ورقة خلفية لملف العدد الثاني من مجلة (رواق ميسلون):

 الربيع العربي بعد عشر سنوات؛ المسارات والحصائل والآفاق

في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010، قبل نحو عشر سنوات، أضرم التونسي محمد البوعزيزي النار في جسده احتجاجًا على الظلم الذي تعرض له، فانفجرت الاحتجاجات في تونس، وبعدها امتدت إلى مصر، وليبيا، واليمن، وسورية، تطالب بالحرية والكرامة، وتصاعد الأمل في أن عقودًا من التدهور والدكتاتورية تقترب من نهايتها، وأن ربيعًا عربيًا ينتظر شعوب المنطقة.

ما الذي تحقق من أحلام “الربيع العربي” بعد مرور عشر سنوات على انطلاقه؟ انهار عدد من الأنظمة العربية سريعًا، بعد أن كان ذلك يبدو أمرًا مستحيلًا. ثمة أيضًا أمر واضح جدًا هو سقوط “حاجز الخوف” في السنوات الأولى من الربيع العربي؛ فقد سنحت الفرصة لكثير من المواطنين في البلاد العربية، أول مرة منذ عقود، لقول كلمتهم والاعتراض على واقعهم، والتفكير في مستقبلهم، وهذا في حدِّ ذاته يعدّ إنجازًا مهمًا كونه يفتح أبواب المستقبل للتغيير، لكن هذا الحاجز عاد في السنوات الأخيرة.

لم يُزهر “الربيع العربي” كما توقع كثيرون، بل تحول إلى “شتاء عربي” بدَّد الآمال، مع الانقسامات الداخلية، والتدخلات الخارجية، وعسكرة الثورات وصعود التطرف الديني، واندلاع الحروب والنزاعات، والسلطات التي مارست عنفًا كبيرًا، خصوصًا في سورية، للاحتفاظ بالسلطة والتشبث بها.

بعد مرور عام على ثورة 25 يناير، انتخب المصريون محمد مرسي رئيسًا، لكن أداءه وبرنامجه ومقاومة جهاز الدولة القديم قد حرضت من جديد احتجاجات شعبية واسعة، ما مهّد الطريق لانقلاب وزير الدفاع عبد الفتاح السياسي عليه عام 2013. ولا يزال السيسي في السلطة إلى اليوم، ويُنظر إلى حكمه بوصفه أكثر استبدادًا من حكم مبارك، وباتت خيبة أمل من خرجوا إلى الشوارع والساحات أكثر مرارة. وفي ليبيا، توزّع الثوار بين ميليشيات كثيرة، وتصارعوا، ما أدّى إلى تفتيت البلاد، وتغذى النزاع الدامي بتدخلات خارجية عديدة. وانزلق اليمن بدوره إلى حرب أهلية مع تأثيرات خارجية. أما في سورية، فقد تحولت الاحتجاجات في سورية إلى حرب مدمرة، بينما بقي النظام السوري القمعي في مكانه.

هناك سؤال مهم يُطرح حول نجاة الأنظمة الملكية العربية الخليجية من آثاره؛ فهل يعود ذلك إلى تمكنها من بناء تحالفات محلية داخلية، خلال العقود الماضية، أم يعود إلى خصوصياتها الثقافية التقليدية، أم إلى الرخاء المالي الذي يعيش في ظله مواطنوها؟ هل مازال الربيع العربي خطرًا يهدِّد هذه الأنظمة أم أنه تجاوزها نهائيًا؟

هناك أيضًا أنظمة ملكية أخرى، لكنها لا تمتلك موارد نفطية، كما في الأردن والمغرب، وتعاني أحوالًا اقتصادية متردية، لكنها أثبتت قدرة على التكيف إبان الربيع العربي، وأظهرت مرونة نسبية في التعامل مع الاحتجاجات مقارنة بالأنظمة الجمهورية؛ فقد أجرى الملك المغربي بعض الإصلاحات الدستورية التجميلية، وسمح بتكوين مجلس نيابي مقبول نسبيًا، ما مكنه من تجاوز آثار الربيع العربي.

هل تتحمل الثقافة السياسية السائدة بعض المسؤولية عن عدم تحقيق الربيع العربي لأهدافه. ألم تكن رؤية الشعوب العربية إلى مفهوم التحرر السياسي مختلفة كثيرًا عن رؤية شعوب أخرى في أوروبا الشرقية مثلًا؟ ألم تكن أكثر اهتمامًا بعلاج مشكلاتها الاجتماعية والاقتصادية عن التأصيل لحقوقها السياسية؟

مع الثورات، ظهرت الأفكار والبنى التقليدية إلى السطح، وبرزت الظواهر الإثنية والطائفية، ونمت جماعات جهادية متطرفة في كثير من البلدان تعادي الحداثة والتقدم، وظهر تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي سعى لإقامة “دولة الخلافة” على أراض واسعة من سورية والعراق، وأثار التنظيم ذعر الدول الغربية خصوصًا لناحية قدرته على تجنيد آلاف المقاتلين من أوروبا ومناطق أخرى، ما خفَّف من حماسة تلك الدول تجاه مطالب الديمقراطية في دول “الربيع العربي”. وانصب اهتمامها بعد عام 2014 على قتال التنظيم المتطرف، ومن ثمّ غضّ النظر عن ممارسات الأنظمة الاستبدادية التي قدَّمت نفسها حصنًا أخيرًا في مواجهة الجهاديين، لكن ما لبث التنظيم أن أفل نجمه بعد سنوات أثار خلالها الرعب في العالم.

هل ما زال “الربيع العربي” مستمرًا؟ على الرغم مما حدث، يبدو أن روح الثورة لم تمت بعد، إذ اندلعت موجة ثانية من الانتفاضات الشعبية، تمثلت العام الماضي بتظاهرات حاشدة في السودان والجزائر والعراق ولبنان، رفعت الشعارات ذاتها التي جرى رفعها قبل عشر سنوات، ما أكد أن شعارات الربيع العربي ما تزال مؤثرة بين الشباب العربي، ويبدو أن الموجة الثانية تمايزت عن الأولى بالابتعاد عن اللغة الطائفية والعنف.

في ظل وجود مجتمع مدني ضعيف قبل الثورات، ليس من المستغرب دخول قطاع واسع من البشر في دول الربيع العربي في حالة من الضياع. تشكلت قوى وأحزاب عديدة في دول الربيع العربي، لكنها ظلت هشة، وقسم كبير منها قد انتهى. في تونس، كان هناك أكثر من 80 حزبًا سياسيًا في انتخابات عام 2011، وكان لدى المصريين أكثر من 50 حزبًا سياسيًا، وكان لدى الليبيين أكثر من 100 كيان سياسي للاختيار من بينها. في تونس، ذهبت أغلبية الأصوات في انتخابات المجلس التأسيسي إلى مرشحي الإخوان المسلمين الممثلين لحزب النهضة، وهو ما حدث في أول انتخابات برلمانية مصرية بعد الثورة.

كان حضور الإسلام السياسي بارزًا طوال السنوات العشر الماضية، وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل ستكون النتيجة النهائية للثورات العربية أن تكون المنطقة محكومة دائمًا بالصراع بين المؤسسة العسكرية والإسلام السياسي؟

تمكن مقاربة موضوع الربيع العربي من زوايا مختلفة وبعناوين متنوعة؛ دور الشباب، دور التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، دور المرأة، أثر التدخلات الإقليمية والدولية في دول الربيع، سياسات إيران وتركيا خلال الربيع العربي، الموجة الثانية من الثورات في لبنان والعراق والسودان، دور النخب الثقافية والسياسية، الحركات اليسارية والربيع العربي، المراحل الانتقالية بعد الثورات، القضايا الإثنية والطائفية خلال الربيع العربي، الإسلام السياسي والربيع العربي، المؤسسة العسكرية والربيع العربي، الثقافة السائدة ودورها في مآلات الربيع العربي، دول الخليج والربيع العربي، آفاق الثورات ومآلاتها، “إسرائيل” والربيع العربي، دور الأحزاب السياسية والمجتمع المدني، ثقافة العنف والكراهية، الحركات الجهادية… إلخ.

وتمكن مقاربة أيٍّ من الموضوعات السابقة على مستوى دول الربيع العربي كافة أو على مستوى إحدى دوله. لكن من المفيد الإشارة أخيرًا إلى أن الكتابة حول الربيع العربي تبدو سهلة، بحكم كثرة ما قيل فيه خلال السنوات الماضية، لكن يبقى الرهان معقودًا على كتابة قولٍ جديد فيه، ينفع في تقديم قراءة أكثر موضوعية وعمقًا للظاهرة، ويفسح في المجال لتقديم خلاصات أو نتائج مفيدة لشعوب المنطقة مستقبلًا.

هيئة تحرير (رواق ميسلون)