اسمي إيمان؛ واحدة من أكثر من مليون “إيمان” مكرَّرة، قبل عام 2011، ولدت في بلد، كان أيضًا قد كرّر ذاته لعشرات السنين قبل العام 2011، ففي لحظة ولادتي؛ تذمّر عمي من أمي كونها أنجبت أنثى، حاله كحال أكثر من مليون “عم” مكرر، تمنى أن يكون المولود ذكرًا. مع أول نفسٍ لي؛ همسوا في أذني: اسمي، ديني، ليرافقاني مدى الحياة، كما جرت العادة.

تذعرني عبارة “كنا عايشين”، تجعلني أمضي في رحلة طويلة، منذ الولادة، وحتى مطلع عام 2011، باحثة عن معنى لها، فقد أمضيت اثني عشر عامًا في المدارس الحكومية، والتي كان يطلق عليها اسم “منظمة تربوية وتعليمية”، ولعلّ أبسط ما يجمعني مع أبناء جيلي طوال هذه السنوات الدراسية هو تلقي المعلومات، كتابة واجبات دراسية مطولة، كمّ الأفواه، عدم التجرؤ على مناقشة المدرسين، إضافة إلى مزيد من أنظمة العقوبات، والتي تبدأ بالإهانة والتحقير، وتنتهي أو لا تنتهي، بالضرب والتعنيف اللفظي والجسدي. تجمعني مع أبناء جيلي، أيضًا، تلك السلطة الحاكمة في المدرسة، والمكونة من مديرة عاقدة الحاجبين، يرافقها شرطة مدرسية، تحت مسمى “موجهات تربويات”، يحملن العصا، ومدربة عسكرية. ويجمعنا أيضًا وجود مخبرين بين صفوفنا كتلاميذ، يتبعون لسلطة الإدارة، بمهمة نقل كل الأحاديث الدائرة بيننا.

أنا إيمان واحدة من مليون إيمان مكررة، حصلت في نهاية المرحلة الثانوية على علامة خولتني الدخول إلى كلية الصيدلة في جامعة دمشق. حقيقةً، لم تكن هذه الجامعة الحكومية بنظامها التعليمي مختلفة عن ما يسمى المدارس الحكومية، حيث المزيد من التلقين، وحواجز تمنع الطلاب من مناقشة أساتذتهم تحت طائلة التهديد بترسيبهم أو فصلهم من الجامعة. جمعتنا أنا وزملائي في الكلية ضوابط تعكس ماهية مجتمعنا السوري، حيث تعرفت في تلك المرحلة إلى بلدي بكل ألوانها وأطيافها، فكان لي زملاء من جميع المحافظات، ولكل منا سلّته الخاصة من العادات والتقاليد والأفكار الثابتة؛ كل منا كان يرى هويته الخاصة فيها. وهي غالبًا ما كانت تجمعه ضمن تكتلات صغيرة مع أبناء المنطقة الواحدة، تحميهم من خطأ الحديث مع غيرهم من التكتلات الأخرى، يؤسفني ذكر بعض العبارات التي تشكل صورة مقربة عن هذا المجتمع الصغير؛ “يا شباب، لا تقربوا عليهم هدول سمعولية، عم يتخانقوا مع بعض، إذا دخلتوا بالقصة يمكن تروحوا فيها”. “أنا بفرجيك يا درزي، حسابك عنا” وهي جملة ردّدتها ابنة ضابط على مسمع الجميع داخل المخبر بعد ملاسنتها زميلها. ونفّذت ذاك الحساب في اليوم التالي. “هي صبية بتسلم باليد على رفقائها الشباب وبتضحك معهن مع إنها محجبة، لهيك نحنا ما لازم نحكي معها، نحنا بنات محافظات ما بدنا نختلط مع مين ما كان”. “رايحين نحضر دروس دين، تروحي معنا، بلكي الله بيهديكي”. “لا تحبيه ولا تفوتي هالفوتة، مسيحي وما رح تكونوا لبعض”. “هلأ انت مو حموي؟ عنجد هيك صار معكن بهالزمنات؟ لا مو حموي، ولا تحكي بالقصة مو ناقصني روح أنا وأهلي من ورا حكيك”. “بتعرفوا.. هديك الصبية مظبطة علاقتها مع الدكتور، يعني نجاحها مضمون”.

تخرجت عام 2009، وبدأت مرحلة العمل، وبدأت أتعرف أكثر إلى هذا المجتمع، وأتقرب أكثر من هؤلاء الناس، من همومهم اليومية ومشاكلهم الروتينية، وذلك من خلال عملي في صيدليتي الكائنة في منطقة ملوَّنة طائفيًا، وأيضًا ضمن تكتلات على شكل شوارع تسمى “شارع الدروز، شارع المسيحية، شارع السنة، والذي أطلق عليه لاحقًا اسم “شارع العراعير”.

 في هذا الشكل، يبدو لي أن حياتنا قبل عام 2011 كانت مكررة، يعمّها القهر والسكون، لكن مع انطلاق الثورة التونسية، انطلقت شعلة النور في قلبي، وأصبح هناك، من بعيد، منارة تجعلني أتجه نحوها بكل ما أملك من أفكار وعواطف إنسانية. عرفت مع هذه المنارة أن الحياة تستحق أن نعيشها، عرفت مع هذه المنارة، كثيرًا من المغيبات عن أذهاننا، أو التي أُجبرنا على تغييبها، عرفت الأمل وإنسانية الإنسان.

يسعدني أنه في هذه المرحلة أصبحت “إيمان”، غير تلك المكررة، وتعرفت إلى ذاتي، ولمست إنسانيتي، أصبح لدي شغف متابعة الأخبار، ومعرفة ما يدور في رأس كل تونسي حر، ما يحدث في كل شارع، ومنزل، لدعم الحراك الثوري التونسي. توالت ثورات الربيع العربي، ومعها كبر الأمل، وزاد الحماس، وأصبحنا أمام أحداث عظيمة، تواجه الطغيان وتصنع بلدًا وهوية على الرغم من كل وسائل القمع والعنف، توَّج هذا الربيع انطلاق الثورة السورية في شهر آذار/ مارس 2011، فخرج السوريون إلى الشوارع في تظاهرات تطالب بالحرية والحياة الكريمة، هنا بدأت أدرك معنى ما فاتني خلال 25 عامًا من عمري، خرجت من قوقعتي بكامل إنسانيتي وشخصي وقناعاتي كلها، وشعرت بالسعادة الحقيقة مع كسر حاجز الخوف، و بدأت أتعلم معنى الوطن، هذا المعنى المختلف عن ذلك الذي ذكرته كتب القومية أيام الدراسة، أتعلم معنى الحرية، الذي يختلف عن ذلك الشعار الذي كان يُردّد في شعارات الصباح المدرسية، أتعلم معنى العمل الجماعي لتحقيق المصير المشترك.

لم يكن هناك ما هو أجمل من صرخات مليونية تطالب بدولة الحرية والعدالة والكرامة للجميع.

تعرضت في شهر آذار/ مارس 2012 للاعتقال من طرف الأمن العسكري، خلال فترة عملي في صيدليتي، وبقيت نحو شهرين، تعرفت في هذين الشهرين إلى الوجه الحقيقي المجرم للنظام. وحتى هذا اليوم لم تغب عن ذاكرتي أصوات التعذيب ومعاناة من كانوا معي من سيدات متقدمات في العمر، وتلك الشابة الحامل التي تحول جسدها إلى اللون الأزرق نتيجة لاستخدام الكرباج وعصا الكهرباء في تعذيبها.

عرفت بعد خروجي من المعتقل أن الهدف الذي نسعى له يحتاج إلى مزيد من التضحيات والإصرار. وهذا ما جعلني أستعيد عملي على الرغم من التهديديات والمضايقات والمراجعات الأمنية العديدة، وكان أسوأها اعتقال والدتي بعد امتناعي عن تقديم أسماء الناشطات والناشطين الذين كنت أعمل معهم، ورفضت مراجعتهم، وتواريت عن الأنظار، وذلك في نهاية عام 2013.

وبعدها، اعتُقلت من أمن الدولة في لحظة قهر لا تُنسى، حيث كان يرافقني والدي ووالدتي وأختي، وحتى هذه اللحظة، يمتلئ قلبي ألمًا لدموع والدي وفقدان أمي وعيها وتجرؤ شقيقتي على أن تطلب منهم أن يعتقلوها بدلًا مني. بعد هذا الاعتقال لم يكن لي خيار البقاء في البلد؛ وأصبحت مضطرة إلى توديع عائلتي وأصدقائي وأحب الأماكن إلى قلبي “صيدليتي”، والذهاب باتجاه تركيا للبدء بحياة جديدة بعيدًا عن بلدي. تعرفت خلال فترة وجودي في تركيا إلى الوجه الآخر للمعارضة، إلى تلك الهياكل التي تدعي تمثيلها للثورة، وما نتج عنها من مؤسسات، وكانت لي تجارب عمل مع منظمات المجتمع المدني.

حين يُطلب مني تقديم رأيي في عمل المنظمات، يؤسفني ذكر بعض المشاهد التي كانت تثير دهشتي، منها على سبيل المثال: وجود مئات المؤسسات لعقد ورشات عمل بعنوان مناصرة المرأة بتكلفة عشرات الآلاف من الدولارات، يحضرها نساء أغلبهن يمضين وقتهن على شاشة الهاتف وفي أحاديث جانية، بينما يقع كثيرٌ من النساء في الطرف المقابل في الداخل السوري، وبعد نزوحهن إلى مناطق سيطرة النظام، في قبضة الاستغلال الجنسي من طرف عناصر جيش النظام في الحدائق العامة. أيضًا، بينما توجد منظمات تطرح عناوين ضخمة بحجم العدالة الانتقالية، لا يزال المعتقلون قابعين في سجون النظام. وبينما توجد منظمات تعقد ورشات لإعادة الإعمار، يستمر القصف الأسدي والروسي فوق المدن السورية. وبينما تعقد المنظمات جلسات للعيش المشترك، يسكن النازحون ضمن مناطق النظام في أحياء يُغلق بابها بعد الساعة السادسة. وأكثر ما يؤسفني هو وجود تلك الهيكلية المماثلة لمؤسسات الدولة وبطريقة العمل ذاتها. لا بدّ هنا من الإشارة إلى وجود قليل من المنظمات التي كانت في موقع السند والدعم والعمل قولًا وفعلًا. لكن الغالب هو الوجه الفاسد، والذي انعكس لاحقًا على الداخل السوري، حيث ساهم في مزيد من الهزائم وإظهار العفن إلى السطح.

في هذه المرحلة، لم يكن الحراك في الداخل في وضع أفضل. فمع عسكرة الثورة وظهور الجهات المتطرفة المسيطرة على ما “حُرِّر” من مناطق زاد فشلنا أكثر فأكثر.

ما أحوجنا اليوم إلى الوقوف أمام المرآة والاعتراف بفشلنا، والتفكير جديًا بما علينا فعله لتصحيح ذلك المسار الموصل للهدف. نحن في حاجة إلى قراءة موضوعية بعيدة عن العواطف والأحلام الوردية، نحن في حاجة إلى توضيح المفاهيم التي نتبناها ونطالب بها، نحتاج إلى فهمها وممارستها، وليس حفظها وترديدها فحسب.

بعد الذكرى العاشرة للثورة السورية لم أعد قادرة على رؤية النصف المليء من الكأس، وربما لم أعد قادرة على رؤية الكأس بأكمله، وأحاول أن أعوض فشلنا الجمعي، بنجاح ثورتي على ذاتي، واكتشاف “إيمان” الحقيقية المختلفة عن كل من يشبهها قبل عام 2011.

أعزّي نفسي بتلك النجاحات النادرة التي شهدناها، أعزّي نفسي بالنجاحات الفردية التي حققها أبناء بلدي في دول الخارج بينما كان النظام يعمل على هدمها. أعزي نفسي بالبدايات، بأننا حصلنا على فرصة لإلقاء حجر في تلك البركة الراكدة، بفرصة تعرّف بعضنا إلى بعض بكل إيجابياتنا وسلبياتنا. ولا بدّ أن نصل في يوم ما إلى طريق الخلاص.

إيمان الصادق، ابنة الثورة السورية، بكل حالاتها، بعظمتها، ونجاحاتها، وتشوهها، وفشلها.

 

 

إيمان صادق

ناشطة سورية، من مواليد 1985، خريجة كلية الصيدلة في جامعة دمشق، تعمل في المجالين الطبي والإنساني، شاركت في حملات داخل سورية لدعم الأطفال النازحين من ريف دمشق، عملت مع عدة منظمات مجتمع مدني في القطاعات الصحية والتعليمية والتنموية، ساهمت في عدة حملات إعلامية تطوعية: روسيا قاتلة ليست ضامنة، أنقذوا الغوطة.