الحزب الرقمي أداة للتغيير السياسي الانتقالي في دول الربيع العربي؛ الفرص لسورية

ملخص

سيطر حزب البعث العربي الاشتراكي على المجال السياسي في سورية منذ حكم حافظ الأسد. وقد تم قمع أشكال العمل السياسي والاجتماعي والتجارب التنظيمية على كل المستويات، باستثناء تلك التي تتم بموافقة النظام ومراقبته الكاملة. استمرّ الوضع على هذا المنوال حتى بعد أن تولى بشار الأسد الرئاسة عام 2000، ما كان له الأثر الحاسم في بروز معارضة لا تتمتع بالخبرة بعد انتفاضة عام 2011. وبينما كان أنصار الثورة ينشدون قيادة هيكلية ومنظمة لتمثيل حركتهم وتطويرها، أثبتت تشكيلات المعارضة الرسمية وغير الرسمية، عجزها التام عن القيام بهذا الدور.

تعاني الأحزاب السياسية المعارضة بأنواعها المختلفة، قديمة أكانت أم حديثة، إسلامية أم علمانية، مشكلات تنظيمية عميقة. إذ لم يقدم أي منها رؤية أو استراتيجية أو مشروعًا واضحًا يلبي المطالب الاجتماعية. عانت الأحزاب عمومًا ندرة الطابع المؤسساتي، مع الافتقار الواضح إلى الهيكل التنظيمي، وغياب عمليات صنع القرار. وبينما يُفترض أن تكون الأحزاب فضاءات للتفكير والعمل التعددي، سادت النزعة الفردية، مع وجود تضارب وعدم اتساق بين أيديولوجيات الأحزاب وممارسات أعضائها، وبين الأعضاء أنفسهم، ما أدى إلى تفاقم الولاءات والميول القبلية والمذهبية التي عملت على تقويض الهوية الوطنية الجمعية. وبدلًا من القيام بدورها في تحديث المجتمع السوري، ورفع الوعي، وتثقيف المواطنين، وبناء هوية وطنية مشتركة، تنازلت الأحزاب عن هذه الأدوار لمصلحة مكاسب عرقية أو أيديولوجية ضيقة، وفي بعض الأحيان أجندات خارجية. ونتيجةً ذلك، لم تكن هذه الأحزاب قادرة على تعبئة القاعدة الجماهيرية، خاصة الشبان.

وفي الوقت الذي تفاوت التقصير من حزبٍ إلى آخر، كان إقصاء القواعد الجماهيرية السمة الموحدة لهم، فيما هم يتنطعون لتشكيل “حزب الكادر”. وبهذا أزهقت الأحزاب السياسية زخم الثورة، وأهدرت القوة الأساسية اللازمة لتنظيم الجماهير. ما ساهم بهدر الكفاءات المتوقعة لدى الناشطين، وتحويل حماستهم إلى لامبالاة تامة. ومن جانب آخر شكل العجز التعبوي لدى هذه الأحزاب أحد الأسباب التي أدت إلى عسكرة الحراك وتطرفه بالتزامن مع القمع الوحشي للنظام. وبذلك فقدت الأحزاب ثقة الجماهير، وبالتالي فقدت شرعيتها وقدرتها التمثيلية، ما حمل الجماهير على التماس الشرعية لدى القوى الإقليمية والدولية.

يجب على أحزاب المعارضة السورية التي باتت مشغولة بالصراع فيما بينها، وبصراعاتها الداخلية، أن تبحث عن مصادر وممارسات جديدة لاستعادة شرعيتها. إنها في حاجة إلى استعادة أدوارها الحقيقية عبر القاعدة الجماهيرية بدلًا من موافقات القوى الأجنبية. فمن الضروري أن يكون الشعب السوري المطالب بالتحول الديمقراطي جزءًا من المباحثات التي تجري حول القضايا الرئيسة لمستقبله السياسي.

تدعو هذه الورقة إلى استخدام تقنيات الإنترنت في تبني نموذج الحزب الرقمي الذي قد يمثل الحل لإعادة إشراك الجماهير في العملية السياسية، ما يسمح بالمشاركة والإحاطة العامة في عملية صنع القرار. يمكن أن يمثل شكل الحزب الرقمي على وجه التحديد الأداة الشاملة، والحل المبتكر المطلوب، وذلك من خلال عضويته المفتوحة والسهلة والمنصة التشاركية، موفرًا بذلك سياسات شفافة من القاعدة إلى القمة، ومتيحًا عمليات شفافة لصنع القرار. وعلى الرغم من أن استخدام نموذج الحزب الرقمي لن يحل بشكل فوري المشكلات المتصاعدة جميعها المتمثلة في عدم المبالاة وانعدام الثقة، إلا أنه قد يوفر نوعًا من التغيير التنظيمي الذي سيساعد في تضييق الفجوة بين النخب والقواعد الجماهيرية، ويؤثر بشكٍل إيجابي على أدوار الأحزاب وأدائها.

 

كلمات مفتاحية: الحزب الرقمي . المعارضة السورية . هوية وطنية . الأحزاب السياسية . حزب البعث

 

أولًا: الخلفية: السياق السياسي قبل انتفاضة 2011

1- حافظ الأسد (2000-1970)

تولى حافظ الأسد السلطة في سورية عام 1970 بانقلابٍ عسكري. وحكم سورية بقبضٍة من حديد مانعًا الحريات العامة والنشاط السياسي. كان الحزب الحاكم هو حزب البعث العربي الاشتراكي. وكانت الأنظمة السياسية استبدادية، وقيّدت أحزاب المعارضة والحركات المعارضة جميعها، لكنها سمحت بوجود أحزاب وهمية في ظل “جبهة وطنية تقدمية”.(1) هذه القوانين قيدت نشاط المعارضة، ومنعت إنشاء أحزاب معارضة، ما أدى إلى سيطرة البعثيين على الحقل السياسي.

كان جهاز حزب البعث – إضافة إلى الجيش والأجهزة الأمنية، وبيروقراطية الدولة – من أهم الأدوات التي سيطر النظام من خلالها على البلاد. إذ كان لأعضاء الحزب الأولوية في الحصول على وظائف أو مناصب ذات صلة بالدولة. وهذا ما خوله السيطرة على الوظائف الاستراتيجية الرئيسة داخل الدولة.(2) ومع أكثر من 2 مليون عضو عام 2000، و2.8 مليون عضو عام 2012، تم تنظيمهم في هيكلية هرمية، منتشرين على مجمل البلاد وأغلب مؤسسات الدولة، سيطر الحزب على المهن جميعها، الحساسة منها وغير الحساسة في الدولة(3). إضافة إلى الترتيب الهرمي لأعضاء حزب البعث، تم تنظيم مواطنين آخرين في النقابات والاتحادات والجمعيات الأخرى، بحسب مهنتهم أو خلفيتهم. كان نظام التشكيل هذا يعمل بغض النظر عما إذا كان المواطنون أعضاء في حزب البعث أو لا، على الرغم من وجود شرط شبه إلزامي وهو أن يترأس البعثيون تلك النقابات. الهدف كان إبقاء الجماهير تحت المراقبة الكاملة، وهيمنة الدولة، وتوسيع نطاق قاعدة حزب البعث.(4)

في الواقع، كان إمكان تشكيل شبكة مؤسسية مستقلة عن سيطرة الدولة، ضئيلة إن لم تكن معدومة. توقف الجهد المبذول لإنشاء مجتمع مدني نشط، خاصة مجتمع منظم. حتى النقابات، التي كان من المفترض أن تكون نقاطًا محورية محتملة لتنظيم المبادرات الجماهيرية بعد الثورة، أصبحت غير فاعلة. بينما تم إنشاؤها ظاهريًا للناس من أجل التواصل، وتنظيم مساعيهم، وتمثيل مصالحهم، فقد تحول هدفها إلى كونها مجرد وسيلة للدولة لتأكيد الهيمنة على المجتمع، وتقسيمه، ومنع أي حركة أو نشاط حيوي.(5)

أما بالنسبة إلى المعارضة السياسية، مثلها كمثل أحوال المعارضة في ظل الأنظمة القمعية، فالوضع ينذر بالسوء. أي شخص تورط في أي عمل يتعلق بالمعارضة السياسية، أو حتى اشتبه في تورطه في مثل هذا السلوك، تم سجنه أو تعذيبه أو ترحيله(6).وبذلك حُرمت المعارضة تمامًا من ممارسة السياسة قبل الثورة، باستثناء بعض المنفيين، ما يفسر إلى حد ما الأداء الضعيف للمعارضة بعد الثورة. (7)

 

2- بشار الأسد (من عام 2000 وحتى ثورة 2011)

أثار تسلم بشار الأسد الرئاسة عام 2000، مع وعوده بالإصلاحات في خطابه الافتتاحي، التفاؤل بأن الرئيس الشاب قد يمثل حقبة جديدة من التحسينات السياسية والاقتصادية. بدأ المثقفون والناشطون السياسيون بتكوين المنتديات السياسية لتكون مساحات حرة لرفع الوعي، وعقد مناقشات مفتوحة، وصوغ مطالب مدنية وسياسية. كانت الأهداف تتمحور حول الحرية السياسية، بما في ذلك رفع حالة الطوارئ المفروض على البلاد من عام 1963، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، ووضع لوائح لتأسيس الأحزاب ونظام تعددية الأحزاب وغيرها. إلا أن هذه الفترة التي أطلق عليها اسم “ربيع دمشق” لم تدم طويلًا. من تموز/ يوليو2000 إلى شباط/ فبراير 2001، حيث قام النظام بقمع هذه المنتديات وسجن المشاركين فيها(8).

أطلقت المعارضة “إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي” خلال عامي 2005-2006، ووقعه شخصيات وتشكيلات معارضة. سعت لأهداف عديدة أهمها، توحيد المعارضة، واستئناف مطالب “ربيع دمشق”. غير أن النظام تجاهل مطالب المعارضة بالإصلاح، واعتقل عددًا من القادة وأعضاء التحالف، بزعم أن المعارضة ومطالبها مؤامرة غربية تهدف إلى إضعاف الدولة السورية. (9)

استمر قمع المعارضة من دون وجود ما يوحي بأي تغييرات إيجابية وشيكة، حتى اندلاع ثورة 2011، وبعد ذلك بدأ النظام إصلاحات سطحية لقمع المطالب الجماهيرية(10). تضمنت الإصلاحات رفع حالة الطوارئ، وإدخال بعض الإصلاحات الدستورية، منها إعادة كتابة أجزاء من الدستور، وحذف المادة 8 من دستور 1973 السابق، التي تنص على أن حزب البعث هو الحزب القائد للمجتمع والدولة، واستبداله بمادة شاملة تسمح بالتعددية السياسية، ومنع تفرد حزب البعث بقيادة الدولة. علاوًة على ذلك، فقد سمح صراحة بإنشاء أحزاب جديدة بشروطٍ محددة(11).

 

3- الثورة السورية في 2011

اندلعت ثورة مناهضة للحكومة في سورية في بداية عام 2011، وذلك بعد أن اجتاح الربيع العربي دولًا عربية عديدة (تونس ومصر وليبيا واليمن)، نزلت الجماهير في سورية إلى الشوارع في تظاهرات سلمية، لكن واجهتها قوات النظام السوري المسلحة بوحشية، ما أدى إلى سقوط مئات القتلى والاعتقالات(12).

في أواخر عام 2011، تطور الاحتجاج السلمي إلى نزاع مسلح مع استمرار دوامة عنف النظام السوري بلا هوادة. حملت وحشية النظام الجماهير على تصعيد مطالبها من إصلاحات سياسية وقانونية عامة إلى تغيير النظام(13). تفاقم الصراع في السنوات التالية، وتطور إلى مزيج من الحروب الأهلية والحروب بالوكالة التي شاركت فيها قوى إقليمية ودولية(14).

أجبرت وحشية نظام الأسد قسمًا كبيرًا من المعارضة والمدنيين على مغادرة البلاد بسبب التهديد بالاعتقال التعسفي، والإعدام والاختفاء القسري. وفقًا للأمم المتحدة، هناك أكثر من خمسة ملايين لاجئ سوري مسجل حتى عام 2020. (15) وعلى الرغم من أن عددًا كبيرًا من هؤلاء اللاجئين والمغتربين والنازحين من المحتمل أن يكونوا معارضين للنظام السوري الحالي، إلا أنه لا توجد إحصاءات رسمية حول الاتجاهات السياسية لهؤلاء اللاجئين، وهذا أمر تجدر دراسته، مع الأخذ في الحسبان المخاوف الأمنية لدى اللاجئين، ولا سيما في البلدان ذات العلاقات الثنائية الإيجابية مع النظام السوري.

وجد ناشطو المعارضة النازحون أنفسهم مشتتين في بلدان مختلفة، من دون أن يتمكنوا من المشاركة بفاعلية في العمل السياسي بعد الآن، ما جعل منصات التواصل الاجتماعي المختلفة هي القنوات الوحيدة للمشاركة. في غضون ذلك، استحوذ على المشهد السياسي عدد قليل من ائتلافات المعارضة الرسمية، بدءًا بالمجلس الوطني السوري (2011)(16)، ثم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية (2012) (17)، ومؤخرًا الهيئة العليا للمفاوضات (2016) (18).

منذ بداية الثورة، تم إنشاء تشكيلات مختلفة للمعارضة السياسية غير الرسمية، ولكن لا يمكن وصف أي منها تقريبًا بالمنظمات “الجماهيرية”، بمعنى أخذها دور تنظيم الجماهير، وتعبئتها، وربط القادة والناشطين، والاستفادة من إمكانات ناشطي المعارضة. علاوة على ذلك، فشلت المعارضة -الرسمية وغير الرسمية- في تمثيل المطالب الجماهيرية، ولم تكن قادرة على تحقيق إطار من التعاون لدفع الأهداف خلال المراحل الحساسة من الثورة(19). يمكن للمرء أن يجادل في أن مخططًا تكامليًا للمعارضة مع أجندة وطنية كان من شأنه أن يمنع أي صراع حول مسألة التمثيل الشعبي، الذي زعمت تشكيلات عديدة من المعارضة السياسية امتلاكه من دون أي دلائل. كان يمكن لمثل هذا المخطط أن يطمئن المجتمع الدولي القلق بشأن عدم وجود بديل ملائم من النظام الحالي، بديل موثوق يمكن أن يقود البلاد خلال فترة انتقالية حرجة(20).

 

ثانيًا: أنواع الأحزاب السياسة بعد انتفاضة عام 2011

مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، بدأ الناشطون بتنظيم الحراك الشعبي من خلال هيئات تنسيقية صغيرة (التنسيقيات)، عملت ضمن خلايا سرية لمواكبة الاحتياجات التنظيمية للحراك الشعبي، ولا سيما في ظل اتساع رقعة التظاهرات الجماهيرية جغرافيًا وديموغرافيًا. استخدمت التنسيقيات منصات التواصل الاجتماعي لتنظيم ونشر المعلومات حول التجمعات ونقاط الاحتجاج. انبثق هؤلاء الناشطون الذين حملوا مطالب الثورة من الطبقات الوسطى ذات الخلفيات المهنية والعرقية المتنوعة. انتشروا في أنحاء سورية جميعها من الناحية الديموغرافية، وفي الخارج انبثق هذا النفس من مغتربين معارضين أيضًا(21).

ومع ذلك، حلت التشكيلات السياسية الرسمية الجديدة محل هذه الشبكات المدنية الثورية والمنظمات ما قبل السياسية. يُعزى هذا الاستبدال إلى سببين أساسين؛ أولًا، مطالب الحراك الشعبي بتمثيل وقيادة سياسيين منظمين(22). ثانيًا، ضغط المجتمع الدولي من أجل معارضة منظمة وموحدة. أدى التحول من التجمعات على غرار المقاومة الجماهيرية إلى تشكيلات نمطية منظمة للنخبة السياسية، إلى ولادة ما أصبح يسمى “المعارضة”. أدى استبدال الفعل المدني الثوري بالفعل السياسي المنظم إلى تحويل الصراع ليدور حول ثنائية جديدة هي “النظام والمعارضة” بدلًا من ثنائية “النظام – الشعب” كما كان من قبل(23).

بعيدًا عن الائتلافات الرسمية، بدأت تشكيلات غير رسمية تحت مسميات مختلفة -حزب، حركة، تيار- من دون أي أساس واضح للتمييز(24). حيث حاول بعضهم ببساطة تجنب وصف “الحزب” لأنه يحمل دلالات سلبية من الماضي، بينما حاول بعضهم الآخر تجنب المساءلة التي ينطوي عليها الوصف(25).

يمكن تعريف الحزب بطرق عديدة. وفقًا لسارتوري، “بشكٍل عام، يتم تعريف الأحزاب من حيث (I) الجهات الفاعلة، (II) الإجراءات (النشاط)، (III) النتائج (الأغراض)، (IV) المجال. ولكن يمكن أيضًا تعريف الأحزاب بحسب وظائفها أو هيكلها أو كليهما بشكٍل حصري؛ أو في ضوء مخطط المدخلات والمخرجات؛ وبطرٍق أخرى”(26).

لأغراض هذه الدراسة، ستشمل الأحزاب هذه التشكيلات جميعها، باستثناء منظمات المجتمع المدني أو المنظمات غير السياسية. تم تأسيس أحزاب عديدة على أساس الهويات العرقية والقومية والدينية، على سبيل المثال، صعود التشكيلات القومية الكردية -الرسمية وغير الرسمية- بشكل ملحوظ على الساحة السياسية(27).

 في هذه الورقة، سيتم تصنيف الأحزاب بعد ثورة 2011 بطريقتين: أولًا، ترتيبًا زمنيًا، على أن تكون الثورة الحدث المحوري. ثانيًا، من خلال الأيديولوجيات التي احتضنتها تلك الأحزاب.

 

1- تصنيف الأحزاب على أساس الترتيب الزمني

 

أ- الأحزاب القديمة (المنشأة قبل انتفاضة 2011)

سيطرت تشكيلات المعارضة القديمة على الحقل السياسي بعد الثورة. كانت أحزابًا قديمة وشخصيات سياسية تعمل في الخفاء. بعض هذه الأحزاب القديمة حافظت على تشكيلتها الأصلية، وبعضها غيَّر الاسم مع الحفاظ على الهيكل نفسه والممارسات السابقة ذاتها، بينما دخل بعضها الآخر في تحالفات وائتلافات جديدة لتشكيل هيئات جديدة(28).

ومع ذلك، وجدت تلك الأحزاب التي احتفظت بهيكلها قبل الثورة أنها غير قادرة على التفاعل مع القواعد الجماهيرية أو توجيهها بسبب ممارساتها القديمة، ومواقفها الخاضعة للسيطرة الأيديولوجية تجاه القضايا الوطنية الرئيسة. إضافة إلى ذلك، أحبط إرث الأحزاب الذي يهيمن عليها القادة فرصة بناء توافق بينها وبين الجماعات السياسية، ما أدى إلى استقطاب بين المعارضة.

 ومع ذلك، بقيت فرصة أن تكون هذه الأحزاب والشخصيات بمنزلة نقطة انطلاق لقيادة مؤسساتية للجماهير، شرط التصرف بطريقة شاملة وغير حزبية. حيث كانت لديهم المتطلبات الأساس، مثل الخبرة السياسية، والهيكل التنظيمي البدائي، والشبكات الواسعة داخل سورية وخارجها، لكنهم فشلوا في التصرف بطريقة غير حزبية(29).

 

ب- الأحزاب الناشئة (المنشأة بعد انتفاضة 2011)

تزايد ظهور الأحزاب الناشئة بعد الثورة. معظم هذه الأحزاب المنشأة حديثًا قلدت الأحزاب القديمة المتبقية من دون أي تحديٍث على أي مستوى. كان للهياكل القيادية القديمة داخل أحزاب المعارضة تأثير ملموس عليها، إلى حد حمل إرث العداوات تجاه بعضها بعضًا، والنظر إلى “الآخر” على أنه عدو سياسي وليس خصمًا سياسيًا. أدى ذلك إلى تفكك وتشرذم عميقين داخل مشهد المعارضة السياسية عامة(30).

يمكن تسمية بعض هذه المنظمات “أحزاب الأريكة”، من حيث إن عدد أعضائها محدود قد لا يملأ سوى أريكة واحدة(31). تتصف هذه الأحزاب بأنها قصيرة النظر، وهشة، وقصيرة العمر، وعرضة للانقسام. ومن سماتها البارزة غياب الخبرة السياسية، وعدم وجود رؤية أو خطة للعمل، إضافة إلى التداخل والتشابه في التصريحات والإعلانات الأولية، والأهداف والسياسات فيما بينها(32).

لم يقتصر الأمر على هذه النقائص التي منيت بها هذه الأحزاب، بل يضاف إلى ذلك أن عديدًا من هذه الأحزاب تم تأسيسها وتمويلها من بلدان إقليمية ودولية مختلفة، ما جعلها مجرد فروع أو ممثلين لتلك القوى وأجنداتها، وليس لمصالح الشعب السوري(33). وبالتالي، فإن أي نقص في الموارد المالية لرعاة تلك الأحزاب غالبًا ما أدى إلى تحول هذه الأحزاب أو اندماجها في تشكيلات أخرى، أو حتى تلاشيها(34).

عانت كل من الأحزاب القديمة والناشئة ضعف المؤسساتية عامة، مع عدم وجود دستور تأسيسي أو لوائح داخلية أو هيكل تنظيمي واضح، ومن دون بيان ملزم لمبادئ الحزب أو عمليات صنع قرار واضحة. ومع ذلك، حتى عندما كانت مبادئ البيانات التأسيسية وإجراءات بعض الأطراف واضحة، فإن خطط الإنجاز كانت غائبة. وفي حين يُفترض أن تكون الأحزاب مساحات للتفكير والعمل التعددي، سادت الفردية مع عدم الاتساق والتضارب القائم بين أيديولوجيات الأحزاب وممارسات أعضائها، وبين الأعضاء أنفسهم. كان كلا النوعين غير قادرين على جذب وتعبئة القاعدة الجماهيرية، خاصة الشبان، بسبب الولاءات القبلية والمذهبية التي عملت على تقويض الهوية الوطنية الجمعية. ومع ذلك، فإن هذا لم يمنع عديدًا من تلك الأحزاب من الادعاء بأن لها دور تمثيلي من دون أي مبررٍ واضح(35).

 

2- تصنيف الأحزاب على أساس أيديولوجي (إسلامية – علمانية)

 

أ- الأحزاب الإسلامية

يمكن الخوض في تشكيلات الإسلام السياسي المنظم من خلال منظور جماعة الإخوان المسلمين، وهي حركة سائدة وعالمية ومنشأة منذ زمن. فعلى الرغم من ظهور تشكيلات إسلامية عديدة بعد الثورة، فإن أكثرها تنظيمًا وتأثيرًا سياسيًا كانت جماعة الإخوان المسلمين التي لا تزال واحدة من أبرز الحركات الإسلامية في سورية ومعظم منطقة الشرق الأوسط(36).

بعد حملة قمع جماعة الإخوان المسلمين في عقب مجزرة حماة عام 1982، غادر معظم أعضاء الحركة سورية(37). واصلت الحركة نشاطها في الخارج، وبالتالي احتفظت بقدرات تنظيمية، واكتسبت خبرة جيدة، ما ضمن للإخوان موقعًا متقدمًا في مقابل التشكيلات الإسلامية الأخرى عند العودة إلى المشهد السياسي السوري مع بداية الثورة. منحت عناصر مختلفة الإخوان المسلمين مكانة مميزة في السياق السوري. من بين أمور أخرى، استفادت جماعة الإخوان من خطاب المظالم والظلم الذي لحق بالحركة من قبل نظام حافظ الأسد، إضافة إلى تاريخها المتفق عليه في النضال لغاية جذب الجماهير. كما أثبتت استراتيجيتها في أن تكون جزءًا من المجتمع المحلي من خلال منظماتها غير الربحية المختلفة، فعالية عالية أعطت للحركة وجودًا راسخًا في المجتمع السوري. وهو أمر ضروري لاكتساب الصدقية والشرعية داخل المجتمعات المحلية. أخيرًا، كان للتمويل المستمر للحركة تأثير مفصلي في قدرتها التنظيمية للنشاط بأشكاله المختلفة(38).

كان للإخوان المسلمين القدرة على قيادة الحراك الشعبي، لكنهم فشلوا لأسباب عديدة، أبرزها إعطاء الأولوية لمشروع الحركة الإقليمي على الأجندة الوطنية السورية، ومحاولتهم فرض هذا المشروع عبر التلاعب بالأوضاع الفوضوية السائدة. تضمن محاولات السيطرة المتسقة على كل تجمعات المعارضة الرسمية موقف الحركة الحزبي تجاه المكونات السياسية السورية الأخرى، من خلال تشكيل الأغلبية بأساليب مختلفة، مثل إنشاء أكثر من تشكيل بأسماء مختلفة، ولكن مع الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين(39).

 

ب- الأحزاب العلمانية

في الجانب الآخر من الطيف الأيديولوجي، تكمن الأحزاب العلمانية، التي ميزت نفسها، نظريًا، من خلال التمسك بالأجندة الوطنية السورية، وإعلان مجموعة قيمها بشكٍل أساس من خلال استبعاد أي أيديولوجيات دينية -خاصة الإسلامية- من التأثير في مستقبل سورية السياسي. ومع ذلك، كانت هذه الأحزاب العلمانية هي الأقل قدرة على قيادة الحركة الجماهيرية، بغض النظر عن تسمياتها المختلفة، إن كانت من النخب الفكرية، أو الليبراليين أو اليساريين، أو القوميين. جميعهم كانوا غير قادرين على كسب ثقة الجماهير لأسباب متنوعة، منها الميل نحو التنظير الأيديولوجي بدلًا من ممارسة السياسة، مع محاولتهم نشر أيديولوجياتهم ومصطلحاتهم التي ارتبطت تاريخيًا، من نواحٍ عديدة، بالغرب، وبالنظام الذي يدّعي العلمانية على الرغم من استغلاله الخطاب الإسلامي عند الحاجة وبحسب الأوضاع للحفاظ على بنيته. لم تكن الأحزاب العلمانية متيقظة بما فيه الكفاية لأهمية تأثير الأيديولوجيات الدينية في شعوب المنطقة. فتبنت صراعًا خفيًا ضد الإسلام ببعديه الثقافي والديني، وقد قامت بذلك عن طريق تبني المقاربات الغربية التي أثبتت فشلها مرارًا. ما أدى إلى ارتدادات سلبية على تلك الأحزاب. وبذلك، أضاعت فرصة إحداث تغيير تراكمي في الموروثات الاجتماعية والثقافية للناس. وتسبب هذا في تحول تلك الأحزاب إلى حكم الأقلية المنغلقة، مع إلقاء اللوم على القواعد الجماهيرية في كل الأخطاء، بما في ذلك التسلح في وقت لاحق. فبدلًا من التمسك بالمسؤولية الجماهيرية وتقديم دور قيادي بطرح مشروع واستراتيجيات واضحة، حافظت هذه الأحزاب على مكانتها النخبوية، وفقدت دورها القيادي، وحمّلت فشلها على جهل الجماهير(40).

باختصار، استخدم كل من الأحزاب العلمانية والإسلامية الدين للحفاظ على الروايات الأيديولوجية لكل منهما. فكلاهما “متمركز حول الإسلام”، إن كان معه أم ضده، ويستخدمه قاعدة لتنافس الأيديولوجيا والممارسات. ومع ذلك، لم يقدم أي منهما رؤية أو استراتيجية أو مشروعًا واضحًا لمساعدة الجماهير في تحقيق مطالبها.

 

ثالثًا: معضلة قيادة الجماهير

بعد سنوات من الجمود السياسي الشعبي الجماهيري، تطورت سورية منذ بداية الثورة إلى مجتمع مُسيّس، وهو بحسب سارتوري:

“… مجتمع يشارك في عمليات النظام السياسي، ويطالب بتحقيق أداء أكثر فعالية للنظام”(41).

خلق هذا الجمهور المسيس تحدي التنظيم والتمثيل والقيادة من أجل استخدام هذه القوة الجماهيرية بشكٍل فاعل، وتحويلها إلى أداة ضغط سلطوية. عادة، تتولى الأحزاب مثل هذه الأدوار والمسؤوليات، كونها الوسيلة الرئيسة للمشاركة السياسية، وتمثيل الشعب من خلال زيادة الوعي وتثقيف السكان، والتعبير عن المطالب، وتجنيد القيادات السياسية وتدريبهم(42).

كانت إحدى المآزق الرئيسة التي واجهتها القواعد الجماهيرية منذ الثورة هي غياب أي شكل من أشكال الهياكل المؤسساتية لتنظيم نشاطها. على الرغم من أن لجان التنسيق المحلية حاولت تأدية هذا الدور في بداية الثورة، إلا أن اتساع نطاق المشاركة الجماهيرية تطلب شكلًا أكثر تعقيدًا من التنظيم والتمثيل(43). حتى مؤسسات العمل الجماعي مثل النقابات، التي بدأت في عهد حافظ الأسد، والتي كان من المفروض أن تؤدي دور تسهيل تنظيم الجماهير، أثبتت عدم جدواها، إن لم تكن مُعرقِلة، لأنها صممت لتؤدي دورًا مختلفًا. وبالتالي، بعد الثورة، واجه الجماهير خواءً لا يضم أي وحدة تنظيمية لتحقيق مطالبهم(44).

بحثت القواعد الجماهيرية عن حاضنات مؤسسية لتنظيم وقيادة نشاطهم الشعبي ودمجهم في أهداف موحدة ومظلة وطنية مشتركة. لقد توقعوا أن يسد قادة المعارضة وتشكيلاتها الفجوة المؤسسية(45)، لكن هؤلاء لم يكونوا مستعدين لمواجهة التحدي، ولم يرقوا إلى مستوى التوقعات الجماهيرية، ما كرس لاحقًا المشاعر المناهضة للحزب التي نشأت عن إرث حزب البعث. لم تطور تشكيلات المعارضة قدرة تنظيمية وتعبوية كافية للقاعدة الجماهيرية أبدًا. لقد تجاهلوا حقيقة أن قوة الجماهير لم تكن تعتمد عددها فحسب، بل القدرة لتشكيل حركة منظمة ومحتشدة تهدف إلى ممارسة ضغط مستمر على النظام والقوى الدولية للاستجابة للمطالب الجماهيرية(46).

تجلى تهميش القواعد الجماهيرية، التي كانت في قلب الثورة السورية، في الغياب التام للتنسيق مع الناشطين داخل سورية وخارجها، ومع مكونات أخرى من المجتمع السوري(47). إضافة إلى ذلك، تم تقييد التفاعل من خلال منظمات المجتمع المدني، بسبب الاعتقاد بأن تقديم المساعدة الإنسانية من خلال المنظمات غير الحكومية سيكون كافيًا للانخراط مع الجماهير. لم تترك هذه العلاقة المضطربة أي فرصة للمنظمات الجماهيرية للمشاركة بفاعلية، ما حرم الأحزاب السياسية من القوة المحتملة لأعضائها(48). من دون هذه العضوية، لا يمكن للأحزاب المطالبة بشكل شرعي بأي دور تمثيلي في تقرير التنظيم الحكومي المستقبلي للبلد. على المستوى العملي، يؤدي تهميش العضوية في الحزب إلى إضعاف خطوط الموارد المالية والعمالة. من ناحية أخرى، يحتاج الأعضاء أيضًا إلى وجود الأحزاب بوصفها مؤسسات للعمل الجماعي. من خلال الانخراط الفاعل في العضوية يمكن رفع المطالب الجماهيرية ضد نظام منظم قوي(49).

خلال الفترة الحرجة للانتفاضة الجماهيرية، ومع الممارسات الاستبدادية السائدة للنظام القمعي الحاكم، تزداد مسؤولية الأحزاب السياسية والقادة في تنمية الثقافة والقيم الديمقراطية في المجتمع. يجب أن تبدأ عملية رفع الوعي من داخل الأحزاب عبر التمثل العملي وتعزيز هذه القيم والممارسات، مثل تعزيز مشاركة الأعضاء جميعهم، والتسامح مع أفكارهم واقتراحاتهم المتنوعة، وكذلك تشجيع وجهات نظر جديدة، وربط ذلك بعملية صنع قرار واضحة والالتزام بها. وتأكيد أهمية وجود استراتيجية واضحة وشاملة اجتماعيًا تهدف إلى إشراك النساء والأقليات المهمشة من خلفيات اجتماعية واقتصادية مختلفة(50)، إلا أن أحزاب المعارضة فشلت حتى الآن في تحقيق كل ما سبق بسبب المشكلات التنظيمية والهيكلية الداخلية التي عانوها(51).

تضمنت الإخفاقات السابقة استخدام الخطابات الشعبوية من دون زيادة الوعي الشعبي بالمفاهيم الأساس. وبالمثل، بدلًا من أن تكون شاملة اجتماعيًا، فقد زادت الأحزاب من عزلة نفسها عن الشريحة الأوسع من المجتمع، من خلال إظهار التحيزات، خاصة تجاه النساء، واستبعادهن من مناصب صنع القرار، مع إشراكهن في تلبية متطلبات وشروط المجتمع الدولي فحسب. كان هذا حال الأحزاب السياسية بمختلف أطيافها، من اليسار إلى اليمين، ما أدى إلى تثبيط النساء عن المشاركة السياسية، فتحولن بدلًا من ذلك إلى النشاط المدني للبحث عن مشاركة هادفة(52).

بشكل عام، طريقة تعامل أحزاب المعارضة مع الجماهير كانت نتيجة عوامل عديدة. أولًا، القمع التاريخي لأحزاب المعارضة التقليدية والقادة السياسيين الذين كانوا يعملون في الخفاء من دون أي قاعدة شعبية أو شبكات شعبية، ما أدى بدوره إلى نقص الخبرة في التعامل مع الجموع الجماهيرية. والنزعة الشخصية لدى سياسيين شاركوا في الصراع ضد النظام قبل الثورة، ومطالبتهم بمناصب قيادية على أساس وحيد للاستحقاق يقوم على النشاط والكفاح السابقين، بغض النظر عن أي مؤهلات ضرورية أخرى. ثانيًا، قلة خبرة الأحزاب الناشئة، التي لم تكن مستعدة، هيكليًا وتنظيميًا، لإشراك الأعداد الهائلة من الجماهير النشطة. بدلًا من ذلك، كان نشاطها محصورًا في المستوى الحزبي الذي اتسم بالسجال والمنافسة(53).

أخيرًا، إشكالية الطبيعة النخبوية لدى بعض التشكيلات التي عدت نفسها نخبوية تقدمية، والتي ألغت أي دور جوهري للجماهير في السياسة. وبدلًا من التفاعل النشط مع القواعد الجماهيرية واستخدام قوة الجماهير المنظمة أداة لتحقيق مطالب الجماهير، سعت تلك الأحزاب إلى السلطة بطريقتين: أولًا، استخدام تكتيك أن تكون جزءًا من التحالفات والاتحادات الأضخم، وأحيانًا الانقسام إلى أكثر من تشكيل للحصول على ثقل انتخابي أكبر في أي تحالف أو مؤتمر دولي(54). ثانيًا، حاولت الأحزاب تجاوز إشكالية التمثيل الشعبي الضعيف عبر إقامة علاقات مع قوى إقليمية ودولية. ما أدى إلى تعظيم دور تلك القوى الخارجية في الصراع السوري، إضافة إلى خلق استمرارية محتملة لهذا التأثير في المستقبل(55). وبالتالي، كان توليد ديناميات التبعية الخارجية بدلًا من التمثيل الشعبي أحد أسباب الفشل في الوصول إلى توافق حول المبادئ الوطنية من أجل تشكيل أساس لأي حل للصراع السوري. علمًا أن المزيد من التمثيل الشعبي سيشرّعن قوة الحزب في أي قرار أو اتفاق. إلى جانب ذلك، من المحتمل أن يؤدي الدور التمثيلي في الفترة الحالية إلى زيادة فرص الأحزاب في المشاركة المستقبلية في الفترة الانتقالية، أو حتى أي انتخابات ديمقراطية متوقعة.

 

تداعيات موقف الأحزاب السياسية تجاه الجماهير

عدم كفاءة تشكيلات المعارضة السياسية تجاه الجماهير أدت إلى عواقب وخيمة على الحراك الشعبي. هذه التشكيلات -الرسمية وغير الرسمية- متهمة بأنها أحد أهم أسباب الانقسام في الرأي العام تجاه القضايا الرئيسة، ومتهمة بخيانة الثقة الجماهيرية أيضًا. علاوة على ذلك، أدى تحول الثورة الجماهيرية إلى صراع بين النظام والمعارضة على السلطة إلى إعطاء الأولوية للدعم الدولي والإقليمي على التمثيل الشعبي. ما ساهم في التقليل من شأن القاعدة الجماهيرية وإهدار الكفاءات المحتملة لناشطين عديدين داخل سورية وفي الشتات، ممن كانوا متحمسين لاستخدام مؤهلاتهم ومهاراتهم للمشاركة بفاعلية في تحقيق التحول الديمقراطي، ما أفقد الثورة زخمها. وبالمثل، لم تستطع تلك الأحزاب جذب أعضاء جدد، فاقتصرت على الأعضاء المؤسسين فحسب، وبالتالي عجزت عن تمثيل الاهتمامات والتطلعات والتوقعات الجماهيرية، ولا سيّما تلك المتعلقة بالشبان. ليس ذلك فحسب، بل واجه عديد من تلك الاحزاب حالة الاستقالات الجماعية أيضًا.(56). ومع ذلك، فإن عدم القدرة على حشد وتنظيم القاعدة الجماهيرية كان أحد الأسباب الرئيسة التي أدت إلى واحدة من أخطر عواقب الثورة، وهي العسكرة التي أعقبها تطرف الثورة(57).

بدأت عسكرة الثورة السورية في نهاية عام 2011، حيث بدأ المدنيون باستخدام الأسلحة الخفيفة لحماية أنفسهم من النظام. إضافة إلى ذلك، انشق بعض الضباط والمجندين عن الجيش النظامي وانضموا إلى المعارضة بعد رفض أوامر قادتهم باستهداف المدنيين(58). ومع ذلك، فإن انتقال التظاهرات السلمية إلى العسكرة كان نتيجة عوامل مشتركة، بما في ذلك زيادة وحشية النظام ضد المتظاهرين، واستخدام الأسلحة بأشكالها كافة، وإنكار النظام حالة “الثورة” في المقام الأول، وإعلانه عن مؤامرة كونية، نفذتها مجموعة من الإرهابيين المحليين، ما عنى عدم جدوى أي محاولة للتوصل إلى حل سياسي(59).

علاوًة على ذلك، لم يتمكن قادة المعارضة وتشكيلاتها السياسية من إنقاذ الجماهير من ممارسات النظام، كما أدى عجزهم عن تمثيل القواعد الجماهيرية في المحافل الدولية إلى إضعاف أي إمكان للتمثيل(60). يضاف إلى ماسبق، تضارب أراء المعارضة، فبعضهم كان غير مبالٍ بانتشار الأسلحة، بينما أدان آخرون لجوء المتظاهرين إلى النزعة العسكرية. وكما تبين فإن شجب التسليح من دون تقديم أي بديل عملي للمتظاهرين لم يكن مجديًا. وهكذا نُظر إلى التسلح على أنه حل من نوع ما، فقد جادل بعضهم بأن المشكلة تكمن في فوضى التسلح لا في التسلح بحد ذاته، حيث كان من الممكن استخدامه درعًا لتحرك الجماهير(61).

في مرحلة لاحقة، ومع فقدان النظام السيطرة على بعض المناطق، وما نتج عن ذلك من فراغات أمنية، خاصة في المناطق الحدودية، بدأت الجماعات المتطرفة بالصعود، ووجدت في تلك المناطق البيئة المثالية للسيطرة والتوسع. وجد الجماهير في تلك الجماعات الراديكالية بديلًا من تشكيلات المعارضة، لأنها قدمت ما لم تقدمه تلك التشكيلات. الجماعات الأصولية كانت أكثر خبرة في تنظيم وتعبئة الشبان، ولديها أيديولوجية واضحة، وخبرة طويلة اكتسبتها من مشاركتها في بلدان أخرى، ولديها تمويل سخي، وشبكات واسعة، وتخطيط استراتيجي، وقيادة فاعلة. هذه العوامل أهلتها لأخذ زمام المبادرة في امتصاص واستخدام طاقات الشبان لتحقيق أجنداتها الخفية، من خلال استغلال رغبة هؤلاء الشبان في هزيمة النظام بأي ثمن(62).

 

رابعًا: تطور الأحزاب

يذكر لابالومبارا ووينر أنه “لطالما كان إنشاء الأحزاب عملية مستمرة. فالمقابر التاريخية تزدحم بالأحزاب التي هيمنت على المشهد السياسي، وفشلت فيما بعد في التكيف مع الأوضاع الجديدة، وبالتالي ماتت، أو استوعبتها حركات جديدة أكثر نشاطًا، أو ذبلت في أحزاب هامشية صغيرة”(63).

تختلف أسباب ظهور الأحزاب السياسية من منطقة إلى أخرى، وهناك نظريات مختلفة لشرح تطور الأحزاب.

 

1- تطور الحزب في البلدان المتقدمة

وضع علماء سياسة غربيون نظرية تطور الحزب السياسي، حيث تحول حزب الكادر في القرن التاسع عشر إلى الحزب الجماهيري الذي ساد في العصر الصناعي، ثم الحزب الجامع في الستينيات من القرن العشرين(64)، تلاه حزب الكارتل بحلول عام 1990 (65). وفي الآونة الأخيرة، نشهد ظهورًا تدريجيًا للحزب الرقمي(66).

لعل من المهم في سياق هذه الورقة، توضيح الاختلافات بين أحزاب الكادر والأحزاب الجماهيرية، حيث نادرًا ما تتحول الأحزاب في المنطقة إلى شكلٍ جماهيري، أو أي شكٍل حزبي آخر، لذلك من المفيد النظر في الخصائص المحددة لكل حزب على النحو المبين أدناه.

 

أ- أحزاب الكادر

يمكن وصف حزب الكادر بأنه هيكل حزبي بدائي، يتكون من مجموعة صغيرة من النخب الاجتماعية والسياسية المتطابقة، يمارسون نفوذهم على المجتمع مع اللامبالاة الكاملة بالجماهير. ما يجعل حزب الكادر، بميوله الفردية، بعيدًا كل البعد عن كونه منظمة جماعية(67).

 

ب- الأحزاب الجماهيرية

على عكس حزب الكادر، يمكن تعريف الحزب الجماهيري بأنه منظمة عمل جماعي تهدف إلى دمج شريحة كبيرة من الجماهير في السياسة، من خلال تنظيمهم في هيكل هرمي، تستحوذ عليه بيروقراطية ضخمة من الحرفيين السياسيين. سيطر هذا النوع على العصر الصناعي عاكسًا البنية التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية التي تعكس مفهوم المصانع الكبرى. تجمع الأحزاب الجماهيرية الجمهور من خلال جمع مطالبهم ومصالحهم، وتعتمد القاعدة الجماهيرية في مواردها المالية والبشرية. وبالتالي، تسعى لتوسيع شبكاتها من خلال تجنيد المزيد من الأعضاء، الذين يستمد الحزب الجماهيري من خلالهم شرعيته وسلطته(68).

من الضروري ربط شرعية الحزب بأدواره، وهي شرعية تتأسس على القاعدة الجماهيرية التي ينشئها؛ تستخدم الأحزاب الجماهيرية هذه الشرعية لتقوية وصول الجماهير الجديدة إلى النظام السياسي والتحكم في هذا الوصول(69).

يتطلب الانتقال الحساس من حزب كادر إلى حزب جماهيري(70) وظائف حزبية جديدة، منسجمة مع تحديث المجتمع، وقيادة الجماهير وتعبئتها وتنظيمها والتعبير عن مطالبها، إضافة إلى توفير الوسائل التي يمكن للحكومة والشعب من خلالها الاتصال والتواصل(71).

تنظر النظرية التاريخية التي تشرح تطور الأحزاب السياسية من منظور التحديث إلى ثلاث “أزمات” على أنها الأسباب الرئيسة وراء تطور الحزب؛ الشرعية والمشاركة والتكامل. تؤدي الأزمات الشرعية للأنظمة في السلطة إلى أزمة المشاركة، وتتطور الأحزاب لتكون أداة لتلك المشاركة، ومن خلال القيام بذلك تؤدي الأطراف دورًا حاسمًا في بناء هوية وطنية مشتركة مع دمج الفئات المختلفة في تلك الهوية(72).

بمقارنة بسيطة بين حزب كادر وحزب جماهيري، يمكننا تحديد التناقضات الجوهرية. حزب الكادر لديه عدد قليل من الأعضاء، ولا يسعى لضم المزيد منهم. وهو ليس مفتوحًا للعضوية إلا عن طريق الترشيح الرسمي. بشكل عام، لا تعتمد أحزاب الكادر القوة العددية، بل تعتمد نفوذ أعضائها، وبالتالي فهي تقتصر على النخب وتستبعد الجماهير. حزب الكادر يعتمد تبرعات النخبة في موارده المالية.

على النقيض من ذلك، يتمتع الحزب الجماهيري بعضوية مفتوحة، ويعتمد الانتساب إليه لتحصيل الموارد المالية، وليس عددًا محدودًا من المانحين. من الضروري للأحزاب الجماهيرية توعية أعضائها وتثقيفهم لإعدادهم للمناصب الرسمية المستقبلية على المستويين القيادي والإداري(73).

 

2- تطور الأحزاب في البلدان النامية

كما أوضحنا أعلاه، إن تطور الحزب في الدول الغربية قد مر بمراحل عديدة؛ من الزمر الأرستقراطية، إلى مجموعة صغيرة من الأعيان والفصائل وأحزاب الكوادر، وتطورت إلى أحزاب مشاركة جماهيرية مع ظهور البرلمان والأنظمة الانتخابية وديمقراطية الاقتراع العام(74).

ومع ذلك، لا يمكن تطبيق تفسير النظرية البرلمانية هذه على البلدان النامية، بسبب الاختلافات في الأوضاع التاريخية التي مرت بها تلك المجتمعات. فبالنسبة إلى البلدان النامية في الشرق الأوسط، وتحديدًا الدول العربية، فقد انتقلت هذه الدول من السيطرة العثمانية في بداية القرن العشرين، إلى الحقبة الاستعمارية تحت سيطرة الدول الأوروبية. لم يترك هذا الإرث أي وجود برلماني أو مؤسسات ديمقراطية، حيث ركزت أنظمة الانتداب الاستعماري غالبًا على السيطرة والتبعية، تاركةً افتقارًا إلى جهاز ديمقراطي بعد انتهاء الاستعمار(75).

ومع ذلك، حتى في ظل الأوضاع التاريخية المختلفة، في البلدان المتقدمة والمتخلفة، كانت التكوينات الأولية متشابهة من حيث إنها كانت مؤلفة من عدد قليل من الرجال ذوي التفكير المتماثل، بناءً على علاقات وثيقة أو أيديولوجيات مشتركة أو مصالح مشتركة. الفرق، بحسب دوفيرجر، هو أن الأحزاب في الدول الغربية واصلت تطورها من “أحزاب الكادر” إلى أشكال حزبية جماهيرية(76). على النقيض من ذلك، استمرت الأحزاب في البلدان النامية على شكل حزب الكادر، مع حالات استثنائية نادرة. كان هذا بسبب أوضاع النظام الاستعماري التي لم تسمح عمومًا للتجربة البرلمانية أو الدستورية بالوجود أو التطور. ومن الأمثلة ما حدث في سورية عام 1920، عندما قصف الفرنسيون دمشق وفرضوا انتدابهم بدلًا من احترام رغبة الشعب السوري في دستور مستقل(77).

باختصار، بقيت الأحزاب بطابعها الكادري، أو اتخذت شكل حركات التحرير ضد الاحتلال الخارجي، وأحيانًا ضد الحكومات الداخلية ما بعد الاستعمارية، التي كان يُنظر إليها على أنها حلف متعاطف مع قوى الاحتلال السابقة، لسلوكها الذي يتناقض مع الإرادة الجماهيرية أو مصالح الأغلبية. لذلك، فإن تركات الاحتلال والإعانات الأجنبية والهيمنة الثقافية هي عوامل أساس أثرت في تحديث دول المنطقة بدلًا من أن تقوم الأحزاب بتأدية هذا الدور. وهكذا ركزت الأحزاب السياسية على تولي مواقع السلطة بدلًا من تبني دور بناء التكامل والهوية الوطنية أو تطوير أنظمة جديدة.

 

خامسًا: حالة أحزاب المعارضة السورية

بالنظر إلى ما ورد أعلاه وتطبيقه في ما يتعلق بالثورة الجماهيرية السورية، كان متوقعًا أن تتبنى أحزاب المعارضة نمط الحزب الجماهيري لتسهيل عملية مشاركة الجماهير. كانت الأحزاب الجماهيرية هي النهج الأنسب لتنظيم القاعدة الجماهيرية وتعبئتها وقيادتها. لكن أحزاب المعارضة اختارت أسلوب حزب الكادر، واستبعدت الجماهير، وتجاهلت أهمية دمجها في المجال السياسي. وبذلك، أبقت الأحزاب القاعدة الجماهيرية في دور منفعل، وقيّدت نفوذها السياسي لمصلحة النخب الحزبية(78). علاوة على ذلك، هناك خطر آخر محتمل يلوح في الأفق. ففي تناقض مع إطار نظرية التحديث، التي ترى أن الأزمات تحفز ظهور الأحزاب، نجد توقعات كثيرة ترى أن الأحزاب ستفشل في التطوير والتحديث بعد اجتياز الأزمة. وبالتالي، فإن نوع تلك الأحزاب ومسارها وتطورها والأدوار التي قد تؤديها في المستقبل يمكن أن تبقى كما هي.

 

الآفاق المستقبلية للأحزاب السورية

على الأحزاب السورية، المنشغلة بصراعاتها الداخلية ومع الأحزاب الأخرى، أن تبحث عن موارد وممارسات جديدة لإعادة إضفاء الشرعية على دورها في الصراع المستمر منذ عشر سنوات. إنها بحاجة إلى أن تصبح لاعبًا رئيسًا من خلال جذب الدعم الشعبي، بدلًا من السعي لدعم القوى الأجنبية. من الضروري ألا يقود الشعب السوري المطالب بالانتقال الديمقراطي إلى أحزاب لا تتحمل عبء الاستماع إلى صوته أو لا تهتم بإشراكه في المحادثات والقرارات المتعلقة بالقضايا الرئيسة لمستقبله السياسي. إن الأعذار التي تستخدم لإقصاء الجماهير، مثل الاضطراب السياسي وعدم الاستقرار، أو الجهل السياسي للجماهير التي تعلنها النخب السياسية، غير مبررة. فهذا النوع من السياسات الإقصائية لم يسفر عن أي تقدم سياسي خلال عقد من الزمان.

لقد وسعت الأحزاب السورية بأدائها غير الكفء، وتخليها عن دورها في التعبئة الجماهيرية، مساحة أكبر لمنظمات المجتمع المدني، لتؤدي دورًا أكثر أهمية منها. على عكس الأحزاب، أثبتت تلك المنظمات أنها أكثر قدرة على جذب الشبان من مختلف مناحي الحياة بسبب حيادها الأيديولوجي النسبي. وقد قامت هذه المنظمات بإطلاق المواهب والكفاءات الشبابية من خلال إتاحة فرص المشاركة التي لم تستطع الأحزاب تقديمها(79).

حتى الآن، كان أداء الأحزاب مخيبًا لآمال الجماهير، ولم يتم خلق تشكيل سياسي يحقق تطلعات الشعب السوري(80). فالأحزاب القائمة في أمس الحاجة إلى الإصلاح نظرًا إلى تنظيمها الداخلي الضعيف، وأزمة الثقة العامة التي تنعكس في انخفاض عدد أعضائها. إذًا من الضروري للأحزاب إيجاد طرق جديدة لاستعادة ثقة الجماهير من أجل شرعيتها.

بادئ ذي بدء، لكي يستجيب الحزب السياسي لاحتياجات المجتمع ويتعامل مع تعقيداته الحالية، يجب أن يكون لديه تصور واضح لطبيعة العلاقة التي سيطورها مع الجماهير. يجب تطوير أدوات مختلفة لإشراك الجماهير وتعبئة التابعين وزيادة الوعي. على سبيل المثال، من المهم أن يكون لديهم منصة شعبية للتفاعل مع مجموعة واسعة من القطاعات الجماهيرية، من خلال معالجة جوانب مختلفة من حياتهم. إضافة إلى ذلك، من الضروري مواكبة التوجهات الجماهيرية وروح العصر من خلال استخدام الأدوات والتكنولوجيا المتاحة. وبالمثل، يجب على الأحزاب السياسية أن تكون واضحة بشأن نوع العلاقات المقصودة مع الأحزاب والتنظيمات والقوى الإقليمية والدولية الأخرى، حتى لا تصبح أداة في أيدي جهات أجنبية، خاصة في أوقات الأزمات(81).

تؤيد هذه الورقة أن الإنترنت والتطورات التكنولوجية الجديدة قد تمثل فرصة لمثل هذا الإصلاح. يمكن للتقنيات الرقمية أن تؤدي دورًا فاعلًا في رسم نشاط الأحزاب السياسية السورية. لم تستخدم الأحزاب السياسية المعارضة تقنيات الإنترنت بأقصى طاقتها. على الرغم من أن استخدام هذه التقنيات لن يحل بشكل فوري المشكلات المتراكمة جميعها من عدم المبالاة وانعدام الثقة، إلا أنها قد توفر التغيير التنظيمي الذي سيساعد على تضييق الفجوة بين النخب والقواعد الجماهيرية، والتأثير بشكل إيجابي في دور الأحزاب وأدائها.

يسعى القسم التالي من هذه الورقة لتطوير نماذج رقمنة الأحزاب في السياق السوري، بما في ذلك كيفية استخدام التكنولوجيا أداة لاستعادة ثقة القواعد الجماهيرية، وتطوير إمكانات جديدة للمشاركة. إضافة إلى ذلك، فإنه يقترح فرصًا للمساعدة في تحدي الوضع الراهن، وإشراك اللاعبين الحاليين والتأثير في قوتهم. وبالتالي، فإن الإشكال الرئيس الذي تسعى للتحقق منه هو؛ ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الأحزاب الرقمية في تحقيق التحول الديمقراطي في سورية، ودول الربيع العربي الأخرى؟

 

سادسًا: الإنترنت في سورية

تم إدخال الإنترنت إلى سورية عندما كان بشار الأسد رئيسًا للجمعية المعلوماتية السورية قبل أن يتولى الرئاسة. وقد أدخل الإنترنت لأغراض عديدة، بما في ذلك التحديث الاقتصادي، وإضفاء الشرعية على النظام وتعبئة مؤيديه(82). ومع ذلك، كان النظام حذرًا تجاه المخاطر السياسية والمخاوف الأمنية المرتبطة بإدخاله. وعلى الرغم من القيود الكبيرة المفروضة على التحكم في استخدام الإنترنت في السياسة الافتراضية(83)، لمنع استخدامها من المعارضة السياسية للتنسيق أو التشاور فيما بينها، فقد تجاوزت المعارضة تلك القيود من خلال مجموعة متنوعة من الحلول التقنية (84).

بلغ استخدام الإنترنت من ناشطي المعارضة ذروته في عصر الربيع العربي. حيث أدت وسائل التواصل الاجتماعي على خاصة دورًا مهمًا في نقل عدوى الثورة إلى سورية بعد اجتياحها دولًا عربية أخرى، ثم إشعال الثورة في الداخل السوري التي انطلقت من خلال نشر أخبار عن التظاهرات السلمية، وتعبئة الناشطين، وتنظيم الاحتجاجات، وفضح وحشية قوات النظام ضد المتظاهرين السلميين(85). أدى هذا دورًا مهمًا جدًا، خاصة أن النظام كان قد أجلى جميع الصحافيين من البلاد بعد اندلاع انتفاضة 2011(86).

استخدم الناشطون الإنترنت بإمكاناته كلها، على عكس أحزاب المعارضة السياسية الذين لم يتمكنوا من استغلال الإنترنت لإشراك الجماهير، أو حتى استخدامه أداة تسويقية لمصلحتهم. على سبيل المثال، لم يتم استخدام المواقع الإلكترونية للأحزاب مطلقًا في السياق السوري أداة تشاركية أو تنظيمية. وبينما تمتلك بعض الأطراف مواقع ويب، فضل بعضهم الآخر الاكتفاء بإنشاء حسابات على منصات وسائل تواصل اجتماعي مختلفة. ومع ذلك، اقتصرت المواقع الإلكترونية على خدمة أغراض إدارية، مثل عرض معلومات حول الأعضاء المؤسسين للحزب، والنشاط، والأخبار الحديثة، والترويج لأفكار ومبادرات قادة الحزب، والإعلان عن مواقف الحزب تجاه الأحداث والتطورات السياسية(87). مع أن مثل هذه المواقع لديها القدرة على أن تكون وسيطًا تفاعليًا بدلًا من قَصر الرسالة على اتصال أحادي الاتجاه(88). ومع ذلك، فإن استخدام الإنترنت إلى أقصى إمكاناته يتطلب، في المقام الأول، رغبةً من صناع القرار في الحزب التي كانت غائبًة في السابق لأسباب مختلفة، كما يجادل هيغ وأوم، “هذا التردد ينبع بلا شك من ترابط أسباب نفسية وهيكلية ومؤسسية”(89).

في السياق السوري، لم يتم استخدام الإنترنت أبدًا أداة لبناء العلاقات مع القواعد الجماهيرية والحفاظ عليها، ولم يتم استخدام تقنيات الاتصال والمعلومات الجديدة أبدًا لبناء علاقات بين الأحزاب، أو بين الأحزاب والقواعد الجماهيرية في محاولة لاستعادة ثقتهم.

 فشلت الاحزاب في استغلال الميزة التشاركية الممكنة للتكنولوجيا. بحسب الإحصائيات، ارتفع عدد مستخدمي الإنترنت بمقدار 422 ألف (+ 5.5٪) بين عامي 2019 و2020، وبحلول كانون الثاني/ يناير 2020، كان هناك 8.11 مليون مستخدم للإنترنت في سورية. نحو ستة ملايين من هؤلاء كانوا من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في شباط/ فبراير 2020(90). هذه الأرقام من داخل سورية فحسب، ولكنها قد تكون أكثر كثيرًا إذا ما تم أخذ السوريين الذين يعيشون خارج بلدهم في الحسبان. ومع ذلك، هناك قليل من الأبحاث الموثوقة، إن وجدت، حول استخدام الإنترنت في مخيمات اللاجئين وبين النازحين داخليًا، ولكن مرة أخرى يمكن الاستدلال على أن مستويات المستخدمين فيها من المرجح أن تكون منخفضة بالنظر إلى الحالة السيئة للبنية التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية، والحالة المعيشية المروعة لهؤلاء الناس عامة.

 

1- سيناريو التغيير: رقمنة الأحزاب

تم التأكيد على حكم حزب البعث العربي الاشتراكي مرة أخرى بعد أكثر من أربعين عامًا، ولم تبذل أحزاب المعارضة جهدًا كافيًا لتبديد المفهوم السلبي للحزب داخل سورية، وهنا تجب الإشارة إلى أن السلبية تجاه الأحزاب ليست ظاهرة محصورة بسورية فحسب(91)، وإنما تظهر دراسات عديدة أن الجماهير لديهم شكوك متزايدة حول الأحزاب التقليدية، ويشككون في كونها جديرة بالثقة لتمثيل مطالبهم، حتى إن بعضهم يشك في ضرورة الحزب بوصفه وحدة تنظيم العمل الجماعي. تنعكس هذه الفكرة السلبية من خلال التراجع في عدد الأعضاء، وانخفاض نسبة التصويت في الانتخابات العامة. ونتيجة ذلك، تفقد الأحزاب الدعم المالي الأساس ومصادر المتطوعين، من المؤيدين على الأرض والناشطين(92).

 لقد تم استغلال عدم الثقة بالأحزاب السياسية من البدائل المختلفة التي تجذب الجماهير، مثل المنظمات غير الحكومية ومنصات التواصل الاجتماعي. تواجه هذه البدائل معضلة، فهي ليست أحزابًا، ولكنها مع ذلك تحتاج إلى تجميع المطالب والمصالح العديدة للناس في برامج منظمة(93).

ومع ذلك، فإن التطور التاريخي للأحزاب هو عملية مستمرة، وأدوار الحزب تتغير باستمرار لتلائم أوضاع المجتمع. نشأت الأحزاب الرقمية استجابة لمتطلبات التغيير بدافع من الحركات الاجتماعية والسياسية التي تطالب بتغيير الأنظمة السائدة الحالية(94)، هذه الأحزاب هي انعكاس للتقدم التكنولوجي في العصر الحالي، وتجربة تسعى لمعالجة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السائدة في المجتمع(95).

 

2- ما الحزب الرقمي؟

يذكر جرباودو في تعريفه الحزب الرقمي، أن “مصطلح الحزب الرقمي يحاول التقاط الجوهر المشترك الذي شوهد عبر عدد من التشكيلات السياسية المتنوعة تمامًا التي ظهرت في السنوات الأخيرة، والتي تتقاطع في محاولة مشتركة لاستخدم التكنولوجيا الرقمية، لابتكار أشكال جديدة من المشاركة السياسية وصنع القرار الديمقراطي”(96).

بعبارة أخرى، الحزب الرقمي هو تشكيل سياسي جديد يستخدم التقنيات الرقمية لتسهيل الديمقراطية المباشرة، بدلًا من تشكيل تمثيلي يختار فيه الجماهير ممثليهم للعمل نيابة عنهم، ويُزعم أنهم يظلون مسؤولين أمام الجماهير. وعلى الرغم من احتفاظ السياسيين بالسلطة في الديمقراطية التمثيلية، فإن الهدف هو نقل السلطة السياسية الاحتكارية من أيدي السياسيين إلى الجماهير العاديين، من خلال المشاركة الجماهيرية عبر المنصات الرقمية، مع استبدال بيروقراطية الأحزاب التقليدية بالتواصل المباشر بين الأعضاء والقيادة.

 

3- ظهور الحزب الرقمي

ظهرت الأحزاب الرقمية في بداية الألفية، وتم تعزيزها بشكل أكبر بعد الأزمة المالية العالمية في 2007-2008 جنبًا إلى جنب مع نمو وسائل التواصل الاجتماعي(97). من خلال استخدام هذه التكنولوجيا، تعد الأحزاب الرقمية بإعادة سيطرة الجماهير على حياتهم السياسية، والاستجابة للاحتياجات والتطلعات الجماهيرية. فهي تشركهم في تشكيل المجال السياسي من خلال التفاعل على نطاق واسع، والمشاركة في وضع السياسات، والانضمام إلى عمليات صنع القرار، إضافة إلى القضاء على البيروقراطية الضخمة للأحزاب التقليدية. يُنظر إلى هذه البيروقراطية على أنها عقبة أمام الاتصال المباشر بين الأعضاء والقيادة، وعائق أمام مساءلة ممثليهم عن القرارات والنتائج السياسية(98).

تقليدًا لمفاهيم منصات الوسائط الاجتماعية، تحاول الأحزاب الرقمية استخدام الإنترنت لتحقيق مشاركة لقاعدة واسعة من الأعضاء. يتم تشجيع الجماهير على المشاركة في هذه الديمقراطية المباشرة بعضوية مجانية. وباستخدام منصات الحزب الرقمية في التعبير عن مخاوفهم اليومية والخروج بمبادرات لحلها، تعمل هذه المنصات على إشراك الأعضاء في مناقشة المشكلات بنشاط واقتراح الحلول. إلى جانب التصويت على القضايا والسياسات الحاسمة، فإنها تشمل أيضًا المناصب القيادية للحزب، والتفاصيل الأخرى المتعلقة باستراتيجية الحزب.

هناك عديد من الأحزاب والحركات والحملات التي توصف بأنها أحزاب رقمية، إلا أن هذه التشكيلات تختلف في درجة تكيفها مع التكنولوجيا والهيكل الرقمي، بينما تشترك جميعها في تبني أجندة الديمقراطية الرقمية، للوصول إلى التغيير الذي يدعون إليه.

من أوائل الأمثلة على ذلك أحزاب القرصنة في شمال أوروبا التي تأسس أولها في السويد عام 2006، وحصلت على مقعدين في البرلمان الأوروبي في انتخابات البرلمان الأوروبي. تأسس حزب القراصنة الدولي (PPI-Pirate Party International)(99) في بروكسل عام 2009 بالتنسيق مع عديد من أطراف القرصنة الأخرى في مختلف دول شمال أوروبا، مثل ألمانيا وجمهورية التشيك وأيسلندا، وأصبح هذا الأخير ثالث أكبر حزب في أيسلندا في الانتخابات التشريعية لعام 2017. ومع ذلك، فقد حققت بعض الأحزاب الرقمية نتائج انتخابية، وبعضها الآخر لم يحققها. من الأحزاب التي فشلت، على سبيل المثال، الأحزاب التي بدأت في أميركا الجنوبية باستخدام مفهوم حزب القرصنة نفسه، ولكن بأسماء مختلفة، مثل Partido de la Red (حزب الشبكة) في الأرجنتين، وWikipartido (حزب الويكي) في المكسيك.

لعل أحد أكثر مظاهر التشكيلات الرقمية نجاحًا MoVimento 5 Stelle M5S (حركة الخمس نجوم). بعد انطلاقه في عام 2009، وبنجاح تدريجي، أصبح الحزب الأول في البرلمان الإيطالي بعد الانتخابات الوطنية لعام 2018. مثال آخر حزب بوديموس في إسبانيا. في عام 2014، بعد وقت قصير من تأسيسه، تم انتخاب خمسة أعضاء من الحزب لعضوية البرلمان الأوروبي بعد حصولهم على ثمانية في المئة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية. علاوة على ذلك، جاء في المركز الثالث في الانتخابات البرلمانية 2015-2016(100).

في الحالة السورية، يمكن لمفهوم الحزب الرقمي إنهاء هيمنة النخبة على العملية السياسية، وتحويل عدم المبالاة السياسية بالقاعدة الجماهيرية إلى مشاركة نشطة من خلال إشراكهم، وتشجيعهم على المشاركة في المستقبل السياسي للبلاد. يمكن القول إن أحد الحلول هو أن تحول أحزاب المعارضة نفسها من شكل حزبها الكادر الحالي إلى شكل حزبي جماهيري. لكن هناك عقبات عديدة لتحقيق هذا التحول. أحدها الحواجز الجغرافية والمادية. يمثل انتشار السوريين في أنحاء العالم كافة تحديات مالية ولوجستية لأي تجمعات فيزيائية، ما يجعل من الصعب تنفيذ شكل حزبي جماهيري. من ناحية أخرى، من المهم أيضًا الوصول إلى الأشخاص داخل سورية، إن كانوا في المناطق الخاضعة للمعارضة أو الخاضعة لسيطرة النظام. لذلك، من الضروري استخدام تقنيات رقمية مبتكرة للتعويض عن الوظائف المهمة للأحزاب التقليدية، مثل التفاعل مع الجماهير وتثقيفها ورفع مستوى وعيها، حيث يمكن تحقيق ذلك من خلال استخدام الإنترنت.

 

4- مزايا الحزب الرقمي

 

أ- العضوية

أعادت الأحزاب الرقمية تعريف مفهوم عضوية الحزب السياسي، وأعادت تشكيله عبر محاكاة عضوية “تسجيل الدخول” إلى منصات التواصل الاجتماعي. من خلال القيام بذلك، تنهي الأحزاب الرقمية اعتمادها المالي على رسوم العضوية، وهو مصدر تعتمده الأحزاب التقليدية. يمكن النظر إلى هذا الشكل الجديد للعضوية على أنه نوع من الحل لتراجع عدد أعضاء الحزب على مر السنين(101). إضافة إلى ذلك، يمكن إنشاء شبكات جديدة، بناءً على علاقة مع الأعضاء يكون فيها الاتصال سهلًا ومنتجًا وفاعلًا من حيث التكلفة(102).

تهدف هذه العضوية الجديدة إلى إشراك أكبر عدد ممكن من الأشخاص، بغض النظر عن أي خلفيات اجتماعية واقتصادية. إن الهدف هو تعزيز الأفضلية العددية، التي تعني ضمنًا القدرة على تعبئة الجماهير وتنظيمها. علاوة على ذلك، يشكل العدد الكبير من الأعضاء قاعدة هائلة من المتطوعين النشطين الذين يمكن تجنيدهم مصادرَ للمساعدة السياسية المجانية. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى إشراك الأعضاء الأقل نشاطًا لنشر أخبار الحزب، من خلال الحد الأدنى من النشاط الرقمي المتمثل في “الإعجاب بـ ” أو “مشاركة” منشورات الحزب. ومن ثم، فإن الأحزاب الرقمية تتجنب الحاجة إلى كادر مدفوع الأجر، تتغلب على البيروقراطية عبر استبدال عنصر “جهاز” الأحزاب التقليدية بمنصة تشاركية، ما يؤدي إلى نزع الوساطة في العلاقة بين أعضاء وقادة الحزب(103).

 

ب- المنصات

وفقًا لجرباودو، “المنصات هي أنظمة رقمية تعمل على أنها بيئات تنفيذ البرامج والتطبيقات المختلفة”(104). المنصة ضرورية للحزب الرقمي؛ في الواقع، إنها تحل محل العنوان المادي الذي اعتادت الأحزاب التقليدية على استخدامه. إنها طريقة فاعلة من حيث التكلفة لإشراك الجماهير، فهي تخفض التكاليف العامة مثل الرواتب والمكاتب والمصروفات الأخرى ذات الصلة للحزب التقليدي. إنها أداة متعددة الاستخدامات، تُستخدم للترويج لقيم الحزب، حيث تتيح جمع البيانات باستمرار، وتعديل استراتيجية الحزب وفقًا لذلك. تسهّل التفاعل بين الأعضاء والقادة من خلال توفير قنوات اتصال ثنائية الاتجاه، مع توفير القدرة على ضبط مستوى الردود. كما أنها تسهّل عمليات صنع القرار من خلال القضاء على الطريقة الهرمية المتعددة المستويات التي تستخدمها الأحزاب التقليدية، بدلًا من اعتماد عمليات مباشرة من القاعدة إلى القمة. تقوم المنصات أيضًا بإنشاء شبكات من هياكل محددة بدرجات خصوصية متفاوتة للأعضاء. حيث يمكن تقييد هذه الوظائف من خلال تصميم المنصة التي قد تحدد مدى التأثير الذي يمكن أن تمارسه هذه المنصات في تعزيز المشاركة السياسية للأعضاء.

يتم تصميم المنصات بطرق متنوعة لخدمة احتياجات وأهداف الحزب. قد تستخدم بعض الأحزاب المنصات المصممة لهذا الغرض، بينما يستخدم بعضها الآخر منصات تفاعلية جاهزة، بما في ذلك منصات التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، حتى مع إنشاء منصة مخصصة، لا يجب على الأحزاب الرقمية أن تهمل أهمية منصات وسائل التواصل الاجتماعي في نشر رسائلها وقيمها على أوسع شريحة من الجماهير. تستخدم التشكيلات المختلفة منصات مختلفة لإشراك الجماهير في السياسة، مثل منصة Rousseau لحركة الخمس نجوم أو أحزاب القرصنة التي تستخدم تطبيق LiquidFeedback. الهدف من استخدام هذه المنصات هو الاستغناء عن الوسطاء بين مختلف الأعضاء، و بين الأعضاء والقادة، وبالتالي الاستغناء عن البيروقراطية المعتادة(105).

 

ج- المشاركة

مع وجود منصات تفاعلية جديدة سهلة الاستخدام وبعضوية مجانية، أصبحت المشاركة خيارًا قابلًا للتطبيق. على الرغم من ندرة الدراسات -إن وجدت- حول العلاقة بين استخدام الإنترنت والنشاط السياسي في البلدان غير المستقرة سياسيًا، بما في ذلك سورية، إلا أن هناك بعض الدراسات في الدول الغربية تُظهر ارتفاع المشاركة السياسية بين الأشخاص الذين يستخدمون الإنترنت، حتى في غياب الدافع السياسي.

تعد الأحزاب الرقمية بالديمقراطية المباشرة والمشاركة المفتوحة، الأمر الذي سيتيح للناس التعبير عن آرائهم حول القضايا الرئيسة المتعلقة بحياتهم، وهي مهمة أساس للحزب، كما أشار سارتوري “الأحزاب هي قنوات التعبير”(106). يوفر الإنترنت قناة لحرية التعبير ويمنح للأشخاص العاديين حق تبادل المعلومات والمواد ذات الأهمية بحرية. من خلال استخدام الإنترنت أداة رئيسة للتواصل، تعمل الأحزاب الرقمية على تعزيز المشاركة الجماعية عبر الوصول إلى القواعد الجماهيرية أينما وجدت، والتفاعل معها، وبناء العلاقات معها والحفاظ عليها. ما يتيح القيام بنشاط متنوع، بما في ذلك استبيان آراء الجماهير وتلقي مبادراتهم، وحشد أفكارهم، والتداول في الموضوعات، والاقتراع على قضايا مختلفة، وتمكين المساهمة الجماعية، والوصول إلى عمليات صنع القرار. يساهم هذا النشاط في تشكيل النوى الأساس للمشاركة السياسية(107).

هذا النوع من المشاركة مرتبط بتطور تقنيات الاتصال عبر الإنترنت التي توفر الأدوات لتسهيل هذه الأساليب الجديدة، توفر منصات التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص وسيلة اتصال سهلة وغير مكلفة نسبيًا للوصول إلى الجماهير بسهولة. ومع ذلك، فإن اعتماد الأحزاب الرقمية الإنترنت يتطلب أيضًا أن تكون مرنة؛ حيث تحتاج إلى تكييف السياسات بسرعة مع البيئات المتغيرة، ولا سيما التركيز على تطلعات الأجيال الشابة التي تشكل أغلبية المستخدمين.

يعد الإنترنت أداة التواصل بين الجمهور وممثليه السياسيين لتحقيق أهداف ديمقراطية. يشكل تدفق المعلومات المفتوح في اتجاهين جودة تمثيل هذه الأحزاب، لذلك، فإن استعادة تمثيل القواعد الجماهيرية سيكون مكسبًا مهمًا تحققه الأحزاب الرقمية. وبالمثل، فإن شفافية السياسات واستراتيجيات صنع القرار الناتجة عن المقاربة الرقمية هي خطوة نحو المساءلة والحوكمة الرشيدة لتلك الأحزاب.

أخيرًا، العضوية السهلة والمفتوحة وغير المشروطة تقضي على أي شكل من أشكال التمييز بناء على الجنس أو الدين أو العرق أو الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. ينتج عن هذا فرصة لمزيد من الشمولية والمشاركة المتساوية، خاصة بالنسبة إلى النساء اللواتي كن تقليديًا مُمَثلات تمثيلًا سياسيًا ناقصًا بسبب تحديات عديدة مثل المسؤوليات المنزلية التي تمنع المشاركة في الاجتماعات الفيزيائية.

 

5- فوائد إضافية للأحزاب الرقمية في السياق السوري

إن فرص الانتشار الواسع للأحزاب الرقمية التي يوفرها الإنترنت تمنحها القدرة على تسهيل تنظيم وتعبئة القواعد الجماهيرية، ما يسهل على القيادة دعوة الجماهير إلى العمل، وتنظيم النشاط على الإنترنت ثم في الواقع، ما يجعل الحزب الرقمي نشطًا في مجال الجماهير. وهذا من شأنه التغلب على تراجع العمل الجماعي عبر الممثلين التقليديين. علاوة على ذلك، إتاحة إمكانية تنظيم دورات تدريبية على الإنترنت لنشر المعرفة والوعي حول القضايا المهمة لأعضاء الحزب(108).

هناك القدرة على توسيع الوصول السياسي عبر القنوات المنظمة التي توفرها أساليب الأحزاب الرقمية أيضًا. في سورية، قد يكون لدى المعارضة فرصة للترويج لمُثل الثورة في أنحاء البلاد جميعها وحول العالم، وذلك باستخدام الوسائل الإبداعية لمجموعات النقاش، ورسائل البريد الإلكتروني، لإنشاء شبكات معارضة لسلطة الدولة الاستبدادية، وداعمة للتحول الديمقراطي باستخدام الإنترنت أداة اتصال لنشر رسالتهم لبناء دعم محلي ودولي للإصلاح.

نظرًا إلى التكلفة المنخفضة نسبيًا للإنترنت، فإن اللجوء إلى الشكل الرقمي سيمكن الأحزاب ذات الموارد المحدودة من زيادة تمثيلهم الإعلامي وتأمين وجودهم(109). الأحزاب التي تلقت سابقًا تغطية قليلة أو معدومة في وسائل الإعلام التقليدية سيكون لديها منصة يمكن من خلالها الوصول إلى جمهور أكبر كثيرًا، لتحل محل الاعتماد على وسائل الإعلام التقليدية لنشر رسائلها. سيكون ذلك مهمًا نظرًا إلى الوجود المتواضع للمعارضة في وسائل الإعلام التقليدية (غير مواقع التواصل الاجتماعي)، وندرة القنوات الفضائية المعارضة، مع فشل بعضها في الاستمرار بعد نشأتها(110)، وإعطاء بعضها الآخر الأولوية للأجندات الخاصة ومصالح أصحابها على أي أجندة وطنية.

 

6- تحديات الأحزاب الرقمية

تشمل تحديات الأحزاب الرقمية المخاوف المتعلقة بالإنترنت مثل الأمن الرقمي، ونقص الخصوصية، وحماية البيانات الحساسة من الأطراف الثالثة، وغياب المعايير والضوابط(111).

ومع ذلك، هناك تحديات أخرى تتعلق بقدرة الأحزاب الرقمية على الالتزام بأهدافها المعلنة. تتمثل إحدى المخاطر المحتملة في أنه بدلًا من الدفع باتجاه الديمقراطية المباشرة، قد تتحول إلى ديمقراطية الاستفتاء. وسيقتصر دور المواطنين في الأخيرة على قبول أو رفض الاستفتاءات أو المبادرات التي تقترحها القيادات الحزبية، من دون أن تكون جزءًا من عملية اقتراح سياسات الحزب ومناقشتها وتشكيلها(112). لتجنب ذلك، يجب على الأحزاب الرقمية إشراك الأشخاص من خلال التفاعل مع الأعضاء وتوفير خيارات الاستعانة بالجماهير، مع الانفتاح على الأفكار المختلفة بدلًا من محاولة استخدام أصوات الجماهير لتنفيذ رؤية قيادة الحزب. وبالمثل، فهم بحاجة إلى استخدام التكنولوجيا لتعزيز الخاصية التشاركية التي يفتقرون إليها حاليًا، وتجنب استخدامها لمجرد تمكين ممارسات الحزب الحالية.

تحد آخر هو أن الأحزاب الرقمية تميل عادة إلى جذب مجموعة محددة من المكونات التي لا تمثل الشرائح كلها. عادة ما يكون هؤلاء المشاركون متعلمين تعليمًا عاليًا، ويتقنون استخدام الإنترنت، ما يعني عادةً جمهرة الشبان النشطين والمهرة. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى استبعاد الأشخاص ذوي المهارات الرقمية المتدنية، الذين لا يملكون إمكان الوصول إلى شبكة الإنترنت، أو يملكون وصولًا محدودًا إليها. للتغلب على هذا، يتعين على الأحزاب الرقمية التوصل إلى آليات جديدة لإشراك المواطنين، واستخدام حلول مبتكرة، وأساليب غير مرتبطة بالإنترنت. على سبيل المثال، من خلال استخدام الموارد غير الرقمية التكميلية، وبذلك تجذب جمهورًا أوسع متخلصة من مخاطر العضوية الشكلية، التي تجعل من الأعضاء مجرد حياديين من دون نشاط أو التزام، وهو إشكال غالبًا ما يرتبط بأنماط عضوية وسائل التواصل الاجتماعي.

ومع ذلك، فإن مشاركة الجماهير في صنع القرار وما يترتب على ذلك من ضرورة التكيف مع نتائج مطالبهم ورغباتهم، من شأنه أن يزيد من مخاطر تغيير المبادئ والقيم الأصلية للأحزاب، الأمر الذي قد يقوض صدقية الحزب من حيث ما ويدعو إليه في المقام الأول. علاوة على ذلك، فإن العضوية المفتوحة مع منصة مفتوحة للنقاش وصنع القرار قد تعرض الحزب للاستيلاء عليه من المعارضين أيضًا. وفي الحالة السورية، وبسبب الصراع الحالي، سيكون الخطر أكبر بالنسبة إلى الأطراف المعارضة مع استخدام نظام الأسد للجيش الإلكتروني(113).

علاوة على ذلك، فإن التوتر الشديد والحساسية في هذه المرحلة من الصراع سيشكلان خطر زيادة استقطاب الرأي بين المعارضة نفسها من جهة، والسوريين جميعهم من جهة أخرى، حيث يميل الجماهير إلى الانجذاب إلى الآخرين الذين يشاركونهم آراءهم وقيمهم.

أخيرًا، فإن تطبيق التقنيات الرقمية ليست هدفًا بحد ذاتها. حيث إن استخدامها لن يرمم الثقة الجماهيرية بالأحزاب القائمة. بل هي أدوات يجب استخدامها لتنظيم ودمج النشاط عبر الإنترنت وعلى الأرض، لإشراك القواعد الجماهيرية والتغلب على استبعادهم من المجال السياسي. إضافة إلى ذلك، تقدم هذه الأحزاب فرصة لتضييق الفجوة بين الجماهير والنخب.

 

الخاتمة

تعاني الأحزاب السورية مشكلات داخلية وخارجية عديدة، ولعل ممارسات الإقصاء الجماعي أهم أسباب تلك المشكلات. يبدو أن العمل السياسي لأحزاب المعارضة قد فقد اتجاهه خلال الصراع السوري عبر تهميش القاعدة. فبدلًا من أن تكون أدوات العمل الجماعي والمشاركة الجماهيرية والتمثيل العام، تراجعت الأحزاب إلى تشكيلات من نوع الكادر أو النخبة، لا تهتم إلا بمصالحها الخاصة ومشاركتها في المشهد السياسي. وبدلًا من القيام بدورها في تحديث المجتمع السوري، ورفع الوعي، وتثقيف المواطنين وبناء هوية وطنية مشتركة، تنازلت عن هذه الأدوار، لتتبع مصالح عرقية أو أيديولوجية ضيقة، وفي بعض الأحيان أجندات خارجية. ونتيجة ذلك، فقدت أحزاب المعارضة ثقة وتمثيل القاعدة الجماهيرية، وفي الوقت نفسه أهدرت القدرات والمؤهلات الكامنة لتلك الجماهير.

لإعادة إشراك الجماهير في العملية السياسية، يمكن أن يمثل شكل الحزب الرقمي خصوصًا الأداة الشاملة والحل المبتكر المطلوب. من خلال منصته التشاركية المفتوحة التي يسهل الوصول إليها، والتي تسمح بسياسات شفافة من القاعدة إلى القمة وتتيح عمليات صنع القرار، قد يغير هذا من عدم المبالاة وانعدام الثقة لدى الجماهير، ويحفز الجماهير على المشاركة مرة أخرى. وفي حين أن الأحزاب الرقمية وحدها لن تكون قادرة على معالجة التعقيدات الهائلة لتشكيلات المعارضة، إلا أنها يجب أن تستخدم بقوة لاستعادة الثقة والشرعية في المشهد السياسي.

 

المراجع

  1. Lina Khatib and Lina Sinjab, “Syria’s Transactional State: How the

Conflict Changed the Syrian State’s Exercise of Power,” Chatham House, October 10, 2018, https://www.chathamhouse.org/2018/10/syrias-transactional-state

  1. Raymond Hinnebusch, Syria: Revolution from Above (Routledge & CRC Press, 2002), 85.
  2. Raymond Hinnebusch and David W. Lesch, “Syrian Arab Republic,” in The Government and Politics of the Middle East and North Africa, ed. Mark Gasiorowski (Boulder, CO: Westview Press, 2014), 265.
  3. John Galvani, “Syria and the Baath Party,” MERIP Reports, no. 25, 1974, 3–16. https://doi.org/10.2307/3011567.
  4. Najib Ghadbian, “Contesting Authoritarianism, Opposition Activism under Bashar al-Asad, 2000-2010,” in Syria from Reform to Revolt: Volume 1: Political Economy and International Relations, ed. Raymond Hinnebusch and Tina Zintl (Syracuse University Press:2015).
  5. Pippa Norris, “Building Political Parties: Reforming Legal Regulations and Internal Rules,” Harvard University, 2004 https://aceproject.org/ero-en/topics/parties-and-candidates/pippa.pdf/view
  6. Raymond Hinnebusch and Omar Imady, eds., The Syrian Uprising: Domestic Origins and Early Trajectory, (United States: Routledge, 2018).
  7. “The Damascus Spring,” Carnegie Middle East Center, April 01, 2012, https://carnegie-mec.org/diwan/48516?lang=en.
  8. ‘The Damascus Declaration’, Carnegie Middle East Center, March 01, 2012, https://carnegieendowment.org/syriaincrisis/?fa=48514
  9. Liam Stack, “Syrian Leader Says He Will Lift Emergency Law,” The New York Times, April 16, 2011, https://www.nytimes.com/2011/04/17/world/middleeast/17syria.html
  10. “Constitution of the Syrian Arab Republic Approved in Popular Referendum on February 27, 2012,” SANA, October 14, 2012, https://web.archive.org/web/20121014034300/http://sana.sy/eng/370/2012/02/28/401178.htm
  11. Anthony Shadid, “Syrian Protesters Defy Crackdown and Gain Momentum,” The New York Times, May 20, 2011, https://www.nytimes.com/2011/05/21/world/middleeast/21syria.html
  12. Nada Bakri, “Syria Said to Fire on Protest in Defiance of Global Rebuke,” The New York Times, August 19, 2011, https://www.nytimes.com/2011/08/20/world/middleeast/20syria.html.
  13. “Civil War in Syria,” Global Conflict Tracker, accessed September 23, 2020, https://cfr.org/global-conflict-tracker/conflict/civil-war-syria
  14. “Situation Syria Regional Refugee Response,” Accessed May 10, 2020, https://data2.unhcr.org/en/situations/syria#_ga=2.138289200.108274907.1589067229-818897635.1589067229.
  15. “Syrian National Council,” accessed September 8, 2020, http://syriancouncil.org/.
  16. “Syrian National Coalition of Syrian Revolution and Opposition Forces,” accessed September 8, 2020, http://en.etilaf.org/.
  17. Mohamed H. Hafez, “The Higher Negotiation Committee and Syrian Negotiation Committee,” Al Sharq Think Tank, May 25, 2018, https://research.sharqforum.org/2018/05/25/the-higher-negotiation-committee-and-syrian-negotiation-committee/.
  18. Hazem Nahar, “Criticism of the Opposition’s Political Discourse during the Revolution,” in The Revolution’s Background: Syrian Studies, ed. (Arab Center for Research & Policy Studies, 2013), 267.
  19. Nahar, “Criticism of the Opposition’s Political Discourse”, 277.
  20. Anthony Shadid, “Coalition of Factions from the Streets Fuels a New Opposition in Syria,” The New York Times, June 30, 2011, https://www.nytimes.com/2011/07/01/world/middleeast/01syria.html.
  21. Burhan Ghalioun, Self-Criticism: Events of Unaccomplished Revolution, Syria, 2011-2012 (Beirut: Arab Network for Research and Publishing, 2019), 85.
  22. Sasha Alalo, Political Configurations During the Syrian Revolution (Trends, Weights and Tracks) (Gaziantep: Harmoon Center for Contemporary Studies, 2018), 29, 35.
  23. Alan Ware, Political Parties and Party Systems (Oxford: Oxford University Press, 1996), 2.
  24. Hazem Nahar, “Introduction: Premises of Building Modern Political Configuration”, in Political Configurations During the Syrian Revolution (Trends, Weights and Tracks), (Gaziantep: Harmoon Center for Contemporary Studies, 2018), 18.
  25. Giovanni Sartori, Parties and Party Systems: A Framework for Analysis (Colchester, England: ECPR, 2005), 54.
  26. Kayla Koontz, “Borders Beyond Borders: The Many (Many) Kurdish Political Parties of Syria,” Middle East Institute, October 25, 2019, https://www.mei.edu/publications/borders-beyond-borders-many-many-kurdish-political-parties-syria.
  27. Nahar, “Introduction,” 16.
  28. Ghalioun, Self-Criticism, 132.
  29. Alalo, Political Configurations, 303.
  30. Richard S. Katz, “International Standards in the Field of Legislation on Political Parties,” a presentation, University of Bucharest, Romania, October 18, 2013, https://www.osc
  31. Nahar, “Introduction,” 17.
  32. Alalo, Political Configurations, 303.
  33. Alalo, Political Configurations, 200.
  34. Nahar, “Introduction,” 13-23.
  35. “The Muslim Brotherhood in Syria,” Carnegie Middle East Center, February 01, 2012, https://carnegieendowment.org/syriaincrisis/?fa=48370.
  36. Michel Seurat and Gilles Kepel, Syrie, l’État de Barbarie (Paris: Presses Universitaires de France, 2012).
  37. Ghalioun, Self-Criticism, 288-290.
  38. Ghalioun, Self-Criticism, 288-290.
  39. Ghalioun, Self-Criticism, 318-320.
  40. Giovanni Sartori, Parties and Party Systems, 37.
  41. Norris, “Building Political Parties,”
  42. “The Supreme Council for the Leadership of the Syrian Revolution,” Carnegie Middle East Center, December 20, 2012, https://carnegie-mec.org/diwan/50424?lang=en.
  43. Ghalioun, Self-Criticism, 305-306.
  44. Sarra Grira, “Cracks Emerge in Syrian Opposition amid Ongoing Anti-Government Protests,” The France 24 Observers, January 13, 2012, https://observers.france24.com/en/20120113-syria-cracks-emerge-opposition-amid-ongoing-anti-government-protests-assad.
  45. Yezid Sayigh, “The Syrian Opposition’s Leadership Problem”, Carnegie Middle East Center, April 03, 2013, https://carnegie-mec.org/2013/04/03/syrian-opposition-s-leadership-problem-pub-51373.
  46. Yezid Sayigh, “The Syrian Opposition’s Leadership Problem”.
  47. Alalo, Political Configurations, 304.
  48. Michels Robert, Political Parties: A Sociological Study of the Oligarchical Tendencies of Modern Democracy (New York: Hearst’s International Library Company, 1915).
  49. Norris, “Building Political Parties,”
  50. Nahar, “Introduction,” 15-23.
  51. Lama Kannout, In the Core or on the Margin: Syrian Women’s Political Participation (The Syrian Feminist Lobby, 2016), https://www.euromedwomen.foundation/pg/en/documents/view/7294/in-core-or-on-margin-syrian-womens-political-participation.
  52. Ghalioun, Self-Criticism, 305.
  53. Alalo, Political Configurations, 199.
  54. Alalo, Political Configurations, 304.
  55. Alalo, Political Configurations, 200, 304.
  56. Ghalioun, Self-Criticism 239-247.
  57. Rania Abouzeid, “The Soldier Who Gave Up on Assad to Protect Syria’s People,” Time, June 13, 2011, http://content.time.com/time/world/article/0,8599,2077348,00.html.
  58. Charles Lister, “The Free Syrian Army: A Decentralized Insurgent Brand,” Brookings, November 30, 2016, https://www.brookings.edu/research/the-free-syrian-army-a-decentralized-insurgent-brand/.
  59. Azmi Bishara, Syria: A Way of Suffering to Freedom, A Foray into Current History (Arab Center for Research and Policy Studies, 2013).
  60. Ghalioun, Self-Criticism, 258.
  61. Ghalioun, Self-Criticism, 310.
  62. Joseph LaPalombara and Myron Weiner, “The Origin of Party System,” in The West European Party System, ed. Mair Peter (Oxford: Oxford University Press, 1990), 25.
  63. Otto Kirchheimer, “The Catch-All Party,” in The West European Party System (Oxford: Oxford University Press, 1990), 50-60.
  64. Richard S. Katz, and Peter Mair. “Changing Models of Party Organization and Party Democracy: The Emergence of the Cartel Party,” Party Politics 1, no. 1 (January 1995): 5–28.
  65. Paolo Gerbaudo, The Digital Party: Political Organisation and Online Democracy (Pluto Press, 2018). 2-7.
  66. Maurice Duverger, “Caucus and Branch, Cadre Party and Mass Party,” in The West European Party System, ed. Mair Peter (Oxford: Oxford University Press, 1990), 40-45.
  67. Duverger, “Caucus and Branch,” 40-45.
  68. Peter Mair, ed., The West European Party System (Oxford: Oxford University Press, 1990), 2.
  69. Mair, The West European Party System, 3.
  70. Anthony King, “Political Parties in Western Democracies: Some Sceptical Reflections,” Polity, 2/2 (1969), 111-41.
  71. Osama Al-Gazali Harb, Political Parties in the Third World, vol. 117 (عالم المعرفة، 1987), 78-80.
  72. Duverger, “Caucus and Branch,” 40-45.
  73. Max Weber, ‘Politics as a Vocation’, in From Max Weber: Essays in Sociology (Routledge, 1998), 77.
  74. Harb, Political Parties in the Third World, 99.
  75. Maurice Duverger, Political Parties: Their Organization and Activity in the Modern State (London: Methuen, 1954).
  76. Elizabeth F Thompson, “Rashid Rida and the 1920 Syrian-Arab Constitution,” in The Routledge Handbook of the History of the Middle East Mandates, ed. Cyrus Schayegh and Andrew Arsan (Abingdon: Routledge, 10 Jun 2015).
  77. Bishara, A Way of Suffering to Freedom.
  78. Alalo, Political Configurations, 304.
  79. Nahar, “Criticism of the Opposition’s Political Discourse,” 304.
  80. Ghalioun, Self-Criticism, 289.
  81. Hinnebusch and Lesch, “Syrian Arab Republic,” 269.
  82. “Syria | OpenNet Initiative,” accessed September 14, 2020, https://opennet.net/research/profiles/syria.
  83. Walid Al-Saqaf, “Internet Censorship Circumvention Tools: Escaping the Control of the Syrian Regime,” Media and Communication 4, no. 1 (18 February 2016): 39–50, https://doi.org/10.17645/mac.v4i1.357.
  84. Al-Saqaf, “Internet Censorship Circumvention Tools,”
  85. Basma Atassi, “Syria’s Missing Narratives,” Reuters Institute Fellowship Paper University of Oxford 2015, https://reutersinstitute.politics.ox.ac.uk/our-research/syrias-missing-narratives.
  86. Rachel Gibson, Paul Nixon, and Stephen Ward, Political Parties and the Internet: Net Gain? ed. Gibson et al. (Routledge & CRC Press, 2003).
  87. Stephen Ward, Rachel Gibson and Paul Nixon, “Parties and the Internet an Overview,” in Political Parties and the Internet: Net Gain? ed. Gibson et al. (Routledge & CRC Press, 2003), 11-33.
  88. Rod Hague and Seung-Yong Uhm, “Online Groups and Offline Parties Korean Politics and the Internet,” in Political Parties and the Internet: Net Gain? ed. Gibson et al. (Routledge & CRC Press, 2003), 196.
  89. Simon Kemp, “Digital 2020: Syria,” DataReportal – Global Digital Insights, accessed June 16, 2020, https://datareportal.com/reports/digital-2020-syria.
  90. Scott C. Flanagan, ‘Models of Change,” in The West European Party System, ed. Peter Mair (Oxford: Oxford University Press, 1990), 232-246.
  91. Richard Gunther, José Ramón Montero, and Juan J. Linz, Political Parties: Old Concepts and New Challenges (Oxford University Press), 291.
  92. Katz, “International Standards in the Field of Legislation on Political Parties”
  93. Marina Sitrin and Dario Azzellini, They Can’t Represent us! Reinventing Democracy from Greece to Occupy (London: Verso Books, 2014).
  94. Frank Tachau, Political Parties of the Middle East and North Africa (Westport, Conn: Greenwood Press, 1994), xvii.
  95. Gerbaudo, The Digital Party, 7.
  96. Gerbaudo, The Digital Party, 50.
  97. Paolo Gerbaudo, The Mask and the Flag: Populism, Citizenism, and Global Protest (Oxford: Oxford University Press, 2017).
  98. “Pirate Parties International | PPI accessed 16 September 2020, https://pp-international.net/.
  99. Gerbaudo, The Digital Party, 11-12.
  100. Ingrid van Biezen, Peter Mair, Thomas Poguntke, ‘‘Going, Going … Gone? The Decline of Party Membership in Contemporary Europe,” European Journal of Political Research 51, 2012, 24–56.
  101. Susi Geiger and Shane Martin, “Building Relationships? The Marketing of Political Parties in Cyberspace,” paper presented at The Academy of Marketing Special Interest Group Political Marketing Conference, Bournemouth, September 15–16, 1999.
  102. Gerbaudo, The Digital Party, 93.
  103. Gerbaudo, The Digital Party, 69.
  104. Gerbaudo, The Digital Party, 69-73.
  105. Sartori, Parties and Party Systems, 24.
  106. Ian Budge, The New Challenge of Direct Democracy (Cambridge: Polity Press, 1996).
  107. Mark S. Bonchek, “Grassroots in Cyberspace: Using Computer Networks to Facilitate Political Participation,” paper presented at the 53rd Annual Meeting of the Midwest Political Science Association, Chicago, 1995.
  108. Carlos Cunha, Irene Martín, James Newell and Luis Ramiro, “Southern European Parties and Party Systems, and the New ICTs,” in Political Parties and the Internet: Net Gain? ed. Gibson et al. (Routledge & CRC Press, 2003), 70-90.
  109. Ahmad Al-Ibrahim,” “إيقاف البث التلفزيوني لقناة أورينت لـ”أسباب مجهولة”, April 8, 2020, إيقاف البث التلفزيوني لقناة أورينت لـ “أسباب مجهولة ” (alaraby.co.uk).
  110. Benjamin Roussey, “5 Challenges Facing the Internet of Things,” TechGenix, August 2016, http://techgenix.com/internet-of-things-challenges/.
  111. Jacek Zaleśny, “The Idea of Plebiscitary Democracy and Its Accommodation in the Countries of Post-Soviet Central Asia,” Journal of Entrepreneurship Education, May 26, 2018, https://www.abacademies.org/abstract/the-idea-of-plebiscitary-democracy-and-its-accommodation-in-the-countries-of-postsoviet-central-asia-7246.html.
  112. Helmi Noman, “The Emergence of Open and Organized Pro-Government Cyber Attacks in the Middle East: The Case of the Syrian Electronic Army,” OpenNet Initiative, accessed September 15, 2020, https://opennet.net/emergence-open-and-organized-pro-government-cyber-attacks-middle-east-case-syrian-electronic-army.

 

تنويه: نشرت هذه الدراسة بالإنكليزية بعنوان:

 The Digital Party as a Vehicle for Transformational Political Change in Arab Spring Countries: Opportunities for Syria

مركز الدراسات السورية، جامعة القديس آندروز، في 28 شباط/ فبراير 2021.

https://ojs.st-andrews.ac.uk/index.php/syria/article/view/2168

 

 

 

 

دينا رمضان

باحثة وناشطة متخصِّصة بالشأن السوري، تحصّلت على شهادة EMBA (ماجستير تنفيذي في إدارة الأعمال، PMP الشهادة الأميركية في إدارة المشاريع، درست العلوم السياسية (معهد سياسي)، مدير تنفيذي سابق في إحدى المنظمات الإنسانية المتخصِّصة بالشأن السوري.