كلمة أولى؛ رسالة إلى المشاركين في الجلسات الحوارية

حضرة الأستاذ حازم نهار المحترم

رئيس هيئة تحرير “رواق ميسلون”

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فمنذ أن وصلتني رسالتكم الكريمة وأنا أفكر، بعد شكركم طبعًا، بقبول المشاركة أو عدمها. وأوشكت الأيام الثلاثة التي عليَّ أن أجيبكم خلالها أن تمضي وأنا على هذه الحال.

فكرت في تجربتي الطويلة التي أمد الله عمرها بأكثر مما توقعت كثيرًا، ناقدًا نفسي كما غيري على المساهمة في الانحدار لا في النهضة، حتى أنني أرانا مساهمين رئيسين في الحالة العامة المتردية لأصل متلقيي خدمات “برامجنا” (التي هي غير موجودة عند معظمنا): الناس. فالناس قبل عقود كانوا مهما اختلفوا لا يختلفون مثلًا على العداء للمستعمرين وعلى مركزية عدوان البرنامج الصهيوني الذي أخطأنا في اختزال تسميته بالقضية الفلسطينية، حتى ولدت لنا أجيال بعد ذلك ابتلعت الطعم حرفيًا فحصروا العدوان في وجدانهم على أرض فلسطين، فتهيأ الجو بالكامل لانتقال التوسع الصهيوني من القضم بين فترة وأخرى إلى شرب مملكاتنا كالحساء قطعًا مرنخة جمعًا فجمعًا. والأنكى من ذلك أن الاحتلال الأكبر حدث ويحدث، ألا وهو احتلال الفكر والعقل للإنسان العربي وتطبيع وجدانه.

كنا نخاطب فيما مضى قومًا لا يختلفون معنا في الأساسيات التي لم تعد موجودة في الأولويات، إذ تقدمت عليها الشؤون المطلبية على أهميتها، على شؤون العزة والكرامة. وإذا ترقّت فالشؤون السياسية القطرية، ولكن تحت سقوف سايكس بيكو، بل أسوأ تحت الجزمة الصهيونية.

يعتقد كثيرون بأنني قد بالغت في مقولتي: قد بدأت معارضًا للحكومات ثم ضممت إلى ذلك معارضتي للمعارضات السلمية التي ابتلعتها منظومة الطغيان، ومؤخرًا أعلنت أنني معارض للشعب الذي يرى في جديتك وصراحتك وتصديك بصدرك المكشوف تطرفًا لا يلزم للمجتمع، خاصة عندما يعزف رفاق الطريق عن مماثلتك! فأفرغنا جميعًا الساحة للعمل المسلح الذي يحمل دمار ذاته معه، إذ يدمر الأخضر واليابس في سبيل حرية مزعومة، شارك هو مع خصمه في اغتصابها، وكلٌ فعل ذلك بتبريرات وفتاوى تنزع الإنسانية عن الخصم، فتستحل حرماته بكل بساطة و”راحة ضمير”.

 أخي الكريم

لقد شاركنا مع الذين نخاصمهم في تدمير أحجار البناء التي نزعم أننا سنبني بها بنيان أوطاننا. ويا ليتها باتت طينًا، فالطين المتماسك خاصة المطبوخ بالنار، من أفضل مواد البناء. إن إعادة بناء المواطن تحتاج إلى تنظيمات فكرية ذات برامج وأهداف ليست محل خلاف، وهذه ليست موجودة، على الرغم من أنني من تيار لعنوانه قبول كبير في وجدان الناس، ويوحي بالحلاوة، إلا أن الأغلبية الساحقة ممن تبناه من سياسيين قلبوه من رسالة مرحمة يبنى بها بنيان اجتماعي يضم الجميع، إلى مرارة رسالة إقصائية: من ليس منا فهو علينا. مثلنا مثل بوش: من ليس معنا فهو عدونا، وإمامنا في ذلك عرفنا أم لم نعرف، هو أستاذ الإقصاء الأعظم: “اليهودية” التي احتكرت الإله الواحد للإنسان “اليهودي” وعَدَّت غيرها حيوانات على شكل بشر. لقد باتت مشكلتنا عميقة، عميقة في وجدان كل إنسان في مجتمعنا. هذا لمن اعترف أو لم يعترف هو احتلال صهيوني للوجدان، إذ نقصي ولا نجمع. فلو كتب لنا النصر، ولا أعتقد ذلك في مثل حالنا هذه، فهل سنرحم؟ طبعًا لا! فأي رسالة نحمل؟ بئست مهما لبست من مسوح! فنحن في حالنا المظلومة هذه لا نمارس التراحم، بل التباغض والتآمر وابتسامات الخبث في وجه من نخاطبهم بالاحترام، وقلوبنا تنفر منهم.

مع الشكر لكم! نحن المدعوون من جانبكم أفرادًا أفترض أنهم جميعًا ذوو حال وطنية رسالية عالية، ولكن ليس لأحدنا مدرسة أو تنظيم فيه حَمَلة برنامج للنقاش، ولتبني الجزء الذي يسع فيه الآخرين مما يتفق عليه. ونحن لو جمعتنا معًا لما خرج منا تجمع يقوده مفكرون يهتدي السياسيون بما يتفقون عليه، لأن كل واحد فينا جالس على جبل رأيه في الوقت الذي علينا فيه جميعًا أن ننزل إلى الوادي الذي تجتمع فيه سقيا الوطن. نجتمع لكي نثبت بصلابة نقطة جامعة فوق نقطة أساسيات لا خلاف عليها، ونقرّ بأحقية وحرية زميلنا صاحب الرأي الآخر، لكي يمكننا بعد ذلك أن نحلم بربيع.

أنأ أقدِّر لكم بأكثر مما تتخيلون صبركم ودأبكم على خدمة أمتكم، ولكن لم ولن يكون هنالك ربيع لأمتنا إن لم نشكل نحن على اختلاف مشاربنا ناديًا متماسك نحرس أفكار بعضنا بعضًا، فلا يتجرأ السياسيون بعد ذلك على الزعم بأن الفكر هو الذي يمنعهم من الاجتماع. وهكذا تنمى بيئة يمكن أن يترعرع فيها جيل مثقف يحرك أي ربيع، لأن أي “ربيع” قادم لن يكون إلا خريفًا لا يحركه، والحال هكذا، إلا الجوعى والدهماء. بكل ألم أتكلم عن خبرة، فقبل أربعين سنة لم يكن أحد يعلن اختلافه مع مواقفي، (ولا أقول فكري) تقريبًا إلا المستفيد المباشر من الظلم، أما عائلاتهم وحرسهم وسجانوهم وعسكرهم وحتى مخابراتهم كأشخاص، فكانوا والله يغرقونني بدفء المودة ولو سرًا. أما اليوم فالصغير و(المقمط بالسرير) ممن ولد بعد تقاعدنا، والذي لا يستفيد من النظام بشيء، يتطاول عليك مدافعًا عن ظالمه وسالبه. ما عاد الصادق يستطيع أن يخاطب الناس قائلًا: أيها الشعب العظيم.

أرجو ألّا يفهم من إجابتي أي استعلاء، بل على العكس، فحبكم لأمتكم يحي نشاطكم، بينما كلامي ينتج عنه على الأغلب تكاسل. وفقكم الله وأخذ بيدكم، ولكم كل الاحترام والشكر على أن رأيتم في شخصي أحد المؤهلين للتكلم في هذا الموضوع.

ولكم أن تتصرفوا في هذه الرسالة نشرًا أو تغاضيًا، كما ترون، ولكم مني أصدق التحيات.

بكل تواضع.

المهندس ليث الشبيلات

ليث شبيلات

كاتب وسياسي أردني، من مواليد عام 1942، تخرج في الكلية العامة في بيروت 1959، بكالوريوس في الهندسة المدنية من الجامعة الأميركية في بيروت عام 1964، ماجستير في هندسة الإنشاءات من جامعة (جورج واشنطن) عام 1968، نقيب للمهندسين الأردنيين لأربع دورات، نائب في البرلمان الأردني (1984-1988) / (1989-1993)، تعرض للمحاكمة السياسية والسجن ثلاث مرات في 1992 و1996 و1998، أسَّس جمعية مناهضة الصهيونية والعنصرية عام 1992 وترأسها حتى عام 2010.