عدنان عبد الرّزاق

من سوء طالعك كإنسان أن تولد في الشرق المستبد، حتى ربما أتعس من أن تولد في القارّة السمراء المفقّرة المستلبة. ولن أجازف بلعبة المفاضلة في التعاسة بين إنسان يولد ويعيش في سوريا، مع من عاش في غيرها من دول المشرق العربي، بما فيها لبنان الذي نشأنا مُعتقدين أنه بلد الإعلام والحرّية وباريس الشرق، قبل أن يماثل جواره أو يزيد، بعد تملّك الهوس الفارسي النكوصي عبر “حزب الله” من أيّ ملمح إنسانيّ، ليخرج لبنان عن شواذّ قاعدة الشرق ويلتحق بمن حوله عبر قطارات التجويع والقمع وسلب الحريات.

بيد أن لسوريا الأسد خصوصية زاد منها التّوريث، بعد أن استعصى في الماضي على صدّام العراق ومبارك مصر وصالح اليمن، لتفرض تبعات استمرار النظام والحكم على طريقة الأب، التزام الابن بالوصايا، وإن أخذت أشكالًا أكثر عصريّة وأساليب أكثر انفتاحًا على الشعب وحريّات مشروطة ومفخّخة، الأمر وسواه من مبرّرات ومخاوف أبعَدَت مجتمعة جلّ السوريين عن توقع امتداد أحلام الربيع العربي إلى دمشق، حينما لاحت الآمال من تونس وتبعتها مصر.

لكن منطق التاريخ وقواعد الفيزياء بحتمية الانفجار إثر استمرار الضغط، مشفوعًا بحلم السوريين بالخلاص من المزرعة وأبديّة الأسد، والتطلّع للدولة والمواطنة، جعلت من ثورة السوريين في بدايتها أنموذجًا مشتهى، بعد خروج مئات الألوف وتمايلهم خلال المظاهرات بحالات أقرب إلى الصوفية، بعد انتقالها بالعدوى والضرورة والتشهّي، من قهر درعا إلى مدن سورية قاطبة.

قبل أن يأتي الردّ المختلف أيضًا على طرائق مستبدّي الشرق بمواجهة أحلام الشعوب، فكان الخروج من “الوطن” خيار معظم من خبر ذهنيّة النظام واختبر طرائقه بالردّ على التطاول وطلب الكرامة والحرية، فاخترت الاستمرار على قيد الحياة أولًا، وبعيدًا عن المعتقلات إن بقيت فيها حيًّا أو متوازنًا ثانيًا، فكانت مصر الوجهة الأسهل منتصف عام 2012، قبل أن تنتقل إليها عدوى الأخوة، وتطلب كما اليوم (فيزا) لدخول السوريين أراضيها آمنين.

في قاهرة المُعزّ التي لا تُنسى كانت شهور إقامتي موجعة، ليس لأن المدينة تضيق بمن فيها، بل على العكس، تبقى مصر رغم ما فيها الأكثر استيعابًا والأقل عنصرية، ويبقى للسوري فيها حتى في مراحل إعادة إنتاج الأسد مكانةً يحسده عليها اليوم حتى من اختار الشمال الديمقراطي وطنًا جديدًا.

لكن للمرحلة المكتظّة بالأحلام والوعود حينذاك، ومحدودية الدّخل في بلد يصدّر العمالة إلى أصقاع الأرض، فضلًا عن مخاوفي على أسرتي داخل سورية التي تعاظم فيها وعليها القصف وفاحت من قراها روائح الموت ومن (ثورجيّة)، وليس ثوّارًا، بدأت تكسوهم علائم الغرور ونشوة تعزيز الانتصار.

دفعتني هاتيك الأسباب وهاجسي الصحافي للتجريب من جديد، إذ لا أمل في أعماقي بالعودة إلى سوريا خلال عقد على الأقل، على عكس ما كان يشيعه ساسة الغفلة وتوزّعه الدول الديمقراطية كحقن تخدير ريثما يتسلّل دود الخلّ في جسد المعارضة. فكانت تركيا هي الوجهة، بعد أن “طق شرش الخوف برأسي” في مصر، وتواءم ربما لأول مرّة عقلي وحلمي مع أصابع يدي على الكيبورد، فكتبت من القاهرة ما كنت أحلم بكتابته منذ درست الصحافة مطلع التسعينيات في جامعة دمشق.

وأذكر كيف أطلق عليّ بعض الزملاء “عدنان ليكس” نسبة لـ(ويكيليكس)، حين بدأتُ بسلسلة كشف ما عرفته عن فساد حكم الأسد، بعد العمل لنيّف وعشرين عامًا داخل النظام، وبدأت بمقالة “لماذا انتفض السّوريون” المستمرة حتى اليوم، قبل أن أغيّر لفترة من أدوات تعبيري عبر الظهور المتكرّر على القنوات التلفزيونية، بعد أن أعلنت انشقاقي (الموضة وقتذاك) عبر محطّة البي بي سي التي تعلّمت فيها وكنت أحترمها، ليبدأ طور آخر منذ وصولي إلى تركيا نهاية عام 2012.

نقطة نظام ووجع هنا، صُفعت خلال إقامتي في مصر ممّن لا أتوقع، لتصل الصفعات إلى ما بعد التشكيك وتوزيع صكوك الغفران ومنح شهادات الوطنية والثورية، وتلك ربما سرّعت بخروجي من بيئة أسَّستْ على الأرجح للذي نحصده اليوم، إن على صعيد مستعجلي النصر والمناصب، أو أصحاب الدكاكين الإعلامية والسياسية، والتي تلاشت بمرور الزّمن والوقائع، لكنها أبعدتني حينذاك حتى عن العمل في مهنتي أو الكتابة عن بعد، لكنها كانت “ضارّة نافعة” لجهة الكشف المبكّر لبعض الوجوه وتوجّهي نحو فضاء أرحب.

في تركيا كنت أمام طور جديد وتحدّ أكبر ربما، لأني في بلد لا أجيد لغته، في بلد بات عاصمة معارضة قرّرتُ الابتعاد عن نيران أضوائها، بعد تجربة بائسة للعمل في إعلامها، وطورًا جديدًا لأني أسعى إلى التأسيس في بلد اخترته ولم أسعَ إلى أوروبا حينذاك، على الرغم من الفرص والعروض وربما الإغراءات، فعملت رئيس تحرير مع “بصمة” لأشهر قليلة، لأخرج بصفعات أخرى تزيدني أنّ “الاستعجال ونشوة النصر الوهمية” ممتدّة على امتداد شتات السّوريين، وأبدأ بمرحلة يمكن اعتبارها مفصلية. حيث ذهبنا نحن المنشقّين عن النظام ومَن كان في منصب سابق إلى دولة قطر، وتمّ تأسيس التجمّع الوطني الحرّ برئاسة الدكتور رياض حجاب، بجسد أقرب للمؤسّسي، يضم بين مكاتبه الإعلام، وكان لي نصيب من العمل في الموقع والمجلّة التي صدرت ومن ثمّ توقفت. وقلت إنها مرحلة مفصلية لأسباب كثيرة، سأكتفي منها بالذّكر أنّي بتّ أكتب بمنتهى الراحة ومن دون التحسّب لعدم النشر، أكتب بعد أن قتلت رقيبًا ذاتيًا تربّى في داخلي لعشرين سنة، أكتب ما أعرف وما لم يكن بمقدوري قوله أو كتابته.

هي مرحلة مفصلية أيضًا لأنها أكّدت لي استمرار “ذهنية النظام” لدى جلّ من خرج عليه ويدّعي معارضته من أباطرةٍ عزَّ عليهم استيعاب المرحلة الجديدة أو التخلّي عن ألقاب الماضي.

ولن آتي هنا على ذكر تفاصيل وأحداث وأسماء، بيد أنني تألّمت لاستمرار سريان أمراض سوريا الأسد، لدى مَن يُفتَرَض بهم أن يقدموا بدائل ومناخات خالية من الفساد، لأستقيل من التجمّع كمؤسّسة ومن العمل الصّحفي فيها، على الرغم من الآمال المعلَّقة وقتذاك على جسد كان سبّاقًا بطرحه الوطنيّ وجمعه أسماء كنت ولم أزل أعتدّ ببعضها.

ربما فاتني التطرّق إلى أوجاع عدم العمل وآثاره، لا على القدرة على الاستمرار في العيش في الغربة فحسب، بل وعلى النفسية والهواجس، فانقطاعي عن العمل في مصر ومن ثم استقالتين متتاليتين في تركيا، نالَتا، ولا أنكر، من نفسيّتي, وبدأت البطالة وبدأ تسلّق مهنة الصّحافة من طرف نشطاء ودخلاء، وتعاظم الدّعم “العالمي الموبوء والمشروط” لدكاكين بمسمّيات إعلامية، تزيد من الضيق والتفكير ربما بتغريبة ثالثة، لولا أمور يمكنني إيجازها بمحبّتي لتركيا، كوطن ثان يناسبني وأنا من خبِر أوروبا والولايات المتّحدة، فزارها وأقام في بعض عواصمها لفترات، ولولا استمرار بعض المؤسسات الإعلامية بفتح أبوابها، ربّما “زمان الوصل” أهمّها، ولولا، بعد حين، بدء عملي مع “العربي الجديد” منذ تأسيسها، والتي ما زلت مستمرًا فيها حتى تاريخه. وربما المحطة الأكبر والأطول في عملي الصحفي بعد دمشق “العربي الجديد” منحتني كثيرًا من الاستقرار، على غير مستوى وصعيد، وتأتّى شعوري بهذا الاستقرار والرضى إلى حدّ بعيد عن الأداء، أنّي لم أكتب “سياسة” إلا ما ندر، فلم أنزلق إلى متاهات ولم أغرق في مستنقعات ولم أستمل وأزمّر. بل ذهبت إلى الاقتصاد الذي أرمي منه على السياسة، واستمرّيت بتبنّي هموم ومعاناة السوريين عبر قصص المجتمع وقضايا معيشيّة. مكتفيًا، عبر مقالة أسبوعية في “زمان الوصل” ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، بنفث قهري من السّاسة والسّياسيّين ومَن في حكمهم، بعد حرف سكّة الثورة وسرقتها، وبعد خطايا من توهّم وركب وأفتى وتنازل وباع، وبعد عري دعاة الحقوق والحريات والديمقراطية، دولًا ومنظّماتٍ ومؤسّسات.

نقطة نظام ثانية: كان لوسائل التواصل، و”فيس بوك أو ميتا” خاصة، دور كبير في تبدُّل كتابتي وأسلوب طرحي، لغة وفكرة.

فهنا، لا يمكنك تحديد جمهورك، وهنا، ثمّة حريّات للردّ والتعقيب والمخالفة، بمقدار حريتك في الطرح أو أكثر. وهنا أيضًا جمهور واسع يتيح قراءة “مقالك” ربما عشرات أضعاف ما يقرؤه جمهور المطبوع أو حتى الإلكتروني “أذكر وصول عدد قراءات مقالة لي في (زمان الوصل) نُشرت لاحقًا على وسائل التواصل إلى 250 ألف قراءة، وهذا ما لم أشهده أو أحلم به طوال عملي في الإعلام لنحو 30 سنة وعبر أكثر من عشرين وسيلة سورية وعربية ودولية”.

نهاية القول: كسوري، يمكن لمراقبٍ اعتباري حالةً تشبه تقلّبات سوريا بعد عام 2011 مختزِنًا في لا وعيه كثيرًا من ذهنيّات ما قبل الثورة التي كرّسها الأسَدَان الوارث والوريث، وسَقَيانا إياها عبر دوائنا وهوائنا ومخاوفنا.

رغم رأيي، إن لم أقل مخالفتي لمن يرمي خطايا وأخطاء “أهل الثورة” كاملة على النظام المستبدّ، إذ تكفي سنوات ما بعد الثورة لسحب كامل إدمان الذلّ والضغينة والفساد المستشري فينا حتى اليوم.

سأخلص إلى بعض نقاط، أراها أثّرت في طرحي كإعلامي، أثر البقاء في حدود مهنته، ولم تجرفه الإغواءات أو تستمِلْه الوعود، ليقينه ربّما أنّ “باطل الأباطيل باطل”.

أيقنت من جديد بما علّمونا إياه في بداية دراستنا الصحافة، إن أردتَ أن تكتب ما تريد أو ما تقتنع به، فأسِّس لنفسك مطبوعة وانشر من خلالها ما تريد، بمعنى ليس لوسيلةٍ أيًا كانت لبُوساتها وشعاراتها وادّعاءاتها، أن تنشدَ مرضاة الله ونصرة المظلوم وتبتعد عن سياسة المموّل “الحزب الناشر” وربما تتفاوت الإملاءات، على حسب وعي الناشر وسرعته بإيصال هدفه للجمهور، ومباشرة عكس السياسة التحريرية أو تمريرها ضمن جرعات العسل.

وأيقنت أيضًا أن للباطل في عالم اليوم جولات، بل وقد لا تأتي جولة الحقّ أبدًا، ما أعاد فيّ الرقيب، وإن من نوع عصريّ براغماتي مختلف عن ذاك الذي تعملق خلال وجودي في سوريا، للحدّ الذي صبغني، وقتذاك، بهيئة الموظّف الكسول الذي يعدّ الساعات وصولًا إلى نهاية الدوام، ويمرِّر الأيام والأوجاع لتحين بداية الشهر.

ولكنني في الآن عينه، لاحظت خلال مشوار التبدّل هذا، أنه بقدر ما نحسب من تلاشي أثر الكلمة والإعلام في زمن عُمْلته الوحيدة الاستقواء والزيف، تأكّدت أن لبعض الكتابات والظهور الإعلامي آثار ومفاعيل تتعدى اتساع جماهيرية الإعلامي وشهرته، وتصل في بعض الأحيان، قلت بعض، إلى تغيير سياسيات عامة، تتعدّى المؤسسة والمنظمة، وتصل إلى قرارات دولية.

بيد أنه، وللإنصاف، لمست مدى “تخلّف” جلّ أدواتي التي اكتسبتها عبر نيف وعقدين من الزمن والعمل، فكما تألّمت لدخول طفيليّين إلى عالم الصحافة من أبوابها الخلفية، وتوجعّت لاستباحة مهنة المتاعب والنبلاء، والنظر إليها كدابّة قصيرة يمتطيها من يشاء، صادفت شبابًا من المهارة وإتقان اللغات وطرائق الطرح والمعالجة ما زاد قناعتي بأن المستقبل ليس لي ولجيلي ولأمثالي، بل ثمة من تفهّم المرحلة وواقعها وفهم أسرار المستقبل وشروطه، فعمل على ما لم نحسن عمله، أو كيلا أزيد جلد الذات، ما لم يُتح لنا.

وتبدّل فيّ فيما تبدّل، بعد التغريبة والعمل في وسائل إعلامية عربية ودولية، شعور ربما يصعب عليّ ترجمته بكلمات، له علاقة باليتم ربما، فأن تكتب من خارج وطنك فأنت مرهون ومرتَهن، وإن كانت المناخات مؤاتية والحريات مشرّعة، وأن يرتبط مصيرك وأهلك بما ينزفه قلمك، فوقتذاك مسؤولية ربما تتغلّب على هواجس الحق والحقيقة وأحلام الإنصاف والحرية.

قلت هي معادلة مركّبة ويصعب ترجمتها ببعض كلمات.

لكن الذي لم يتبدّل، وأتمنى أنه لن يتبدّل هو أنا، كإنسان اختار هذه المهنة، دراسةً وتأهيلًا وتعليمًا وعملًا، له خطوط حمراء وشروط نهائية، يعلم يقينًا أنها نقاط قوته، وإن كانت غير محبّبة من الآخرين أو تزعجهم، لكنها في النهاية أحد مطالبهم، ليستوي الطرح ويتوازن البناء. فالشراسة، ولو بحدودها الدبلوماسية، كما مَرَضَيّ الضغط والسكر، مقبولة في حدود، وفقدانها يحوّل الوسائل الإعلامية، بل والمشروعات برمّتها وما عليها من تحميل سياسي، إلى حالات مكرورة هلامية، إلى أبواق بملامح مؤسسات، ما عادت تطرب أحدًا في زمن تنوُّعِ الخيارات وتعدُّدِ المنابر ورخص الأقلام وعروض الموظفين الكثيرة.

أجل، تبدّلتُ كثيرًا لكني أزعم أني لم أتغيّر، تبدَّلَ فيّ كثيرٌ من الأدوات، ومنذ “طقّ شرش الخوف” بتّ أشبه نفسي أكثر من ذي قبل، وأسرّ وأطرب كلما أنتجتُ نصًّا أو أجريت حوارًا يشبهني، لكن مخاوف عودتي إلى موظّف تلاحقني على مدار المقالة والخبر.. وأيّ تحقيق.

أعتقد أن التشتّت، إن لم أقل التّناقض في طرحي، بادٍ لأيّ قارئ، وربما هو التجسيد الصادق، ليس لحالتي ككاتب وصحافيّ، بل وانعكاس حقيقيّ لحالة السّوريين قاطبة.

عدنان عبد الرّزاق

كاتب وصحافي سوري، مقيم في إسطنبول منذ 2012، أمين تحرير جريدة البعث سابقًا، وترأس تحرير مجلة تجارة وأعمال السورية، مدير مكتب تلفزيون أورينت في دمشق سابقًا، مهتم بالاقتصاد، صحافي في صحيفة العربي الجديد، نشر مقالات عديدة في صحف عربية ودولية.