لكل حصان كبوة

حين اندلعت ثورات الحرية المكبوتة حدّ الانفجار، من هول القمع والمظالم المتخمة بها شعوبنا العربية، ما كانت في حاجة إلى أكثر من فتيل أشعله محمد بوعزيزي في جسده الفتي كقربان افتدى به شعوب العالم العربي المسحوق، وعلى الرغم من أننا كسوريين ما كنا نملك أي مقومات أو أرضية للحلم بامتداد شرارة الفتيل إلى بلادنا المقبوضة من خناقها بالحديد والنار من قوى الأمن، لإدراكنا حجم حماية القوى الكبرى العالمية للنظام، منذ مجازره السابقة التي ارتكبها في حماه وغيرها والتي يرتكبها باستمرار في المعتقلات، والتي تعامى ويتعامى عنها العالم إلى يومنا هذا، إلا أن حلم الحرية المشتهى لم يكفْ عن مراودة خيالنا كعشق محرم عصي المنال، ونحن نعلم أن استعصاءه قد يكلفنا الحياة وأغلى ما نملك.

مع انتصارات الشعب التونسي الحر، وإطاحة الشعب المصري رئيسه، تأجج الحلم وتفاقم مندلعًا كبركان هائج، فقدتْ معه الترسانة الأمنية للنظام صلابة قدرتها على وقف انفجاراته المتلاحقة، بعد عجزهم عن قمع شرارته الأولى في تظاهرة الحريقة التي أعلنت أول صرخة بأن الشعب السوري “حر ما بينذل”، وبعد اقتلاع أظافر أطفال درعا الذين خطوا درب تحول الشرارة إلى حمم بركانية هائجة لا يوقف انبثاقها من العتمة إلى النور أي حاجزٍ أو عائق. وبدلًا من أن ينفث بركان الحرية هواءً سامًا كان يؤدي بمستنشقه إلى الموت الزؤام سابقًا، أصبح هو المتنفس الوحيد لنا وما دونه هو الموت الزؤام في عينه. وكلما زاد قمع النظام له وكبت منافذه، استحوذ على رئاتنا واستحكم وجودنا بتشبث أقوى، ليصبح هواء الحرية هو مبرر الوجود ذاته.

لقد بدا لي آنذاك أن استحواذنا على الحرية واستحواذها على وجودنا، في ظل كل هذا القمع والعنف والإبادة، كان مرادفًا لكوننا أحياء حتى في موتنا، وأن أعداءنا من عبيد النظام وقتلته باتوا في نزعهم الأخير، حتى لو كُتبت لهم الحياة وأفرج الشعب عنهم. وكان هناك كثيرًا مما يبرر هذا التفاؤل آنذاك. لقد كنا فعلًا قاب قوسين من تتويج حلمنا بالنصر، لو لم تُخترَق الثورة عبر السماح للنظام بارتكاب مجازر الإبادة في حق المتظاهرين السلميين بمنحى طائفي متقصَّد لتفتيت اللحمة الداخلية لأبناء الثورة والشعب السوري الواحد، بما يسمح بتفتيت موازٍ لثوابتها الأساسية كالحرية والسلمية والحفاظ على وحدة الشعب السوري والقرار السيادي ونبذ العنف والطائفية، ومن ثم فرض التسلح والتطرف الديني عليها لمواجهة عنف لا تمكن مجاراته بكل الأحوال.

 

في أول مشاركة لي بتظاهرة في حي الميدان، فاجأتني ذاتي حينها بسرعة انقلابها من الخوف الذي أدى بقدمي للارتعاش لحظة اقترابي من التظاهرة إلى إدراكي أني بكل خطوة أخطوها باتجاهها، أسير بقدمي إلى حتفي مباشرة. لكنني خطوت تلك الخطوات أسوة بشعبنا الجبار وبوحي منه، شعبنا الذي قدم الروح والدماء ثمنًا لحريته، فحطّم معها حاجز الخوف الى غير رجعة. وباغتني مدى تحطمه بمدى استهانتي بالموت المرتقب، حين بدأ زخّ الرصاص فوق رؤوسنا، وهرب المتظاهرون راكضين في كل الاتجاهات، فنزلت زخاته بردًا وسلامًا عليّ، وأكملت ساقاي سيرهما بكل تؤدة وهدوء. وحينها سمعت صوتي كأنه آت من شخص آخر، يُطمئن مَن حولي بثقة وهدوء تامين، مكررًا عبارة: “لا تخافوا.. لا تخافوا” إلى أن توارينا مع الجميع بين أزقة حي الميدان التي كان أهلها يوجِّهوننا من خلف الأبواب المغلقة إلى المسارات الأكثر أمنًا لنسلكها بعيدًا عن أذرع الأمن.

منذ ذاك الحين أصبحت أكثر جرأة في إعلان رأيي الذي سبق لي رفض تزويره، برفضي ثلاث دعوات للظهور على شاشتهم لقول رأيي في الثورة، معلنةً بصراحة أن رأيي هذا سيُزوَّر لأنه لن يكون حتمًا في مصلحتهم. وكنت قد نسقت مع أصدقاء للمشاركة في تظاهرات حمص في الخالدية قبل حوالى أسبوع من تدمير أحيائها الثائرة. تلقيت بعدها تهديدات تتعلق بابنتي من طرف شبيحة النظام المسعورين وواجهتهم بفضح حقيقتهم، وكنت غالبًا أرفق شعاري المفضل بما أكتبه حينذاك: “ما بيحك جلدك إلا ظفرك” لإيماني الراسخ بأن أي هزيمة لجبروت تلك الثورة العظيمة، سيأتيها من مكمن الارتهان للخارج. وهو ما حصل فعلًا. وحين غادرت البلد مع زوجي وابنتي للعمل في دبي، كنت حينها أتوقع أن أُعتقل في المطار، فرجوت زوجي تهريب ابنتي من دون أن يلتفت إليّ في حال حدوث ذلك. وعلى الرغم من أنني لم أُعتقل حينها، لكن تهديدًا وصلني إلى دبي عبر إخبار أهلي، في جنازة أبي التي مُنعت من حضورها، بأن رأسي مطلوب في حال عودتي. كما سُرّحتُ من مؤسسة السينما تعسفًا ومُنعنا من التصرف في أي أملاك لنا بإدراج أسمائنا في لائحة الإرهاب، على الرغم من أننا لم نحمل السلاح يومًا، ولسنا منتمين إلى أي جهة سوى لمبادئنا التي نعلنها من دون خوف، في حين غُضّ الطرف عن الإرهابيين الحقيقيين من النظام والمتطرفين. ومع ذلك لم أكن أظن أنها ستكون آخر مرة أرى فيها بلدي، على الرغم من تأخير الحل لجعل الوضع يتعفن ويسهل فرض الحلول عليه بما يخدم مصالح القوى التي تدير الصراع، وهو ما جعل حتى حلمنا بالعودة يتباعد.

لقد تمكنت قوى الثورة في البداية مع حفاظها على ثوابتها الأولى، من السيطرة على سبعين في المئة من الأرض السورية، وكادت أن تنتصر لو لم يُفرَّط باستقلالية قرارها الثوري الذي منع تقدمها في دمشق وجبهة الساحل، في الجبهتين اللتين كانتا كفيلتين بحسم المعركة لولا الارتهان لقرارات الخارج التي أدت إلى تصعيد التطرف الديني والانقسامات الداخلية. وهو ما استتبع بدوره التفريط أكثر بثوابت أخرى. واتضح أن كل تفريط كان يجر معه انتكاسات وتنازلات متوالية، انتهت بالارتهان لسيطرة الإرادة الخارجية وتدويل قضيتنا، وقد برهنت أنها غير معنية بانتصار ثورتنا، بل عملت على شرذمتها وتضييع بوصلتها عبر إدخال المال السياسي في لعبة فرز القيادات والممثلين المزيفين لقوى الثورة، وعبر تسليح المتطرفين على حساب الجيش الحر وأبناء الثورة الحقيقيين.

لقد بدأت أتلمس مؤشرات التراجع مع إطالة أمد الثورة، وبدأت أتساءل حينها، هل كنا حقًا مستعدين للقاء الحلم والحرية المعشوقة بعد أربعة عقود من الحرمان ودفع أبهظ الأثمان لإنضاج لحظة الوصال تلك؟! أم أنها ستباغتنا بحضورها العظيم الآسر الطاغي، ونحن ما زلنا نتردد. هل نسمي “جمعة الدولة الديمقراطية” دولة الحريات، أم أن هذا قد يشكل خطرًا على مصالح متعصبٍ أو طائفيٍ ما ممن حُسبوا على الثورة وهم كالنظام أبعد ما يكونون عن الإيمان بحرية الشعوب كما حدث حينذاك؟! وهل الحرية التي نريدها بديلًا للاستبداد، هل هي ديمقراطية مدنية أم ستأتينا بأشكال أخرى من الاستبداد، تحت مسمى الحاكم المستبد العادل الذي يروج له الطغاة من جميع الأطراف، أو الحاكمية باسم دين وحيد أو ولاية فقيه مما يروِّج له المتطرفون السلفيون تلغي الآخرين؟ إذ لا حل وسطًا بين الحرية والاستبداد.

 

ما كانت لتتفتق مخيلتنا حتى في الأحلام أن يصل عنف النظام والقتل والتدمير والتهجير والتعذيب والإبادة إلى أغلب سكان البلد، لتصبح سورية الهولوكوست الأكبر، وجريمة العصر الحديث المسكوت عنها عالميًا، بما سمح بتحويل سورية إلى ساحة حرب عالمية ثالثة، تتصارع فيها وعليها جميع قوى العالم، ويُباح فيها استخدام جميع أسلحة الحروب والدمار الشامل، المرخصة والمحرمة دوليًا، ما رهن البلاد لاحتلالات خارجية متعددة، وبدَّد تحت سياط موجة صقيعه الشتوي القارص ما بدا لنا حلمًا وربيعًا، وزوى معه ما زرعناه وأثمر براعمَ ربيعية كان لها أن تبشر بمستقبل واعد، لولا أن دُفع الحلم ليتحول إلى كابوس ومأساة لم يستفق منهما الكثيرون إلى الآن. لذا، مهما بلغنا من التفاؤل والقدرة على الحلم، لا يمكننا إنكار هزيمتنا الآنية، كمدخل يوجهنا إلى كيفية الانتصار على أوهامنا أولًا، وهو خير لنا من وهم انتصار كاذب يجرفنا إلى هزائم أكبر لا تقتصر على هزيمة الروح والذات المنوط بها تحقيق الانتصارات، وكما يقال: “لكل حصان كبوة، وإن ما خربت ما بتعمر، والمصيبة التي لا تقتلنا تقوينا”، أمثلة صاغتها تجارب الشعوب لتنهض بنفسها من كبوتها، تبني من هزائمهما قوة أصلب تشدّ عودها وتقوّيه أكثر. فهل يذكر العالم أن نحو قرن من الهزائم والتراجعات مرَّ على الثورة الفرنسية، التي كانت شعاراتها الأولى: “المساواة والحرية والإخاء” قبل أن تتوج كمنارة للحرية ومبادئ حقوق الإنسان في عصرنا الحديث؟!

لا شك أن مشاعرنا تفاوتت ونحن نشهد ثورات الربيع العربي تورق براعمها وتذوي قبل أن تنضج وتزهر أحلامنا بها لتصبح وقائع مجسدة، ولا شك أن مشاعرنا، خلال سنوات ثورتنا العشر، تناوبت بين قمة التفاؤل وقمة الإحباط. بين بدايات، كنت أقول فيها لمن يسألني عن رأيي في نتائجها، إن الشعب إن أراد الحياة يومًا، لا بدّ أن يستجيب له القدر. وبين النهايات التي بتنا نتوجس فيها حتى من الحلم ذاته، أن يوقعنا في هاوية الوهم الذي تم سوق الثورة وأبنائها إلى مسلخه، من أقرب من ادعوا صداقتهم لها.

كما لا شك أن اعترافنا هذا بهزائمنا لا يعني أبدًا انتصار العدو الذي سلم البلاد إلى خمسة جيوش احتلال يرهنها ويرتهن لها بكل قراراته. وهو لا يعني أبدًا أننا لم نحقق انتصارات ما كان لها أن تتحقق لولا قوة استحقاق حلمنا وقوة إيماننا به وبحريتنا، التي ذقنا طعمها ولن نستسيغ دونها أي طعم آخر، مهما بلغت التضحيات المرتقبة لتحقيقها، دون أسفٍ أو ندم على أي خسائر شخصية، أو أي رغبة في المهادنة أو تسليم راية تنكس حلمنا. وقد هانت علينا أرواحنا وكل ما استحوذ عليه النظام مما نملكه فداء له، أمام فكرة خسارتنا لوطننا وحلمنا بحريته واستقلاله.

والمكسب الأكبر الذي لا يستهان به من إنجازات الثورة، هو تحطيمنا لحاجز الخوف، محطمين معه نحو نصف قرن من العبودية الراسخة، استحكم نظام الطغيان من خلاله شعبنا، وحوّله إلى عبيد عاجزين حتى بأحلامهم عن الانعتاق من عبوديتهم. لقد كانت ثورة على ذاتنا وعلى خوفنا أولًا وقبل كل شيء، كما هي ثورة لنيل الحرية لا تموت بالتقادم كفكرة، والفكرة لا تموت والأمل لا ينطفئ إلا مع انطفاء الحياة ذاتها. وستبقى حية متوقدة تشعلنا كلما خبا لهيبنا، ما دام تحالف العالم أجمع لم يتمكن من إطفائها طوال عشر سنوات، على الرغم من دعمه غير المسبوق لنظام القتل والإبادة، ومحاولته إعادة تدويره وفرضه بالقوة علينا. وشعبنا ما زال حتى الآن يهتف لثورة الحرية والكرامة ولا يجد بديلًا عنها. وما زلت معه أؤمن أنها ستُحقق يومًا ما تطمح إليه مهما طال الزمن، على الرغم من الإحباطات المتتالية وتعثُّر تحقيق النصر إلى الآن، وتشرذم القوى على الساحة الوطنية وبعثرتها. لأن من التحموا بجسد الحرية عشقًا حتى الموت، الحرية بجميع أشكالها، مضحين بالغالي والنفيس، ومن يسعون بدأب لإنضاج التجربة واستبصار المصير بوعي تام ومسؤولية، لاستحقاق لقاء الحرية المعشوقة بقلب طاهر وعقل نقي من رجس الأنانية والاستفراد وإلغاء الآخر، يحق لهم في النهاية أن يُزفوا إليها ليتربعوا على عرش قلبها وعقلها، ليسودوا ويحكموا بما تمليه عليهم تضحياتهم العظيمة لأجلها.

 

واحة الراهب

كاتبة ومخرجة وممثلة سورية، تحصّلت على إجازة في الفنون الجميلة بدمشق ودبلوم دراسات عليا في السينما من فرنسا بباريس، ألفت عدة سيناريوهات، وكتابًا بعنوان صورة المرأة في السينما السورية. وثلاث روايات (مذكرات روح منحوسة- الجنون طليقًا- حاجز لكفن)، أخرجت عدة أفلام سينمائية وتلفزيونية. حصدت عدة جوائز، كان آخرها جائزة الفيلم القصير (قتل معلن) بمهرجان كييف. تم حفظ فيلمها (رؤى حالمة) في متحف السينما اليابانية العالمية. عضوة مؤسسة في جمعية المبادرة لقضايا المرأة. عضوة لجان تحكيم بمهرجانات سينمائية وتلفزيونية.