ذواكر مُقرصَنة النجاة في التهريب من المستشفى الوطني، والنجاة في الطبيب الإنساني الوطني

عندما كنت في السنة التاسعة من عمري ذهبت برفقة أمي من دمشق إلى حماه، وكان غرضها من الزيارة أن تكون إلى جانب أختي في ولادتها، فصحبتني معها رفيق طريق. في اليومين التاليين لوصولنا أصبتُ بالتهاب السحايا، الذي كان متفشيا في المنطقة في ذاك الصيف الذي جرت في نهايته دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط في اللاذقية. القابلة القانونية هيام، جارة أختي التي أشرفت على ولادتها، صارت تشرف على علاجي في البيت نفسه، فتأتي أكثر من مرة في اليوم لتعطيني إبرة أو تتفقد السيروم الموصول بيدي، وفق توصيات جارها الطبيب العام خصرين، هكذا كان اسم عائلته، ولا أذكر اسمه الأول. خِتام طفلة بعمري، بنت أحد أقاربي، قالت لي على انفراد، وهي تلعب بدولاب معيار السيروم: “بدّن ياخدوك عالشام، عم يقولوا يمكن تموت”. كنت سابقًا أستغرب اسمها وأتساءل في نفسي: لم سماها أهلها بهذا الاسم: ختام! حيث كنت في تلك الفترة أتفكر في الأسماء ومعانيها، وكانت بنات أفكاري قد بدأت تنجب.

وافى خِتامُكَ فاستعد

طفلٌ ولكنْ صرتَ جَدّا

بعد معاناة أيام مع ألم الرأس الفظيع أدخلوني إلى المستشفى الوطني في حماه. وبعد مبيتي فيه ليلتين كان يوم عرس أختي الأخرى، في حماه أيضا. جاءت جدتي إلى المستشفى وأمضت إلى جانبي ليلة العرس لتذهب أمي وتَحضره. أذكر في تلك الليلة: بينما كانت جدتي تجلس على كرسي جانب سريري وتضع يدها على جبهتي وتقرأ مما تحفظ من القرآن، دخلت قطة برّيّة من باب الغرفة ثم تغلغلت تحت سريري في الوقت الذي كنت فيه أسرح في خيالي بالعرس الذي مُنِّيت بحضوره، وأتخيل أختي عروسا. ابتسمت جدتي وقالت لي: “شايف! القطة جاية تسلّيك”.

أهلا بالزائرة القاطعة مناجاة الليل، وتمتمة الموسيقى من شفتَي أمِّ أبي

أتُراهم صدقوا إذ قالوا إنَّ بنظرة عينيكِ بوجه الليل الصامت شيطنًاا يتجلّى!

لا أحسبُ أنَّ هنالك شيطانًا أدهى من صمت الليل بأجواء المستشفى

والطفلُ يحدِّقُ في الأفْق وأوجاعِ المرضى

ينتظر الموتَ، ولا يسلى

في صباح اليوم التالي للعرس، جاء صهري (العريس) برفقة أمي، وتمت عملية تهريبي من المستشفى (الوطني) بالتواطؤ مع إحدى الممرضات، حملًا وأنا لا أقوى على المشي. حكت لي الممرضة خطة تهريبي بينما كانت تنزع إبرة السيروم من يدي، متفائلة أن الحال في الشام سيكون أفضل. وبسيارته ذاتها نقلني صهري مع أمي إلى دمشق، بعد المرور بزيارة أختي (العروس) التي صارت تضمني وتقبّلني في رأسي ووجهي وهي تبكي، كأنها تودّع حبيبًا علمت أنه سيموت قريبًا وهي الآن تراه آخر مرة.

يوم عرسي، يا صغيري، كنتُ قطّةْ

تهتُ في ليلي وأخطأتُ المحطّةْ

يا حبيبي، هذه الدنيا رحيلٌ

فيه أُلقينا، وهذا العمر وَرطةْ

في الطريق من حماه إلى دمشق، كنت مستلقيًا على الكرسي الخلفي في السيارة، ورأسي في حضن أمي حيث تضع يدها عليه وتداعب شعري وهي تقرأ مما تحفظ من القرآن ثم تنفخه على رأسي، بين الحين والآخر.

باسم الحارس والشافي

أنفخُ في رأسكَ

أعرف أنّكَ تفتلُ من هذي الأنفاس بقلبكَ حبلًا سرّيًّا يربط روحكَ بالجنّة

مساء يوم وصولنا إلى دمشق أخذوني إلى عيادة طبيب الأطفال برنار خازم، في حي القصور، كان ذلك الطبيب آنذاك مدير مستشفى الأطفال في دمشق، فكتب لي تحويلًا لدخول مستشفى الأطفال مباشرة. حيث بقيت فيه عشرة أيام. كنت عندما دخلته على شفا الموت، وخرجت منه وأنا على شفا الحياة. الطبيب برنار من الأشخاص الذين لن أنساهم لاحقًا.

أبلغوا برنارَ، إن ما زال حيًّا، بسلامي

وإذا مات، دعائي: روح برنارَ لترقدْ بسلام!

في إقامتي في مستشفى الأطفال كان ممنوعًا أن يظل معي شخص مرافق. ربما كانت تلك الأيام بداية تذوقي الوحدة. كان المستشفى أنظف كثيرًا من المستشفى الوطني في حماه، غرفه أكبر من غرف الوطني وفيها عدد أسرّة أقل. كان في الغرفة، على سرير مقابل سريري، طفل بعمري تقريبًا، تعرض لحادث سيارة، وجهه مليء بالجروح ورجله المضمدة كليًا مرفوعة برباط عند القدم. كان يولول ويبكي من وجعه بين الحين والآخر، وعندما يريد التغوط يصيح: “بدي أخرااا”. عبر ذلك الطفل كنت أتعرف أول مرة على اللهجة الدرعاوية. وفي الغرفة المجاورة لغرفتي، حيث يفصل الغرفتين حائط نصفه زجاجي شفاف يقابل سريري، كانت من نزلاء المستشفى طفلة تكبرني ببضع سنوات، نهداها بدأا بالبروز، ظننت أنها تعاني من مرض نفسي، بل كنت في تلك الأيام أراها مجنونة بشعر أسود منفوش، علمتُ لاحقًا أنها كانت زميلتي بالتهاب السحايا، كانت تصرخ في ليل المستشفى الساكن فتحدث فيه رعبًا. أذكر كيف كنت أقلق في بعض تلك الليالي فأنهض وأتمشى في الممرات القريبة من الغرفة التي كان فيها سريري، وعندما ألتقي بممرضة أفتح معها أي حديث لآنس بها، وأتلذذ برؤية تلك الملاك الليلي. كنت أرى الممرضات جميعهن جميلات، وملائكة حقًا في تلك الليالي الموحشة.

أظن أني نجحت في المحافظة على الطفل فيَّ.

لكنه، في الحقيقة، كان طفلًا غير بريء، منذ بدايته.

كانت أمي تزورني في مستشفى الأطفال يوميًا في وقت الزيارة: من الواحدة إلى الثانية بعد الظهر. تأتيني أحيانًا وبعد أن تجلس قليلًا تنهض وترفع ثيابها قليلًا من الأمام ثم تمد يدها تحت ثوبها لتخرج من ساق جوربها النسائي الطويل ما هربته لي في الجورب بين ركبتيها: تفاحة، موزة، سندويشة شاورما صغيرة، كيس شيبس “دربي”… كانت تلك أول مرة آكل فيها دربي. وفي زيارتها الأخيرة لي في المستشفى، جاء الطبيب المشرف وقال لها إنه بإمكانها أن تصحبني معها إلى البيت. كانت في ذلك اليوم بالذات قد جلبت لي معها تفاحة. قالت وهي تجمع أغراضي: “ما أكلت التفاحة! والله أنا وطالعة عالدرج كنت رح اتفشكل منها. يلا بتاكلها بالطريق”. وفي أثناء خروجنا كان الطبيب المشرف يتابع جولته، فطلبت مني أن أذهب إليه فأشكره وأودّعه، بينما تنتظرني مع أخي في الممر، لأعود إليها بعد أداء الواجب المذكور ونكمل في طريقنا إلى بيتنا وأنا أرى عرسًا في عينيها.

حسبي أني لمّا في الجنة كنتُ

تلك التفاحة ذقتُ

كلما استذكرت تلك الأيام أتحسسها بحلوها ومرها، ولا سيما عندما يأتيني ألم الرأس اللئيم الذي صار بعد ذلك صديقي اللدود.

وبقيت أمي هي الوحيدة التي ما إن تنظر في وجهي.. تعرف إن كان رأسي يؤلمني.

صدى: وبقيت أمي هي الوحيدة التي ما إن تنظر في وجهي.. تعرف إن كان رأسي يؤلمني.

        وبقيت أمي هي الوحيدة التي ما إن تنظر في وجهي.. تعرف إن كان رأسي يؤلمني.

 

أمجد عطري

شاعر ومترجم سوري. صدرت له عن دار موازييك في إسطنبول مجموعتان شعريتان، الأولى بعنوان أسماء الحبِّ الحسنى والثانية بعنوان أيّام على ورق. كما صدرت له عن الدار ذاتها ترجمة عن الفرنسية لرواية السقوط لأبير كامو.