النساء السوريات.. حق تقرير المصير ونضال الاستمرارية

فتح الربيع العربي باب الأمل واسعًا أمام النساء لتحقيق أهداف قضيتهن، وجددت نسائم الصحوة التي شهدتها الدول العربية في العقد الأخير أمنيات النساء في الحصول على بيئة متفهمة تحترم وجودها كاملًا.

تأثرت الحركة النسوية بمناخ الحرية العام ورأت أن النضال في سبيل الحرية لا يتجزأ، وأنها قد مُنحت الفرصة لإثبات قدرتها على قيادة المجتمع وإبراز دورها الريادي.

لقد رافق انطلاق الربيع العربي صحوة حرية عامة، حيث بدأت تتضح ملامح الحرية الفردية ووعي المسؤولية الاجتماعية لدى كثير من الأشخاص، ولم تتخلف الحركة النسوية عن الركب فقد بدأت تتضح ملامح المشروع النسوي وتسجيل النقاط وبناء الاستراتيجيات والأهداف من أجل استكمال تحصيل الحقوق الإنسانية والقانونية كاملة.

عشر سنوات من الربيع مرت على قيامة الشعب السوري ثائرًا في وجه الطغاة، تختلف التسمية ويحتال المرددون على الكلمات وتبقى النتيجة واحدة والألم واحد، هي ازدياد معاناة المواطن وازدياد معاناة النساء بصورة خاصة في حملهن مسؤوليات تفوق قدراتهن النفسية والجسدية، في غياب الحماية القانونية والمجتمعية، علاوة على المشكلات والمعوقات القانونية التي تعانيها في ظلّ وجود قانون قاصر، وإجراءات معوقة وروتينية تشلّ حركة النساء في المجتمع وتحرمهن القدرة على التصرف قانونيًا.

يضاف إلى معاناة النساء في شؤون الحياة اليومية بعد الثورة، الثمن الذي دفعنه في المعتقلات، فصوتهن المخنوق في المعتقلات والإمعان في تعذيبهن من السلطات الأمنية الجانية، واستخدام وسائل تعذيب مهينة تترك آثارًا نفسية وجسدية على المدى الطويل، مثل الاغتصاب الذي كان أهم وسيلة من وسائل التعذيب، أدى إلى طعن جسد المرأة وروحها في آن واحد،  وأكد على نظرة دونية تسلّع جسد المرأة وتجد منه بابًا للإهانة والتجريح، ولا يُستثنى من تلك المعاناة ما ألمّ بهنّ من تغييب وإخفاء قسري ومحاولات طعن وتشويه وتحييد عن المشهد العام والسياسي على وجه الخصوص.

فقد عانت المرأة محاولات تهميش مستمرة بهدف تنحيتها عن المشهد الاجتماعي والسياسي على الرغم من تحملها العبء والمسؤوليات، بالموازاة مع الرجل، مرات كثيرة وأضعافًا مضاعفة في أحيان مختلفة.

لقد شهدت العقود الأخيرة تطورًا لافتًا في ذلك الصدد على صعيد حضور النساء في الميادين الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، قوبل ذلك بصدّ مجتمعي كبير في بعض الأحيان، من جراء سيطرة الفكرة القديمة القائلة إن بعض الميادين تعد حكرًا على الرجال، ما يجعلنا أمام استحقاق محاولة تفكيك بعض الأفكار السائدة بخصوص النساء إلا أن استبدالها ما زال يصطدم بصعوبات مختلفة.

تتضمن دساتير الدول عادة إرساء مبادئ مجتمعية غير قابلة للمساس بها وعلى القوانين الوضعية احترامها وعدم الخروج عليها في النصوص القانونية وتطبيق ما يتناسب معها، وتنص عادة على نصوص تكفل المساواة بين الجنسين، غير أن القوانين الوضعية الخاصة تخالف تلك المبادئ في كثير من الأحيان وتقع في فخ التمييز الواضح بين الجنسين عن دراية أحيانًا أو عن سوء فهم في أحيان أخرى بحجة مراعاة الأعراف الاجتماعية والدينية، ليبقى الدستور في نهاية الأمر بمبادئه لا يتعدى كونه حبرًا على ورق.

تشير الإحصاءات أنه على الرغم من ازدياد مشاركة المرأة في مجالات العمل العامة، فإن نسبة المشاركة مقارنة بنسبة الرجال العاملين فيها، ما تزال قليلة وقد لا تشكل فرقًا واضحًا في رحلة نضالها من أجل الحصول على حقوقها الإنسانية كاملة لأسباب اجتماعية غالبًا وعملية ومهنية في أحيان أخرى.

ومن باب الإنصاف؛ علينا أن نشير إلى نقطة قد نغفل عنها في خضم نقاشاتنا بخصوص المرأة وحقوقها وعمالتها، فمن غير المنطقي أن يقتصر عمل المرأة على ميادين الحياة العامة فحسب، ذلك أن كثيرًا من النساء قد يعملن في مزارع وحقول أو مصانع أو في المنازل وفقًا لاحتياجاتهن أو لظروفهن المعيشية، من دون أن تؤخذ هذه الأرقام في الحسبان في الدراسات والإحصاءات الموجودة، إضافة إلى أن ربات البيوت قد يعملن بدوام كامل في منازلهن ويؤدين مهمتي التربية والتعليم، في وقت ينكر العالم على ربات البيوت صفة المرأة العاملة، ذلك أنهم يعدون أداء الواجبات المنزلية من اختصاصها ولا تستحق عليه شكرًا أو عرفانًا.

عملت المرأة في المنزل وفي المزرعة وفي مجالات الميادين العامة السياسية والاجتماعية، إلا أن ذلك لم يثنها عن دأبها في رحلة نضالها المستمر منذ مئات السنوات لتحصيل حقوقها التي لا تختصر فقط في حق الاقتراع أو التمثيل السياسي أو ما شابه.

لقد برزت المرأة في التنظيمات الحزبية وفي قيادة التظاهرات ودعم الحراك، واستمرت قدرتها على الاحتواء في صياغة مفهوم جديد للعدالة والتسامح مع أطراف المجتمع التي همشتها زمنًا طويلًا.

أثبتت التجربة وفقًا لقراءة التاريخ أن المرأة حملت عبئًا كبيرًا في بناء الدول في معناه الحرفي في الأوقات التي تلت الحروب، فقد ساهمت في أعمال البناء مثلما ساهمت في البناء في معناه المجازي على صعيد النفس البشرية، كما أدت مهمتها التربوية والاجتماعية، ولم تتخلف المرأة السورية عن الركب في ما يخص هذه الأمور فقد صنعت من الخيام بيوتًا دافئة ووقفت في التظاهرات متصدرة المشهد مدافعة عن حق المجتمع السوري في الحرية والديمقراطية، خطت فوق آلامها وحملت لواء القضية مجددًا.

غير أنها قوبلت في أغلب الحالات بنكران عرفانها ورفض الاعتراف بها كائنًا كاملًا، إذ ما زالت حتى اللحظة تعدّ كائنًا من الدرجة الثانية إنسانيًا واجتماعيًا وقانونيًا وسياسيًا.

لقد شكل نضال المرأة في العقد الأخير علامة فارقة إذ إن المرأة وعلى اختلاف مجالات عملها، أدت واجبها الثوري ونالت حصتها ودفعت ثمنًا كبيرًا من مغبات الحروب التي ما تزال قائمة في بعض الدول.

فالربيع العربي يثبت -بما لا يدع مجالًا للشك- أن مشاركة المرأة الرجل جنبًا إلى جنب في الحلم أو في الخروج لتحقيقه، بات أمرًا جليًّا حتى لو كثرت الأقاويل حوله أو اختلفت بخصوصه.

يعد شهر آذار/ مارس شهر الاحتفال بالنساء والأمهات وربما من قبيل المصادفة أن يكون شهر انطلاق الثورة السورية التي شاركت فيها المرأة وتصدرت فيها مشاهد عدّة، سواء كانت أمًا أم امرأة عاملة ووضعت بصمتها في الحراك.

يتبدى لنا بعد اندلاع الثورة السورية وما تبعها من كوارث إنسانية أخذت أشكالًا عنيفة من حرب مستعرة، أو اعتقال أو تهجير أو تغييب وإخفاء قسري، الدور الذي سقط على كاهل المرأة ربة المنزل بعد غياب الرجل الذي كانت تتقاسم معه المهمات العائلية، إذ وجدت نفسها وحيدة يثقل كاهلها واجب تعويض غياب رب الأسرة وتأمين احتياجات المنزل ماديًا وتأدية واجبات الأب والأم المادية والمعنوية.

لم تختلف معاناة المرأة مجتمعيًا وقانونيًا عن معاناة الرجل بسبب أحداث العنف كثيرًا فقد كانا في الخندق نفسه وعايشا الألم ذاته في كثير من الأحيان، علاوة على ما وقع على أكتافها من مسؤوليات أسرية وتربوية ومهنية بسبب غياب الرجل بفعل عامل الحرب المستمر، رافق ذلك وجود تحجر قانوني تجاه الحقوق الممنوحة للنساء وانعدام مرونة تطبيق النصوص القانونية لتتناسب مع الظروف العامة والخاصة التي تقف عائقًا في وجه إتمام كثير من المهمات الأسرية.

خرجت المرأة في التظاهرات السورية والعربية أيضًا متجاوزة خطر إطلاق النار أو احتمالية الاعتقال، صدح صوتها عاليًا ونظمت حركات سياسية مناهضة للأنظمة السياسية في سبيل المطالبة بالحرية المنشودة فدخلت المعتقلات وتحملت صنوف التعذيب المختلفة التي تمعن الأجهزة الأمنية في استخدامها.

لم تثبت النساء بمشاركتها في الحراك الثوري أحقيتها في اكتساب حقوقها فحسب، بل أوضحت للعالم أنها شريكة في حمل الهمّ العربي والمواطنة والأحلام من دون اعتبار أن هذه مهمة الرجل فحسب، بل عدّت نفسها عنصرًا اجتماعيًا فاعلًا عليها أن تكون عاملًا أساسيًا في التغيير المأمول.

رافق ذلك -في بعض الأحيان- وجود هجمة مضادة تنفي عن الحركة النسوية أحقيتها وترفض استمرارها بحجة أنها ليست أولوية، وإنما تنحصر الأولوية في الوقت الحاضر بالتخلص من الاستبداد والطغيان، فحصل تشويه لصورة النشاط النسوي الخاص في فئات المجتمع، أدى إلى نفور عام من الحركة ما انسحب على رفض المطالب المحقة بالمطلق ونبذ السيدات المشاركات في الحركة.

لقد بيّن ما سبق وجود مشكلة حقيقية كشفها الوعي الذي اكتسبته الشعوب بعد انطلاق الثورات ضد الطغيان، إذ أوضح وجود فجوة عميقة بين النص والتطبيق وبين الإنشاء النظري والأمر الواقع، وفتح الباب واسعًا لإثارة كثير من القضايا النسائية التي كانت من التابوهات المرفوض تداولها اجتماعيًا.

إن خروج المرأة عن صمتها جعلها تدفع الثمن الأكبر في أحيان كثيرة بسبب سعيها إلى الخروج من عباءة المجتمع، ولا يعد ذلك أمرًا غير طبيعي فهو استمرار لسلسلة المعاناة التي ألمت بها منذ قديم الزمان.

لكن خروج المرأة من عباءة العادات والتقاليد لا يعني كسر قيمة المجتمع ولا يعني تفكيك الأسرة أو كل المثالب والعيوب التي يتفنن في سردها رافضو فكرة المساواة، إن المرأة بوصفها إنسانًا كاملًا تحاول إثبات ذاتها وتدفع الثمن غاليًا في سبيل تحقيق تلك الغاية، من أجل أن تنال اعترافًا عالميًا بها على أنها ليست جسدًا فحسب تقتصر مهمته على الجنس والإنجاب.

وفي هذا الصدد فإن الأمر الأكثر أهمية هو ما حققته المرأة في ثورتها على صورتها النمطية والقالب الذي وضعت فيه زمنًا طويلًا، فاختارت المرأة أخيرًا أن تبتعد عن الصورة المثالية التي رسمها لها العالم إذ خرجت من قالب التضحية والأمومة على الرغم من قدسيته، واختارت أن تزيح هالة القداسة عنها لتظهر إنسانًا عاديًا قابلًا للخطأ والصواب، ومن حقه أن يختار لنفسه طريقًا مختلفًا عما درج عليه المجتمع.

تقاسمت النساء الهموم والأعباء مع الرجل وحملن عنه نصف ما كان يحمله في زمن السلم، من دون أن نغفل انفطار قلبهن لفقدان فلذات أكبادهن استشهادًا أو اعتقالًا أو تغييبًا قسريًا. 

لم يكن يوم الثامن من آذار/ مارس مناسبة للاحتفال في بداية الأمر، بل كان إعلانًا تضامنيًا مع نضالها لتحصيل حقوقها ومناصرتها، ولهذا فإن غايته لا تقتصر على الاحتفال من عدمه، مع الأخذ في الحسبان أن ما حصلت عليه المرأة حتى الآن من أهداف ما زال غيضًا من فيض، تثبت ذلك التشريعات القانونية التي تنتقص من حق المرأة وتعدها كائنًا قاصرًا ناقص الأهلية في الولاية على نفسه وأبنائه والقائمة تطول.

ما زالت التشريعات القانونية التي تنتقص من المرأة حتى الآن مثار أخذ ورد وغير مرحب بها رسميًا واجتماعيًا، إضافة إلى النظرة الاجتماعية التي تقزّم جهدها وإمكاناتها.

ولهذا فقد آن الأوان للعمل على تغييرها، فالاحتفال لم يحن وقته بعد كون النضال ما زال في بدايته والقضية بحاجة إلى وقت طويل لتحقيق الهدف.

تناهض الجمعيات والمنظمات للدفاع عن حقوق المرأة أو إصلاح القوانين التي تكشف تمييزًا جندريًا، في حين تتعرض المرأة إلى عنف نفسي يوازي العنف الجسدي ويكافئه، إلا أن الحديث عنه يعد في حدوده الدنيا أو أنه لا يلقى بالًا لدى أولي الأمر وأصحاب الشأن ذلك أنهم يرون البحث في التعنيف النفسي رفاهًا لا محلّ له من الإعراب في ظل ما تعانيه الدول والمجتمعات على الصعيد العام.

 

من نافل القول إن تلك المعاناة تعد أمرًا طبيعيًا في بلاد تفتقر إلى الدينامية، وانعدام التعامل بروح القانون وتكيل بمكيالين في مختلف الوجوه السياسية والقانونية وهذا أمر تعرفه النساء والرجال ممن لا يتمتعون بحياة طبيعية تحترم الإنسان والمواطن ذكرًا كان أم أنثى.

لكن ما لا يعد أمرًا طبيعيًا هو مناهضة المجتمع ورفضه النشاط النسوي، وتهميش دور النساء الإيجابي ومحاولة قولبة دورها في إطار اجتماعي معين، ورفض تصدرها المشهد العام بحجج دينية واجتماعية واهية.

إن المشكلة الحقيقية التي تقف في وجه نهضة المجتمع بحراكه النسوي هي الأصوات المتعالية التي تهزأ من تجدد المطالبة بحقوق المرأة، وتسخيف دورها وأحقيتها ومحاولة النيل من الخطاب النسوي القائم، والهجوم على الناشطات في الحركة النسوية ونعتهم بألفاظ دميمة، للقفز فوق المعالجة المنطقية للمطالب المشروعة.

لقد افتقر المجتمع إلى تكوين حاضن يحتوي مطالب النساء، ويعد منصة ومنطلقًا لرغبتهن في الحفاظ على إنسانيتهن كاملة وتحصيل حقوقهن، فكان المجتمع بشرائحه عبئًا إضافيًا للمرأة، إذ إنه يكيل تجاه النساء بمكيالين فتارة يطالبهن بأداء واجباتهن الإنسانية، بحكم الظرف غير الطبيعي القائم ومرات كثيرة يحاول كمّ أفواههن عن المطالبة بحقوقهن.

لا تطمح النساء إلى المساواة مع الرجل في الدول الاستبدادية القائمة على الإساءة إلى الإنسان وسلب حقوقه، فالرجل ليس أفضل حالًا في دول عديمة المعايير إنما تسعى المرأة إلى الاعتراف بإنسانيتها كاملة وتحصيل حقوقها من دون نواقص، ومن دون أن نحتاج إلى وصاية ذكورية ومجتمعية تعتقد أنها الأفضل والأنجح في تسيير حياتها وتقرير مصيرها وفي هذا تتمنى النساء أن يكن مع الرجال يدًا واحدة من أجل العمل على إزاحة الظلم والنضال من أجل مجتمع ودول عادلة. 

إن المطالبة بالحرية أمر لا يتجزأ ولا يمكن أن يحمل وجهين متناقضين لتكون الحرية مجزأة إلى أقسام أو توزع بحسب المستحقين، إذ من غير الممكن النضال من أجل الحرية الفردية أو السياسية والعمل على النهضة بالمجتمعات، في مجتمعات تتجاهل وجود المرأة أصلًا، أو نعمل على استثنائها من حزمة المناداة بحقوق الشعوب، فمن يؤمن بالحرية ويناضل من أجل نيل الحقوق عليه أن يعترف أن للمرأة حقًا لا يقل أهمية ولا يقل درجة عن حق الشعوب العربية في تقرير مصيرها.

 

وفاء علّوش

كاتبة حقوقية وروائية سورية، من مواليد مدينة حمص في عام 1983، درست الحقوق في جامعة دمشق وتخرجت منها في عام 2005، وتابعت دراساتها العليا في الإدارة في المعهد السوري - الفرنسي "المعهد الوطني للإدارة العامة". محامية تكتب في مجال حقوق المرأة وتمكينها. نالت جائزة كتارا للرواية في دورتها الخامسة لعام 2019. ينشر لها مقالات رأي بشكل دوري في المواقع والصحف الإلكترونية. تكتب القصة القصيرة والنصوص النثرية. عملت مدرِّبة للدراما في القاهرة ضمن فريق أكاديمي بهدف تمكين الأطفال اللاجئين من الاندماج عن طريق الفن.