مسار الربيع العربي وإخفاق عملية التحول الديمقراطي

 مقدمة

جاءت ثورات الربيع العربي لإسقاط أنظمة الحكم المستبد، وسعت لتغيير قواعد الظلم السائدة، وتأسيس أنظمة حكم عادلة مرتكزة على دستور يصنعه الشعب ويشارك في تدبير شؤونه من خلال تأكيد مبدأ الحرية السياسية، وبناء دولة الحق والقانون التي يخضع فيها الجميع للعدالة القانونية، لكن ما حدث في ثورات الربيع العربي حمل في طياته وقائع عديدة، منها ما هو إيجابي ومنها ما هو سلبي، فما هي أبرز الوقائع التي حملتها ثورات الربيع العربي؟ وهل حققت الأهداف التي قامت من أجلها؟ وهل اكتملت ثورات الربيع العربي أم لم تكتمل بعد؟

 

مسار الربيع العربي

انطبع مسار العالم العربي خلال القرن الماضي بالانقلابات العسكرية التي جاءت بقيادات سياسية عسكرية دشنت مؤسسات وأحزابًا ديكتاتورية، بينما تميزت ثورات الربيع العربي الراهنة بكونها انتفاضات شعبية لم يعهدها العالم العربي الحديث، ويتمثل جوهرها في تغير نظرة الشعب العربي إلى الحياة السياسية التي لا تلبي ما ينشده منها من آمال وطموحات، فلم يعد يحتملها بداية ونهاية.

وكان القاسم المشترك بين الانقلابات العسكرية والانتفاضات الشعبية إرادة الشعب العربي، وشجاعته التي كبلت أو خدعت من أنظمة عربية ديكتاتورية تدعي القومية والاشتراكية في أغلبها.

ومن سمات الثورات أنها فاجأت العالم وفي مقدّمه زعماء الدول التي ثار شعبها عليهم وخلعوهم عن عروشهم كونها مبررة وصادقة وضرورية، فكانت نتيجة حتمية وهي قبل كل شيء قرار الشعب العربي لا غيره من الشعوب أو الدول ولا أميركا ولا أوروبا ولا مؤامرات الشرق الأوسط الجديد، ولا سيناريوهات الفوضى الخلاقة ولا مؤامرات ضرب هذا المحور أو ذاك؛ إنما هي استجابة طبيعية للمرحلة التاريخية التي مرت بها شعوب الدول العربية.[1]

وقد مرت بعقبات عديدة أوقفت إتمام عملية التحول الديمقراطي، فما هي أبرز العقبات؟

 

عقبات إتمام عملية التحول الديمقراطي في دول الربيع العربي

حاولت الأنظمة العربية الجديدة أن تتشكل على وقع الثورات الديمقراطية التي اجتاحت بعض الدول العربية، ولكنها أخفقت في إتمام عملية التحول نحو أنظمة ديمقراطية؛ وقد فشلت عملية الانتقال من أنظمة سلطوية وشبه سلطوية إلى أنظمة ديمقراطية، وهذا ما سبب حالة ضبابية من الفوضى، وكان من أسباب هذه الفوضى صعود القوى الإسلامية وتمكنها من تحقيق نتائج إيجابية في الانتخابات النيابية في الدول التي شهدت التحولات بصيغة ثورية، مثل مصر وتونس، أو بصيغة إصلاحية، مثل المغرب والكويت على سبيل المثال لا الحصر.

وما زاد الطين بلة إعلان القوى الإسلامية التي دخلت المشهد السياسي أن قبولها بالديمقراطية ليس قبولًا مطلقًا، بل هو قبول مقيد بأيديولوجيتها الفكرية بتطبيق الشريعة الإسلامية؛ والذي تخوف منه العلمانيون فسارعت تياراتهم إلى إعلان الخوف من ولادة أنظمة إسلامية ذات طابع أيديولوجي بدلًا من أن يتحول مسار الثورات إلى إقامة أنظمة ديمقراطية.[2]

 

مظاهر سلبية حولت مجرى الثورات العربية

في بداية الثورات جاء تأييد المطالب الشعبية والعمل على وضعها في مسارها السلمي والديمقراطي، وعدم الانجرار وراء توريطها بالعمل العنفي أو العسكري مهما كانت الأسباب، لأن ذلك هو ما كان يضمن نجاحها وعدم انحرافها عن مسارها، وعدم إدخالها في معادلات صراع غير متكافئة مع أنظمة أمنية معبأة بأجهزة أمنية وقمعية ضخمة مستعدة منذ عقود لحل هذه المنازعات الدموية مع شعوبيها.

نأى الإسلاميون في البداية بأنفسهم عن الثورات الشعبية حيث كانت أصوات الشبان في الشرق الأوسط من الأردن إلى الجزائر واليمن تصدح على الفيسبوك والتويتر مطالبة بالديمقراطية والحرية، حيث قيل سوف تجتاح الديمقراطية الليبرالية المنطقة دون توقف، وفور سقوط ديكتاتور واحد فإن الباقين سوف يسقطون بعده.

بعدها انقلبت الأوضاع، فرحب الثوار بالزعيم المنفي راشد الغنوشي في تونس، وفي غضون مدة قصيرة استبدل حظر مواقع الإنترنت بحظر أوسع نطاقًا، وبدأت أعمال التخريب:

  • في تونس تعرضت النساء للهجوم لعدم ارتداء الحجاب، وجاب المتعصبون الشوارع بحثًا عن العصاة، وكل هذا على الرغم من دعوة الغنوشي نفسه إلى مجتمع إسلامي أكثر اعتدالًا.
  • في مصر أحرقت الكنائس وهدمت أضرحة الصوفية المعتدلين، وهوجمت النساء المتظاهرات من رجال بلحى غير مهذبة وعيون يتطاير منها الشرر، وطالب الإسلاميون بمنع بيع المشروبات الكحولية.
  • في سورية ظل النظام العلماني متحفزًا لضرب الإسلاميين.
  • في المملكة العربية السعودية كان هناك اشتياق ليوم الغضب من مؤسسة دينية تدعم حكام المملكة الطاعنين في السن، وأعلنت أن جميع أشكال التظاهر ليست من الإسلام في شيء، وأذعنت الجماهير السعودية، ولزم أغلب الناس بيوتهم، وفي الوقت نفسه أتقنت واشنطن سياسة النفاق في المنطقة، وتجاهلت اعتقال السلطات المواطنين السعوديين الذين شقوا عصا الطاعة.
  • في دولة البحرين الصغيرة المجاورة سحقت الدبابات السعودية الانتفاضة الشعبية.
  • في اليمن سيطر تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية على بلدات بأكملها باسم الربيع العربي، في حين اختطف حزب الإصلاح الإسلامي التظاهرات الشعبية في البلاد.

بالطبع كان هناك ليبراليون وسط كل هؤلاء المتظاهرين، كان أغلب هؤلاء الليبراليين من الشبان اللذين أرادوا المزيد من الحريات، وتطلعوا إلى الغرب على أنه نموذج لمستقبلهم المأمول، من بينهم مثقفون في منتصف العمر، وهم أقلية ضئيلة لا تمتلك ما يلزمها من مهارات سياسية ولا حتى تأييد شعبي لتحقيق النصر، ولم تكن الأغلبية العظمى من المتظاهرين تعرف شيئًا عن الأيديولوجيات السياسية، فلم يكن ما أخرجهم رغبة في انتخابات حرة ونزيهة، وإنما أوضاعهم الاقتصادية الطاحنة بسبب أنظمة الحكم الفاسدة.[3]

كل هذه المظاهر أثرت سلبًا في نجاح الثورات، وهيأت لتدخل جهات خارجية لإخمادها، فكيف أخفقت الثورات في تحقيق أهدافها؟

 

إخفاق ثورات الربيع العربي في تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها

ساهمت عقبات وخلافات عديدة في عدم تقدم الثورات، من أهمها أن الشعوب العربية لم تعرف الديمقراطية من قبل، لذا تأخرت الثورات بداية في تحقيق أهدافها ووقفت مكانها ونشب الخلاف بين أطرافها.

وشتت الخلافات بينهم لتتوقف مسيرة الثورات، وكان من مآلات توقفها تسابق الدول المشاركة في إسقاط القذافي للاستيلاء على ما يمكن الاستلاء عليه من أموال ليبيا المجمدة في أثناء المعارك، ووجود تيار إسلامي منظم وقوي يسعى للسيطرة على الحكم، ما خلق مشكلات ومواجهات مع القوى الأخرى أدت إلى إعاقة تحقيق أهداف الثورات.

ومنها أيضًا: المشكلات التي عانت منها تونس ومصر وليبيا، مطالبة طوائف كثيرة بمطالبة فئوية، ومشكلات مصطنعة من أطراف تريد إجهاض الثورات، مثل ظهور النزعات الانفصالية في ليبيا والمشكلات الموروثة من الأنظمة السابقة.

فلم يحقق الربيع العربي ما كان مأمولًا منه، ويعود ذلك إلى المدة الزمنية التي مرت على الثورات، وتزايد المطالب الشعبية مما يصعب تحقيقه، والمشكلة الأكبر التي واجهت هذه الثورات هي قدرتها على تغيير النظام الحاكم دون اقتلاع جذوره، وهو ما أدى إلى ظهور مقولة أن الثورة نجحت في خلع رأس النظام بينما قواعد النظام ما زالت تعمل، ويطرح ذلك مشكلة التداخل بين نظام الحكم والدولة، ففي بلادنا العربية ولطول الفترة الزمنية، التي يستمر فيها الحاكم في سدة الحكم، يستطيع أن يتغلغل في شرايين إدارة الدولة من خلال من يتم توظيفهم لإدارة دولاب العمل، ما يخلق طبقة من المنتفعين المرتبطين بالنظام التي تعمل على مقاومة أي محاولة للتغيير.[4]

وهذا ما هيأ لنشوب الصراعات الفكرية وانقسام الشعوب إلى تيارات أيديولوجية، فما محور الصراع بينها؟ وكيف انتهز الأجانب الوضع للتدخل في تحويل مسار ثورات الربيع العربي؟

 

صراع التيارات الفكرية (علاقة الدين بالسياسة)

أعادت ثورات الربيع العربي من جديد الصراع بين تيارات الفكر العربي والفكر الإسلامي المعاصر، حيث فتحت المجال لبحث العلاقة بين الدين والسياسة لتظهر ثنائية الدولة الدينية والدولة المدنية في الساحة العربية، وقد واكبت هذه الثنائية تداعيات عديدة من بينها إنتاج الخطابات الكلامية، وافتعال المعارك بين السلطة والهوية، وعمقت شرخ البحث عن توافقات تاريخية لبناء كتلة حضارية تنتج عملية التحول الديمقراطي، وساهمت في ظهور ثنائية التضاد بين الإسلام والعلمانية، ما أدى إلى الانقسام الفكري حول الفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي، وفرض الاختيار بين مع أو ضد ليوظف الصراع في مجال الانتخابات والدساتير والقوانين العربية بطرق زادت تأزم الوضع، وانسداد أفق التحول الثوري بدلًا من فتح نقاش وحوارات إيجابية تنهل من روح الثورة قيمًا أخلاقية وأنساقًا فكرية تنسجم مع خيارات الأمة.[5]

وقد انتهز الغرب الاختلاف، وحوله إلى خلافات، تطورت فيما بعد إلى تهديد أمن الشعوب العربية، فما الوسائل التي نهجها الغرب لتنفيذ مخططه؟

 

الاختراق الأجنبي لثورات الربيع العربي وتحويل مسارها

نهج الغرب التمويل الخارجي بكونه مدخلًا من مداخل التغيير في الخارطة العربية بعد لجوء كثير من الدول العربية إلى مراجعة ملف التمويل الأجنبي للحركات المدنية العربية، التي فضحت المنظمات الأجنبية الممولة في تهديد الاستقرار في دول الربيع العربي، بل وصل الأمر إلى رصد كثير من اختراقاتها من خلال إدراك بعض الدول العربية ارتباط المنظمات المانحة بالمخابرات التخريبية، ومنها تقديم فرنسا مساعدة عسكرية لقوات المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا في 29 مارس 2011، كان من بينها أسلحة ومدربون فرنسيون.

وما يؤكد هذا زيارة القائد العسكري لحركة الانقلاب المسمى بعبد الفتاح يونس إلى باريس في13 من نيسان/ أبريل لسنة 2011، حيث ذكر أنه رافق هو وقادة عسكريون آخرون في منتصف ليلة 23 نيسان/ أبريل السيد برنار هنري ليفي للقاء الرئيس الفرنسي سركوزي في قصر الأليزيه، وأن المساعدة الفرنسية تم تسليمها عبر قطر، ومن بين ما تضمه 100 آلية رباعية الدفع، وأجهزة للبث، و200 جهاز لاسلكي، و 100 سيارة (بيك آب)، وبين 700 و800 قذيفة (آر ربي جي 7)، و 1004 رشاش، و5 قاذفات صواريخ (ميلان) لتجهيز الجماعات المسلحة والمتطرفين والإرهابيين بجبل نفوسة جنوب غرب طرابلس.[6]

وهذا التدخل ليس إلا نموذجًا تم كشفه من خلال شاهد من أهل التدخل، حين باح بمخططات فرنسا لتحويل مسار ثورات الربيع العربي، ليكشف عن خلل العقل العربي في تدبير شؤونه السياسية ومنها غياب الحنكة السياسية وأثرها في إخماد الثورات.

 

غياب الحنكة السياسية وإخماد ثورات الربيع العربي

لما خلت جعبة الأكاديميين السياسيين من أي شيء يمكن أن يقدموه لصانعي القرار السياسي في ما ارتبط بالأحداث التي حصلت في تونس ومصر ودول الشرق الأخرى، سعى المسؤولون الجدد لتنزيل مضامين سيادة المجتمع بالقوة، حيث تستولي القوة العسكرية على السلطة كونها الجهة المنظمة الوحيدة في المجتمع القادرة على إدارة الحكومة، حينما تصبح المشاركة السياسية عبارة عن إضرابات وتظاهرات، فلم تحصل أي تنمية سياسية معبرة ذات معنى، لأن ازدهار أي مؤسسات حديثة من شأنه استيعاب مشاركة المواطنين بسلام.[7]

وبهذا تكون نهاية الربيع وتحوله إلى نكسة من نكسات تاريخ الشعوب العربية المستبدة.

 

خاتمة

تأسيسًا على ما سبق، يمكن القول: إن الثورات العربية كشفت عورة الشعوب العربية، وأظهرت جهلها في المجال السياسي، وفشلها في تدبير شؤونها الداخلية وتأخرها في إرساء أعمدة الديمقراطية، فضلًا عن عدم إدراكها لمعنى الوحدة الوطنية والمصلحة العامة، والسير في طريق التنمية من أجل حفظ الحضارة والمحافظة على الهوية.

فمتى تزرع بذور ربيع عربي يزهر عدلًا وحرية ومساواة في الحقوق والواجبات؟!

[1]– محمد زاهد جول، انعكاسات صعود الإسلاميين في العالم العربي على السلوك التركي تجاه القضية الفلسطينية، مؤتمر “الإسلاميون في العالم العربي والقضية الفلسطينية في ضوء التغييرات والثورات العربية”، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 28 و29 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، (بيروت-لبنان)، ص 1 و9.

[2]– محمد أبو رمان، السلفيون والربيع العربي سؤال الدين والديمقراطية في السياسة العربية، الطبعة الأولى، مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت-لبنان)، آذار/ مارس 2013، ص 201.

[3]– جون آر برادلي، ما بعد الربيع العربي، كيف اختطف الإسلاميون ثورات الشرق الأوسط، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة (القاهرة-مصر)، الطبعة الأولى 2013، ص 147 و148.

[4]– محمد صفوت قابل، اقتصاديات الربيع الإنجاز والإنقاذ، المؤسسة المصرية للتسويق والتوزيع (القاهرة-مصر)، الطبعة الأولى 2012، ص 5 و6.

[5]– سلمان بونعمان، أسئلة دول الربيع العربي، نحو نموذج لاستعادة نهضة الأمة، مركز نماء للبحوث والدراسات (بيروت-لبنان)، الطبعة الأولى 12 نيسان/ أبريل 2013، ص 123 و124.

[6]– فريحة عوض الترهوني، المؤامرة الكبرى فوضى الربيع العربية وحقيقة الحرب على ليبيا، مؤسسة نيولينك، (القاهرة-مصر)، الطبعة الأولى 2014، ص 165 و166.

[7]– فرانسيس فوكو ياما، الإسلام والحداثة والربيع العربي، حوار رضوان زيادة، ترجمة حازم نهار، المركز الثقافي العربي، (الدار البيضاء-المغرب)، الطبعة الأولى 2015، ص 255-257.

نوال الراضي

باحثة مغربية، تحصّلت في عام 2018 على شهادة الدكتوراه من جامعة القاضي عياض كلية اللغة العربية-مراكش، تخصص مقارنة الأديان - في موضوع: صفات الله عز وجل بين الديانات السماوية (دراسة تحليلية مقارنة)، شهادة الماستر في عام 2013- مسلك الدراسات السامية ومقارنة الأديان، إجازة في الدراسات الإسلامية في عام 2009. لها العديد من المقالات والدراسات المنشورة في مجلة التنويري، والعديد من شهادات التدريب، ومشاركات عديدة في المؤتمرات وتقديم المحاضرات. لديها مشاركات أدبية في مجال القصة.