررتْ ملك أنها ستواجه الفكر الداعم لجرائم الشرف عبر تبنيها لعبارة كتبتها على قميص أبيض ترتديه كل يوم وهي ذاهبة إلى عملها وآتية منه، وسط دمشق، وقررت بدوري أنني أستطيع أن أكون جزءًا من الحملة، وكان لي قميصي الذي أرتديه في وزارة الزراعة ذاتها.

أثارت مبادرة “تيشرت” كثيرًا من ردّات الفعل، فمرات كان المارة يصفقون، ومرات يشتمون، ومرات كثيرة كانوا يقرؤون ويصمتون، وكنا راضين في كل الأحوال، فنحن نعلم أن الحجارة الصغيرة لا بد أن تحرك المياه الراكدة، والمهم أن تتحرك هذه المياه، حتى لو كانت حركتها شتيمة تتطاير في وجوهنا!

أتاحت لي المسافة الجغرافية التي تفصلني عن أهلي المساهمة في ما كنت أتوق إلى فعله، ملك أيضًا كانت قد حصلت على استقلالها الاقتصادي وصارت قادرة على المبادرة بشجاعة. عنت لي ملك الكثير، الصديقة، الفتاة الشابة المثقفة والمتمردة، وأيضًا، كسرت قائمة الناشطات والناشطين السياسيين والاجتماعيين التي كنت أتوقع أنها تبدأ برزان زيتونة، وتنتهي بي في ذيلها، كانت ملك أملي بأن النساء لازلن يقاومن، ثم جاءت الثورة لأفهم بأننا كثيرات وكثيرون جدًا.

كانت تونس تتحرر، ومصر تحذو حذوها، كنت أترك ورائي تحذيرات أهلي كلها بضرورة التزام الصمت، وألتحق بنخب أفخر بها، ينيرون شموعًا تضامنًا مع تونس ومصر وليبيا، وأمام السفارة الليبية كان اختبارنا.

كشف النظام عن وجهه في لحظة واحدة، تناثرت الشموع، وركضنا بكل ما استطعنا من قوة وكان الضرب يأتينا من حيث ندري أو لا ندري، بالنسبة لي كانت هذه هي اللحظة المفصلية التي توقَّف فيها النظام عن كونه مراقبًا مخادعًا، واتخذ القرار بالتصدي لأي صرخة، دبابته العملاقة التي سبق وسحقت البلاد مرات عديدة كانت تلاحق في تلك اللحظة سرب عصافير، ومن لامس الأرض منها سحقته الدبابة، ومن طار وابتعد نجا ولم ينجُ، حمل شجرته في قلبه، ومنظر المجزرة ظل كابوسًا يؤرقه كل يوم حتى وإن حطّ في آخر الأرض.

حين انطلقت مظاهرة الحريقة ظهيرة الخامس عشر من آذار كنت في عملي في الوزارة، الرفاق الذين كانوا يخفون تأييدهم للثورة أصبحوا يتناقلون علنًا فيديوهات المظاهرة، توجهت فورًا إلى مكان المظاهرة، كان الأمن منتشرًا لدرجة جعلت من سوق الحميدية وجواره أشبه بفوهة بركان ينبعث منها دخان وتغلي الأرض من تحته، لكن الانفجار كان بعدها بثلاثة أيام في درعا، لم نكن نعي أن البلاد كلها تنفجر على وقع حرارة خطواتنا.

بدأنا نتهجى أسماء القرى والبلدات التي لم نكن قد عرفنا بوجودها على الخريطة السورية من قبل، واكتشفنا ونحن نتناقل صور وفيديوهات المظاهرات السلمية أن الربيع أسرع من أسرع تحميل نقوم به، لقد كانت صفحات الموقع الجديد “فيس بوك” قد صارت الفرد الجديد المدلّل في كل عائلة سورية، وإضافة للهوية أصبح لكل سوري صفحته على فيس بوك، باسم مستعار أو اسم حقيقي، لا يهم، كان كل منا يريد نافذة يطل بها على أخبار التظاهر التي كانت تبعث الأمل، كان ذلك طبيعيًا بالنظر إلى بلاد متصحّرة سياسيًا، لا أمل لنا بها بحراك سياسي حقيقي، لا فرصة لتشكيل أحزاب، كان ذلك اعترافًا مبكرًا بعدم قدرتنا على خوض معركة سياسية مع النظام، وكانت أسماؤنا المستعارة العديدة اعترافًا صريحًا بوحشية النظام.

بالنسبة إليَّ كان الاسم المستعار ضرورة للاختباء من قبضة النظام، وللتحرك بعيدًا عن وضع عائلتي في موقف محرج وسط بيئتها الموالية، لأن أي ضغط تواجهه ستصبه عليّ بالضرورة، كنت في سباق مع الوقت، أنشط في الثورة، وأكمل عملي كمهندسة في الوزارة، وكان الخوف يأكلني من احتمال الاعتقال، لم أكن جاهزة مطلقًا للاعتقال، ولم أكن أعلم أن لا أحد يستطيع أن يكون جاهزًا للاعتقال، وإنْ بعد آلاف الملاحقات والاستدعاءات الأمنية.

تحولت البلاد إلى مختبر كبير، انبثقت التنسيقيات كبراعم من كل مكان، تغير وجه سوريا التي نعرفها وصار لها وجه ربيعي أنسانا تمامًا أنها بادية بنسبة ثمانين في المئة، كانت المظاهرات واحات للرقص، للغرافيك، للإنشاد، للتضامن.

واعتُقلتْ، كان الأمر مصادفةً بحت، على الرغم من أن معظم الأجهزة الأمنية كانت تتبع نشاطي، لكن أمرًا باعتقالي لم يكن قد اتُخِذ بعد. قُبِضَ على مجموعة من الناشطين في مقهى، فشربنا القهوة في فرع الأمن السياسي بدلًا من المقهى، كان الأمر بالنسبة لي أشبه بالضربة القاضية، لقد انكشفت أمام النظام وأمام عائلتي، لم يعد ممكنًا إخفاء تفاصيل عملي، خسرت عملي، خسرت كل شيء.

كنت قوية في الاعتقال لكن الخوف على أمي وأبي الطاعنين في السن كان يكسرني، طوال الوقت كنت خائفة ألا يحتمل قلب أمي غيابي، وكان كابوس فقدها ملازمًا لي في زنزانتي الانفرادية التي أمضيت فيها واحدًا وخمسين يومًا، لحقتني ملك إلى فرع الأمن السياسي، ثم إلى سجن النساء في عدرا، لم يكن الخبر عزاءً لي، بل عذابًا حقيقيًا فوق عذابي.

في السجن عرفت أن أبي توفي، أخبرتني شرطية بذلك مصادفةً، وعرفت منها أنه قد توفي منذ شهر، ومُنعت من الاتصال بأمي لتعزيتها.

شاءت الصدفة أن أخرج نهار الغد من السجن بكفالة، حضرت ذكرى مرور أربعين يومًا على وفاة أبي، بكيت على قبره، ومازلت أبكي كلما مرّ في خاطري، وكلما حلّ الحزن بأحد أمامي، كان أبي بعنفوانه عزائي والسند، لقد فقدت ذلك كله، ولايزال جرح غيابه مفتوحًا.

كان اعتقالي الثاني مع كادر المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، في سجن المزة المركزي، وبعد تركنا لنراجع السجن يوميًا، كنا نسمع صرخات التعذيب طوال الوقت، بشكل صار مؤرقًا لي، كانت أصوات المعتقلين ترافقني في الليالي وتعذبني، لم يكن لدي فكرة عن عددهم، كان الوقت الذي أقضيه في السجن أكبر بكثير من الوقت الذي أقضيه خارجه، لكن هل من فرق كبير حين تكون البلاد كلها سجنًا كبيرًا؟

ومنذ خروجي من هذا السجن الكبير وهو يسكنني، وكل ما أفعله، من نشاط عبر هذه المسافة القاتلة، هو أن أوسع من فجوة الأمل في أن أخطو على ترابه يومًا، وأرى أمي!

كانت المعركة غير متكافئة منذ اللحظة الأولى، عنف النظام مقابل سلميتنا، لقد دمر المشهد بعنفه وبلعبه بجميع الأوراق، تحريك الإسلاميين وتسيدهم المشهد، فزاعة داعش، الطائفية، لكن سلميتنا وأخلاق الثورة باقية، وهي برأيي من ستنتصر في النهاية، وهي من ستعيد بناء البلاد المدمرة.

هنادي زحلوط

ناشطة حقوقية سورية في مجال حقوق المرأة والطفل، وكاتبة صحفية، ومهندسة زراعية، من محافظة اللاذقية، تقيم حاليًا في فرنسا. واكبت الثورة السورية منذ أيامها الأولى، وتجربتها مع الثورة تجربة نضال واعتقال؛ اعتقلت ثلاث مرات خلال الثورة. صدر لها كتاب في أدب السجون بعنوان "إلى ابنتي" سجّلت فيه شهادتها عن الثورة. كانت عضوة في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير لعامي 2009 و2010، نالت جائزة ايلاريا ألبي الإيطالية، وجائزة المدافع عن حقوق الإنسان من الخارجية الأمريكية 2012.