لم تكن ثورة واحدة، بل ثورات

انشقّ حجاب هيكل الرعب، في غفلةٍ من عسس الأمن وعيون المخبرين، وفي تيه وريث السلطة القابض على مقدرات البلاد وأنفاس أشجارها، بين نرجسية من يحطّم لعبته راضيًا مستمتعًا على أن يتركها لغيره، وثقته العمياء بأن لا عصفور يطير في سماء البلاد إلاّ ليسبح بحمده، ولا شمس تشرق إلا بإذنه، ولا طفل يولد في طول البلاد وعرضها إلاّ ليكون مشروع “مسيح”، في حال أقلق نومنا وهدَّد الأبد، يقول كتابنا أن نهلكه في طريق الآلام، ليكون عبرةً لكل من رأى ومن سمع.

حريّة

وتجاوز الصوت حنجرتك، لقد انتصرنا بأن سقط خوفنا مرّةً واحدة وإلى الأبد، فطريق الجلجلة حتميّة لا مفرّ منها كما أخبرنا كتابهم.

سقط الأبد

ونهض ماردٌ في داخلك، فتح بابًا على الخوف الموروث، على الموروث كله، على أحكام القبيلة والمجتمع، فتح بابًا على الآخر، على نفسك، على كل ما حولك وما في داخلك.

 لم تكن ثورة واحدة، بل ثورات

من اعتصام الشموع في باب توما، إلى دعم ثوار مصر والتضامن معهم الذي هاجمته الشبيحة والأمن يومها، إلى ثورة مسرحها هذه المرة “سورية”. أجزم أن جميع السّوريين، بما في ذلك حجارة البلد قبل ذلك اليوم، ظنتها مستحيلةً.

أنا وأبي والثورة

أبي: إلى أين؟ (قالها أبي وأنا خارجة مساءً) لماذا ترتدين هذا الحذاء الرياضي؟ هل ستذهبين إلى النادي؟

أنا: لا رايحة شوف رفقاتي.

أبي: البلد مكركبة خففي طلعة بالليل!

أمي: أنا متخوفة من خروجها مساءً مع أصدقائها -هامسةً إلى أبي بأنني قد أجتمع ليلًا مع أصدقائي في مكان ما في شارع العابد- فربما يذهبون للمشاركة في تظاهرات في ضواحي دمشق. وهي تتهرب دومًا من الإجابة على سؤال “أين أنت؟” حين أتصل لأطمئن عليها.

كثيرًا ما حاولت أمي سحب الاعترافات من أصدقائي بأسلوب المحقق كونان (باحت لي أمي بذلك بعد مرور سنوات).

متسمرَين أمام شاشة، يتابعان كغيرهما من السوريين ما يحصل في البلاد، يشاهدان محطةٌ تقول إن ثورةً اندلعت، ومحطةٌ أخرى تسمي ما يجري “أحداثًا”، وثالثة تقول أنْ ليس هناك ثورة ولا أحداث و”لا هم يحزنون”، وكل ما في الأمر أن عادة أهل الشّام الخروج عند هطول المطر لشكر الآلهة على عطاياها.

نعم، ربما صدقت هذه المحطة من حيث لا تدري، فنحن نعيش في القحط منذ أكثر من 40 عامًا. “وحلّها تمطّر!”

ومع خوفهما على ابنتهما الوحيدة من أي أذى قد يصيبها في بلاد يعرفون جيدًا أنياب مخابراتها وعناصر أمنها، أصبحتْ حرّيتي الشخصية مقيّدة بعض الشيء، فأصبحا يدققان في مواعيد خروجي وعودتي، ويطلب أبي أن يوصلني بنفسه إلى حيث أنا ذاهبة، وأصبح التلميح إلى عدم ارتياحهما لنشاطاتي العديدة في هذه الفترة موضوعًا ثابتًا على طاولة غداء العائلة اليومي.

ولكي أنهي هذه المسألة وأهدّئ من روعهما، وأتمكن من تناول طعامي بأقل عدد ممكن من نظرات الريبة المتبادلة بينهما، وأتفادى كلامًا يشدّد فيه أبي على ضرورة الابتعاد عن أي فعل “طائش” كما اختار هو أن يسميه، وأتفادى الجمل المبطَّنة بتوعدٍ مخفف النبرة إن تهورتُ في أي فعل قد لا يروقه، على الرغم من تجاوبي الكبير مع ما يقولانه ومحاولة تفهمي ما يعتريهما من قلق، لكن ذلك لم يمنع تكرار المشاهد والأسئلة نفسها يوميًا، ولكي أتفادى كل ذلك، أصبحت أخرج من المنزل بكامل أناقتي وبكل ما يوحي لهم بأنني ذاهبة إلى عملي الذي يتطلب مظهرًا رسميًا، أو إلى زيارةٍ إلى منزل صديقة، لأرفع لاحقًا مقعد سيارتي بعد أن أركنها أمام منزل صديقتي في حارة فرعية في كفرسوسة، ونُخرِج أحذيةً رياضية نرتديها، وننطلق معًا لنستقل سرفيس يوصلنا إلى ضواحي دمشق. (بحت إلى أمي وأبي بهذا السر بعد مرور سنوات على هذه الخدعة وغيرها الكثير).

لم تكن ثورة واحدة، بل ثورات

كانت ثورتي الشخصية بدايةً هي أنْ تجرأت على مواجهة محكمة روحية تتبع لها طائفتي في معاملات الأحوال الشخصية، وكنت قد رفعت إلى المحكمة دعوى طلاق منذ 2009، وبقيت لسنتين أنتظر، ولا شيء حدث سوى الانتظار. فللمحاكم الروحية في بلادي سلطة على المجتمع توازي سلطة العسكر عليه، وتتمتع بحصانة روحية واجتماعية، وتستمد القداسة من الدين، فقضاتها هم رجال الدين.

قلت لنفسي، هل يعقل أن أطالِب بالحريات السياسية والحقوق المدنية الكاملة في الساحات، وأشجع على العصيان والثورة، وأنا خانعة أمام محكمة تماطل في طلبي، وتتحكم في شكل حياتي، وتبقي حالتي الاجتماعية رهن أهوائها؟ هنا كان قد مرّ على انطلاق الثورة شهرين، وبدأت بالتواصل مع سيدات يعشن ظروفي نفسها، ودعاوى طلاقهن معلّقة منذ سنين، وبعضها تعدّى الخمس سنوات أو أكثر، فتباحثنا في موضوع إطلاق صرخة للمطالبة باستبدال محاكم مدنية وقضاة مدنيين بمحاكمنا الروحية التي تفصل في قضايا الأحوال الشخصية الخاصة ببعض الطوائف في سورية.

في جلستي التي تلت ذلك، قلت للقضاة المسؤولين عن البت في قضيتي: “من أعطاكم الحق بإبقاء مصائر النّاس معلّقة حسب أهوائكم؟ شعرت أنني، ربى، تغيّرت، واختلفت في هذه الجلسة عن أي جلسة سابقة حضرتها، وتحدثت عوضًا عن المحامي الخاص بي، وبإشارات منه دعمني المحامي وشجعني بأن أكمل وألا تسكت، وعلى الرغم من محاولات رئيس المحكمة الروحية إسكاتي أكثر من مرة مستخدمًا سلطته الروحية وحصانة بزته الدينية، إلا أنني تابعت قائلةً: سأكون أول امرأة في طائفتنا تحوّل قضيتها إلى “قضية رأي عام”، سأنشر وأكتب عنكم وعن فساد محكمتكم واللعب بمصائر الناس وتعليق حياتهم رهن محسوبياتكم، واستخدامكم هذه السلطة للإطباق على المجتمع، وللمحافظة على مكتسباتكم وكراسيكم وامتيازاتكم.

لكم أن تتخيلوا أن القرار في قضيتي -التي بقيت في أدراجهم لسنتين دون أن يهتز لهم جفن، ودون أن تحرز القضية أي تقدم، على الرغم من تسمية عدد لامتناه من جلسات الاستماع وتأجيل الحكم- تحرّك بعد هذه الجلسة، وبعد تظاهرتي الصغيرة تلك داخل المحكمة الروحية، وبعد ما وصلهم من أخبار عن حراك نعدّه أنا وسيدات أخريات لجمع ملف كامل يخص قضايانا المعلّقة على أهواء محكّمي الأحوال “الشخصية” من رجال الدين.

حصلت على طلاقي في شهر تموز/ يوليو من عام 2011 وعلى حق حضانة ابنتي. كانت هذه أولى نتائج ثورتي الخاصة “أنا الآن حرّة”، ليس هذا كل ما أطمح إليه للمساعدة على تحرير النساء في بلادي، لكن نشاطي بهذا الخصوص راح يأخذ أشكالًا تختلف بحسب المرحلة والظروف، فبدأ من معاناتي الشخصية ومن واقع عشته ورفضته، ثم أخذ ينضج بعد ذلك ويأخذ منحى أوسع وأشمل.

زاد توتر أهلي وارتفعت وتيرته بعد أن قدّمت استقالتي من عملي في إحدى مؤسسات الإنتاج الإعلامي والتلفزيوني، وبعد أن أغلق الأمن مقهى كنت أستثمره في منطقة بابا توما، نتيجة تقارير تقول إن المقهى كان مكانًا يتجمع فيه معارضون للنظام من فنانين وكتّاب وناشطين سياسيين. وبعد مساومة ضابط حضر إلى المقهى وطلب مني وضع كاميرات سرية لمراقبة ما يدور فيه كشرط لعدم إغلاقه وإلغاء عقد الاستثمار، رفضت طلبه، فكان قرار الاغلاق هو ردهم الأول – بالمناسبة، في تلك الفترة وافق أصحاب مقاهٍ ومطاعم كُثر في دمشق على مثل هذه الشروط، وزُوِّدت محلاتهم بالكاميرات وأجهزة التنصت.

كان إغلاق مشروعي الخاص بعد استقالتي من وظيفتي أمرًا محبطًا وانكسارًا بالنسبة إليَّ على أصعدة عدّة، وقد حزنت بشدة، فهذا المقهى كان يعني لي الكثير، كان أكثر من مجرد مصدر دخل جيد لي، وأكثر من مجرد كونه أول مشروع أنفّذه من دون أي مساعدة من زوج أو أب ومن دون أي شراكة، كان بالأحرى مساحة أحبّها وأنتمي إليها، على الرغم من أنني لم أكن أقصده إلا لبضع ساعات بعد انتهاء دوام وظيفتي. لكن لا وقت لدي للتحسّر الآن، أو ربما لا أتقنه.

ارتفعت وتيرة التظاهرات على طول البلاد وعرضها، وفي دمشق كثّفنا لقاءاتنا أنا وأصدقائي، وأصبحت دائرتنا تكبر عند كل مفترق. اختفى جلّ الفوارق الاجتماعية والطبقية وغيرها ضمن شريحة الشباب التي تعتقد بأن ما نمرّ به اليوم أعمق بكثير من أي فوراق، وحلّت محل الفوارق رسائل طمأنة وتحبب، نتواطأ بشكل غير معلن على بثها واستقبالها، بحيث يُشعر واحدنا الآخر أنه ليس وحده، ويربّت على كتفه في تظاهرة أو يومئ برأسه إليه أنْ تذكّره إذا ما التقى به في بقالية أو كشك سجائر، حتى وإن اقتصرت معرفته به على لقاءات خاطفة في تظاهرة طيارة أو اجتماع عاجل لتوزيع بعض المهمات التي نتقاسمها في زياراتنا إلى المدارس التي أصبحت ملجأ لسوريين نزحوا من مناطق مختلفة، ومساعدتهم في تأمين مستلزماتهم وتسلية الأطفال والتخفيف عنهم. وفي دوائر صداقاتنا الأضيق، بدأت نقاشاتنا تأخذ منحى أكثر وعيًا وأفقًا أكثر اتساعًا في كل مرة. إنّه النضج الذي يفرضه علينا شعورنا بالمسؤولية، وما عاد في وسعنا إنكار هذا الشعور، فللشارع قدسية لا يمكن لمن لم يعش تفاصيل البدايات بكليتها أن يقدّرها أو أن يستوعبها حتى.

المغامرون الخمسة

داخل سيارة حمراء صغيرة كنا نجلس خمستنا، ندور بها في شوارع فرعية في دمشق، خشية أن نجتمع في منزل أحدنا بعد أن عرفنا أن ثلاثة منّا مطلوبون على قوائم الاعتقال لصالح الفرع 215، حيث كنا قد امتنعنا أيضًا عن الاجتماع مع أصدقاء آخرين حتى لا نتسبب لهم بأي أذى.

انتهينا من الغناء بصوت عالٍ، ونوافذ السيارة مقفلة بإحكام وأصواتنا عبارة عن نشاز يتخلله ضحك هستيري، وهتاف جديد يكتبه صديقنا لتظاهرة هذا الأسبوع بعد الاستماع إلى تسجيل أولي لأغنية انتهى من إعدادها تتحدث عن الثورة وهو يقود السيارة بنا -سأسميه فارس- ناقشنا بعدها بكل بلادة مَن لا أمن يلاحقه، وأوضاع الحراك في البلاد، وما شرحه لنا مازن -وسأطلق عليه هذا الاسم حتى لا أعرّضه لأي إحراج- وهو نشاط جديد سينفذه مع شبان يميزون أنفسهم بارتداء قناع معين في صورهم الشخصية الموجودة في صفحاتهم على فيسبوك، والنشاط عبارة عن إطلاق بالونات تحمل كلمة حرية في سماء كفرسوسة، وطباعة منشورات تحمل أسماء المعتقلين وتواريخ اعتقالهم، وتعليقها على جميع السيارات التي تُركَّن ليلًا في أزقة شارع بغداد والعمارة وما حولهما، فقاطعه محمود -كما سأسميه- ليطلق نكاته السمجة كعادته عندما يتوتر وقال: “بالونات شو يا حبيبي، بالونات شو هلق؟ استنوا بس يمسكونا حينفخونا كلنا لا تستعجلوا”.

ربما كنّا نتحلى بشجاعة منقطعة النظير وربما هي السذاجة المفرطة، لا أدري حقًا كيف كنا نفعل ذلك ونعيش تفاصيلنا بكل هذه اللامبالاة. ليلى -وهذا اسمها الجديد الذي اخترته لها الآن- أكثرنا واقعية دائمًا: “شو رأيكم يرجّعنا فارس لمطرح ما صفّينا سياراتنا ويروح هو يوصّل محمود ونحن نروح ننضب ببيوتنا صارت الساعة 9؟”. ثم فتحنا جوالاتنا، حيث كنا من باب الحرص نسحب شرائح الاتصال ونترك الجوالات مقفلة حين نجتمع سويًا. رن هاتف فارس فورًا. كانت المتصلة والدة محمود، صمتنا ورد فارس عبر مكبر الصوت.

والدة محمود: ألو مرحبا خالة، شفت محمود اليوم أو اجتمعتوا؟

فارس: أهلين خالة أهلين – ركن السيارة قرب الرصيف ونظر إلى الوراء ليرفع محمود رأسه مشيرًا إليه بالإجابة – لا ولله يا خالة ما شفته صرله يومين! خير شو في؟

والدة محمود: إذا شفته أو حكا معك، قلو ضروري أمك بدها ياك.

فارس: تكرمي خالة اكيد.

أغلق فارس الخط، ولم تمض ثانية حتى رنّ جوالي وكانت المتصلة والدة محمود، وسألتني الأسئلة نفسها وأجبتها بأنّي لم ألتق به طيلة هذا الأسبوع. أغلقتُ الخط. وأطبق علينا صمت رهيب. فنحن نعلم يقينًا أن الأمن في منزل محمود الآن وهو من طلب من خالة أم محمود الاتصال بفارس وبي، لكننا نبحث عن أي شيء أو إشارة تدل على غير ذلك. التقط محمود هاتفه، وبدّل شريحة الاتصال بأخرى جديدة، واتصل بجارٍ له ليجيبه على الفور قائلاً: أوعى تجي على الحارة المكان كله أمن وناطرينك.

كان محمود صحفيًا، ويعمل في قناة تلفزيونية معدًا للبرامج، ويزاول أيضًا الصحافة المكتوبة ويتعامل مع عدّة صحف في لبنان وأماكن أخرى.

ما الحل؟ أسعفنا مازن المبتكر بحلّ كانت بطلته ليلى. وما كنّا نملك رفاهية دراسة أبعاد هذا الحل أو ما شابه.

مازن: سنتصل من تلفون عمومي بعد حوالي نصف ساعة أو أكثر بقليل بهاتف منزل محمود، وسنخبر والدته أنّه بخير وأن جواله كان خارج الخدمة لأنه استطاع الهرب إلى لبنان، وهو الآن بخير وسيحادثها قريبًا. وبذلك سترتاح والدته قليلًا، وسنشتت رجال الأمن، ونعطي محمود فرصة يومين ليؤمن خروجه فعليًا إلى لبنان.

وقع اختيار الهاتف العمومي على مطعم للوجبات السريعة مكتظ بالناس دائمًا، ويعمل صديق لمازن محاسبًا فيه. كما وقع الاختيار على ليلى بطلة المهمات الصعبة لإجراء المكالمة. وقفنا قبالة المطعم ونزلت ليلى مسرعةً مع مازن. وعادا بعد أقل من ثلاث دقائق. وقالا: تمت العملية بنجاح. قالت ليلى تلك الجمل لوالدة محمود وأغلقت الهاتف فورًا. 

أوصلنا فارس إلى سياراتنا المركَّنة عشوائيًا في شوارع فرعية من كفرسوسة القديمة، وكان المشهد في الطريق إلى هناك لا يشبه مطلقًا المشهد قبل ساعات، رعب على شكل يد غليظة تطبق على رقبتك، مشهد موحش جدًا. وبعد إلحاحنا الشديد على محمود لتأمين خروجه إلى لبنان وإصرارنا على أن هذا بات ضروريًا، أخبرنا أنه سيرتب أموره خلال يومين قبل أن يفعل ذلك – وعلمنا لاحقًا أنه كان يهدّئ من روعنا فحسب، وأنه لم يكن ينوي ترك البلد إطلاقًا في هذا الوقت – اتفقنا على ألا نلتقي هذه الفترة، وأن يختار كل واحد منا مكانًا ليقيم فيه، وألا يخبر أحدنا الآخر عن مكانه الجديد هذا، تحسبًا لضغط قد يتعرض له أي واحد منا في حال الاعتقال الذي بدأنا نستشعر أنه قريب جدًا. أذكر تفاصيل هذه الليلة وأستطيع استحضار اللحظة بدقة شديدة، أذكر ملامح وجوههم، أذكر بدقة رهيبة آخر لحظات جمعتنا خمستنا في مكان ووقت واحد.

وداع حنون جدًا

 بيقينٍ ما أدركنا أنّه وداع. اعتُقل محمود. وبعد ثلاثة أيام من اعتقاله، اعتقلوا فارس وكان ذلك في شباط 2012. اعتُقل مازن في شهر نيسان، واعتُقلت أنا في شهر تموز/ يوليو من العام نفسه. استطاعت ليلى الخروج من سورية قبل ذلك، ولم تجد وجهة متاحة حينها غير ماليزيا.

فارس ومحمود لا يزالان في المعتقل حتى تاريخ كتابة هذه السطور. ابن فارس الذي كان يومها بعمر ستة أشهر، أصبح اليوم فارسًا كوالده وبعمر 9 سنوات وبضعة أشهر، وولدت زوجة محمود طفلًا كانت يومها حاملًا فيه في شهرها التاسع، وصار عمره من عمر اعتقال والده.

خرج مازن بعد عدة أشهر بعد أن دفع أهله ملايين وملايين الليرات من أجل ذلك، وساعداه على السفر فورًا خارج البلاد، لكنه لم يعد ذلك المجنون المبتكر المرح، بل تحوّل إلى شخص آخر تمامًا.

ليلى صارت اليوم في دبي وسأعود لأحدثكم عنها لاحقًا.

لكننا مازلنا ننتظر فارس ومحمود..

 لم تقتصر حادثة اعتقالي في شهر تموز/ يوليو من عام 2012 على الأضرار النفسية التي لحقت بي وبأهلي، بل لحق بها ما هو أشد ألمًا بأن قرر أبي أنّه عليّ مغادرة سورية والسفر إلى أوروبا أو أميركا، قاومت قراره هذا حتى شهر كانون الأول من العام نفسه. وبعد اعتقال أشخاص آخرين من دائرة أصدقائي المقربين جدًا، وارتفاع منسوب الغضب في حنجرتي، وسعيي في سبيل المطالبة بالحرية لهم من خلال التواصل مع جهات حقوقية ومنظمات دولية تُعنى بشؤون المعتقلين والمغيبين قسرًا، وبسبب ازدياد قلقه، وكثرة الأصوات التي تلومه، من أقران وأقرباء، على أسلوبه المتساهل مع ابنته التي عرضت نفسها وعائلتها لمواقف سيئة من وجهة نظرهم، فكان قراره غير قابل للنقاش،” ستغادرين وسأوصلك بنفسي إلى لبنان كمحطة أولى.” وكان أقسى ما يمكن أن يفعله بي حينها هو إبعادي عن دمشق.

أنا الآن في بيروت! وقد مرّت أيامٌ ثقيلة عليّ. أنا وحيدة في هذه المدينة وجميع الطرقات الّتي تؤدي إلى دمشق مؤجلة.

سامحني يا أبي لن أذهب بعيدًا كما رتبت لي. ففي شهر آذار/ مارس من عام 2013، قررت العودة إلى سورية لكن هذه المرة من قبلة أخرى، فسأسافر إلى تركيا وأقصد الحدود السورية. لسوء حظي كانت الحدود يومها مغلقة، بسبب تفجير حصل صباحًا بالقرب منها.

هناك أقرباء لصديق لي ينتظرونني على ضفة القلب في سورية، أخبروني أنه يمكنني الدخول بصورة غير شرعية، لكن في ذلك مغامرة كبرى. فعلينا أن نسير في أراضٍ زراعيّة لبضع ساعات، ثم علينا أن نجد بجانب النهر الذي حددوه لنا وعاءً نحاسيًا كبيرًا يستخدمه أهل القرية لسحب أبنائهم فيه من ضفة إلى أخرى -كوسيلة نقل أجبرتهم الظروف على استخدامها- فنصعد إليه ويقومون بسحبنا إلى اليابسة رجال كثُر، ولكن علينا الحذر من إحداث أي جلبة في طريقنا -هذا ما قالوه لنا- حتى لا يتنبه العسكر التركي لمرورنا فنصبح في خطر بتهمة عبور الحدود بشكل غير شرعي.

وفعلتها! ها أنا في الوعاء النحاسي الكبير، ما يُسمى بالقارب، متحديةً مخاوفي كلها -ها أنا يا أبي، طفلتك المدللة الّتي تخاف المياه وتفضل عادةً الخيارات المضمونة والأسهل في الحياة، يبدو أن الثورة غيرتني كثيرًا حتى صرت أنا نفسي أتعرف على نفسي من جديد- وعلى ثيابي كثير من الطين بعد أن وقعت أكثر من مرة خلال سيرنا في الطريق الزراعي بسبب شدّة الأمطار وصعوبة السير في الأوحال، وفي قلبي بركان شوق. عبارات الترحيب بلكنة أهل ريف إدلب المحببة ووجوه ودودة طيبة، أنا أمام رهبة أن ضربًا من المستحيل هو ما يجعلني أعود إلى سورية مجددًا، طالما ظروف خروجي منها وأسبابه لم تتغير.

ها أنا هنا مجددًا

هل حقًا أقف على أرضٍ سوريّة لا تمثال للأبد فيها، ولا سلطة له عليها! استنشقت الهواء وكأنّي لم أستنشقه من قبل، وركبت سيارة أجرة مع صديقة لي وقريب لها هو عمو أبو رامي، وذهبنا إلى بيته عند زوجته وأولاده لنقيم في ضيافتهم، وكان الليل قد خيّم علينا. أريد أن أنام من أجل أن أستيقظ صباحًا وأتأكد أنّ هذا كلّه ليس حلمًا وأنني في سورية مجددًا. وحدها الشمس من أثق بها لتؤكد لي ذلك.

في زياراتي المتعاقبة إلى المناطق التي باتت غير خاضعة لسيطرة النظام السوري وعملي التطوعي مع شابات وشبان آخرين للتخفيف من آثار الأضرار التي لحقت بالأطفال في تلك المناطق عن طريق إجراء التفريغ النفسي بمساعدة وسائل عدّة، ومن خلال مشاركتي مع متطوعين آخرين في إزالة آثار القصف وتنظيف الحدائق العامة وإعادة طلاء جدرانها وتزيينها، وترميم بعض المدارس والمعاهد ومساعدة بعض الكوادر التعليمية فيها على تنظيم دورات تقوية لطلاب انقطعوا عن التعليم لفترات، أصبح هذا وحده مصدر الأدرنالين في جسدي وروحي، وسببًا لأتعرف على بلدي. لكنّه كان السبب في قطيعة كبرى بيني وبين أبي، فهو اليوم لا يردّ على اتصالاتي ولا يسمح لأمّي أن تكلمني.

الثورة التي عرّفتني

لم تكن سببًا في أن أتعرف على ربى الجديدة، وأن أعيد مع نفسي تعريف مفاهيم وقيم ومصطلحات ومشاعر كثيرة كالحب، الوطن، الغربة، السعادة، الأمومة، الحق، الانتماء، الجمال، البلاد، أو أن أعيد تعريفي وتشكيلي فحسب، بل كانت سببًا في أن أتعرف على بلدي بجغرافيتها الحقيقية بعيدًا عن كتب المدرسة، أن أتعرف على ثقافة وخصوصية مدنها وقراها، لهجاتها، تراثها، مطابخها، وأمثالها الشعبية، أن أتعرف على أولاد البلد.

لكم أن تتخيّلوا أني وبعمر الثامن والعشرين سنة لم يسبق لي أن زرت إدلب أو ريف حلب، لم أسمع يومًا لهجة أهل الرقة، لم أتذوق يومًا “الثرود بامية”، ولم أكن أعلم أن “تسوين قلبي” يقولها ابن الدير تعبيرًا عن الحب. لم يكن لدي أصدقاء من درعا أو من القامشلي أو من الحسكة، لم أستمع يومًا لـ “الموليا”، ولم أتناول المناقيش على الحطب وصواني اللحم في جرابلس. لم أنم ليلة على سطح منزل في منبج لأراقب النجوم القريبة في سماء صافية، لم أزر مارع وعزاز والأتارب والباب، ولم ألتق بصبايا وشبان من أهلها. تخيلوا كم من الجمال والغنى كان قد فاتني طيلة ثمانية وعشرين عامًا. تخيلوا أنني عرفت كل ذلك وأكثر، وانتميت إلى كل ذلك وأكثر، أني عشت كل ذلك وأكثر “بفضل الثورة”. البلاد التي ظننت أنني كنت أنتمي إليها “طلعت كذبة كبيرة.”  وأنا اليوم أنتمي إلى بلاد غابت عني ثمانية وعشرين عامًا.

إن كان عندكم للسر مكان سأخبركم أني في محطات كثيرة انفجرت بالبكاء قائلة في نفسي “خلص لله يرحم الثورة”. نعم، مرات كثيرة، أحدها عندما عدت ذات يوم إلى تركيا قادمةً من منبج محملة بالخضروات والفاكهة -حيث كنت أتسوق من هناك حتى إذا ما نفذت ثلاجتي منها أحملني لأذهب مجددًا متحججة لنفسي أنّي أحبّ فاكهة البلاد- لتكون هذه المرة الأخيرة. بعد فترة هاجمت داعش منبج، وخرج أصدقاء لي هربًا ووصلوا إلى تركيا بعد رحلةٍ شاقة، وتهجّر أهلها. بكيت ليلتها بكاءً مريرًا. لم نكن نحلم بأكثر من بلادٍ كالبلاد! فلماذا يحصل كل هذا!

وذبُلت منبج الجميلة حينها. ذبلت فاكهة البلاد. تعرّفت في منبج الطيبة على شعراء وكتّاب ومنظرين سياسيين ومعلمات وأديبات ومربيات وأولاد بلد، وحزنت لحزنهم عليها، ولتعب أساتذتها في ترميم واستصلاح مكتبة ضخمة حفظوا فيها كتبًا ثمينة، وحضّروها لتكون صرحًا ثقافيًا ومركزًا لنشاط مجتمعي، ثم جاءت داعش الظلامية ربيبة الأسد فأحرقتها واعتقلت شبابًا كانوا من أوائل الناشطين المدنيين في مواجهة نظام الأسد وقتلت آخرين. وذبُلت فاكهة البلاد.

في منزلنا ماكس

ماكس كان كلبًا كهلًا، ضخم البنية، وودودًا جدًا، يشاركنا منزلًا سكنّاه في منبج. كنت كلما ودعته ألتقط له صورًا وأظلّ أطالعها في طريقي إلى تركيا، وأجد وجهه فيها حزين للغاية فأقول: ماكس حزين لأني رحلت لذلك يجب عليّ العودة سريعًا.

قضيت ثلاث ليالٍ وأنا أبكي، فقد أخبروني أن مجموعة من داعش هاجمت المنزل ولم تجد فيه أحدًا، وجدت ماكس وحيدًا فقتلته، بطلقة اثنتين ثلاثة وأكثر. ظلّ هذا المشهد يلاحقني لوقت طويل في أحلامي. كيف تركنا ماكس وحيدًا؟ هل أنا أبكي عليه أم علينا؟

تمخّض عدو الأمس فولد أعداءً

 تغير شكل الرايات واسودّ بعضها، وملأ المال السياسي جيوب بعض القادة وأمراء الحرب على اختلافاتهم، وانحرفت بوصلة بعض الأطراف، وأسقطت أطرافًا أخرى القناع عن وجهها، وأظهر بعضها طائفية ومناطقية وشوفينية، أو ربما ظهرت بطبيعة الحال نتيجة أن الحرب ألقت أوزارها على الجميع، وكان ما أرادوه لتلك البلاد أن يستمر شلال الدم فيها، وأن تختل بوصلتها تعبًا أو عجزًا.

تغيّر المشهد بصورته الكبيرة، لم يكن برومنسية البدايات ولا نقاوتها، فقد نجح كل من أراد قتل مدنيتها وسلميتها وشعاراتها الجامعة في ذلك، نجح في أن يتسرّب إلى كل مكان، وخاصةً بعد التفريغ الممنهج لشريحة الشباب المتوازن في الخطاب الفاعل بالفعل والقادر على التأثير، لامتلاكه أدوات لا يستهان بها، لكنهم لم ينجحوا قط في أن يغيروا من أحقيتها ونزاهة من صرخ فيها، وعدالة قضيتهم ولا أن يشوهوا صورتها الأولى بكل تفاصيلها.

أسماء معتقلي الرأي وأغاني الساحات، عيون رفاق البدايات وخفقة القلب عند الركض بكل طاقتنا للهرب من قبضة وحشٍ أقلقنا نومه بصراخنا في تظاهرة طيارة، “الشعب يريد إسقاط النظام “، حِفْظُنا لملامح سجّاننا بدقة، حتى إن صادفناه يسير بين الناس كواحد منهم ويشتري الخضار والفاكهة لأطفاله، صرخنا عاليًا: هذا الوغد يعيش بينكم نهارًا ويذهب ليلًا إلى هناك، تحت الأرض، إلى معتقل التعذيب يمارس إجرامه على أجساد رفاقنا ويترك ندباتٍ لا تحصى على أرواحهم.

 البارحة واليوم وغدًا

وعلى الرغم مما كان وما سيكون، هي حتمية عرّت ضمير العالم وكذّبت شعاراته حين ترك شعبًا يموت، حين كان سلاحه صوته، حين دُفع هذا الشعب بجميع الوسائل نحو طرق لم يتمناها أغلبه، بل فُرضت عليه. وقد أنجب عدو الأمس أعداء كُثر لهذا الشعب. وأيقظ وحوشًا كان يربيها ليومٍ كهذا اليوم. هي ليست ثورة واحدة، هي ثورات.

وكانت هجرتي الثانية

كانت الهجرة الثانية حين قررتْ عائلتي مغادرة دمشق إلى أوروبا بشكلٍ نهائي، وكان لحاقي بهم هو الحل الوحيد أمامي لإنهاء القطيعة المعلنة من طرفهم. أتفهم دور السكاكين الموجهة إلى صدور وأعناق الأمهات والآباء في تلك البلاد، هي سبب الذعر المصاب به كلّ من كان يطلب منا أن نخفض صوتنا لأن للحيطان آذان. وأحاول أن أتفهم تراكم الخوف تحت جلدهم وثقل الموروث منه على أكتافهم، لكنني لا أنكر أني أطلق عبارات اللوم بين الحين والآخر، فأقول لهم: “لو ما سكت جيلكم عن هاد الوضع أربعين سنة وساهمتوا بتكريسه، يمكن ما كانت خسارتنا هالقد كبيرة”. ليردّ أبي: “البركة بجيلكم شفنا بُعد نظركم ومشروعكم المدروس، لوين وصلنا حاليًا”.

أخطئ أنا في تحميل جيلهم الوزر كله، أخطئ في عدم مراعاة ظروف وإمكانيات كل جيل والسياق العام لكل مرحلة، لكن مشاعري تغلبني حينًا، فتحمّل كلماتي لومًا أعلم حقيقةً أنّه يفتقر الموضوعية وأنه مساحة للتنفيس عني أحيانًا. ويخطئ هو عندما يحمّلني وجيلي ذنب كل مآلات الأمور اليوم، وعندما يلمّح “أنّ هذا الفشل العام نتحمل وزره نحن”. إذًا، أين ذهبت مفرزات عقود من الاستبداد؟ وهل انهيار دولة كانت قائمة في الأصل طيلة نصف قرن على منطق الرعب والذّل والرأي الواحد والحزب الواحد يحتاج شماعةً لتعلقوه عليها؟ الثورات لا تقوم لتبني وتعمّر. ولا تقوم لتقدم مشروعًا، ليس هذا من مسؤوليتها. هي فعل هدم مبني على عمر من الرفض المكتوم، وأما بالنسبة إلى ما سيأتي بعد هذا الفعل والانفجار، فهو مسؤوليتنا جميعًا، جميعنا يا أبي.

لقد انتصرنا على تركة الخوف التي أهلكت كاهلكم من قبلنا، خرج الصوت وسقط الأبد، وهذه حتمية سواء رضيت عن أدواتها وحواملها أم لا، فأنت وأنا كنّا ماضين إليها لا محالة، وأظنّك في قرارة نفسك ونفس جيلك، كنتم تعلمون ذلك جيدًا. لكن مَن أوصل شعبًا إلى الصلب؟ ومن صمت عن مقتلنا؟ ومن أعطاه الضوء الأخضر؟ ومن لعب معه على الخطوط الحمر؟ ومن دعمه واستغلّ أخبار موتنا المعلن وأرقام الضحايا والمهجّرين شريطًا أسفل شاشاته ليحصد استقطابًا ما؟ ومن جعل من مأساتنا ملفًا للضغط السياسي تارةً، ولتحقيق مكاسب على حساب دمنا تارةً أخرى؟

هؤلاء هم مَن يحملون وزرنا أنت وأنا. نعم، ربما أضعنا الصباح يا أبي، لكنه كحتمية الثورات في بلادي ذات يومٍ آت. وإذا كان للسرّ مكان عندك سأقول لك: كثيرًا ما أسأل نفسي: “في قلب كل هذا الذي نحن فيه، مِن ضيق حال مَن بقي في البلاد وشتات أرواح المتعبين منا في المنافي، ومع كل الإخفاقات والانكسارات، أيكون ضربًا من الجنون أن أبشّر بصباح آت؟ أم يكون سرابًا نعيش عليه ونسميه أمل؟ وأجيب نفسي، هناك، في المعتقلات اللعينة، ثمة أرواح تنتظره أكثر منا، وعيون تلاحق خيط شمس لعله يكون حرية وانعتاق من قبضة السجّان. فمن أنا لأقول أنْ لا أمل؟ من أنا لأكفر بحلمٍ يعيش عليه ملايين السوريين؟ من أنا لأنقض عهدًا مات من أجله الآلاف؟

يقول علاء عبد الفتاح: الأمل كاليأس خيانة، ولكنه كاليأس -أيضًا- ضعف إنساني طبيعي.

وأنا هنا لا أدعوكم لكي نعيش عليه، بل لنتكئ عليه ونعمل.

أنا اليوم في بلاد الديمقراطية

يسأل أستاذ مادة التاريخ أن يعدّ كل طالب دراسة عن قضية أو حدث يراه مفصليًا في تاريخ منطقة ما من العالم، فتختار ابنتي “ثورات الربيع العربي/ الثورة السّورية”. ابنتي التي تحدث أصدقاؤها الأوروبيون عن أبطال الدفاع المدني السوري وبطولاتهم، فتراها تتكلم عنهم بكل عبارات الفخر والاعتزاز، وترفع صورتهم شعارًا لها على منصات التواصل الاجتماعي.

تغير الأبطال التقليديون عند أطفالنا، فلم يعد سوبرمان وجريندايزر هم الأبطال الخارقون في نظرهم، ولم يعد هذا الجيل الذي وُلد وتشكل وعيه في زمن الثورات أبطال الأساطير والخرافات يستهوي هؤلاء الأبطال، لأنّه رأى وسمع أبطالًا من لحم ودم. إنّ الجيل الّذي ربيناه بعد 2011 جيل مختلف تمامًا عن ما سبقه من أجيال في منطقتنا، فهو ابن الثورات -الاجتماعية والثقافية والسياسية والمعرفيّة والتكنلوجية- جيل التيك توك كما يسمونه، وأنا أراه جيل الانفجارات العظيمة وأراهن عليه، هذا الجيل لا يمكن أن تخيفه بالحيطان والآذان، لأنه سيحطمها جميعها واحدًا تلو الآخر. لذا، عليك أن تجدّد خطابك وأدواتك معه أيضًا.

أما أن تكون مثالًا لطفلك في التمرد ورفض المفروض عليك من الأنظمة من المجتمع والقبيلة والعائلة فهذا لعمري يكون نجاحًا مضافًا إلى ثورتك الشخصية، لكنه يحرجك جدًا إذا ما أبديت رغبة ذات يوم في ممارسة نزعة سلطوية تغازلك من أعماقك للحظات وتدفعك لتلعب دور الأب أو الأم التقليدي في مجتمعنا، معتبرًا أنْ لديك الحق في مصادرة رأي طفلك بخصوص موضوع ما، ليفاجئك بقوله: أين ذهبت الديمقراطية والحرية التي تتغنى بها إذًا؟

فتجد نفسك تبتسم من أعماقك، فقد أحرزت نصرًا آخر في طريق “ثورتك الخاصة”، ونصرًا لكل ما تنادي وتعتقد به، وفي المحصلة هو خطوة على طريق التغيير العام، ففي كل مرة ننتصر فيها على الموروث العفن المثقلة به كواهلنا، نكون قد مشينا خطوة أخرى في الاتجاه الصحيح، والطريق طويل.

اليوم أنا مقيمة في بلاد الديمقراطية، أتابع مجريات انتخاباتها البرلمانية وبرامج الأحزاب اليسارية واليمينية وما بينهما، وأحاول أن أتعلّم من تجارب الشعوب الأخرى، حالي حال آلاف الشباب السوريين الذي ملأوا الدنيا وشغلوا نشرات الأخبار، بعضنا يعدّ نفسه ليكون حجر خيرٍ لبلاده الأم وخطوةً في طريقها نحو النور، وبعضنا الآخر يرى بلاده الجديدة تستحق أكثر من بلاد لفظته وتركته للريح.

من موقعي اليوم لا أستطيع لوم أحد، فلكلٍ منا ظروفه وخياراته. كل ما أفعله هو محاولة الحفاظ على توازني النفسي في قلب كل هذا ومع ذاكرةٍ مُثقلة، يا لله كم هي مُثقلة، وبطاقة متجددة لا أعلم حتى اللحظة منبعها بالتحديد، كما لا أعرف إلى متى ستظل تسعفني، لكني أرتاح حين أُرجِع الجزء الكبير منها إلى ليالٍ قضيتها مع رفاق البدايات نحكي ونكتب ونغني عن سورية المُشتهاة، ومعظم لقاءاتي بليلى – هل تذكرتموها؟ – بعد خروجنا من سورية أو اتصالاتي المتواصلة معها والتي يكون محورها إنجازاتنا الفردية وهمومنا الشخصية والتحولات الّتي مررنا بها خلال تلك السنوات العشر، وارتداد كل منها اليوم علينا، لنجد عند نهاية كل اتصال بيننا أن سورية والسوريين هم محور رئيس في كورس أدرسه أو مشروع فني تنفذه هي، أو فكرة فيلم نقترح العمل عليه معًا. ولا أبالغ إذا قلت لكم إن ولاءً كبيرًا يُلزم واحدتنا بالأخرى، ويختلف تمامًا في شكله وطبيعته عن صداقاتنا الأخرى، فلدينا يقين أن سببه الثورة والبدايات وارتباط المصير في مرحلة ما. وأكاد أجزم أنّ كل من عاش شارع 2011 بكل تفاصيله سيغمض عينيه الآن ليتذكر شخصًا أو أكثر، يحمل له ولاءً وتقديرًا ومحبةً تختلف بشكلها وطبيعتها عن أي صديق آخر.

آه، نسيت أن أخبركم أن مغامرة اتصال ليلى بوالدة محمود من هاتف أحد مطاعم الوجبات السريعة في دمشق كان لها مسرح آخر للأحداث، وعلمنا به بعد مضي وقت طويل، فنحن كنا قد مشينا بالسيارة الحمراء الصغيرة التي تقلنا خمستنا، هل تذكرتموها؟ وبعد وقت قصير وصلت سيارات الأمن إلى المكان إثر تعقب رقم الهاتف، واستجوبوا أصحاب المحل، وأشكر الآلهة أن المحاسب في لحظتها كان يفوقنا ذكاءً وسرعة بديهة، فأجابهم بأنه لا يعرف مَن الذي طلب إجراء المكالمة، فيوميًا تُطلب منهم مثل هذا الطلبات مئات المرات! هل كنّا سنسامح أنفسنا لو تسببنا من دون قصد بأي أذى لذلك الشاب؟ أعترف أن أخطاء كارثية تخص السلامة والأمان الشخصي وأمان المجموعة اقترفناها في البدايات، هذا فيما يتعلق بي وبأصدقائي عمومًا، وأتصور أننا نشترك مع كثيرين في ذلك، كل شيء كان سريعًا ومفاجئًا ومربكًا، كل شيء، بدايةً من الصرخة وانتهاءً بأصغر أو أكبر تفصيل فيك وفيما يدور حولك. شيء في تسارع حركته وأحداثه كالصاعقة. لها تأثير يزلزل كيانك ويتركك مع أسئلة تُنجب غيرها، ويُغنيك كثيرًا في طريق البحث عن إجابات لها. ومن زاوية أخرى، يجرّك ذلك الأدرنالين المصاحب للصعود عاليًا والهبوط سريعًا لتصبح مدمنًا على الحركة، حالمًا مجنونًا، وفي بعض الحالات متهورًا. ولأنني ابنة هذه الثورة، وكثيرًا ما تكون هي ابنتي. ولأنني أعدّها أجمل ما حصل في أعمارنا السخيفة الرخوة، ولأنني مدينة لها بـ “ربى” جديدة مختلفة تمامًا عن ما كانت عليه، وعن ما كانت ستكونه لولا هذا الحدث العظيم، ولأن الثورة أعادت ترتيبي وتهذيب الإنسان في داخلي وضبط بوصلتي، ولأنها جعلتني أدرك أين أقف وإلى أين أتجه وإلام أنتمي في الشخصي والعام، ولأنني مؤمنة بقوة الشعب، فكما قال أحمد فؤاد نجم: طوفان شديد، لكن رشيد يقدر يعيد صُنع الحياة. والشعب لما يقول يا “أصحاب العقول”. “نسمع” و” نوعى” ونحترم صوت الإله. لأجل كل ذلك وأكثر، سأظل مؤمنة بها، مؤمنة بنا.

وبعد التحية والسلام على روح الدكتور حسان عباس، سيبقى ما قاله عنها وفيها مرآتي دائمًا والبوصلة: “سمّوها ما شئتم، انتقدوها كما أحببتم، اخدعوها، راودوها، تحايلوا عليها، احفروا الأرض تحت أقدامها، لونوها، العنوها، افعلوا ما شئتم.” فهي، وبمحاكاة لما قاله غاليليو غاليليه لمرهبيه: مع ذلك، فهي تثور. هي باقية، وهي أصلًا لم تبدأ إلا لتبقى حتى تصل إلى ما يريده أهلها: حياة كريمة بلا ظلم ولا ظلامية.

ربى حنا

ناشطة مدنية سورية، بكالوريوس في علم الاجتماع، عملت سابقًا كاستشارية أسرية وباور كوتش للأطفال ضمن برامج للتأهيل والدعم النفسي. تقيم حاليًا في هولندا.