الثورة بين آلام الذاكرة ومخاض المستقبل

صعب ومؤلم جدًا تكثيف مشاعر وتجارب سنوات عشر من الثورة، بدءًا بمخاض ولادتها، بدم شهدائها، بحربها، وانتهاءً بموت ونفي أبنائها، لكنني حاولت!

 المخاض

كنت في الشهر السابع من الحمل حين قدم محمد البوعزيزي نفسه قربانًا من نارٍ أشعلت ثورة. ومع هتاف الملايين في شارع الحبيب بورقيبة، “الشعب يريد اسقاط النظام”، رفرفت روحي وأنا أربّت على بطني المكوّرة، فترد ضربات طفلي القادم صداها، أضحك “إنه في تظاهرة الآن”، وأهمس لنفسي “المخاض قادم”!

وصلت الشعلة إلى مصر ثم ليبيا. نزل الملايين إلى الشوارع، ورئتا جنيني تتشكلان على وقع صرخات الحرية. في أقلّ من شهر هرب زين العابدين بن علي، وتنحّى حسني مبارك، وأدركنا كشعوب أسيرة كيف “هرمنا” تحت حكم أنظمة متسلّطة، وأنّ أربعة أسابيع من الشجاعة أنهت عقودًا من الاستبداد. لكن ليبيا بقيت تعارك، فالقذافي المهووس بجنون عظمته أثبت أنّ تسارع الأحداث وسلاستها، كما في تونس ومصر، ليس الاحتمال الوحيد.

في بيتنا في إحدى ضواحي جنوب دمشق، كان حديث الثورات العربية خبزنا اليومي، في جلسات تمتد حتى الفجر، مع صديقات وأصدقاء، بعضهم ما زال بيننا وبعضهم رحل إلى العالم الآخر. تبدأ النقاشات هادئة، ولا تلبث أن تتعالى أصواتنا بين توافق واختلاف. كنا مؤمنين بأن الثورة في سوريا مقبلة، لكنّ مزيج الترقّب والحماس والقلق انعكس في وجهات النظر المختلفة عند مناقشة السيناريوهات والمخاطر المحتملة. وأنا أعقد يديّ فوق بطني، في شهري التاسع، كان الخوف يخفض من صوتي وأنا أقول لمن حولي “ستكون ولادة الثورة في سوريا عسيرة”، وأخبرهم عن كوابيس ترهقني، أرى فيها الشوارع أنهار دماء. يحاول الأصدقاء التخفيف عنّي والقول إنّ مخاوفي وكوابيسي مبالغ فيها، وسببها “هرمونات الحمل” واقتراب الولادة.

كثيرًا ما قيل “سوريا ليست تونس”، و”ليست مصر”. أفكّر بصوتٍ عالٍ، “طبعًا لا شيء يشبه ما لدينا”، إنه داء من نوع خاص، نظام فريد بقذارته، امتدت أذرعه كالأخطبوط لينسج صفقات مريبة حول العالم، داعمًا الإرهاب ومحاربًا إياه، شريكًا للمحتلين ورافعًا شعارات “المقاومة والممانعة”، متاجرًا بالإسلاميين وبخصومهم في الآن نفسه. إنه يتلوّن وفق مقتضيات استمراريته، وهو أشبه ما يكون بنظام “الأخ الأكبر” الذي تحدّث عنه جورج أورويل في رواية 1984، يبدّل الأعداء والأصدقاء بين ليلة وضحاها. نظام يقوم على أجهزة أمنية لم يشهد التاريخ نظيرًا لإجرامها. وعلى رأس الهرم يتربّع مهووس سلطة تربّى في بيئة ثيمتها التسلط وسحق الخصوم، وقد ورث عن والده الدكتاتور كرسيًّا مُسِخ على مقاسه، إذ كان الكرسي أكبر من حجم الوريث الذي تابع العبث بمقدرات البلاد الغنية، بينما تخبط السوريون في الفقر والجهل، مطمئنًا إلى استفحال الفساد وقدرات سرطان جهاز والده الأمني، الذي سمّم كل بقعة من سوريا.

تأخر مخاضي، فقرّر الأطباء إجراء “عملية قيصرية”، لأن الانتظار سيعرِّض المولود لأذىً جسيم. لن أختبر ذلك الشعور إذًا. كم تمنيت عَيشَ التجربة، إذ كثيرًا ما أدهشتني قوة النساء اللواتي يضعن مواليدهنّ بكل هذا الألم، ويعاودن الكرّة مع ذلك. سألد وأنا بكامل وعيي وهدوئي وسخريتي، لكنني سأطلب توثيق عملية الولادة من خلال تسجيل فيديو، وسط دهشة الطبيب ومساعديه من طلبي “الغريب” من وجهة نظرهم.

قبل أن يتم طفلي أسبوعه الرابع، أطلقت الثورة السورية أولى صرخات مخاضها. صرخات السوريات والسوريين في الشوارع، كانت إيذانًا بولادة جديدة له ولي ولوالده ولعالمنا كلّه. لم أكن أقوى على المشاركة في التظاهرات، وحين استعدت قواي لم أملك الجرأة لحمل رضيعي والنزول به إلى الشارع. حاولت إرضاء ضميري بأن لديّ عذرًا كافيًا، لكنّه أبى أن يرضى أو يسامحني حتى الآن، وبقيت أغبط كل من شاركوا في التظاهرات وامتلكوا الشجاعة وخاضوا التجربة.

الدم
كانت الليالي ثقيلة. أجدُ نفسي في شوارع مخضبة بالدماء راكضةً أحتضن طفلي، تلاحقني أصوات رصاصٍ وبكاءٍ وصراخ أشخاص يُعذَّبون، فيوقظني الرعب من كابوس ليلقيني في آخر غيره. وفي كلّ نهار، كانت رائحة الدماء ونشرات الأخبار تؤكّد أنّ هذا ليس كابوسًا، بل حقيقة يوثّقها عدّاد شهداء الثورة ومعتقليها الذي كان يرتفع يوميًا.

لقد كذبوا، ليست مسألة أسابيع وأشهر. مضت سنوات ولم يسقط جزارنا الساقط أخلاقيًا. سقط كل شيء سواه، القيم والوطن والإنسانية. زمن السقوط اللامنتاهي بدأ حين أُجهِضت الثورة الشعبية السلمية، برصاص النظام وصواريخه وبراميله، وحين صار للثورة دين وطائفة، وحين نادى المتحدثون باسمها طلبًا للسلاح، وحين رفض إعلامها التبرّؤ من جرائم يرتكبها بعضهم باسم الثورة، مُتعلّلين بأن “ذلك سيؤكّد رواية النظام” وبأن “الأخطاء الفردية تحصل”، وأن الإنكار جزء من “المعركة الإعلامية”. في بيتنا احتدمت النقاشات والجدالات حول كل ذلك، وانضمّ إليها صديقات وأصدقاء جدد جمعتنا بهم الثورة، ولدوا من رحمها وابتلعتهم بعد حين.

كنتُ من القائلين بضرورة رفض وإدانة كلّ ما يدفع بالثورة نحو التطرّف والعنف، ويحرفها عن سلميتها وهويتها الوطنية الجامعة، ورفضت التذرّع بأنّ هذا “رد فعل طبيعي على ممارسات النظام”، لقناعتي بأنّ الثورة قامت ضدّ نهجٍ كهذا، ولا يجوز أن تتماهى به. أشار بعض الأشخاص بالغمز واللمز إلى أن “المنبت الطائفي” هو الدافع وراء انتقادي للممارسات المرتكبة باسم الثورة، وأن هذا “خطاب أقلّوي يخدم النظام”! كنت أشعر أن نبض الحرّية يخبو، وعفن القرون الغابرة بدأ يختلط برائحة الدماء الطازجة. المفارقة أنّني لم أسلَم من اتّهامات الفريق الآخر من الأقارب والمحيط الاجتماعي، حيثُ وُصِمتُ، مع زوجي، بـ”الخيانة” نتيجة انتمائنا إلى الثورة التي من وجهة نظرهم ليست إلا إرهابًا قُتل أولادهم الأبرياء باسمها.

لم تكن القذائف التي تسقط في كل مكان أسوأ كوابيسنا، ولا الخوف من الاعتقال على الحدود وعند كل حاجز. الكمائن التي نصبت شراكًا وضيعة لتصيد الناشطين السلميين، دماء الأبرياء، رصاص القناصات، نظرات الأطفال الذين شهدوا ذبح أهاليهم، تبولهم اللاإرادي، “قرف” أساتذتهم وجيرانهم وتململهم من نوبات الهيستيريا التي كانت تصيب الأطفال، وكل مؤشرات تراجع الإنسانية أمام فجائع المصابين كانت تثير هلعي، فقد بتنا نعيش في ما هو أسوأ من غابة.

جيراننا رفعوا الجدار بين حديقتينا، وأوصلوا إلى أهلنا أخبارًا وتحذيرات بأننا نستضيف في منزلنا أناسًا “مشبوهين”. صديقاتي الفلسطينيات اللواتي هُجّرن مع أطفالهن من مخيم اليرموك بعد نكبته، كُنّ من بين “المشبوهين” الذين استقبلتهم. ارتداؤهنّ الحجاب كان دليلًا كافيًا عند بعض جيراننا لمقاطعتنا نهائيًا، كوننا “ندعم الإرهاب”!

لم أنتمِ بحبٍّ إلى أيّ مكان كما انتميت إلى المخيمات وأهلها. كنتُ أمازح الفلسطينيات العجائز، السعيدات بنطقي لحرف (القاف) على طريقة أبناء بعض القرى الفلسطينية: “أنا من الطنطورة وأخوالي طيروية”. عملي في وكالة الغوث (الأونروا)، منحني فرصة معرفة تلك المخيمات وأزقّتها وبيوتها، وما تختزنه من الحب والطيبة والجنون والصداقة، وعشت في ثناياها روايات عن الثورات والبطولات، اختلطت فيها الحقيقة بالخيال. لكنها صارت ركامًا، بعدما استباحها النظام، وبعض من ادّعوا الثورة ضدّه.

الحرب

جف الحليب في ثديّي قهرًا ووجعًا، بعد أن رأيت مشاهد أطفالٍ في مجزرة قرية البيضا في بانياس، كانوا قد قُتلوا حرقًا على مرأى ومسمع “العالم المتحضّر”. ذلك الصغير المحترق تحت الشجرة كأنه طفلي الذي احتضنه بين ذراعي، روحي لم تعد تطيق المزيد من المجازر التي باتت خبر كل يوم. صارت سوريا مرتعًا لتجارة أسلحة العالم، وسوقًا لنخاسته، ولمخدراته وموبقاته كلّها. لقد تواطأ ضد الثورة، لأنّ نجاحها يهدّد المصالح التي يحفظها نظام السفّاح، فكان لابد من إجهاضها، أو تشويهها على الأقل. ولم يكن الأمر صعبًا بوجود معارضة سياسية هزيلة، كمعارضاتنا الفذة التي تصدّرت المشهد، بعد استشهاد واعتقال وتغييب الثوار والمعارضين السياسيين من ذوي الرؤية الثورية الوطنية.

انحسرت الثورة مع تغوّل حرب ضاعت فيها الحدود والمعالم. ولأنّ الحروب والثورات عواصف البشر، تضرب أعماقهم فينضح كل إناء بما فيه، كشفت الثورة وبعدها الحرب عن أجمل ما فينا نحن السوريين، وعن أقبحه. التجأ كثيرون إلى هوية ضيّقة، وجعلوها عنوانًا لثورة لا تشبه تلك التي عشنا بداياتها، فتجاهلوا المفهوم الأوسع للوطنية، بل وحاربوه، مدعومين بما أُغدِقَ عليهم من الخارج، “من قوّة ومن رباط الخيل” يرهبون به كل من لا يوافقهم الرأي.

أمّا المؤمنات والمؤمنون بقيم الثورة الأولى وبحقوق الإنسان، كل إنسان، فباتوا قلّة مبعثرة، تنبذهم “الجماعات” التي خرجوا على أحكامها. صارت الإنسانية تهمة، وصار استنكار قتل الأبرياء والمدنيين سببًا للتخوين والقطيعة من طرف من كنت تظنّه صديقًا. وقد أصبح رفض التطرّف الديني المتغوِّل باسم الثورة موقفًا انهزاميًا يستدعي رجمك بحجارة الثورة. وأصبح التمسّك بحقوق النساء وبضرورة مشاركتهنّ بشكل فعّال “ترفًا”، إذ ليس هذا وقت “دلع النساء”، فيما الرجال يتقاتلون.

يومًا بعد يوم بدأت الدوائر تضيق، وعدد الأصدقاء الذين ضمّهم بيتنا يتناقص، منهم من استشهد أو اعتقل أو اختفى، ومنهم من ابتلعتهم “الهويّات”، “أكثريّة” كانت أم “أقلّية”، فأصبحنا في نظرهم أعداء. ازدادت حدّة الاغتراب في ما كنت أظنّه وطنًا، وإذا به لم يعد يشبهني بشيء، فكان لا بدّ من الهروب. لقد بات كلّ شيء مرعبًا وطاردًا.

المنفى

كثيرون منّا، نحن السوريات والسوريين في المنافي، كلّ بطريقته، يواصلون المسار الذي اختاروه منذ عشر سنوات عند بداية الثورة: الحرية والكرامة والعدالة للناس جميعًا بوصلتهم، وما تعيشه سوريا يؤرّق عيشهم. لكنّ خياراتنا بائسة، نتابع عن بعد تفسّخ بقايا وطن، ونحاول عبثًا التخفيف ما أمكن عن أولئك العالقين في جحيم البلاد. نخادع أنفسنا بأطواق نجاة فردية، ونحن نتفرج على أطفالنا يكبرون بهويات لا تشبهننا.

على هامش صفقاتها وصراعاتها، تقرّر الدول تأجيل البتّ في مصيرنا، فتُطوى في الأدراج كل “الحلول السياسية”، فلا أحد يريد التنازل عن حصّته من الجثّة. وتستمرّ المتاجرة باسم “الشعب العظيم”، فيما شباب وشابّات الشعب نفسه يتعفّنون في المعتقلات التي لم تعد حكرًا على النظام وحده، وعلى خصومه أيضًا. يأكل أطفال “الشعب العظيم” من الحاويات في الشوارع، ولاجئوه في دول الجوار يقاسون جميع أنواع الانتهاكات، وفوق هذا يقبض مضطّهدوهم الأموال الطائلة باسمهم.

أشعر بالغيرة من أي شخص صادق في تفاؤله بشأن سوريا. لا أعرف كيف لأحد أن يكون متفائلًا تحت وطأة كارثة بهذا الهول. فقدت إيماني بقدرة الله على صناعة معجزة، فكل المجازر وعمليات القتل والاغتصاب والتعذيب التي طالت نساءً وأطفالًا ورجالًا، رافقتها أصوات الضحايا التي تنشج “يا الله”. لكنّ “الله” بقي صامتًا، لم يحرّك ساكنًا لينقذ أحدًا من الأبرياء. حتى هو لم يكترث للسوريين. إننا في نفق مظلم، لا أعرف إن كنا سنجد مخرجًا منه، أو سنتلقى في نهايته رصاصةً في الرأس كالتي تلقاها بطل رواية أورويل. إن حدث ذلك، آمل، على الأقلّ، أن يكون “الأخ الأكبر” قد انتهى أيضًا.

علياء أحمد

باحثة سورية، ومدربة في قضايا حقوق المرأة والطفل. مجازة في علم الاجتماع، تدرّبت وعملت مدرّبة في العديد من المنظمات الدولية والحقوقية. تعمل حالياً منسّقة لمشروع "صانعات الشجاعة" في منظمة داميغرا في ألمانيا. لها العديد من المقالات والدراسات المنشورة في صحف ومجلات ومواقع الكترونية. من مؤلفاتها المنشورة "واقع المرأة السورية في ظل الأزمة الراهنة" بيت المواطن 2014.