تداعيات ما بعد الربيع العربي على حقوق الإنسان في سورية

The Impact of the Post Arab Spring on the Human Right in Syria

 دخل الله الحربي، زارينا عثمان، سيتي داود[1]

Dakheelallah Alharbi, Zarina Othman, Sity Daud

 ترجمة: عمر حداد

 نبذة مختصرة

الغرض: تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تحليل للوضع الإنساني وحالة حقوق الإنسان في سورية بعد حوادث الربيع العربي.

المنهج: هذا البحث تحليلي وصفي أُجري من خلال مراجعة الأدبيات وتحليل المحتوى والبحوث الوثائقية ودراسات الحالة.

النتيجة: تشير نتائجنا إلى أن الحكومة السورية قدمت تنازلات وهمية بهدف إنهاء الثورات. وأدى ذلك إلى تشكيل جماعة متمردة هي الجيش السوري الحر، هدفها الأساس إسقاط النظام الاستبدادي، ووقف قتل المدنيين. كان ذلك في منزلة بداية الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان واشتعال الحرب الأهلية في سورية. لم تكتف الحكومة بإشعال الحرب، بل نقلتها إلى شعبها بقتل وجرح وسجن آلاف الأشخاص. والأسوأ من ذلك، أن آلاف النساء والفتيات ما زلن يعانين من العنف الجنسي في أثناء المداهمات الليلية التي تُجرى بشكل متكرر على أي من المعسكرين المتعارضين. عقب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وصلت جميع القطاعات الاقتصادية في سورية تقريبًا إلى الحضيض.

التطبيقات: يمكن لصانعي السياسات، والمجتمع الدولي استخدام هذا البحث لاتخاذ خطوة أخرى لمساعدة المدنيين السوريين.

الحداثة / الأصالة: نحاول في بحثنا استهداف موضوع محل جدل كبير في الشرق الأوسط. على الرغم من وجود مقالات مكتوبة عديدة حول الوضع الإنساني وحقوق الإنسان في سورية، لا يزال هناك نقص من الدراسات حول حقوق الإنسان بعد الربيع العربي.

 

الكلمات المفتاحية: الربيع العربي، سورية، المدنيون، الديمقراطية، حقوق الإنسان، الصراع. الثورة السورية، النظام السوري.

 

مقدمة

سورية هي إحدى الدول العربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي لم تتعاف بعد من آثار الموجة الثورية التي اجتاحت المنطقة في أواخر العقد الماضي. تعود الأوضاع السائدة في البلاد إلى “الربيع العربي” الذي بدأ في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010، عندما أضرم بائع خضار في تونس العاصمة النار في نفسه خارج مبنى حكومي احتجاجًا على سوء معاملة سلطات الدولة (كامبانت وكور Campante & Chor، 2012). أثارت هذه التضحية السخية موجة من الاحتجاج والغضب الجماهيري الشديد في جميع أنحاء البلاد، والتي بلغت ذروتها بهروب الحاكم الاستبدادي زين العابدين بن علي. ومن المثير للاهتمام أن نتيجة الاحتجاج التونسي ألهمت حوادث مماثلة في دول أخرى في المنطقة بما في ذلك اليمن ومصر وليبيا والبحرين وسورية (أندرسون Anderson، 2011). عندما عجز الزعيم المستبد التونسي زين العابدين بن علي عن الصمود أمام الضغط والمطالبة باستقالته، فر إلى السعودية. أجرت تونس أول انتخابات برلمانية ديمقراطية في أكتوبر 2011 بعد عام تقريبًا من بدء الاحتجاجات في تونس.

يشير الربيع العربي إلى سلسلة من الانتفاضات التي شهدتها المنطقة العربية في فصل الربيع في أواخر العقد الماضي[2]. من ناحية أخرى، كان خنق الديمقراطية، وانتهاك حقوق المواطنين الذي ارتكبته الأنظمة الاستبدادية السبب الرئيس في الانتفاضات. تاريخيًا، شهد النصف الثاني من القرن العشرين قيام أنظمة استبدادية في أنحاء المنطقة جميعها بما في ذلك أنظمة حسني مبارك (مصر)، وزين العابدين بن علي (تونس)، ومعمر القذافي (ليبيا)، وبشار الأسد (سورية)، وعلي عبدالله صالح (اليمن)، والملك حمد بن عيسى آل خليفة (البحرين). إن نقطة الخلاف الأكبر في هزيمة الربيع العربي بأكملها هي تأثير الانتفاضة وإنجازها. بينما كانت الثورات تهدف بشكل أساس إلى حقن عناصر الديمقراطية في المجالين الاجتماعي والسياسي للدول، لم تتوافق النتائج بالضرورة مع الأهداف (كامبانت وكورCampante & Chor ، 2012). باستثناء تونس -وإلى حد ما مصر- تحولت الحالات المتبقية إلى سيناريوهات أسوأ، أدت إلى تدهور كبير في حياة الإنسان وخنق الديمقراطية. وحدها تونس استطاعت جني ثمار عملها الشاق. من ناحية أخرى، تمكنت مصر من الإطاحة بالزعيم الديكتاتوري حسني مبارك في يناير 2011 (كومونيلو وأنزيراComunello & Anzera ، 2012). ومع ذلك، فإن تعيين الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، من خلال انقلاب، وبطريقة مثيرة للجدل، أعاد الحكم الاستبدادي السابق. بشكل ما، فشلت الانتفاضة المصرية في تحقيق هدفها النهائي، ألا وهو تثبيت حكم الديمقراطية في المجتمع.

تبرز سورية على أنها الحالة الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الربيع العربي بأكمله. كما هو الحال في ليبيا ومصر واليمن والبحرين، تجسدت الانتفاضة السورية متأثرة بالتمرد الناجح الذي أحدث تغيرات اجتماعية وسياسية مهمة في المجتمع، وسّعت الفضاء الديمقراطي في تونس (Comunello & Anzera، 2012). كما في الحالات الأخرى المذكورة، بدأت الانتفاضة السورية بشكل معتدل في آذار/ مارس 2011 على شكل تظاهرة سلمية بعد تعذيب طلاب مراهقين. وسرعان ما انضمت مناطق أخرى في عموم البلاد إلى التظاهرات، ودعت إلى طرد الرئيس بشار الأسد. طالب المتظاهرون بتوسيع الفضاء الديمقراطي، والسماح بتعدد الأحزاب السياسية، وحرية التعبير والصحافة والتجمع، من بين قضايا أخرى (كامبانت وكور Campante & Chor ، 2012). بعد الاحتجاجات، قدمت الحكومة السورية تنازلات كاذبة بهدف وقف الثورة، لكن بلا جدوى. ردًا على ذلك، أطلقت الحكومة العنان للإرهاب على مواطنيها، فقتلت المئات وجرحت وسجنت آلاف آخرين في هذه العملية. أدى ذلك إلى تشكيل مجموعة متمردة، الجيش السوري الحر[3]، كان هدفها الأساس هو الإطاحة بالنظام الاستبدادي، ووقف القتل الجماعي غير المبرر للمدنيين. كان هذا في منزلة بداية الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان، وكذلك الحرب الأهلية في سورية.

 

طريقة البحث

بشكل عام، ثمة نقص من الأبحاث المنشورة حول آثار فترة ما بعد الربيع العربي في حقوق الإنسان في سورية. ومن هنا يبقى السؤال عن حجم الفظائع التي ارتكبت بحق الشعب السوري قائمًا. تتطرق مراجعتنا إلى القضايا المتعلقة بالمعاملة اللاإنسانية للسكان المحليين السوريين في ظل الحرب الأهلية بين 2011 وحتى الوقت الحاضر. تحقيقًا لهذه الغاية، تماشيًا مع اقتراحات هارت (1998)، استخدمنا الكلمات المفتاحية للبحث في مواقع الإنترنت مثل Ebsco Host وgoogle books وgoogle scholar لغرض البحث عن التقارير والكتب والمجلات والمقالات المنشورة حول الربيع العربي. استخدمت عدة مصطلحات للبحث في هذه المقالات: الربيع العربي، سورية، روسيا، إيران، الصراع، الحرب الأهلية، الربيع العربي، الإنسانية، الأطراف المتصارعة. أسفر بحثنا الأولي عن 33 مقالة. تم تضمين 30 مقالة فقط في هذه المراجعة لأنها تتطابق مع جوهر سؤال البحث في هذه المقالة. استُبعدت المقالات الثلاث لأنها منشرورة من دور نشر وكتاب سياسيين منحازين في الأزمة السورية.

 

مراجعة الأدبيات

 

الأزمة السورية

يقدم إدريس (2017) مخططًا تفصيليًا للواقعة بأكملها، وكذلك الأرقام المرتبطة بها من ناحية انتهاك حقوق الإنسان جنبًا إلى جنب مع مرتكبيها. ولا شك في أن الجاني الأكبر في هذه الفئة هو حكومة سورية وحليفتها روسيا. لم تكتف الحكومة بإشعال الحرب، بل نقلتها إلى شعبها بقتل وجرح وسجن آلاف الأشخاص. استخدمت الحكومة المدفعية العشوائية ضد المدنيين في قمع التمرد (Comunello & Anzera، 2012). علاوة على ذلك، حرصت الحكومة على إحباط كل جهد يهدف إلى تقديم المساعدة للمدنيين في خضم الحرب الأهلية. على وجه التحديد، حرمت المدنيين من الوصول إلى المرافق الطبية والتعليمية في جميع أنحاء المنطقة. قامت الحكومة السورية بتعذيب واحتجاز، والأسوأ من ذلك، إعدام عشرات الآلاف من المدنيين منذ آذار/ مارس 2011. في عقب الانقسامات العرقية التي لا تزال تؤجج الاضطرابات في سورية، قامت ميليشيات المعارضة السورية المسلحة التي لا تعد ولا تحصى بتنفيذ هجمات مختلفة على المدنيين، لغرض حرمان جزء من السكان غير المتحالفين معهم من الغذاء والإمدادات الطبية. وظهرت تقارير عن قيام هذه المليشيات بتعذيب المدنيين وإعدامهم في بعض الأحيان.

مرتكب آخر سيئ السمعة، هو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، الذي شن سلسلة من الهجمات الإرهابية في سورية، ما أسفر عن مقتل وجرح مئات المدنيين (Campante & Chor ، 2012). من البارز أيضًا ميل الجماعة الشائن لفرض قوانين إسلامية صارمة على السكان المحليين، التي غالبًا ما تعتمد عقوبات قاسية مثل العقوبة الجسدية وعقوبة الإعدام، كما أرغمت هذه المجموعة المراهقين والبالغين السوريين على الانضمام إلى صفوفها. علاوة على ذلك، أدى تورط الجماعات الكردية في الحرب إلى تهجير آلاف المدنيين من خلال التهجير القسري وتدمير المنازل. وفقًا لـ غوها، سابير، وآخرين Guha-Sapir et al. تسببت الفصائل المتحاربة في نزوح نحو نصف السكان السوريين حتى عام 2016. كل هذه الجماعات، استخدمت النساء السوريات والعراقيات سبايا، وأخضعوهن للاغتصاب والزواج القسري في بعض الأحيان.

في عام 2016، أشار تقرير أصدرته منظمة العفو الدولية Amnesty (2016) إلى أن أكثر من 250 ألف مدني قد قضوا من جراء الحرب الأهلية السورية. صدرت تقارير لاحقة، عن هيومن رايتس ووتش (2018)، حددت أعداد القتلى بـ 400 ألف شخص، والعدد في ازدياد. يقر التقرير الأخير أيضًا أن نحو 5 ملايين مدني سوري قد لجؤوا إلى المناطق المجاورة، بينما لا يزال أكثر من نصف مليون آخرين يقيمون في مناطق مزقتها الحرب، ويواجهون خطر النزوح أو الإصابة أو ما هو أسوأ. بشكل عام، أدت الحرب إلى نزوح أكثر من ستة ملايين شخص من جميع أنحاء البلاد. ومع ذلك، أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان (2018) مؤخرًا إحصاءات متضاربة تشير إلى مقتل 222,114 مدنيًا فقط حتى الآن. ومن بين العدد 27,989 قاصرًا، 25,179 امرأة، بينما يتوزع الرقم المتبقي بين الاعتقالات التعسفية (118,829) والتعذيب (14,024). في نهاية المطاف، تلفت الأرقام انتباه العالم إلى الفظائع التي لا يمكن تصورها التي ارتكبت ضد ملايين المدنيين في سورية، والتي تصل إلى مستوى الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان في المنطقة.

من جهة، كان الربيع العربي فعلًا شجاعًا ووطنيًا مطلقًا، جسّد تقدم العالم من حيث الهدف والحاجة إلى توسيع أجنحة الديمقراطية لتشمل جميع الأمم. ومن جهة أخرى، أضاء على الطبيعة غير المحددة للثورات، إضافة إلى التناقضات التي أصبحت عليها، كما هو الحال في ليبيا ومصر وسورية وغيرها. حمل الربيع العربي والحوادث التالية العلماء على النظر إلى الثورات من منظور مختلف. ركز معظم الباحثين في أعمالهم على دراسة تأثير الربيع العربي في الكفاح من أجل المساواة في الحقوق وتوسيع الديمقراطية.

بالمناسبة، يبدو أن معظم الدراسات تركز على تأثيره المتوقع في القيادة الاستبدادية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. ومع ذلك، حاول آخرون التحقيق في أسباب فشل معظم الانتفاضات في الدول العربية، باستثناء تونس. نتيجة لذلك، تركت التوجهات فجوة كبيرة في البحث الذي يتناول السيناريوهات الفريدة في سورية -الدولة التي شهدت أطول انتفاضة في التاريخ. استمرت الانتفاضة السورية حتى الآن نحو عشر سنوات، انتهكت خلالها الجماعات المتحاربة حقوق المدنيين. بدأت الانتفاضة العربية في ربيع عام 2011 بينما كان العالم كله يتفرج في رهبة على الدول الإسلامية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي تستيقظ على حقائق الديمقراطية. كان المواطنون يتوقون إلى مساحة ديمقراطية موسعة، حيث يمكن للجميع التمتع بحقوق متساوية، إضافة إلى حرية التعبير والحركة. في دول مثل سورية، أدى الحكم الاستبدادي للرئيس بشار الأسد إلى خنق حرية الصحافة، وكانت السلطات تواجه أي محاولة للتمرد بعقوبات شديدة. وبحسب بيات Bayat (2017)، فقد أدى هذا الحادث إلى العودة بالذاكرة إلى ما حدث في حالة مماثلة في جميع أنحاء أوروبا في القرن التاسع عشر. للحادثين خصائص متشابهة، وفي كلتا الحالتين، خرجت الجماهير إلى الشوارع احتجاجًا على الحكم الذي حد من التقدم والتنمية. في أثناء الثورة الأوروبية، احتج الناس على قضايا مثل نقص من الغذاء، دعت احتجاجات الربيع العربي على الأغلب إلى تغييرات في الأنظمة. في أكثر من مكان -تونس ومصر وسورية وليبيا- دعا السكان المحليون إلى الإطاحة بالقادة الحاليين الذين حكموا بقبضة من حديد. ركزت دراسات عديدة على فهم الربيع العربي، وكذلك أسباب حدوثه ومبرراته.

مع ذلك، فإن الثورات ليست حوادث سلمية بالكامل، ونتائج معظم حالات الربيع العربي تشهد على هذه الحقيقة. في أحيان كثيرة تؤدي حوادث العنف وإراقة الدماء غير الضرورية إلى إفساد المشاريع. منذ البداية، اشتمل الربيع العربي على مكونات من العنف حتى الموت، كما تم تصويره في الحالتين التونسية والسورية. في الحالة الأولى، أقدم بائع خضار على إحراق نفسه حتى الموت احتجاجًا على سوء المعاملة على أيدي السلطات الحكومية. ونتيجة لذلك، انطلقت الثورة التونسية، إذ احتج السكان المحليون ردًا على الحادث المؤسف. فرّ الرئيس الاستبدادي زين العابدين بن علي إلى السعودية مع تصاعد الضغوط عليه للاستقالة. عقدت الأمة أول انتخابات برلمانية بعد بضعة أشهر. في الحالة الأخيرة، عذبت سلطات الحكومة السورية نحو عشرين طالبًا مراهقًا بعد أن كتبوا عبارات تنتقد الحكومة. مات صبي في هذه العملية. بدافع من نتائج الانتفاضة التونسية، رد الشعب السوري باحتجاجات سرعان ما امتدت إلى مدن أخرى داخل المنطقة. ودعا إلى الإطاحة ببشار الأسد الرئيس المستبد، إلى جانب مجموعة واسعة من الإصلاحات التي من شأنها أن تدفع البلاد اتجاه توسيع مجالها الديمقراطي. بدورها، ردت الحكومة بإطلاق العنان للإرهاب على مواطنيها، وبذلك بدأ تفشي انتهاك حقوق الإنسان في البلاد منذ تلك اللحظة.

 

حرية التعبير

اعتقلت واحتجزت الحكومة السورية بقيادة الأسد أكثر من 10,000 شخص، ممن كانوا على صلة بالاضطرابات. قبل الانتفاضة، كانت الحكومة قد احتجزت أصلًا العديد من السجناء السياسيين من دون حصولهم على محاكمة عادلة لأكثر من أربع سنوات (ديوتش كارلكار ودونهامDeutsch Karlekar & Dunham ، 2012). وبغض النظر عن الوفيات، فإن تقييد حرية التعبير كان في نهاية المطاف بمثابة العامل المحفز على التمرد في الدول العربية مثل سورية. كان عدد السجناء السياسيين المرتفع نتيجة لمحدودية المساحة الديمقراطية، ما يعني انخفاض مستوى حرية التعبير، أو انعدامه. كان الاحتجاز المطول للمشتبه بهم من دون محاكمة عادلة في منزلة انتهاك واضح لحقوق الإنسان من جانب الحكومة. كان هذا جانبًا آخر من جوانب انتهاك حقوق المدنيين قبل فجر الانتفاضة.

من الواضح أن الحكومة السورية كانت مخطئة في إساءة معاملة شعبها منذ البداية. فإلى جانب حرمان الأسرى من حقهم في العيش بحرية بين الناس، فقد ضيقت على حرية الصحافة في التغطية، والإبلاغ عن مثل هذه الحوادث بشكل كامل ومن دون قيود. تسلط الدراسات التي تركز على التغطية الإعلامية/ الصحفية في الدول الإسلامية بما في ذلك لامر Lamer (2016) ودوفي ومعروف Duffy and Maarouf (2015) الضوء على التوجيهات الصارمة التي تحد من حرية التعبير، ليس على مستوى الأشخاص فحسب، بل أيضًا على مستوى المؤسسات الإعلامية بأكملها في معظم المناطق. وفقًا لكارلسون Carlsson (2016)، تعد حرية التعبير ركيزة أساسية تدعم الحياة الاجتماعية. لكي ينمو المجتمع، يجب أن يتمتع الأعضاء بالقدرة على المساهمة بحرية، وعلى قدم المساواة في صناعة رفاهيتهم. المساهمة المتساوية وغير المقيدة تستلزم بشكل أساس حرية التعبير عن الذات من دون خوف أو ترهيب. علاوة على ذلك، فإن التعبير يسير جنبًا إلى جنب مع المعلومات. يحتاج المرء للتعبير عن نفسه بشكل معقول إلى الحصول على المعلومات ذات الصلة أولًا. في المجتمع الحديث، يعتمد الناس على وسائل الإعلام، كالصحافة للحصول على المعلومات التي تمكنهم من المساهمة بشكل فعال في تنمية المجتمع.

لم تتغاض الحكومة السورية الاستبدادية عن هذا الأمر، إنما عملت على تصفية المعلومات التي تصل إلى الجماهير. والأسوأ، أنها استمرت بذلك طوال فترة الانتفاضة.

يبدو أن معظم الدراسات المنشورة حول هذا الموضوع تعزل قضية حرية التعبير بكونها العامل الذي يميز المجتمعات في هذه المناطق على الأغلب (Relly & Cuillier، 2010؛ Ghannam، 2011 and Allagui & Kuebler، 2011). وفقًا لغنام (2011)، فإن لحرية التعبير آثار محددة في رفاهية المجتمع وكذلك الأفراد. لفت الربيع العربي انتباه العالم إلى الوضع المقيت لحرية الصحافة في الدول العربية. وفقًا لفريدوم هاوس (2018)، توفي أكثر من 14 صحفيًا في عام 2016 بعد انتقام الحكومة السورية من الجماعات المتمردة من خلال الضربات الجوية. في كل هذه المناسبات، فشلت الحكومة في تأمين سيادتها لتوفير الحماية لمواطنيها. وهذا يشمل الصحفيين الذين يموتون في أثناء تأدية واجبهم. كانت حرية الصحافة واحدة من القضايا الرئيسة التي طلب الشعب السوري من الحكومة معالجتها في أثناء الاحتجاجات. أفاد دوفي ومعروف Duffy and Maarouf (2015) في مقالهما في ما بعد الربيع العربي عن اختلافات كبيرة في تحليلهما المقارن للقضية المؤثرة المتعلقة بحرية الصحافة في البلدان داخل وخارج المنطقة العربية. بينما زادت حرية الصحافة بشكل كبير في الدول المجاورة مثل الأردن، تظل سورية واحدة من أكثر البيئات خطورة بالنسبة للصحفيين الممارسين. قامت حكومة الرئيس بشار الأسد، وحلفاؤه، وداعش، والمسلحون الأكراد المحليون، في مناسبات مختلفة باختطاف الصحافيين أو أسرهم أو تهديدهم، أو تشويههم، أو إعدامهم.

 

الاستخدام العشوائي للقوة في وجه الجموع

بدأ موقف الحكومة السورية المتشدد من الانتفاضة رسميًا في نيسان (أبريل) 2011، وبحلول شهر تشرين الأول/ أكتوبر فقد ما يقرب من 3,000 شخص حياتهم (سانتوس وآخرون Santos et al، 2018). تشير التقارير الأخيرة إلى أن الرقم يقترب من نصف مليون تقريبًا ومن المتوقع أن يرتفع ما لم تصل محادثات السلام الجارية إلى نتيجة مهمة (أندرسون Anderson، 2017). الرئيس عازم على التمسك بالسلطة وقد أظهر استعداده لفعل أي شيء لتحقيق هذا الهدف، بما في ذلك تدمير كل ما يقف في طريق تلك الغاية. أسفرت وسائله العشوائية في التضييق على التعبير، وقمع الاحتجاج عن خسائر فادحة في الأرواح، وتدمير الممتلكات. في هذه العملية، شهدت الدولة واحدة من أعلى معدلات التضخم بسبب تدمير المجتمع. لم يفسح الصراع المستمر والدائم مجالًا كبيرًا للمشاركة في أي شكل هادف من أشكال التنمية الاقتصادية أو الاجتماعية. أفاد إرامي Erameh (2017) بزيادة استخدام الأسلحة العشوائية، مثل البراميل المتفجرة التي تُلقى على مناطق مأهولة بالسكان، لرفع مستوى تأثير الهجمات، وتستهدف الحكومة وحلفاؤها المراكز، والمؤسسات الاجتماعية في المناطق المأهولة بالسكان، مثل المدارس، المستشفيات، والأسواق. ونتيجة لذلك فقد العديد من الأطفال والنساء حياتهم خلال تلك الهجمات. في عام 2016 وحده، أسقطت الحكومة السورية وحلفاؤها ما لا يقل عن 12,958 قنبلة في أجزاء مختلفة من البلاد (الشبكة السورية لحقوق الإنسان، 2017). وردًا على ذلك، هاجمت الجماعات المتمردة مناطق خاضعة للحكم المباشر للحكومة بأنواع مختلفة من النشاط الإجرامي.

يسلط إدريس (2017) الضوء على الهجمات الواسعة النطاق على المباني المدرسية طوال فترة الحرب، ما عرّض حياة الأطفال الأبرياء والمعلمين إلى الخطر. لجأت الحكومة السورية في محاولة للضغط على المدنيين لوقف الاحتجاجات، إلى تكتيك توجيه هجماتها على المؤسسات الاجتماعية. أفاد الباحث أن سورية في الوقت الحالي هي الدولة التي تشهد أكبر عدد من الهجمات الحربية على المدارس المدنية، دمرت نحو نصف المدارس تقريبًا من 2011 إلى 2015. في أكتوبر 2016، دبرت الحكومة هجومًا على مدرسة خلف 35 شخصًا (6 من المدرسين و22 من التلاميذ الصغار). أدت الهجمات إلى تدمير الهياكل التعليمية، ما جعل من إمكان التعليم عملية عقيمة (توركو Turku، 2018). يعاني قطاع التعليم السوري حتى الآن من تدمير المؤسسات، وقتل الأطفال ومعلميهم. إن وصمة العار المرتبطة بهذا تعيق إمكان إعادة تنظيم الطلاب لمواصلة حصولهم على الخدمات التعليمية في خضم الاضطرابات.

بسبب الأعمال الوحشية المستمرة، كان على المرافق الطبية الاستمرار بالعمل بحكم وجود أشخاص يسعون إلى الحصول على رعاية طبية لإصاباتهم. تهاجم الحكومة وحلفاؤها الروس بشكل متكرر العيادات والمستشفيات في المناطق التي يسيطر عليها أعداؤها (مجلس حقوق الإنسان HRC، 2016). تشير تقارير منظمة العفو الدولية (2017) إلى أنه من بين 400 هجوم على مؤسسات الرعاية الطبية قامت الحكومة السورية بما لا يقل عن 90٪ من الهجمات، أدت هذه الهجمات على المرافق الطبية إلى تدمير المباني، وفقدان الإمدادات والمعدات الطبية القيمة. والأسوأ من ذلك، أنها تعرض حياة الضحايا المصابين للخطر بسبب نقص الرعاية الطبية. استسلم العديد من المرضى لظروفهم الناجمة عن عدم إمكان الوصول وتوافر الكوادر الطبية المؤهلة. على سبيل المثال، في عام 2016، شنت الغارات الجوية على منشأة طبية في ريف حلب، ما أدى إلى تدمير المبنى وقتل بعض الأشخاص الموجودين فيه على الفور، كما تمّ إغلاقها إلى أجل غير محدد (مجلس حقوق الإنسان، HRC 2016).

واستهدفت الفصائل المتحاربة مناطق عامة أخرى بما في ذلك مصادر المياه. وبحسب إدريس (2017)، فإن الهجمات على نبع مياه في وادي بردى دمرت الموقع، وحرمت السكان المحليين من الحصول على مياه الشرب النظيفة لمدة تزيد عن شهر. ويكشف المصدر أن الحكومة وحلفاءها الروس شنوا غارات جوية متعددة على الموقع بقصد حرمان المدنيين المعارضين لها من المياه. أدى الهجوم إلى عدد من هجمات الجماعات المتمردة على مصادر المياه في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة لتكون رد فعل انتقامي. وباستخدام التكتيك نفسه شن المقاتلون هجمات بالأسلحة الكيماوية على الشعب السوري. وفقًا لمنظمة العفو الدولية (2017)، تم إطلاق العنان لأسلحة الكلور المرتجلة على المدنيين في أغسطس 2016، ما أدى إلى إصابة ما لا يقل عن 28 شخصًا في هذه العملية. هجوم كيماوي مميت آخر أبلغ عنه إدريس (2017) في العام التالي أسفر عن مقتل 80 شخصًا على الأقل.

 

حصار المستوطنات وإعاقة المساعدات الإنسانية

شرعت الحكومة السورية، في أثناء الربيع العربي، في عمليات تهدف إلى السيطرة على الدولة. ركزت معظم العمليات على إجبار السكان على الاستسلام من خلال تكتيكات مثل الحصار (هيهير Hehir، 2014). في التعريف، يستلزم الحصار استراتيجيات للسيطرة على موقع/ منطقة معينة من خلال تطويقها، وإيقاف توفير الإمدادات لإجبار السكان على الخضوع أو الاستسلام في نهاية المطاف. استخدمت الحكومة هذا التكتيك في عدد من المناطق في المجتمع السوري مثل داريا والغوطة ومضايا وحلب (منظمة العفو الدولية، 2017). يعاني المدنيون المحاصرون في مثل هذه الظروف من مآس لا توصف، بما في ذلك الجوع، والموت بسبب الإصابات الناتجة من الغارات الجوية. وشملت الأعمال الوحشية عمليات الحصار، وحرمان المدنيين من حقوقهم وحرياتهم لإجبارهم على الخضوع للقهر من قبل الحكومة (أندرسون Anderson، 2017). تقدم داريا سيناريو جيدًا يجسد مدى الحصار الذي مارسته الحكومة السورية (منظمة العفو الدولية، 2017). منعت القوات المتحالفة مع الحكومة دخول مساعدات الأمم المتحدة إلى المنطقة المحاصرة آنذاك. في النهاية، كان على السكان المحاصرين الاستسلام لإرادة الحكومة.

لا يقتصر تأثير انتهاكات حقوق الانسان المتفشية في الحرب الأهلية السورية على المدنيين وحدهم. كان على الأطراف الأخرى بما في ذلك العاملين في مجال المساعدات الإنسانية أن تتحمل العبء الأكبر بطرق مختلفة (نوي Noi، 2012) في مناسبات عديدة، وجه المسلحون هجماتهم بشكل كامل على مقدمي المساعدات الإنسانية بهدف حرمان السكان المحليين من المساعدات التي هم بأمس الحاجة إليها (بهاردواج Bhardwaj، 2012). وكثيرًا ما أدت هذه الهجمات إلى مقتل كل من العاملين في المجال الإنساني والمدنيين في منطقة معينة. علاوة على ذلك، منعت الهجمات الناس من الوصول إلى المساعدات الخيرية الأساسية.

التعذيب والقتل غير المشروع والمحاكمات الجائرة والاختفاء القسري

تظهر ادراسات عديدة أن الحكومة متورطة بشكل مباشر في انتهاك حقوق الإنسان (بهاردواج Bhardwaj، 2012). ويكشف المصدر أن معظم الفظائع التي ارتكبتها الجماعات المتمردة جاءت ردًا على اعتداءات الحكومة وحلفائها. لقد تجاهلت الحكومة بإصرار معاناة شعبها، واختارت خدمة المصالح الشخصية لعدد قليل من الأفراد الحريصين على استمرارهم في السلطة، على الرغم من الاحتجاج الشديد والمطالبة باستقالتهم. يلقي مالاشينكو Malashenko (2013) باللوم في الوقاحة المستمرة التي يصورها الرئيس السوري على العامل الروسي. لقد أثرت روسيا في البلاد من خلال الانضمام إلى الصراع ومساعدة الحكومة في مهمة قمع الانتفاضة. منذ اندلاع الانتفاضة، اختفى آلاف المواطنين السوريين المعارضين للحكومة. في الوقت نفسه، أخضعت الحكومة عشرات الآلاف من مواطنيها للاحتجاز غير القانوني من دون أمل في محاكمة عادلة. عانى أقارب الضحايا من صدمة عدم معرفة مكان أحبائهم (جيرتي Gearty، 2016). وبحسب إدريس (2017)، فإن الناشطين وقادة المعارضة السياسية كانوا من ضمن ضحايا الاختفاء القسري والسجن غير القانوني. أفادت منظمة العفو الدولية (2017) باعتقال خليل معتوق، وهو محام حقوقي غزير الإنتاج. وأفادت الأنباء بفقدان المحامي في أكتوبر/ تشرين الأول 2012، لكن يُفترض أنه محتجز لدى الحكومة بعد أن أفاد المحتجزون المفرج عنهم بأنهم رأوه في معسكرات الاعتقال.

سلط بيدنجر Bidinger وآخرون (2014) الضوء على سوء معاملة الحكومة للمحتجزين في سورية. وبحسب الباحثين، فإن الحكومة من خلال استخباراتها وفروعها الأمنية تقوم بتعذيب وإساءة معاملة المحتجزين. ومن بين المعتقلين أطفال ونساء وحتى كبار السن. يتعرض المحتجزون لسوء المعاملة من قبل السلطات في أشكال الاغتصاب والتعليق المطول والإعدام وأحيانًا الموت نتيجة الضرب (بيدجر وآخرون Bidinger et al.، 2014). يفيد إدريس (2017) بحدوث أكثر من 17,500 حالة وفاة بين السجناء في سورية، كانت نتيجة التعذيب على أيدي قوات الأمن الحكومية، كما أوضحت التقارير أيضًا عمليات الاستجواب الصارمة وعمليات التعذيب التي يعاني منها المعتقلون في مراكز الاحتجاز الأكثر فتكًا في العالم (منظمة العفو الدولية، 2016). وتوضح التقارير برودة الحكومة تجاه محنة شعبها الذي يتعرض إلى بؤس لا يوصف في المعتقلات. والأسوأ من ذلك، أن الحكومة تستخدم الأدلة التي تم الحصول عليها من خلال الاعترافات المنتزعة في أثناء التعذيب لإدانة المشتبه فيهم الذين يخضعون للمحاكمة.

لا تكتمل مناقشة عناصر انتهاك حقوق الإنسان في أي مجتمع من دون الإحاطة بالعنف الجنسي المرتكب ضد المدنيين. من غير المعروف لمعظم الناس أن العنف الجنسي لا يقتصر فقط على النساء والفتيات. ومع ذلك، فإن هذه المجموعة الأخيرة تتحمل العبء الأكبر. يعد العنف الجنسي من أكثر الأسلحة استخدامًا لدى القوى المتحاربة في المعركة في سورية، (بانويل Banwell، 2018)، حيث تعرضت النساء والفتيات الصغيرات للاغتصاب بشكل متكرر في الهجمات الانتقامية التي تورطت فيها الحكومة وقوات المتمردين. تشكل لدى المواطنين المحليين، بما في ذلك الضحايا الذين تم اغتصابهم تصور سلبي عن الحرب، ومساحة محدودة في المجتمع. علاوة على ذلك، فإنهن يعانين من تحديات الزواج، بما في ذلك السخرية، والطلاق، وعدم القدرة على إيجاد شريك الزواج.

 

النتائج والمناقشة

سيحاول القسم الحالي عرض مشكلة البحث من منظور أفضل في محاولة لاستخلاص ملاحظات قاطعة. سعى البحث إلى دراسة الأدلة المنشورة حول انتهاك حقوق الإنسان في الاضطرابات السورية حتى الآن. تدين الدراسات المختلفة الواردة في مراجعتنا الأدبية دور الفصائل المتحاربة ليس فقط بسبب زعزعة استقرار المجتمع السوري وإنما بسبب تدمير نسيج المجتمع أيضًا من خلال الإضرار بقيمه ومبادئه الراسخة. إذ يعد الغنى والتفرد في الحياة الاجتماعية من أهم عناصر تكون المجتمع بحسب كلاوسن Klausen (2015). في السنوات السبع الماضية، أدت الانتفاضة التي نتجت من الربيع العربي إلى تحويل المجتمع السوري إلى ساحة معركة بدلًا من توجيهه إلى عصر التغيير وتوسيع مساحة ديمقراطية. في هذه الفترة، مرّ المدنيون بتجارب مروّعة، غالبًا منذ بداية الانتفاضة، استنكر المجتمع السوري التشريعات المقيّدة والصارمة التي انتهكت حقوقه وحريته في الانخراط في الأمور التي تمس أمته. على وجه الخصوص، قيد حكم الرئيس بشار الأسد الاستبدادي حرية التعبير لدى المدنيين، فضلًا عن تقييد حرية الصحافة. طوال فترة الانتفاضة، عانى أشخاص كثر من الاعتقال المطول والتعذيب حتى الموت بسبب مشاركتهم في أنواع مختلفة من النشاط. ذكرت منظمة فريدوم هاوس (2018) أن 14 صحفيًا على الأقل ماتوا في عام 2016 وحده، ومما لا شك فيه أن هذا ليس سوى جزء صغير من العدد الإجمالي لوفيات الشخصيات الصحفية منذ بداية الاضطرابات. في الوقت نفسه، اختفى العشرات من العلماء والناشطين الآخرين في ظروف غامضة على مدى الاضطرابات. أنشأت الحكومة السورية نحو أربعة مراكز اعتقال مختلفة في جميع أنحاء البلاد حيث تجري استجواب وتعذيب المتمردين الذين تخطفهم أو تعتقلهم. المحاكمة العادلة عملية نادرة وتؤكد الدراسة التي أجراها بينيس وآخرون Bennis et al (2018) هذه الحقيقة.

بالمضي قدمًا، فإن استخدام القوة غير الضرورية ضد المدنيين لإجبارهم على الخضوع للإدارة الاستبدادية هو سمة مشتركة للاضطراب السوري. تستمر الحكومة وحلفاؤها في استخدام البراميل المتفجرة على مستوطنات مدنية مختلفة في جميع أنحاء الأرض ما يدل على قساوتها في التعامل مع هذه القضية. أفاد إدريس (2017) بأن الحكومة أسقطت أكثر من 12,000 برميل متفجر في عام 2016 ما أسفر عن مقتل وإصابة آلاف المدنيين في مناسبات مختلفة. بمرور الوقت، اعتمدت الحكومة منهجية محددة في عملياتها. اعتمدت استراتيجية مهاجمة المناطق أو المواقع التي تضم عددًا كبيرًا من المجموعات الضعيفة، مثل الأطفال والنساء وكبار السن. تشمل بعض المناطق الأكثر استهدافًا بحسب الدراسات، الأسواق العامة، والمؤسسات التعليمية، والمرافق الطبية، وكذلك دور العبادة (مجلس حقوق الإنسانHRC ، 2016). أبلغت منظمة العفو الدولية (2017) والشبكة السورية لحقوق الإنسان (2017) عن دمار كبير للمدارس وقتل للمدرسين وطلابهم من خلال الضربات الجوية والقصف بالبراميل المتفجرة من دون سابق إنذار. عانت المرافق الطبية والموارد المائية في جميع أنحاء البلاد من هجمات مماثلة، ما جعلها غير صالحة للاستخدام. وفي المقابل، لا يزال المدنيون يعانون من نقص الإمدادات الطبية والموظفين المؤهلين.

أدى عدم استعداد الحكومة السورية للتراجع إلى الشروع في مهمة السيطرة على كامل المنطقة. على الرغم من المخاطر الواضحة التي تهدد الحياة التي يواجهها المدنيون، فقد استخدمت الحكومة باستمرار تكتيكات الحصار من أجل إخضاع المناطق المتمردة. قطع الحصار الإمداد بالسلع الأساسية، ما أدى إلى مجاعة جماعية وأحيانًا إلى الموت. تحرم هذه الخطوة الناس من حرية اختيار الجانب الذي يريدون الانضمام إليه في ظل الاضطرابات والانقسامات. والأخطر من ذلك أن آلاف النساء والفتيات يعانين من العنف الجنسي، بسبب انعدام الأمن الناتج عن المداهمات الليلية المتكررة على مناطق الصراع. عقب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتدمير البنية التحتية، انهارت جميع القطاعات الاقتصادية تقريبًا، وتدهور القطاعان التعليمي والطبي، ولا يبدو أن محادثات السلام توفر الكثير من الراحة في ظل أوضاع السكان المحليين السيئة بالفعل.

 

الاستنتاج

هدفت هذه الدراسة إلى تقديم تحليل شامل للأوضاع الإنسانية في الأزمة السورية في فترة ما بعد الربيع العربي. سعت المقالة من خلال تحليل مراجعة الأدبيات إلى تسليط الضوء على الوضع الإنساني ومعاناة الناس في سورية. تظهر الورقة أن المجتمع الدولي لم يتعامل بشكل جيد مع الأزمة السورية بعد الربيع العربي. وتم توثيق حالات العنف الجنسي والقتل والسجن وانتهاكات حقوق الإنسان. ولهذه الغاية، تختتم الورقة بدعوة صانعي السياسات والفاعلين الدوليين في الأزمة السورية إلى اتخاذ إجراءات تصحيحية.

 

القيود والدراسات المستقبلية

على الرغم من أن تحليلنا قدم دليلًا على انتهاك واسع النطاق لحقوق الإنسان في المجتمع السوري، فقد تدهورت القطاعات الاقتصادية والسياسية، وهناك حاجة ماسة لمساعدة السكان المحليين، إلا أنه كان تحليلًا وصفيًا في جوهره. يجب أن تركز الدراسات المستقبلية على تحديد طرق الحد من تأثير الحرب في حياة المدنيين. علاوة على ذلك، يجب أن تقدم الأبحاث المستقبلية تبريرًا مناسبًا لعدم تقديم تدخل التحالف الدولي كثيرًا من المساعدة، ولماذا استغرقت محادثات السلام وقتًا طويلًا من دون إجراء أي تغييرات.

 

مساهمة المؤلفين

هذه الورقة عبارة عن عمل علمي أنجزه المؤلف الأول بشكل أساس. ومع ذلك، أشرف المؤلفون المشاركون عن كثب على العمل وساهموا فيه بشكل متساوٍ.

REFERENCES

  1. Allagui, I., & Kuebler, J. (2011). The Arab Spring and the role of ICTs – editorial introduction. International Journal of Communication (IJOC) 5: 1435–1442.
  2. Amnesty International (2016). State of the World’s Human Rights. Retrieved from https://www.amnesty.org/en/countries/middle-east-and-north-africa/syria/report-syria/
  3. Amnesty International. (2016). Syria after the ‘Arab Spring’: Eight key facts (2016) Retrieved from https://www.amnesty.org/en/latest/campaigns/2016/03/syria-after-arab-spring-eight-facts/
  4. Anderson, L. (2011). Demystifying the Arab spring: parsing the differences between Tunisia, Egypt, and Libya.” Foreign Affairs, 2-7.
  5. Anderson, T. (2017). Syria: The diplomatic endgame: ‘An analysis of what is really happening in the damaged country’. Australian Rationalist, 104:13-14. https://doi.org/10.5897/IJPDS2018.0318
  6. Banwell, S. (2018). Security, peace, and development: Unpacking discursive constructions of wartime rape and sexual violence in Syria. International journal of peace and development studies, 9(2), pp. 15-30.
  7. Bayat, A. (2017). Revolution without revolutionaries: making sense of the Arab spring. Stanford University Press.
  8. Bennis, B., Boustany, A., AL Dalena et al. (2018). Human rights and democracy in the Arab World in 2017: Hopeless within, doomed abroad. Global Campus Human Rights Journal, 2, 96-126.
  9. Berger, H., &Spoerer, M. (2001). Economic Crises and the European Revolutions of 1848. The Journal of Economic History, 61(2), 293-326. https://doi.org/10.1017/S0022050701028029
  10. Bhardwaj, M. (2012). Development of Conflict in Arab Spring Libya and Syria: From Revolution to Civil War. The Washington University International Review. (1) 1: 76-97.
  11. Bidinger, S, Aaron L, Danielle H, Yoana K, Elena N, Susan A, Lys R, and Timothy K (2014). Protecting Syrian Refugees: Laws, Policies, and Global Responsibility Sharing. Boston, MA: Boston University School of Law, International Human Rights Clinic.
  12. Campante, F. R., &Chor, D. (2012). Why was the Arab world poised for revolution? Schooling, economic opportunities, and the Arab spring. Journal of Economic Perspectives, 26(2), 167–188. https://doi.org/10.1257/jep.26.2.167 13. Carlsson, U. (2016). Freedom of Expression and Media in Transition: Studies and Reflections in the Digital Age, Nordicom: Göteborg
  13. Comunello, F., and G. Anzera. (2012). Will the Revolution be Tweeted? A Conceptual Framework for Understanding Social Media and the Arab Spring. Islam and Christian–Muslim Relations 23 (4): 453–70. https://doi.org/10.1080/09596410.2012.712435
  14. Deutsch Karlekar, K. and J. Dunham (2012) Press Freedom in 2011. Breakthroughs and Pushback in the Middle East. New York: Freedom House. http://www.freedomhouse.org/sites/default/files/FOTP%202012% 20Booklet.pdf
  15. Duffy, Matt J., &Maarouf, H. (2015). Journalism in Jordan: A comparative analysis of press freedom in the post-Arab spring environment. Global Media Journal, 1-24.
  16. Erameh, N. I. (2017). Humanitarian Intervention, Syria and the Politics of Human Rights Protection. The International Journal of Human Rights, 21(5), pp. 517-530. https://doi.org/10.1080/13642987.2017.1307829
  17. Fink, A. (2005). Conducting Research Literature Reviews: From the Internet to Paper. 2nd ed. Thousand Oaks, CA: Sage.
  18. Freedom House. Syria. (2018) Retrieved from https://freedomhouse.org/report/freedom-press/2017/syria
  19. Gearty, C. (2016). Human rights in an age of counter-terrorism. In War on terror. Manchester University Press, 2016. https://doi.org/10.7765/9780719095184.00011
  20. GhannamJ (2011) Social Media in the Arab World: Leading up to the Uprisings of 2011. Washington, DC: Center for International Media Assistance.
  21. Guha-Sapir D, Schlu¨ter B, Rodriguez-Llanes JM, Lillywhite L, Hicks MH-R (2018). Patterns of civilian and child deaths due to war-related violence in Syria: a comparative analysis from the Violation Documentation Center dataset, 2011–16. Lancet Glob Health 6(1): e103-e110. ttps://doi.org/10.1016/S2214-109X(17)30469-2
  22. Hart, C. (1998). Doing a Literature Review: Releasing the Social Science Research Imagination, Sage Publications, London.
  23. Hehir, A. (2014). Syria and the Dawn of a New Era. Into the Eleventh Hour: R2P, Syria, and Humanitarianism in Crisis. E-International Relations (Bristol, UK).
  24. HRC. (2016). Report of the Independent International Commission of Inquiry on the Syrian Arab Republic. Human Rights Council.
  25. Human Rights Watch. World Report (2018). Rights Trends in Syria. (2018, January 18). Retrieved from https://www.hrw.org/world-report/2018/country-chapters/syria
  26. Idris, I. (2017). International Humanitarian Law and Human Rights Violations in Syria, K4D Helpdesk Report, United Kingdom Department for International Development: 1-11. https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/r esources/127-IHL-and-HR-violations-in-Syria.pdf
  27. Klausen, J. 2015. Tweeting the Jihad: social media networks of western foreign fighters in Syria and Iraq. Studies in Conflict & Terrorism, 38, 1–22. https://doi.org/10.1080/1057610X.2014.974948
  28. Lamer W. (2016) Promoting the People’s Surrogate: The Case for Press Freedom as a Distinct Human Right. Journal of Human Rights 15(3): 361–382. https://doi.org/10.1080/14754835.2015.1106307
  29. Malashenko, A. (2013). Russia and the Arab Spring. Carnegie Moscow Center, https:// carnegieendowment.org/files/russia_arab_spring2013.pdf
  30. Noi, A. Ü. (2012). The Arab Spring, its effects on the Kurds, and the approaches of Turkey, Iran, Syria, and Iraq on the Kurdish issue. Middle East Review of International Affairs, 16 (2), 15.
  31. Relly, J. E. and Cuillier, D., (2010). A Comparison of Political, Cultural, and Economic Indicators of Access to Information in Arab and non-Arab states. Government Information Quarterly, 27(4), pp. 360–370. https://doi.org/10.1016/j.giq.2010.04.004
  32. Santos, B., Camila, B., Caroline C., Joaquim M., Vivian C., Diagramação D F, and Capa H C. (2018). “United Nations Security Council (UNSC). https://www.pernambucomun.com.br/wp-content/uploads/2018/05/UNSC-STUDY-GUIDE.pdf
  33. SNHR. (2017). No Less than 12,958 Barrel Bombs Dropped in 2016. Syrian Network for Human Rights.
  34. SNHR. (2018). Syrian Network for Human Rights. Retrieved from http://sn4hr.org/
  35. Sperber, J. (2005). The European Revolutions. 1848-1851. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511817717
  36. Turku, H. (2018). International Law on Protection of Cultural Property During Armed Conflict. In the Destruction of Cultural Property as a Weapon of War. Palgrave Macmillan, Cham, pp. 99-133. https://doi.org/10.1007/978-3-319-57282-6_4

[1] دخل الله الحربي: مرشح لنيل درجة الدكتوراه في مركز أبحاث التاريخ والسياسة والشؤون الدولية، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعةKebangsaan Malaysia ، Bangi، ماليزيا.

زارينا عثمان: أستاذ ورئيس، مركز أبحاث التاريخ والسياسة والشؤون الدولية، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعةKebangsaan Malaysia ، Bangi، ماليزيا.

سيتي داود: أستاذ مشارك، مركز أبحاث التاريخ والسياسة والشؤون الدولية، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعةKebangsaan Malaysia ، Bangi، ماليزيا.

مكان النشر: Humanities & Social Sciences Reviews، تاريخ النشر: 30 كانون الثاني/ يناير 2020، على الرابط الآتي: https://giapjournals.com/index.php/hssr/article/view/hssr.2020.8157

[2] يشير تفسير آخر للربيع العربي إلى تشابهه مع سلسلة من الثورات التي حدثت في أوروبا في القرن التاسع عشر. شهد عام 1848 بداية حقبة مضطربة حيث شهدت العديد من الدول في جميع أنحاء أوروبا حالات كبيرة من الثورات بين المواطنين (سبيربر Sperber، 2005). على غرار الربيع العربي، بدأت الثورة الأوروبية من أمة واحدة، صقلية، ومع الوقت امتدت إلى دول أخرى مثل ألمانيا والنمسا وفرنسا. كانت الانتفاضات نتيجة للاضطرابات الجماعية التي تهدف إلى إحداث تغيير في مواجهة القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تسببت في نقص كبير من الغذاء في جميع أنحاء القارة الأوروبية (Berger and Spoerer ، 2001).

[3] الجيش السوري الحر فصيل فضفاض في الحرب الأهلية السورية، تأسس في 29 تموز/ يوليو 2011 من قبل ضباط من القوات المسلحة السورية، الذين قالوا إن هدفهم هو إسقاط حكومة بشار الأسد.

صورة عمر حداد

عمر حداد

كاتب ومترجم سوري، له مجموعة من المقالات والترجمات في مجال الفكر والسياسة، يحمل إجازة في الهندسة المدنية، مهندس تخطيط وإدارة مشاريع.