راتب شعبو

كانت الهجرة ظاهرة شائعة في سوريا منذ زمن بعيد، بتأثير الحروب والأزمات الاقتصادية التي كانت تتعرض لها بلاد الشام. الأعداد التي تذكرها الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) كبيرة ومفاجئة، حتى مع الأخذ في الحسبان أن المقصود هي سوريا الطبيعية التي تشمل فلسطين والأردن ولبنان إضافة إلى سوريا الحالية. تذكر الموسوعة مثلاً أن هناك ثمانية ملايين سوريّ في أميركا الشمالية انصهروا في المجتمع الأميركي، وأربعة ملايين ما زالوا متمسّكين بجنسيّتهم ومحافظين على أصولهم. وأنّ هناك حيّ في مانهاتن اسمه “سوريا الصغيرة”. وتصبح الأرقام في أميركا الجنوبية أكبر، اثنا عشر مليونًا ممّن ذابوا في المجتمع وأحد عشر مليونًا ممّن ما زالوا يحتفظون بجنسيتهم وأصولهم.

رغم هذا لا يمكننا أن نقول إنّ سوريا كانت أرضاً طاردة لأهلها، ذلك أنّ أميركا كانت وجهة مقصودة لكل شعوب الأرض، بوصفها “أرض الأحلام” بالنسبة للناس الذين تضيق سبل عيشهم.

غير أن ظاهرة خروج السوريّين بعد 2011، وبشكل أكثر وضوحاً بعد 2013، تختلف عما سبق. هنا لم يخرج السوريون بحثاً عن حياة أفضل، بل بحثاً عن حياة، عن أيّ قدر من الأمان الذي يصون الحياة من القتل المباشر. خرج الميسور والفقير ومَن بينهما، سواء بسواء.

***

مع أننا نستخدم “المنفى” للتعبير عن حال السوريين الذين وجدوا أنفسهم مدفوعين إلى الرحيل عن بلدهم إلى أيّ مكان آخر متاح، نتيجة تفاقم الصراع المسلّح وتحوّل الدولة السورية بكلّ مقدّراتها وتحالفاتها إلى وسيلة قتل وسلب وإخضاع، فإننا نقول إن “المنفى” ليس هو المفهوم الدّقيق لوصف حال هؤلاء السوريين الذين تشتّتوا في أصقاع الأرض.

كان يُفهم من النفي أنه وسيلة قمعية للخلاص من الأشخاص الذين يشكّلون، أو ترى السلطات أنهم يشكلون، تهديداً لسيطرة السلطات القائمة، بإبعادهم عن وطنهم أو إبعادهم إلى مناطق نائية ومعزولة منه. كان في النفي إذَن، على قسوته الباهظة، شيء من الاعتبار، أو لنقل، شيء من التقدير للشّخص المنفيّ، بوصفه “خطراً”، لا تقتله السلطات ولا تسجنه إنما تبعده عن وطنه، فتحقّق بذلك غرضين، أولاً تتخلص من خطره، وثانياً تعاقبه بالغربة.

في التصوّر العام يكون النّفي فرديًّا أو “نخبويًّا”. لكنّ ملايين السوريين يجدون أنفسهم “منفيّين” اليوم. لم يخرجوا من بلادهم لأنهم خطرين، بل خرجوا هربًا من الخطر. لم تقل لهم سلطة محدّدة إنكم خطرون وعليكم الخروج. كيف يكون الناس العزّل خطيرين على آلة حرب منفلتة من أيّ قيد أخلاقي؟ على العكس، آلة الحرب المنفلتة تحتاج إلى الضحايا، فالرصاصة التي تنطلق ولا تجد أمامها سوى الفراغ هي رصاصة تعيسة، ولم يخرج هؤلاء اللاجئون إلا لأنهم لا يرغبون في أن يكونوا سبباً لسعادة الرصاص. لم يخرجوا لأنهم خطرين، فما من أحد خطير أمام الرصاص.

***

في الاعتبار الذاتي، كما في السّياق السياسي، الفارق ليس قليلًا بين من يُنفى ومن يخرج هاربًا. المنفيّ يمكن اعتباره مقاومًا، ويمكن أن يستند نفسيًّا على هذا في اعتباره الذاتيّ، أمّا الفارّ فهو مهزوم، ولا يجد مستنداً لاعتباره الذاتيّ سوى الأمل الباهت في أن يكون مفيدًا لسوريا قادمة، أو سوى هدوء الضمير. وقد يستعيد اعتباره الذاتيّ بشيء من النجاح في “منفاه”، أي بشيء من الانقطاع عن وطنه الأم.

قلنا إنه لا يصحّ تمامًا وصف السوريين الذين يعيشون في الشّتات اليوم بأنهم “منفيّون”، ولكننا لا نعثر على كلمة أخرى تحيط بهذا الحال. الهجرة أو التهجير أو الرحيل أو النزوح أو اللجوء.. إلخ، كلمات معبّرة ولكنها مبتورة، يغلب فيها اللون المؤقت، فيها تركيز على الفعل الآني الذي تندفع إليه جماعة بشرية تحت تأثير ما، أكثر من التركيز على حال هؤلاء البشر بعد ذلك الفعل. في هذه الكلمات تركيز على الفعل الحادّ وليس على الفعل المزمن. إنها كلمات ساخنة تنقل سخونة الحدث الذي ينسف استقرار حياة أهل بلد ما، ويدفعهم إلى الفعل الأقسى في الحياة، إلى الرحيل عن موطنهم. فيما نريد نحن التعبير عن “البرودة” التالية للحدث. لنقل إننا نريد الحديث، ليس عن الصدمة، بل عما بعد الصدمة، عن نتائجها واتجاه فعل تأثيراتها، أو عنها وهي تبرد وتتصلّب عناصرها، عنها وهي تستمر وتتحول إلى روتين يومي. لنقل إننا نريد الحديث عن كيف يتعايش المصدوم مع مفاعيل صدمة كبيرة غيّرت شروط حياته بالكامل، فلم نجد سوى مفهوم “المنفى”.

***

قلنا “المنفى” ولم نقل “الغربة”، فالغربة شعور يأتي من البعد عن مكان نشأة الإنسان وتكوينه، عن المكان “الطبيعي” للإنسان، بصرف النظر عن أسباب البعد. كما أنه شعور قابل للولادة في قلب من لم يغادروا مكانهم، حين تصبح شروط الحياة في هذا المكان قاسية إلى حدّ شعور المرء بأنّ المكان نفسه يتنكّر له. الغربة لا تتولّد فقط من الابتعاد عن الوطن، وقد قيل “إن الفقر في الوطن غربة”، فكيف إذا اجتمع الفقر إلى النزوح عن مكان السكن المعتاد، إلى عدم توفر مأوى، فيسكن المرء وعائلته سنوات لا تنتهي في خيام لا تقي من تقلّبات الطقس، وهو في “وطنه”، وفي كثير من الأحيان لا تجد العائلة حتى خيمة تؤويها، فتعيش في العراء. هذا يدفعنا للحديث ليس فقط عن الإنسان المنفيّ، بل وعن “الوطن المنفي”، الحال الذي يكون أكثر قسوة، لأن فيه نزع عناصر الوطن من الوطن، أو تحويل الوطن إلى منفى، أو نفي الوطن عن أهله. ولذلك جعلنا عبارة “الوطن المنفيّ” عنوانًا لملفّنا.

كذلك لم نقل “المهجر”، لأن في هذه المفردة قدر من الاختيار لم يتوفّر للسوريين الهاربين من الموت. لم يختر السوريّون خروجهم أو وجهتهم، كان عليهم أن يخرجوا إلى البلد الأقرب الذي كان، على هذا، ملجأً وليس مهجرًا.

***

الحدث الساخن يجذب الأضواء والانتباه، ولكن الأضواء لا تحبّ برودة الروتين ما بعد الحدث، لذلك تغمر الظلال المنفى فيما هو يهضم المنفيّين ببطء وثبات. أردنا أن نفكر في هذا الحال البارد الذي يبدو لنا موضوعًا شديد الأهمية، ليس فقط على حياة “المنفيّين” بل وعلى حياة سوريا الممكنة في المستقبل، بقدر ما يشكّل هؤلاء “المنفيّون” جزءاً منها.

يفرض علينا هول ما وصلنا إليه من “نفي”، أن نتأمّل في مواضيع مثل: كيف يستقرّ المنفيّ، وهل يستقرّ، وعلى أيّ أساس يتوازن، وهل يتوازن. كيف تصبح مع الزمن صلته ببلده الأم.

غير أن منافي السوريين ليست واحدة، من حيث شروط الحياة. مَن يعيشون في مخيمات اللاجئين في الأردن (الزعتري، الأزرق، الإماراتي الأردني..)، أو في لبنان (البقاع، عرسال، عكار، جبل لبنان..) أو في العراق (إقليم كردستان العراق بشكل أساسي) أو في المخيّمات القريبة من الحدود التركية، ليسوا كمن تمكّنوا من الوصول إلى تركيّا وهؤلاء ليسوا كمن استطاع اللجوء إلى أوروبا. يبدو هذا واضحاً من أرقام العائدين من اللاجئين بحسب تقارير الأمم المتحدة. ومن الطبيعي أن يقود اختلاف المنافي إلى اختلاف النتائج والآثار.

هناك مَنافٍ تسعى إلى دمج اللاجئين، وأخرى لا تريد أو لا تستطيع سوى تركهم على هامش المجتمع. في الأولى يلوح للمنفيّ تجاوز حالة النفي، باستبدال الوطن، وفي الثانية يتضاعف النفي، فيجد المنفيّ نفسه منفيًّا مرة ثانية، مرة من وطنه ومرة من المجتمع الذي لجأ إليه.

***

هناك نفي من نوع آخر يُمارس على السوريين الذين لم يخرجوا من بلدهم. عملية تمارسها تركيا على المناطق التي تسيطر عليها من شمال سورية، وأخرى تمارسها إيران على من تستطيع الوصول إليهم من السوريين. في الحالتين تملأ قوى أجنبية فراغًا ناجمًا عن ضعف الدولة السورية وتفكّكها في صراعها المدمّر ضد إرادة غالبية الشعب السوري.

تُلحِق الدولة التركية المناطق السورية بإدارتها وتملأ الفراغ الخدميّ ومنه التعليمي، وتكرّس حضورها الثقافي واللغوي والرمزي، و”تنفي” من السوري انتماءه الوطني السوري.

فيما تقوم إيران بجذب قطاعات من الشعب السوري إلى ولاءات ثقافية ومذهبية وحتى سياسية، غير سورية، مستغلّة حاجات الناس الاقتصادية والأمنية.

في الحالتين، تجري على قدم وساق عمليّة سرقة الوطنية السورية من وجدان السوريين، أو بكلام آخر، يجري “نفي الوطن” من وعي قطاعات كبيرة من السوريين الذين لم يخرجوا إلى المنافي، فجاء المنفى إلى بيوتهم، في تكامل أو تواطؤ بين المستبدّ الداخلي وصاحب المطامع الخارجي.

***

النفي ينطوي على معنى الإبعاد وعلى معنى الإلغاء. النفي السياسي يستهدف الإلغاء عبر الإبعاد. الفاعلية والحضور والتأثير تعني مقاومة الإلغاء، وهذا يعني الحدّ من مفاعيل المنفى. نعتقد أن الرابط الوجداني بالأرض الأمّ له الغلبة، وأنّ كلّ حضور للسوريين، على أي مستوى كان، من شأنه أن يغذّي القوة التي تجعل سوريا تعود من منفاها وتنتصر لذاتها.

راتب شعبو

كاتب سوري يعيش في فرنسا منذ صيف 2014، أمضى في سجون النظام السوري 16 سنة (1983- 1999)، خرج منها مجردًا من حقوقه المدنية، تابع دراسته بعد السجن وحصل على شهادة الماجستير في الطب، صدر له سيرة ذاتية عن مدة السجن بعنوان (ماذا وراء هذه الجدران)، وكتاب يتناول الجانب السياسي من الدعوة المحمدية (دنيا الدين الإسلامي الأول)، وكتاب (قصة حزب العمل الشيوعي في سورية)، له ترجمات عن الإنكليزية، ويكتب في الصحف العربية.