مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

“لا تجديد ديمقراطي دون إصلاح نهج مكافحة الإرهاب

رسالة المجتمع المدني في العالم العربي إلى “القمة من أجل الديمقراطية”

عـلى مـدى الأعـوام الماضـية، تـراجـعت آمـال الـديـمقراطـية ودعـم حـقوق الإنسان فـي الـعالـم الـعربـي إلـى أدنـى مسـتوى مـنذ عـدة عـقود. إذ أضـحى الاستبداد والـقمع الـوحـشي لـلمعارضـة السـلمية والـنزاعـات المسلحة هـي الـسمات الـغالـبة فـي عـديـد مـن الدول العربية، مما دفع بآمال التحول الديمقراطي إلى أدنى مما كانت عليه عشية الربيع العربي.

على الرغــم من أن السـلطويـة والـنزاعــات المسـلحة فـي المـنطقة قـد سـاهــمت بـشكل مــباشــر وغــير مــباشــر فـي تـآكـل الـديـمقراطـية عـلى المسـتوى الـعالمي، إلا أن جـهود المـجتمع الـدولـي لـدعـم الـديـمقراطـية فـي المـنطقة لـم تـرق فـي أي لحـظة للمسـتوى المـطلوب. لـذا نـخشى أن يــؤدي الاهتمام الدولي الحالي بـمسألـة تعزيز الــديــمقراطـية عـلى المســتوى الـعالـمـي (رعــايـة “الـقمة مـن أجـل الـديـمقراطـية” كـمؤشـر) إلـى تـكرار أخـطاء المجتمع الـدولـي الـسابـقة، وإعـادة إنـتاج الـعوامـل الـتي أعـاقـت الـديـمقراطـية. فـإن كـانـت الـقمة المـرتـقبة تـسعى لـبناء “أسـس لتجـديـد ديـمقراطـي عـلى المسـتوى الـعالمي”، فـربـما يـتحتم عـليها تـبني مـقاربـة مـختلفة جذريًا لدعم الديمقراطية.

مـن ثـم، حـرص مـركـز الـقاهـرة لـدراسـات حـقوق الإنسان عـلى تـنظيم لـقاء يجـمع بـين عـدد مـن المدافعين عـن حـقوق الإنسان ومناصري الديمقراطية من عدة دول عربية (مصر وليبيا والسودان وسوريا وتونس واليمن)، ضمن فعاليات المنتدى الإقليمي الخامس والعشرين لحركة حقوق الإنسان في العالم العربي، في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، وذلك لمناقشة أبرز المآخذ عـلى جـهود المجتمع الـدولـي الـسابـقة فـي هـذا الـصدد، ومـناقـشة مجـموعـة مـن الـتوصـيات المقترحة الـتي تهـدف إلـى ضمان مقاربة مستديمة ومتسقة للدفع بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

تـوقـف المـشاركـون عـند مـلمـح الـتصور الـخاطئ بـشأن الـتعارض بين تـحقيق الـديـمقراطـية والاستقرار، كـأحـد أكـبر التحـديـات للتحول الديمقراطي فـي المنطقة. إذ ساهم هذا التصور المضلِّل في تعزيز المقاربات الأمنية وهيمنتها على معظم الـسياسـات المحـلية والـخارجـية، وبالأخص مـنظومـة مـكافـحة الرهـاب الـتي تـم تـدشـينها في أعـقاب هجـمات ١١ سـبتمبر ٢٠٠١، وكانت بمثابة أحد المعوقات الرئيسية لاشتباك المجتمع الدولي مع مسألة الديمقراطية في المنطقة وخارجها.

من ناحية، اسـتغلت الأنظمة السلطوية، بداية من القوى الدولية مثل روسيا والصين وصولًا إلى الحكام المستبدين في العالم العربي، مكافحة الإرهاب كأولوية للمجتمع الدولي، لتبرير هجماتهم القمعية على الأقليات العرقية والدينية والـحقوقيين ودعـاة الـديـمقراطـية السلميين. وفـي المـقابـل، أدت هـيمنة المقاربة المبنية عـلى الـسياسـات الـخارجـية لـلعديـد مـن الـدول الـديـمقراطـية إلـى تـبني هـذه الـدول سـياسـات دعـمت السـلطويـة بـشكل مـباشـر أو غـير مـباشـر، وسـاعـدت في تـقويـض مستقبل الديمقراطية.

تشكل التوصيات التالية للدول المشاركة في القمة من أجل الديمقراطية خلاصة مداولات المنتدى:

في مجال مكافحة الرهاب

1 .مـراجـعة المقاربة الـسائـدة لمكافحة الرهـاب بـشكل جـذري، والأخـذ بـعين الاعـتبار الجـذور الـسياسـية والاجـتماعـية والـثقافـية والدينية والاقتصادية للنزاعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي عند وضع المقاربة الجديدة.

2 .حشد جهود المجتمع الدولي لوضع حد لإساءة توظيف سياسات مكافحة الإرهاب لاستهداف الأقليات الدينية والعرقية، والمعارضة السياسية السلمية، وحرية الإعلام والمجتمع المدني، بغرض تعزيز السلطة الاستبدادية.

3 .اعتماد تعريف عالمي للإرهاب ووضع معايير محددة لا يشكل عملًا إرهابيًا، بشكل يراعي معايير حقوق الإنسان.

4 .اتـخاذ الـتدابـير اللازمة لاعـتماد الـتوصـيات الـصادرة عـن المـقرريـن الـخواص للأمم المتحدة المعنيين بـتعزيـز وحـمايـة حـقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب المتعاقبين في العقدين الماضيين.

في مجال المساعدات الأمنية وتصدير الأسلحة

5 .تقليص حجم المساعدات العسكرية مقابل زيادة المساعدات الخاصة بالتعليم والصحة والتنمية ومكافحة الفقر.

6 .إخـضاع كافة أشكال المـساعـدات والـصادرات الـعسكرية (بـما فـيها تكنولوجيا المراقبة) لرقابة صارمة، لضمان اسـتخدامـها وفـًقا لـلمعايـير الـدولـية لـحقوق الإنسان والـقانـون الـدولـي الإنسانـي، بـما فـي ذلـك تـطويـر نـظم رقـابـة أقـوى عـلى “الاستخدام النهائي” وآليات للتحقق من الالتزام بحقوق الإنسان.

7 .إشـراك المـزيـد مـن الـهيئات الـحكومـية لـلدول المصدرة للسلاح (المـجالـس التشـريـعية والإدارات/ الـوزارات المعنية) فـي عـملية الـتصريـح بـتقديـم مـساعـدات وصـادرات عسكريـة، وتـوسـيع صلاحياتها فـيما يـتعلق بـتطويـر آلـيات الـرقـابـة عـلى هـذه المساعدات والصادرات وطرق استخدامها.

في مجال المساعدات الاقتصادية والتنموية

8 .ربـط المساعدات الاقتصادية والـتنمويـة بـمدى الالتزام بـمعايـير حـقوق الإنسان والـحوكـمة الـرشـيدة، بـما فـيها تـلك الـتي تضمن الشفافية والرقابة والمحاسبة على الفساد أو سوء الاستخدام.

9 .اسـتخدام الـدول المانـحة نـفوذهـا داخـل المؤسسات المالية الـدولـية لـضمان مـسؤولـية الـحكومـات المتلقية أمـام شـعوبـها، بـما فـي ذلـك تـبني الـحكومـات المتلقية تـدابـير لمكافحة الـفساد والـشفافـية، وبـما يـتطلبه ذلـك مـن رفـع الـقيود المفروضة عـلى الحريات السياسية وحرية التعبير والإعلام وتكوين الجمعيات.

10. إعـطاء أولـويـة تـقديـم المساعدات المالية، سـواء بـشكل مـباشـر أو غـير مـباشـر عـن طـريـق المؤسسات المالية الـدولـية، لـلدول التي تأخذ خطوات ملموسة نحو التحول الديمقراطي.

11. الامتناع عن تقديم أي دعم سياسي أو اقتصادي للأنظمة المُجهضة للانتقالات الديمقراطية عن طريق الانقلابات العسكرية أو أي طرق أخرى.

اتخاذ خطوات ملموسة لمكافحة التدفقات المالية غير المشروعة، وخاصة تلك المرتبطة بتمويل النزاعات.

13. إعادة تفعيل “النهج القائم على حقوق الإنسان” في الأمم المتحدة.

14. معالجة النقص المزمن في تمويل هـيئات وآلـيات حـقوق الإنسان الأممية، والـذي يـؤدي إلـى تقويض حماية حقوق الإنسان وعرقلة المحاسبة عن انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب.

15. اتـخاذ الإجراءات اللازمة لـضمان الـتزام الـدول الأعـضاء فـي الأمم المتحدة بـدعـم مـعايـير حـقوق الإنسان، بـما فـي ذلـك عـدم الانخراط فـي أيـة مـمارسـات انـتقامـية أو تـرهـيبية بـحق المدافعين عـن حـقوق الإنسان والمتعاونين مـع آلـيات الأمم المتحدة.

16. الـدعـوة لـتعليق عـضويـة الأمم المتحدة لـلدول الـتي تـمر بانقلابات عـسكريـة أو الـتي تسـتخدم أسـلحة دمـار شـامـل ضـد شعوبها.

17. مـواجـهة مـساعـي الـدول الاستبدادية لـتقويـض مـبدأ عـالمية حـقوق الإنسان وتـعطيل الآليات الـقانـونـية الإنسانية الـدولـية، وضـمان قـدرة مـؤسـسات حـقوق الإنسان الأممية عـلى اسـتحداث آلـيات مـحاسـبة لانتهاكات حـقوق الإنسان وجـرائـم الحرب.

18. دعـم وتـشكيل آلـيات أمـمية جـديـدة لـمعالــجة الــتدخـلات الـعسكرية والـسياسـية فـي الـدول الـتي تـمر بـمراحـل انـتقال ديمقراطي.