حب في زمن الحرب!

يقولون: الإنسان، الفرد الإنساني، ابن شروطه الموضوعية؛ الشروط الموضوعية لحياة الأفراد تختلف من مكان إلى آخر، ومن زمان إلى آخر، ومن حال إلى حال، ومن فئة اجتماعية إلى أخرى. في مثل هذه الأيام من عام 2011 استجدّت في سوريا شروط موضوعية عركت السوريات والسوريين كافة، وأعادت تشكيلهم، وعركت المجتمع السوري والشعب السوري كليهما وأعادت تشكيلهما. لعلها أول مرة في تاريخ سوريا الحديث تتولد ظروف عامة على هذا النحو، لا يستثنى من إيجابياتها أحد، ولا ينجو من سلبياتها أحد.

في هذا السياق، يمكنني أن أعرّف نفسي بأنني أم سوريةٌ دخلت الثورة في حياتها، ودخلت هي في حياة الثورة، فتأثرت كثيرًا، وأثرت قليلًا. حين قامت الثورة كان ابني البكر في الجيش، يؤدي الخدمة الإلزامية، خدمة العلم، في حين كنت أخيط على ماكينتي، رفيقة دربي، نسخًا لعلم سوري آخر. لم أفطن يومها لمغزى وجود علمين في دولة واحدة، ثم تكاثرت الأعلام والرايات. فعشت تجربة جميع الأمهات السوريات اللاتي كان أولادهن في الجيش، أو في جيش مقابل، لأن الجيش هو الجيش والخوف هو الخوف والموت هو الموت والقتل هو القتل. كانت ثلاث من بناتي الأربع في الجامعة في مدينة دمشق يشاركن في التظاهرات الجمعية، فعشت تجربة جميع الأمهات البعيدات عن بناتهن، ويوم اعتقلت ابنتي عشت تجربة الأمهات اللاتي اعتقل أولادهن أو بناتهن، هذه تجارب يصعب التعبير عنها، وأخرى يستحيل التعبير عنها، أعني تجارب من فقدن أحباءهن.

بصفتي أمًا لأربع بنات وثلاثة أولاد كان عليّ أن أعمل إلى جانب زوجي؛ هو يكدح في ليبيا وفي لبنان وأنا خلف ماكينة الخياطة، أو في عمل موسمي في مديرية الزراعة، قبل أن أعمل بائعة كتب وقرطاسية ولوازم مدرسية لحسابي الخاص، فكنت حبيسة فضائي الخاص، وفضاء العائلة الممتدة. وبصفتي امرأة سورية أخرجتني الظروف التي استجدت عام 2011 إلى فضاء أوسع فأوسع، فمع المعتصمات والمتظاهرات والمحتجات والناشطات في مجال الإغاثة والثقافة والإعلام استطعت أن أسيطر على خوفي، خوفي على ابني العسكري، وبناتي المشاركات في فعاليات الثورة، وأن أصنع لنفسي ذاكرة جديدة وتطلعات جديدة، ذاكرة أوسع وتطلعات أرحب، مع أشخاص لم أكن لأعرفهم/ـن لولا الثورة؛ فأن تكون إحدانا أُمًا، مجرد أم، غير أن تكون امرأة، فلقد جعلتني الثورة امرأة، ومنحتني ذاكرة أوسع وتطلعات أرحب. هذه وغيرها من أهم مكاسبي ومكاسب غيري من النساء السوريات المواليات والمعارضات على السواء.

الآثار الإيجابية والسلبية، التي أشرت إليها يمكن ترجمتها إلى مكاسب وخسائر. أنا كغيري من النساء السوريات كسبت بالثورة كثيرًا، وخسرت بالحرب أكثر. حين كنت أسمع الشبيحة يصفوننا بالعاهرات، ونحن عائدات من الاعتصام، كنت أتساءل: أليست الحرية والكرامة اللتان نتطلع إليهما حرية وكرامة لجميع السوريين والسوريات، فلمَ تُصنّف النساء إما عاهرات أو طاهرات؟ أعتقد أن الثورة مرابح صافية للجميع، بلا استثناء والحرب خسائر صافية للجميع بلا استثناء.

ويوم صدحت أصوات الشابات السوريات والشباب السوريين تعانق السماء في آذار/ مارس عام 2011، مطالبةً بالحرية والكرامة، وجدت نفسي مسحورة بها، وددت لو أعانقهن شابةً شابة وشابًا شابًا، كانت تلك الأصوات تقول لي إن الحب لا يزال ممكنًا؛ فلنتعلم “فن الحب”.

مضت أشهر وغير قليل من النساء السوريات يردّدن شعارات الحرية والكرامة إلى جانب الرجال، إلى أن أصبح بعضهن ثكالى وأرامل، وفاقدات لأبسط شروط الحياة ومستلزمات العيش، وبدأن مشوارهنّ الطويل، لقد صنعن من الموت حياة، ومن الخوف إقدامًا، وما زلن يصنعن إلى الآن، لكن أعين الكاميرات أغفلت عملهن وحصرته في العمل النمطي المعتاد في الأزمات، كمعالجة الجرحى ونقل الأغذية والأدوية إلى الثوار، كما حصر المجتمع دورهن في العمل المنزلي وتربية الأطفال. ومازالت النساءُ ثائرات إلى الآن، بطرائق مختلفة، على أرض سوريا، على الرغم من الخسائر والويلات.

كان صعبًا على السلطة وصم الدروز بالإرهاب أو بموالاة إرهابيين وتنظيمات إرهابية، كجبهة النصرة أو تنظيم داعش، لذلك كانت التهمة التي واجهني بها محقق في فرع الأمن العسكري هي “مساعدة الإرهابيين الذين نزحوا إلى السويداء” ومساعدة الإرهابيات بالطبع، لأن الإرهابي يتزوج إرهابية، ويخلِّف إرهابيين وإرهابيات، ولحسن حظي لم يتهمني بالضلوع في المؤامرة الكونية على سوريا. وكان طريفًا أنه سمّى الثورة باسمها الحقيقي، ولكنه سرعان ما تراجع كمن لدغته أفعى، ونصحني بألّا أتورط ثانية مع “أذيال العصابات المسلحة”، فقلت: لكم ذلك، وفي داخلي سخرية ممزوجة بالقهر لاستخفافهم بعقولنا.

للثورة وجوه كثيرة وأساليب أكثر؛ الكتابة أحد هذه الأساليب، قبل إطلاق سراح ابنتي بدأت بكتابة رواية تكون ابنتي واحدة من شخصياتها، وربما الشخصية الرئيسة؛ فالثورة هي الثورة مهما اختلفت أدواتها، قررت أن أجمع بين الحب والألم تعبيرًا عن الثورة الجديدة التي اجتاحتني، في رواية عن التفاصيل الدقيقة لمعاناة الشعب السوري، ومعاناة المعتقلين والمعتقلات بحسب ما حدثتني ابنتي بعد الإفراج عنها، ومنيت نفسي بأن تكون نهايتها انتصار الثورة، ولكنني تنبهت إلى أنني أكتب عن الحرب، وأن الكتابة عن المعاناة تبقى قاصرة مهما كانت بليغة. لم أستطع متابعة الكتابة عن الغرق في بحر إيجة، ولا عن الجثث المتراكمة في حلب وحمص ودرعا، وعلى امتداد خريطة الوطن، ولا عن اغتصاب الفتيات وإجهاض من حملت منهنّ، وقبل أن أنهي الرواية مزّقتها، لعل تلك الآلام التي في تلافيفها تتمزّق هي أيضًا، فأنا لا أملك سوى هذا القلب الذي انشطر بين الألم والأمل.

بدأت البحث عن بداية جديدة، في خضم ازدحام الأسئلة في داخلي، لماذا تأكل المدن ساكنيها، لماذا يلفظ الوطن أبناءه وبناته، ما الذي يدفع الإنسان إلى ارتكاب الحماقات، كالعنف والقتل والتدمير وما إلى ذلك؟ وكثرت الـ لماذا، وجفّت الـ لأن. فاتجهت إلى الكتابة في منحى آخر غير الحرب، قررت أن أكتب عن الحب، ومعاناة النساء في الحرب والسلم على حد سواء، الحب الذي أوقف الحرب بين الرجال والنساء، وأنسن “أنكيدو” المتوحش، ورسم حدود دمشق وبيروت والسويداء، وأعاد تشكيل الإنسانية من جديد، وأنسن الجنس وحوله من غريزة حيوانية إلى رغبة إنسانية، هكذا رأيت الثورة التي في داخلي تتأجج لتخرج إلى الحرب الحقيقية التي تعيشها سوريا لتقول لها: كفى، كفاكِ نهشًا في أكبادنا أيتها الحرب اللعينة، أحببوا أيها السوريون، أحببن أيتها السوريات، سترون العالم مختلفًا، سيتزوج المسيحي مسلمة، وتتزوج الدرزية علويًا أو كرديًا، ونكون جميعًا في فضاء الإنسانية الرحب أحرارًا وحرائر، أمنيات كثيرة لسوريا ورجالها ونسائها وأطفالها خططتها على صفحات كتاب، عشت معه أربع سنوات طوال، أبحث عن الحب بدلًا من الغدر المعاش في ساحات الحرب وميادين القتال، يعتصر قلبي ألمًا، ويعتصر قلمي مفردات جديدة تتصالح مع الواقع ثم ترفضه. يرنّ هاتفي المحمول، وأنا في غمرة اللهفة للكتابة، أجيب، يدعوني المتكلم إلى توزيع سلل غذائية على ضيوف البلد، أو يدعوني إلى فعالية احتجاج ضد ممارسات العنف والاقتتال، أقفل حاسوبي وأهرع مسرعة لتلبية النداء الإنساني، أعود منهكة النفس قبل الجسد، أعيش تناقضًا مرعبًا بيني وبين ذاتي التي رفضت أن تصور الحرب على صفحات كتاب، فيكفي أن نعيشها نحن بؤساء سوريا وبائساتها.

كانت الكتابة بالنسبة إليَّ هبة من هبات الثورة وقشة الإنقاذ من الغرق، حاولت أن أنجو من الألم ولو لبضع ساعات في اليوم الواحد، مقابل أيام كثيرة يسبح فيها السوريين/ـات في بحر من الآلام، في بعض الأحيان كنت أخجل من تلك النجاة، لكن كان يجب أن تنجو إحداهنّ هنا وأخرى هناك، وثالثة هنالك. لعلّ عدوى النجاة تصيب أخريات. لم أستثن الحرب في روايتي، لكنني صورتها لوحة تشكيلية ترسمها أنثى، وتلونها كما تريد أن تكون، تنقش مخاوفها على جلد العالم، تستدين من الحرب لحظة واحدة لتعيش الحب.

الثورة حرّرتنا نحن النساء منذ أيامها الأولى، حرّرتني أنا شخصيًا وأدخلتني إلى الفضاء العام، علمتني المشاركة المتكافئة مع الرجال في الحياة العامة، ومعنى العمل الجماعي وسمو الرابطة الاجتماعية، الرابطة الوطنية، على سائر الروابط. حرّرتنا الثورة من الخوف ومن عبوديتنا لأنفسنا، أدخلتنا في الحياة السياسية بعد تصحّر سياسي شهدته سوريا على مدار نصف قرن، اخرجتنا من الأيديولوجيات الأحادية إلى قبول الرأي الآخر والاعتراف به، علمتنا معنى الحملات والعمل الإنساني، معنى الاحتجاج، وكيف نستطيع أن نقول لا ونحن مؤمنون ومؤمنات بها، ذهبت الـ “نعم” القسرية إلى غير رجعة، (اللهم إلاّ عند الذين لا يؤمنون بالثورة)، علمتنا الثورة على ورش العمل المدني وأخلاقيات النقاش، وأدركنا من خلالها مفهوم المجتمع المدني ومنظماته، كما أنها فتحت أمامنا سُبل الصداقة المدنية والتعاطف مع الآخرين والأخريات ممن لا نعرفهم/ـن ولا يعرفوننا. تعلمنا معنى الحرية التي كانت غائبة في غياهب الاستبداد، علمتنا كيف نطالب بحقنا كنساء ونطالب بتعديل القوانين المجحفة بحقنا، كيف نعمل على نشر وعي جديد في مجتمعنا لتغيير النظرة النمطية للمرأة، علمتنا كيف ندخل سوق العمل من دون وجل، من دون أن يكون هذا العمل أو ذاك مخصصًا للنساء.

سترحل الحرب يومًا، ويبقى الحب، وتبقى الثورة لنتعلم ما كنا نجهله، أو ما جُهِّلنا به عن قصد، ستبقى الثورة كي نبقى أحياء.

كل عام ونحن أحرار وحرائر.

 

أنجيل الشاعر

كاتبة وشاعرة سورية، مهتمة بقضايا المرأة.