كلمة أولى في الكتابة الأنثوية، دفاعًا عن السياسيّ

كثيرًا ما أُخذ على المرأة إهمالها المجال السياسي وغيابها عن ميدان صنع القرار، كثيرًا ما انتُقِدت لاهتمامها بقضايا وشؤون عُدّت ثانوية، كثيرًا ما نُبذت، أُسكتت، سُفّهت آراؤها، هُمّشت أفكارها، وإن لم تُعنَّف بالقول أو الفعل، عُنّفت بالتجاهل والتهاون والتعامي. كثيرًا ما احتُرمت اعتباطًا، واستُنطقت إسكاتًا، ومُدحت استخفافًا، واستُحضرت تغييبًا، كثيرًا ما “كانت” من دون أن يُسمَح لها بأن “تكون”.  

وعلى عكس ما يُشاع من أنها منشغلة في قضايا أقل أهمية وما دون السياسية، من أنها غائبة عن مجال الفعل والسياسة، يغيب عن ذهن هؤلاء أن المرأة هي السياسة في عينها، السياسة في حالتها الصرفة والنقية والخالصة. هي سياسة ما قبل السياسة، هي سياسة قديمة وأصيلة وترجع جذورها إلى فجر التاريخ. هي سياسة طبيعية وثقافية معًا. هي سياسة تبدأ من آلام وأوجاع المرأة الطبيعية ولا تنتهي بالظلم والقمع المجتمعيين الواقعَين على جسدها. هي سياسة تبدأ بتهميش المرأة وإبقائها حبيسة الزواج والأمومة، ولا تنتهي بإطلاق سراحها وحبسها خارجًا في الهامش. هي سياسة تبدأ بكلمة “امرأة” المُنتجة ثقافيًا والمحمَّلة بمعان سياسية عدة، ولا تنتهي بمحاولات تفكيك هذه المعاني التي لاتزال نتائجها مجهولة. هي سياسة تغير شكلها مرة بعد مرة. تارة ترتدي زي العنف، وتارة أخرى ترتدي زي الرقة. تارة بقصد، وتارة من دون قصد. وقد شدّدت الموجة النسوية الثانية في الستينيات والسبعينيات على الطابع السياسي لحياة المرأة الشخصية، فكتبت المنظّرة النسوية الراديكالية كارول هانيش عام 1969 مقالة حول منهجية القمع الواقع على المرأة والارتباط الوثيق بين مشكلات المرأة الشخصية ومشكلاتها السياسية. وُسمت المقالة فيما بعد بـ “الشخصيّ سياسيّ”، وتحوّلت هذه العبارة إلى شعار يُعبَّر من خلاله عن العلاقة بين تجربة المرأة الشخصية والبنى الاجتماعية والثقافية والسياسية العامة، ونالت العبارة شعبية واسعة، ورُفعت شعارًا في حركات احتجاجية عدة.

فماذا عن خوض المرأة، التي لا يخلو جانب من حياتها من السياسة، غمار السياسة؟ ماذا عن التنشئة السياسية، المشاركة السياسية، التمثيل في الهيئات السياسية، اتخاذ القرار السياسي، وتولي مراكز القيادة السياسية؟ لا شك أن المهمة صعبة، والطريق شائك، لكن المرأة استطاعت في فترة وجيزة وبظروف خاصة قاسية كالتي في بلداننا أن تثبت وجودًا وتسجّل حضورًا فعليًا في مستويات عدة. فما إن انطلقت ثورات الربيع العربي حتى كانت النساء في صفوفها الأولى، ولم تقتصر مشاركتهن على التظاهرات والاحتجاجات فحسب، بل وصلت إلى التعبئة السياسية والتمثيل السياسي وصنع القرار. وعلى الرغم من حجم مشاركة المرأة المنخفض نسبيًا نتيجة الثورات غير المكتملة، وعلى الرغم من غياب البيئة الملائمة لمشاركتها السياسية الفعالة وتفشّي الحواجز الهيكلية التمييزية بين الجنسين، إلا أنه كان لمشاركتها دورًا كبيرًا في تحرّرها من الخوف، ومواجهتها القمع، واستعادتها القدرة على المقاومة والتعبير بالقول والفعل والكتابة.

وفي السعي إلى كتابة أنثوية، تبرز أسئلة عديدة، ماذا تعني الكتابة بالنسبة إلى المرأة؟ لماذا تكتب المرأة؟ هل تختلف كتابة المرأة عن كتابة الرجل؟ هل يمكن الرجل أن يكتب عن المرأة؟ هل يبرز السياسيّ في كتابتها؟

كثرت الإجابات على هذه الأسئلة، وتعددت التصنيفات، وتضاربت الآراء. فقد وضعت الفيلسوفة الفرنسية هيلين سيكسوس نظرية في الكتابة الأنثوية، وأكدت على اختلاف الكتابة بين الجنسين، ووصفت كتابة المرأة بأنها اقتصاد ليبيدي أنثوي، ومغامرة للبحث عن الذات الأنثوية. وفي كتاب خيال الأنثى، سلّطت الناقدة الأدبية الأميركية باتريشيا ماير سباكس الضوء على منظور المرأة الذي وجدته مختلفًا عن منظور الرجل، ورأت أن المرأة تكتب انطلاقًا من وعيها بذاتها. وفي كتاب الكلمات والنساء، شدّدت المنظّرة اللغوية الفرنسية مارينا ياغيلو على ضرورة النظر في الفروق اللغوية بين الذكر والأنثى التي هي ذات منشأ ثقافي، لا طبيعي. وراحت فئة أخرى من النسويات تقول بعدم وجود اختلاف بين كتابة الذكر وكتابة الأنثى. فجاء ردّ هيلين سيكسوس على هذه الفئة في مقال “الجنس أم الرأس؟”: “معظم النساء، حتى يومنا هذا، لا يكتبن بصفتهن نساءً، وإنما بصفتهن كاتبات. وقد وصل بهن الأمر إلى حدّ القول إن الفرق الجنسي لا يعني شيئًا، وليس ثمة فرق مميز بين المذكر والمؤنث في الكتابة. فما معنى هذا الكلام؟ معناه أن موقفهن غير محدّد. فحين يقول المرء إنه لا يمارس السياسة، يعرف الجميع أن هذا يُعَدّ طريقة مثلى للقول إنه يمارس سياسة الآخر. والأمر عينه في الكتابة، وأغلبية النساء يفعلن الأمر نفسه: يمارسن كتابة الآخر، كتابة الرجل”. ومن ناحية أخرى، قدّمت النسوية الإيطالية تيريزا دي لوريتيس وجهة نظر مختلفة ربطت من خلالها ذاتية الأنثى بالممارسة والتجربة. وعليه، تكون كتابة المرأة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بانهماك المرأة في الممارسة والتجربة والخطاب المنتِج للمعاني.

وفي الوقوف هنا على كلمة تجربة، وما تحمله هذه الكلمة من خبرات ومعارف تُحصّلها المرأة في علاقتها المباشرة مع الواقع، الكلمة التي تُعَدّ في حدّ ذاتها منهجًا للوصول إلى المعرفة بالاستناد إلى المحسوسات والطرائق الاستدلالية، يمكننا أن نفهم مدى أهمية خوض المرأة تجربة ثورات الربيع العربي ومدى انعكاس هذه التجربة على حياة المرأة وكتابتها. ومن خلال قراءة ما كتبته المرأة في تجربة خاصة كهذه، يمكننا أن نستمد إجابات على الأسئلة السابقة، يمكننا أن نميّز الكتابة الأنثوية التي تختلف اختلافًا جذريًا عن نظيرتها الذكرية، يمكننا أن ندرك معنى وجودها السياسي والمسيَّس في ما تعرضت له من إساءات وانتهاكات، يمكننا أن نميّز لغتها ومعجمها المشبع بالعناء والمشقة من جهة، وبالإصرار والعزيمة من جهة أخرى، ويمكننا أن نرى بوضوح عمق السياسيّ في ذاتها، ومدى تغلغله في جوانب حياتها كافة.

نور حريري

مهندسة وكاتبة ومترجمة. ماجستير في الفلسفة. حائزة على المركز الأول في مسابقة القصة القصيرة لعام 2016 التي ينظمها المعهد الأوروبي للبحر الأبيض المتوسط في برشلونة، إسبانيا. لها عدة ترجمات منشورة منها: مفترق الطرق: اليهودية ونقد الصهيونية لجوديث بتلر، سُبُل النّعيم: الميثولوجيا والتحوّل الشخصي لجوزيف كامبل، الحياة النفسية للسلطة: نظريات في الإخضاع لجوديث بتلر؛ وعدة أبحاث منشورة منها: الترجمة تفكيكيًا: الخطاب النسوي نموذجًا، جوديث بتلر: أدائيات الذات.