(تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2021)

منهجية التقرير

يستند هذا التقرير إلى مقابلات مع 30 لاجئًا سوريًا عادوا من الأردن إلى سوريا، و24 آخرين عادوا من لبنان، بين 2017 و2021. كما أجريت مقابلات مع تسعة أقارب للاجئين سوريين عادوا إلى بلادهم في نفس الفترة، اثنان منهم كانا يعيشان في لبنان، وسبعة في الأردن. إضافة إلى ذلك، أجريت مقابلتان مع لاجئين يخططون للعودة من الأردن إلى سوريا. 27 ممن أجريت معهم مقابلات كانوا نساء. جميع المقابلات تمت بين كانون الثاني/ يناير وتموز/ يوليو 2021.

أجرت هيومن رايتس ووتش المقابلات مع اللاجئين الذين عادوا إلى سوريا عبر الهاتف، والمقابلات مع اللاجئين العائدين من لبنان إلى سوريا، وعادوا بعدها إلى لبنان، عبر الهاتف أو بشكل مباشر بعد عودتهم إلى لبنان. المناطق السورية التي عاد إليها اللاجؤون تشمل دمشق وريف دمشق، بما في ذلك الغوطة الشرقية، وحماه، ومحافظة درعا، ومدينة حمص.

قابلت هيومن رايتس ووتش أيضًا ثلاثة محامين من سوريا، والأردن، ولبنان، وأربعة باحثين وخبراء في الشأن السوري، وكذلك منظمات غير حكومية، ووكالات أممية وإنسانية في الأردن ولبنان.

أجريت المقابلات في أماكن خاصة، إما على انفراد أو بحضور أفراد من العائلة، مع ضمان السريّة. أعلمت الباحثة جميع من قابلتهم بالهدف من المقابلات وطبيعتها الطوعية، وبالكيفية التي ستستخدم بها هيومن رايتس ووتش المعلومات. كما أعلمتهم جميعًا بأنه يمكنهم رفض الإجابة عن أي أسئلة وإنهاء المقابلة متى يشاؤون، وأنهم لن يتلقوا أي أجر أو خدمات أو منافع شخصية أخرى لقاء المقابلات. جميع المقابلات التي أجريت مع لاجئين من داخل سوريا تمت في درعا. تمت تغطية تكاليف التنقل من داخل درعا إلى مكان آمن لإجراء المقابلات بحدّ أقصى قدره عشرة دولارات. استعانت الباحثة بمترجم فوريّ للغة العربية.

راجعت هيومن رايتس ووتش أيضًا تقارير متعلقة بعودة اللاجئين السوريين، وحلّلت القوانين والمراسيم والأنظمة ومذكرات التفاهم الوطنية والدولية ذات الصلة.

لضمان السرية، استُخدِمت أسماء مستعارة لجميع السوريين الذين أجريت معهم مقابلات.

راسلت هيومن رايتس ووتش “المديرية العامة للأمن العام” اللبنانية، ووزارات الداخلية والتخطيط والخارجية الأردنية، ووزارة الخارجية السورية ووزارة الداخلية السورية. ردت المديرية العامة للأمن العام اللبنانية على رسالة هيومن رايتس ووتش في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، وتمت إضافة هذه الرسالة في الملحق 1 في نهاية هذا التقرير.

 مُلخّص التقرير

سوريا بلد الموت، بلد الاختطاف. كل من يعود إليها سيخسر أمواله أو حياته.

سلام (26 عامًا)، من الجيزة، درعا

واجه اللاجئون السوريون الذين عادوا من لبنان والأردن بشكل طوعي بين 2017 و2021 انتهاكات حقوقية جسيمة واضطهادا من الحكومة السورية والميليشيات التابعة لها، مثل التعذيب، والقتل خارج نطاق القانون، والاختفاء القسري. أغلب من قابلتهم “هيومن رايتس ووتش” ناضلوا أيضًا من أجل البقاء على قيد الحياة والحصول على احتياجاتهم الأساسية في بلد أنهكه النزاع والدمار الواسع.

بعد عشر سنوات من الحرب الأهلية، أصبح السوريون يُشكلون أكبر عدد من اللاجئين في العالم، حيث ينتشرون في أكثر من 127 دولة، ويوجد العدد الأكبر منهم في تركيا، بينما يستضيف لبنان والأردن أعلى نسبة لاجئين مقارنة بعدد السكان. استقبل لبنان والأردن اللاجئين في البداية بحدود مفتوحة لتسهيل تدفق أعداد كبيرة منهم، لكن مع تزايد الأعداد، تبنى لبنان مجموعة من الاجراءات القسرية والمسيئة، شملت حظر التجول التمييزي، وعمليات الإخلاء، والاعتقال، وغيرها من القيود القانونية المفروضة على الإقامة، والحصول على عمل، والتعليم. في خضمّ الانهيار الاقتصادي الكارثي في لبنان، الذي تفاقم بسبب جائحة “كورونا”، صار أكثر من 90⁒ من اللاجئين السوريين يعيشون في فقر مدقع، ويعتمدون على الاقتراض والديون المتزايدة للبقاء على قيد الحياة. أما في الأردن، فـ 2⁒ فقط من أسر اللاجئين تستطيع تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية. على الرغم من هذه الأرقام الصارخة، لا تزال نداءات المساعدة الإنسانية تواجه نقصا حادا في التمويل في كل أنحاء المنطقة. في 2020، تمّ توفير 52⁒ فقط من المبلغ الذي طلبته وكالات “الأمم المتحدة” في أهم خمس دول مستضيفة للاجئين، وهي تركيا، ولبنان، والأردن، والعراق، ومصر. حصل لبنان على 57⁒ والأردن على 47⁒ فقط من التمويل المطلوب في 2020.

على الرغم من تزايد مستويات الضعف في لبنان والأردن، لم تشهد أعداد اللاجئين العائدين إلى سوريا بشكل طوعي ارتفاعًا كبيرًا. لا تزال السلامة والأمن في سوريا في طليعة المخاوف بالنسبة إلى اللاجئين عند اتخاذ قرار العودة إلى ديارهم. وحتى الذين يقررون العودة هم غالبا يفعلون ذلك تحت ضغط شديد. في لبنان، تستمر الحكومة في اتباع سياسات تهدف إلى إجبار اللاجئين السوريين على المغادرة، في وقت صار فيه من الصعب جدا على اللاجئين توفير معظم الضرورات الأساسية بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة والتضخم الكبير. في الأردن، تسبب الانكماش الاقتصادي وتدابير الإغلاق الصارمة في تقويض سُبل عيش آلاف اللاجئين السوريين. اللاجئون الذين يقررون العودة إلى سوريا، ليس لديهم في الغالب سوى معلومات محدودة عن الأوضاع داخل البلاد.

تحصل الإعادة القسرية – عودة اللاجئين إلى أماكن تكون فيها حياتهم وسلامتهم الجسدية وحريتهم مهددة – ليس فقط عندما يتم رفض أو طرد لاجئ بشكل مباشر، وإنما أيضًا عندما يكون الضغط غير المباشر شديدًا لدرجة أنه يدفع الناس إلى الاعتقاد بعدم وجود أي بدائل أخرى غير العودة إلى بلد يواجهون فيه خطرًا كبيرًا بالتعرض إلى الأذى.

على الرغم من أن بعض أجزاء سوريا لم يشهد أي أعمال عدائية منذ 2018، إلا أن سوريا مازالت بلدًا غير آمن. تؤكد وكالة الأمم المتحدة المعنية بتوفير الحماية الدولية والمساعدات الإنسانية للاجئين – “المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” (مفوضية اللاجئين) – أن سوريا بلد غير آمن، وأنها لن تُسهّل عمليات العودة الجماعية إليه في غياب شروط الحماية الأساسية. لكنها ذكرت أنها ستساعد اللاجئين الأفراد الذين يقررون العودة طواعية. ذكّر قرار برلماني صادر عن “الاتحاد الأوروبي” في آذار/ مارس 2021 الدول الأعضاء بأنّ سوريا ليست آمنة لعودة اللاجئين.

هذا التقرير الذي يستند إلى 65 مقابلة مع لاجئين سوريين عادوا إلى بلادهم من الأردن ولبنان، أو مع أقارب لهم، يبيّن لماذا سوريا غير آمنة للعودة، ويوثق الانتهاكات الخطيرة والواقع الاقتصادي القاسي الذي يواجهونه عند العودة، ويشرح لماذا بعضهم يقرّر العودة على الرغم من هذه الصعوبات. وجد التقرير أنّ العائدين يواجهون الكثير من الانتهاكات نفسها التي دفعتهم إلى الفرار من سوريا، ومنها الاضطهاد والاعتداءات، مثل الاعتقال التعسفي، والاحتجاز غير القانوني، والتعذيب، والقتل خارج نطاق القضاء، والاختطاف، وتفشي الرشوة والابتزاز على يد أجهزة الأمن السورية والميليشيات التابعة للحكومة. يبحث التقرير أيضًا في الممارسات التي تُسمى “التدقيق الأمني” و”اتفاقات المصالحة” – التي كثيرا ما تستخدمها الحكومة السورية للتدقيق في شؤون العائدين والأشخاص الذين يعبرون نقاط التفتيش في سوريا – ويبيّن كيف أن هاتين العمليتين لا تحميان الأفراد من استهداف أجهزة الأمن الحكومية. كما ينظر التقرير في انتهاكات حقوق الملكية وغيرها من الصعوبات الاقتصادية التي جعلت العودة الدائمة مستحيلة بالنسبة للكثيرين.

اللاجئون الذين عادوا ولم يواجهوا تهديدات لحياتهم أو سلامتهم الجسدية يعيشون في خوف من استهداف الحكومة للمدنيين الذين تعتقد أنهم ينتمون إلى المعارضة، أو هم يتعاطفون معها، أو أعربوا عن معارضتهم لها [للحكومة]. أكدت مقابلات هيومن رايتس ووتش مع اللاجئين العائدين الفكرة التي عبّر عنها خبير بارز في شؤون سوريا بأن “كل من يعود تقريبًا سيتعرض إلى شكل من أشكال الاستجواب، سواء أثناء تناول كوب شاي مع الأجهزة الأمنية أو أثناء جلسة تعذيب كاملة، فهم يريدون معرفة الأسباب التي دفعت الناس إلى المغادرة”. تشير تقديرات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” إلى أنّ حوالى 150 ألف شخص تعرضوا إلى الاعتقال التعسفي والاحتجاز، وحوالى 15 ألفًا لقوا حتفهم بسبب التعذيب بين آذار/ مارس 2011 وآذار/ مارس 2021، أغلبهم على يد قوات الحكومة السورية.

كما تعرّض الاقتصاد والبنية التحتية في سوريا إلى الدمار بسبب عشر سنوات من النزاع والعقوبات. يقدّر “البنك الدولي” تراجع الاقتصاد السوري بأكثر من 60⁒ منذ 2010. انهارت الليرة السورية، حيث كان يتم تداولها في تشرين الأول/ أكتوبر 2021 بـ 3,460 ليرة للدولار الواحد،[1] مقارنة بـ 50 ليرة للدولار الواحد قبل الحرب، ما أدى إلى ارتفاع معدّل التضخم في سعر المواد الاستهلاكية بنسبة 6,820⁒. بحسب “برنامج الأغذية العالمي”، 12.4 مليون سوري على الأقل كانوا يعانون من انعدام الأمن الغذائي حتى شباط/ فبراير 2021، بزيادة مقلقة قدّرت بـ3.1 مليون في عام واحد. تقدّر “منظمة الصحة العالمية” أيضًا أن أكثر من نصف السكان في حاجة ماسة إلى مساعدات صحية، وأنّ نصف مليون طفل يعانون من سوء التغذية. أما الأشخاص ذوو الإعاقة – عادة ما يشكلون 25⁒ من سكان البلاد – فصاروا أكثر عرضة للفقر. أغلب العائدين الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش واجهوا صعوبات اقتصادية شديدة، ولم يتمكنوا من تحمل تكلفة المواد الغذائية الأساسية بسبب تضخم الليرة السورية وانعدام فرص كسب الرزق على نطاق واسع. أغلبهم أيضًا وجدوا منازلهم مدمرة كليًا أو جزئيًا، ولم يتمكنوا من تحمّل تكاليف تجديدها. لم تقدّم لهم الحكومة السورية أي مساعدات لترميم منازلهم.

على الرغم من هذه الانتهاكات المستمرة والأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتردية في سوريا، تواصل دول من المنطقة وخارجها الترويج لسردية عمليات العودة بعد النزاع. ارتكبت الدنمارك سابقة خطرة من داخل الاتحاد الأوروبي من خلال إلغاء وضع “الحماية المؤقتة” للأشخاص القادمين من دمشق أو ريف دمشق. حرمت الدنمارك هؤلاء الأشخاص من الحماية المؤقتة، وبالتالي من حقهم في الإقامة بشكل قانوني هناك، وأجبرتهم على العيش في مراكز العودة أو الرجوع إلى سوريا “طوعًا”.

في لبنان، اتبعت السلطات سياسات عودة عدوانية، حيث عمدت إلى إصدار مراسيم وتشريعات جديدة بشكل منتظم لجعل حياة اللاجئين السوريين صعبة، والضغط عليهم ليغادروا. أجبرت السلطات اللاجئين السوريين على تفكيك مساكنهم الخرسانية، وفرضت عليهم حظر تجول، وطردتهم من بعض البلديات، وعرقلت تجديد تصاريح إقامتهم، ورحّلت بإجراءات موجزة اللاجئين الذي تعتبر أنهم دخلوا لبنان بطريقة غير شرعية بعد نيسان/ أبريل 2019.

على الرغم من أنّ الأردن لم يدفع بشكل علني في اتجاه عمليات ترحيل منظمة على نطاق واسع، إلا أنه نفذ على مدى سنوات من النزوح المتزايد سياسات من قبيل الترحيل بإجراءات موجزة، والحرمان من التوظيف في قطاعات عمل واسعة. ومع أن الأردن لا يفرض حظرًا رسميًا على دخول اللاجئين السوريين مجددًا إليه، إلا أن اللاجئين قالوا بالإجماع لـ هيومن رايتس ووتش إن حرس الحدود الأردنيين أعلموهم أنهم لا يستطيعون العودة إلى الأردن مجددًا لمدة تراوحت بين ثلاث وخمس سنوات. هذا الأمر يحرم العائدين من حق التماس اللجوء إذا ما واجهوا الاضطهاد مجددًا في سوريا.

توصي هيومن رايتس ووتش بالوقف الفوري لجميع عمليات الإعادة القسرية للسوريين والفلسطينيين المقيمين بشكل اعتيادي في سوريا من جميع البلدان إلى جميع المناطق السورية. على الرغم من أنّ الأدلة تشير إلى أنّ الأعمال العدائية التي كانت منتشرة على نطاق واسع ومستمرة ربما تراجعت في السنوات الأخيرة، إلا أنّ الوضع لا يزال متقلبًا، وفترات الاستقرار النسبي لا تٌلبّي الشروط الأساسية لعودة آمنة وكريمة ودائمة. إضافة إلى ذلك، فإن الحكومة التي ارتكبت جرائم ضدّ الإنسانية، واضطهدت من عارضها، وتسببت في هروب الملايين، هي نفسها ما زالت في السلطة. تستمر الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، وكثيرا ما يواجه اللاجئون الذين يعودون الاضطهاد نفسه الذي أجبرهم على الفرار.

في غياب شبكات المعلومات الموثوقة التي يستطيع اللاجئون السوريون بالاستناد إليها اتخاذ قرارات عودة مستنيرة، ومع عدم تمتع وكالات الإغاثة الإنسانية بالوصول الكافي، وبالتالي عدم قدرتها على مراقبة العودة الطوعية وإعادة الاندماج في سوريا، تدعو هيومن رايتس ووتش كل الدول المستضيفة للاجئين السوريين إلى تبني الموقف الذي يعتبر سوريا غير آمنة للعودة. يتعين على الحكومات الدولية المانحة استخدام نفوذها في مواجهة الممارسات مثل الترحيل بإجراءات موجزة، والعودة القسرية إلى سوريا، والتي ترقى إلى خرق التزامات عدم الإعادة القسرية.

يتعين على الحكومات الدولية المانحة أيضا المساعدة في تبني هذا الموقف، وتمويل برامج المساعدات الإنسانية بشكل كامل، وخاصة داخل لبنان والأردن ودول الجوار الأخرى.

من جهتهما، يتعين على لبنان والأردن رفع جميع القيود المفروضة على دخول اللاجئين السوريين مجددًا إلى أراضيهما في حال لم يتمكنوا من الاستقرار في سوريا أو لم يحظوا بحماية الحكومة السورية. على لبنان إلغاء قرار “المجلس الأعلى للدفاع” الصادر في أيار/ مايو 2019 والذي نصّ على الترحيل الفوري لجميع اللاجئين السوريين الذين دخلوا البلاد مجددًا بطريقة غير نظامية بعد نيسان/ أبريل 2019. على الأردن الكف عن فرض منع دخول اللاجئين السوريين مجددًا بشكل تعسفي، وتوضيح أنه يمكنهم العودة إلى الأردن، وكيفية القيام بذلك. يتعين على الدنمارك إلغاء قراره برفع الحماية المؤقتة عن اللاجئين القادمين من دمشق وريف دمشق، وعلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عدم سنّ تشريعات مماثلة.

للاطلاع على تقرير هيومان رايتس ووتش الكامل، تمكن العودة إليه عبر الرابط الآتي:

عودة اللاجئين السوريين من لبنان والأردن | HRW

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *