الجانب المجتمعي للربيع العربي

إن الكتابة عن الربيع العربي أو الحراكات العربية أو الثورة أو الثورات العربية أو الانفجار العربي الكبير أو العظيم، ليست بالأمر السهل؛ فكل هذه التسميات ــ المصطلحات مغرية، ولكل منها خصوصيته الفكرية والسياسية، ولكنها كأسماء الزهور أو الفتيات الجميلات لا تغير من حقيقة الحدث. المتغير هو زاوية الرؤيا، وما يراه الناظر، وما يريد أن يرى الناظر، ووسيلة النظر.

ليست الكتابة عن هذا الحدث التاريخي في بلاد العرب سهلة؛ لأنه ما زال في طوره الأول، في عشريته الأولى، نعرف متى بدأ ولماذا وكيف وماذا حدث حتى الآن، ولكن لا نعرف متى ينتهي أو يستقر، وماذا سيولد من رحمه.

لا يمكن ضبط الأحداث التاريخية العظيمة بساعة الزمن العادية، والأمثلة عديدة في تاريخ الشعوب وثوراته، لماذا؟ لأن الثورات أكبر من الزمن، هي سيرورة تاريخية تصنع تاريخها الخاص بالترابط والتفاعل مع ومن داخل التاريخ البشري العام، وكذلك الأحداث الكبرى المجتمعية ليست شيئًا يتكرر وبسرعة داخل الزمن، حتى إن الله تعالى لم يرسل إلا ثلاث رسالات كتابية خلال ألفي عام. لذلك أنا أقول على طريقة أجدادي إنه أحدث يوم من أيام العرب قضى أسبوعه الأول، وكل أسبوع مدته عشر سنوات مما تعدون.

هذا الحدث العربي الكوني، أو الزلزال العربي، لم يكن ضد الطغيان والاستبداد والفساد والإفساد السلطوي الفرعوني الهاماني القاروني بلباسه العسكري المخابراتي، أو هندامه المتأورب السائد في بلاد العرب منذ عقود طويلة فحسب، بل إنه طال الثقافة السائدة والبنى المجتمعية المتأخرة تاريخيًا والمتوارثة، والأيديولوجيات المرتبطة بها أيضًا.

عشرات الملايين من الناس، ذكورًا وإناثًا، من كل الأعمار، خاصة شريحة الشبان، خرجوا من بيوتهم وسكونهم وصمتهم، وهجروا خوفهم، ونزلوا إلى الشوارع والساحات في العشرات من المدن العربية يهتفون للحرية والعدالة والكرامة من دون تنظيم مسبق، أو زعماء وقادة معروفين مشهورين كما فعل الفرنسيون والروس والإيرانيون والصينيون والكوبيون والعبيد والقرامطة والعباسيون… إلخ، هكذا كالطوفان والبراكين تجرف كل من يقف أمامها. في تونس كان الأمر سهلًا نسبيًا، وكذلك حاليًا في الجزائر ولبنان مقارنة بالبركان السوري واليمني والليبي والبحريني، وما بينهما البركان المصري والسوداني والعراقي.

من الخطأ على صعيد التحليل أو التقييم الأكاديمي تقييم هذا الحدث الآن، هل نجح أم فشل، لأنه يجب تحديد معنى النجاح والفشل أولًا، واحترام مسألة الزمن ثانيًا. فهو في الجزائر والسودان ولبنان والعراق ما زال في بدايته، لأن من يريد أن يرى هذا الحدث التاريخي من منظور النجاح والفشل عليه أن ينظر إلى الثورات الفرنسية والروسية والصينية والإيرانية…إلخ، وعليه أن ينظر إلى تجربة الرسل والأنبياء، هل نجح الرسل الثلاثة الذين هم من أولي العزم: موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام في (ثوراتهم)، وحققوا الأهداف النبيلة الإنسانية لهذه الرسالات؟!

هل الصراع الدموي المأساوي في سورية وليبيا واليمن مبرّر؟ قطعًا لا، ولكن طبيعة الأنظمة وطبيعة القوى المعارضة، خاصة الإسلاموية السلاحوية، والقبائلية السلاحوية، والبعد الاستراتيجي لهذه الدول العربية، والنظام العالمي الرأسمالي السائد، كلها تفسر لنا هذا الجانب المأساوي للانفجار الكوني العربي في هذه البلدان. التاريخ العام يعلمنا أن الثورات والتغيرات الكبرى في التاريخ لها أثمانها، وضحاياها تفوق تصورات من قاموا بها وتتجاوزهم بحركيتها، وقد يتحولون هم ذاتهم إلى ضحايا لها، لذلك هناك مقولة معروفة وهي إن الثورة تأكل بعض أبنائها، حتى الثورات الكبرى غير السياسية بالمعنى الضيق للكلمة مثل الثورة الزراعية الأولى في ميزوبوتانيا، والثورة الثانية الصناعية، راح ضحيتهما كثير من الأبرياء.

حتى ثورات أنبياء الله ورسله إذا صح التعبير، راح ضحيتها كثير من الناس، منذ النبي الرسول نوح إلى محمد عليهم السلام، ومنهم من كان هو نفسه ضحية العنف المجتمعي الناتج عن الثورة الفكرية الفلسفية الروحية التي جاءت في رسالته.

أحلام ومشاريع عديدة ما زالت تتفاعل في الشوراع والساحات والمخيمات والمدن العربية. هناك المشروع الديمقراطي العلماني القطري ــ الوطني،  والقطري ــ العروبي، والقومي العربي، حيث إن حلمهم جميعًا هو نظام ديمقراطي عادل في كل قطر فقط، أو هو خطوة لازمة أساسية لوحدة أو اتحاد أو تكامل عربي، وهناك من يريد خلافة إسلامية طوعًا، كما تقول كل التيارات والحركات والأحزاب الإسلامية أو الإسلاموية في البلاد العربية، مثل الإخوان المسلمين في مصر وسورية ولبنان، وحركة النهضة التونسية، وحزب العدالة والتنمية في المغرب، والحركات الإسلامية في البلدان العربية الأخرى، أو كرهًا مثال تنظيم “داعش” وأشقائه، مثل القاعدة وجبهة النصرة وجيش الإسلام. وهناك من لهم أحلام إثنية كردية، وأمازيغية، وتركمانية، ومشاريع مذهبية وطائفية وعشائرية في العراق وسيناء مصر واليمن.

هناك أنظمة تقاتل بكل قوتها وقوة حلفائها للبقاء، وأخرى تستعد للمواجهة وتترصد وصول البركان العربي إلى أراضيها.

هذا البركان أو الزلزال العربي يشبه الماء الذي أحيا الأرض بعد موتها، فنبتت الكروم والجنان والغابات والزهور والورود والأشواك والنباتات السامة والضارة. في مرجل الزلزال العربي الكبير يتداخل صراع الطبقات مع صراع الطوائف والإثنيات وحتى أفراد الطائفة والعائلة الواحدة، ويتفاعل المحلي مع الإقليمي والدولي وكأنه مشهد سريالي.

هذا الحدث التاريخي المعقد فرض نفسه على المثقفين والمتعلمين والسياسيين العرب كما على الجماهير الشعبية، ودخل كل بيت وشارع في بلاد العرب، ووصلت نتائجه إلى أوربا وأميركا وكندا، وغيرها.

مئات الحركات والأحزاب والدكاكين السياسية ولدت من رحم هذا الحدث الرهيب، آلاف الناشطين والسياسيين تحولوا إلى تجار سياسة ومنظمات مجتمع مدني على أبواب السفارات الأميركية والأوربية، كما فعل العديد من أسلافهم أيام الثورة العربية ضد العثمانيين، ومنظمات المجتمع المدني الأوربية والأميركية، ومنهم من تصهين على رؤوس الأشهاد، وهذا صار معروفًا للنخب والجماهير العربية.

ازدهرت سوق المال والإعلام السياسي والسلاح بشكل غير مسبوق، مئات الألوف من الضحايا والمعتقلين والمفقودين ومئات الألوف من الأرامل واليتامى، ملايين السوريين مثلًا نزحوا عن ديارهم إلى بلاد أخرى قريبة وبعيدة، وأصبح الملايين منهم يتكلمون لغة أجنبية جديدة، تركية أو أوروبية، وهذا كله سيكون له نتائج كبيرة في السنوات المقبلة على طريق سيرورة الزلزال العربي. هذا المشهد السريالي حيث مشاعر الألم والحزن والفرح والأمل تختلط داخل البيت والعائلة الواحدة، لا يكتمل من دون ذكر تداخل قوى الصراع الثلاث: المحلية والإقليمية والعالمية.

في اختصار، يمكنني القول إن ما حدث للعرب في عشر سنوات أكبر كثيرًا مما حدث لهم خلال قرن من الزمان، بما في ذلك تجزئتهم، وسرقة فلسطينهم، وشرعنة هذه السرقة من الصهيونية العالمية وقوى الاستعمار القديم والجديد. هذا الحدث الكوني العربي لم يقلب أو يشقلب المفاهيم السائدة والمتوارثة والرؤى المستوردة فحسب، بل وهذا الأهم، خلق عصرًا جديدًا يتطلب مناهج جديدة للقراءة والتحليل والفهم.

نعم، لم تعد القراءت الماركسية والقومية والقوموية والإسلامية والإسلاموية قادرة على فهم ما جرى ويجري، وكذلك ما يسمى بالعقلانية التبسيطية المتوارثة منذ القرن الثامن عشر الأوروبي.

نحن في حاجة إلى عقلانية عربية جديدة مركبة ومعقدة تناسب العصر، وتسبر أغوار هذا الانفجار العربي الكوني. عقلانية تتجاوز كانط وأرسطو وأفلاطون وحتى ماركس وهيجل. عقلانية عصر البيولوجيا الجزيئية والمكانيك كوانتيك والفيزياء الحديثة السائلة والغازية والمعلوماتية والهولوغرام،

 عقلانية تستوعب وتستثمر النهج القرآني = آلية التفكير الإلهي إذا صح التعبير، حيث الكل يتكون من ترابط وتفاعل الأجزاء المتعددة المتمايزة المتكاملة، وحيث كل جزء يحتوي هذا الكل، كما الذرة التي تحوي شمسًا، وحيث كل آية تحتوي روح القرآن.

هذه العقلانية يمكنني أن أسميها العقلانية القرآنية التي استخدمها الإمام علي بن أبي طالب في فكره وتفكيره، كما هي موضحة في نهج البلاغة، وكما بسط بعض جوانبها المفكر الكبير إدغار موران في عمله الكبير: النهج = الطريقة.

 

فؤاد القطريب

كاتب سوري، دكتوراه في الكيمياء الحيوية من فرنسا 1987، دبلوم دراسات معمقة من جامعة باريس الثالثة-السوربون الجديدة، أستاذ سابق في جامعة دمشق-كلية الزراعة. مهتم بمسألة الدولة والسلطة في الإسلام ودراسة فلسفة الإمام علي بن أبي طالب.