فَعَلَها!

نعم فعلها الجمهور العربي، وثار ضد أنظمة حكم استبدادية ودكتاتورية، وقبل أن نحاكم نتائج ثوراته تلك، ونبدأ بالحكم عليها من حيث كونها صحيحة أو خاطئة، علينا أولًا أن ننفتح على ما تعنيه تلك الثورات، لنرى كل ما تحمله من بذور خير، وأمل يبعث على التفاؤل بإمكانه تحقيق المزيد من الحرية والعدالة. ما أود تسليط الضوء عليه هو أن القيام بتلك الثورات في حد ذاته، بغض النظر عن النتيجة -مؤقتًا-، يدلّ على أن الإنسان العربي، انتقل من مرحلة الخضوع والاستكانة لأنظمة الحكم إلى مرحلة إدراك ضرورة تغيير تلك الأنظمة، وهذا وحده مؤشر على تغيّر مهم في وعي الإنسان العربي.

بالنظر إلى نتائج تلك الثورات، التي تبدو وكأنها أفسدت الواقع أكثر مما أصلحته، يستاء معظم من يظن أن النتيجة يجب أن تكون حالية وسريعة، لكن ذلك لا يمكن أن يحدث، لأن كل تطور وتقدم على أي صعيد لا بدّ أن يأخذ وقته، لا بدّ أن يكون مصحوبًا برؤى نقدية، تتابع نتائجه والمسارات التي يتخذها. ونتيجة لذلك يصبح في الإمكان تجنب ما ارتُكب من أفعال أثّرت سلبًا في ذلك التطور، وتعزيز التقنيات والأسلوب الذي نهض به، وقوّاه. هذا تمامًا ما يمكننا أن نفعله للارتقاء بتلك الثورة التي تفجرت كفتيل غضب لم تكن محاصرته سهلةً في تلك المرحلة التي اشتعل بها. وإن لم يكن الإنسان العربي مدركًا لتلك الحقيقة، فسوف يبقى عالقًا في يأسه مما حدث كله، ويبقى متخبطًا بين الخيارات التي تأتي كردّ فعل انتقامي وانهزامي أمامه.

الثورة إذًا حرب عميقة، حرب بين أنظمة دكتاتورية مستبدّة وجماهير وصلت إلى مرحلة وعي أدركت من خلالها أن التغيير مطلوب في هذه المرحلة. وما يمكن فعله لتنتصر ثورة الجماهير التي ظلت راسخة لزمن تحت وطأة الاستبداد هو الوعي الكامل من طرف متنوري هذه الشعوب، بأنه ينبغي لهم أن يكونوا قيادة تعمل على توعية الشعوب وتثقيفها بما يخدم حياة الإنسان الكريمة والحرة، وليس من خلال برمجتهم، كما اعتدنا.

تلك التوعية هي ما سيقود إلى تغيير جذري وحقيقي في جميع المعطيات التي تنتهك الثورة والإنسان، وإلا سيبقى المواطن كما كان من قبل، مشتتًا ومنقسمًا بين هتافات وأجندة جميع العصابات التي تحاول السيطرة على عقله، والتي غالبًا ما تنجح إحداها بتغييبه لدرجة الإيمان المطلق ببرنامجها السياسي/العسكري. من هنا تبرز أهمية قيام ثورة وحدة روحية وفكرية لدى المتنورين أولًا، من دون أي خضوع لإغراءات السلطة، انطلاقًا من وعي كامل أن الوعي الفردي أحد أهم ما يُحدث تغييرات حقيقة.

ما نحتاج إليه في الحقيقة هو قيادة تنويرية فكرية تعي كيف بُرمج العقل العربي، وحُقِن بمخدرات، وأوهِم بمعتقدات فكرية ونفسية حطمت الروح الإبداعية الخلاقة في داخله، فأصبح متطرفًا بعقلية دينية ترفض المعرفة والحرية، وتتغذى على تشوه الهوية الذي يُقنع بالتعصب الديني والقومي أحيانًا، ويُخفي أبعاد ذلك التعصب وما يحمله في داخله من ظلمة فكرية تحجب الارتقاء والتطور على كافة الأصعدة.

إن فتيل ثورات الربيع العربي هو الأرضية الخصبة في الوقت الراهن لقيادة واعية ومتنورة تدرك أن تلك الهزة التي زلزلت الكيانات الدكتاتورية في إمكانها الآن أن تأخذ بعدًا آخر يتعامل بحكمة مع متطلبات المرحلة الحالية التي تقوم على أساس تنويري واع. نعم هذا ما تحتاج إليه الثورات، تحتاج إلى قيادات تنويرية واعية، لا قيادات تعمل وفق أجندات سياسية وعسكرية ضيقة أو تابعة.

 

غدير ملكة

كاتبة وناشطة نسوية، فلسطينية الجنسية، تقيم في هولندا.