إيمان خليل

كثيرًا ما استوقفني بيت امرئ القيس:

وقد طَوّفْتُ في الآفاق حتّى         رضيتُ من الغنيمة بالإيابِ

فأنا الباحثة عن كلّ أنواع الترف الإنسانيّ وسط أوطان تدمي الشفاه دون أن تُقبّلها.

سألت نفسي مرةً إن كان سيعرفني هذا الوطن العالق في حنجرتي بعد أن غيَّرت الغربة ملامحي، أو إن كان قادرًا على أن يستحضر طيف أبنائه؛ وهو الوطن الذي بالكاد يبتلع أنفاسه غارقًا في الدماء بين الشهيق والزفير. هل ما زال من الصابرين؟!

في الغربة لا تمتلك إلا ذلك الشغف لتحقيق هدفك الذي ترنو إليه، بينما ينمو شعور الانتماء والحنين إلى ذلك الوطن المغروس حبّه في وجدانك، فلا يفارق خيالك. حتى أزماته نشعر بها أضعاف ما يشعر بها القاطنون فيه، ويصبح الوطن أغلى وأثمن.

في الغربة نحتفظ بتلك الصورة المشرقة عن الوطن وعن إيجابياته، ونتجاوز عن سلبيات العيش فيه، كما هو حال العاشق الذي لا يرى من معشوقه إلا كلّ جميل، ويعمى بصره وتعمى بصيرته عن كلّ قبيح.

في الغربة يصبح للصداقة طعمٌ ونكهةٌ أخرى، ومعنًى أعمقُ، ويصبح الأصدقاء عائلتك الجديدة التي تستند إليها في الأزمات وحين الوقوع في مأزق، فتجمعك بهم هموم واحدة، وتسامرهم بذكريات وطن أُقصيت عنه لظروف قاهرة.

ساق البامبو

كنت أرى الوطن عبارة عن حقيبة سفر أحملها، ربما تكون ثقيلة ومُجهِدة، لكن وَلَعي بالسفر والترحال والمغامرة كان السبب وراء انجذابي إلى الغربة، بشرط أن يترافق معها بعض الشعور بالأمان والاستقرار واحترام إنسانيتي، لكي أستطيع أن أكون فاعلةً ومنتجةً ومعطاءةً، ولكي أحقق الاستمرار والنجاح.

كل بقاع الأرض جميلة وكل الشعوب تمتلك جانبًا من الجمال، وأستطيع التأقلم معها والانتماء إلى هذا المكان الجديد لأنه أصبح يشكّل جزءًا من حياتي وتجاربي ومسيرتي. أستنشق هواءه، وأستشعر همومه، وألتقط الجمال فيه، ولكن بشرط أن تتوافر فيه بعض الشروط، ومنها: الشعور بالأمان، والابتعاد عن العنصرية والتصنيف والتنمُّر والتعميم والنبذ.

أحبّ وطني، لكن لست أرغب في الموت فيه، أحبّه أن يكون قويًا وجديرًا بأن نعيش فيه بكرامة، أن نؤمّن رغيف الخبز بكرامة ولقمة العيش بكرامة، لا أفكر بالموت فيه لأنني كساق البامبو أطلق جذوري حيث أكون، وأنمو وأتكاثر حيثما أريد، على الرغم من كلّ الظروف، فأنا من أطلق أشرعتي للإبحار.

هذا أنا. نعم كساق البامبو، فلقد أحرقت ورائي سفني. وطالما توافرت الشروط المناسبة فأنا أنا في غربتي وفي أسفاري، وأعشق العيش والموت في ساحة كبريائي.

ثمّ لنكن أكثر واقعية، ففي الماضي كان النفي عن البلاد يعادل القتل والإعدام، فالغربة تخنق الروح، حتى تستكين وينطفئ سراج الحنين، حين تحطّ الرحال في الوطن في نهاية الحكاية.

فهل سيتعرف عليّ وطني بعد أن تغيّرت ملامحي، أَم أثْقلَته الدماء وتَعَب السنين لينسى؟ أم كان من الصّابرين؟!

لكن في وطني تُعتبر الكرامة والحرّية ترفًا، والإنسانية مستباحة والعيش الكريم ضرب من الخيال، والدماء مستباحة، والاختلاف لعنة، والتفكير تهمة، فلا كرامة لنبيّ في قومه ووطنه.

ثقوب دمشق

لأزقّة دمشق رائحة فريدة لا تشمّها في أيّ مكان آخر، ويُقال: إنك تستطيع في أروقتها أن تصغي لأصوات من كانوا ومن راحوا، وهناك روحٌ لدمشق لن تلمسها روحك في مدائن أخرى.

فللوطن نكهة أخرى، نكهة عناقيد معتّقة في الرّاح، فمسقط رأسي دمشق الشام.

نعم يا سادتي، في دمشق أنا غير معنية بالاتجاهات، لا يعنيني اتجاه المشرق والمغرب، ولا تعنيني الحدود ولا الخرائط ولا موقعي ولا جهة البوصلة، فأنا هي وهي أنا، وعلى الرغم من بهاء الغربة، فأينما ولّيت وجهك ثمة وجه الياسمين.

نعم يا وطني، إنني أعاني ازدواجية المشاعر تجاهك، فلا أنكر بأنني أشعر بالغربة فيك وبالغربة عنك!

وهنا لا بُدَّ أن أستذكر قصيدة أحمد مطر:

أبي الوطن

أمي الوطن

نموت كي يحيا الوطن

أيّ وطن؟

الوطن المنفيّ

أَم الرّهين المُمتهن؟

أم سجننا المسجون خارج الزمن؟

للغربة تجاعيد

هنالك من قال: إنّ للغربة تجاعيدًا، ولكي تتأقلم مع الغربة لا بُدَّ لك من تعطيل عدّاد الحنين والتّغلّب على ألم الفراق، وستتفاقم عندك معضلة الحدود، ولماذا استحدث الإنسان الحدود التي تفصل بين البلدان!

في الغربة لا تفارق مخيّلتك خارطة وطنك، ولا خارطة السفر، ولا خارطة القارّة التي تقطنها، ولا صورة الوجوه التي تنتظر عودتك، والأيادي التي تلوّح لك في الضفة الأخرى.

وحينما تتعرّض لأيّ موقف عنصري _وقلّما تعرضت لموقف عنصري_ أو تسمع عن أيّ تجربة انتهاك وإهانة للإنسانية، فإنّك ستطلق حينها وابل الدموع، وتراقب عقارب الساعة، وتنفرد لمواجهة الأسئلة: لماذا أنا هنا؟ هل أنا في المكان والزّمان الصّحيحين؟ وهل أحسنت الوِجهة؟ هل هنالك حلول للخروج من هذا الشعور الممزوج بالذلّ والهوان؟ وحينها تضيق بك السّبل!

وتَخلُص إلى نتيجة مفادها أنك حين تكون غريبًا عليك أن تصارع لتحافظ على ما تبقّى من إنسانيتك ومن قيمك ومن مبادئك، عزيزًا تشتكي ذاتك لذاتك، وستبقى الصور التي التقطتها في الماضي زوّادة ذلك القلب الكليم.

وكما قال الشاعر أبو الفتح البستي:

لئن تنقّلتَ من دارٍ إلى دارِ                 وصرتَ بعد ثَواءٍ رهنَ أسْفارِ

فالحرّ حرٌّ عزيز النّفس حيث ثوى           والشمس في كلّ برج ذات أنوارِ

نعم تورّطت في حبّ السفر والترحال، وأعلم أنّ الغربة لغزٌ، وأنها تلك المصيدة التي وقعتُ فيها بكامل إرادتي، وقد سرقت ما سرقت من عمري، ولقد كانت قسرية بشكل غير مباشر بحكم الظروف، لكنني أنا من اتخذت ذلك القرار بملء إرادتي كحلٍّ لتلك الظروف، ومع مرور الوقت تحوَّلت الغربة إلى نوع من الإدمان.  

أذكر دائمًا بأنه كلما طالت فترة الغربة، تقلّصت ونقصت فرص العودة وفرص الاستقرار في الوطن من جديد.

وللحرب معانٍ أخرى في الغربة:

وفي زمن الحروب والنار سيصبح الوطن لعنةً

والذبح مهنةً، وجواز السفر ذلّة

ونحن نراقب احتضارك وطني على شاشات التلفزة

 ونصر وثأر بيننا على شاشات التلفزة

ومدنك وقراك مهجّرة

وتصبح أحلامنا مزوّرة

وحتى عناويننا متشرذمة

ونحن نحيا ونموت ليبقى أبدًا أمير المستعمرة

لتصبح القضية الوحيدة التي نقتاتها هي الوطن

فنتعاطى أفيون الوطن ونحن عن الحلّ عاطلون

فأجدادنا لنا لاعنون، والأجيال القادمة لنا لاعنون

ونحن حيارى في الترحّم على أمواتنا أتكون أو لا تكون

فكم نحن عاطلون.

زيارات خاطفة

في إحدى زياراتي إلى دمشق كنت أباشر معاملة في إحدى دوائر الحكومة، وسأل الموظف: من المغترب فيكم؟

أجبته: أنا.

فسألني: أين أنت مغتربة؟

فأجبته: في إحدى دول الخليج.

فردّ قائلأ: لا تُعتبر دول الخليج دول اغتراب.

تعجّبت من ردّه، لماذا لا تُعتبر دول اغتراب وهنالك حدود تفصل بيننا، وهنالك تأشيرات خاصة لزيارتها وأختام على جواز السفر، وأصَنَّف فيها كأجنبي ولا أمتلك فيها حقوق المواطن؟

ربّاه! لقد أرهقتني تلك الشعارات الخاوية من “أمة عربية واحدة” ومن بلاد تُسمى مجازًا (بلاد العرب) ومن العروبة الممزّقة التي لم ألمسها أو على أرض الواقع، لا في الوحدة العربية، ولا في توحيد العملة، ولا في التكتلّات الاقتصادية، ولا في توحيد المناهج التعليمية والقوانين المشتركة، ولا في إلغاء التأشيرات أو الرسوم الجمركية!

أحيانًا عندما تصل إلى نقطة الجمارك لأيّ دولة وحدودها، ينتابك ذلك الشعور الغريب بأنك مذنب ومدان مع قناعتك التامّة بأنك مذنب ومجرم بدون أي دليل أو مسوّغ، والشعور بأنك قد تكون ملاحقًا من غير أيّ ذنب، وهاجس الملاحقة الأمنية الذي يعتريك، فمن الممكن أن تُتّهم بأيّ تهمة وتصبح في خبر كان مثلًا فيما لو كان هناك تشابه بالأسماء، هنالك انعدام للشعور بالأمان من غير أيّ مبرّر أو مسوّغ، ربما لأننا ندرك تمامًا أننا في دول لا يحكمها القانون والعدالة.

كنت أقصد دولة البحرين أسبوعياً، وكان موظّفو الجمارك يعاملوننا بلطف طالما أننا ملتزمون بالقانون، وكان الموظف يضع الختم مع ابتسامة مرسومة على وجهه ويُرفقها بعبارة أهلًا وسهلًا بكم ورحلة سعيدة.

طبعًا تتوقف هذه المعاملة على مزاجية الموظف، فمنهم من يرحِّب ويستفسر من أيّ منطقة نحن؟ مع الدعاء لأهلنا في سورية، ومنهم من يُغرقنا بروتين الإجراءات والتأخير المتعمّد خلال تنقّلنا من نقطة تفتيش الحدودية إلى أخرى.

وفي إحدى رحلاتي إلى تركيا، كنت أنتظر دوري في المطار لوضع ختم الخروج مع أطفال، وقد اجتاحتني رغبة بالتقاط صورة سيلفي لي وكنت سعيدة بالصورة، فجاء موظّف الأمن وطلب اصطحابي للتحقيق من قبل ضابط الأمن، فرافقته بهدوء.

سألني الضابط: ألا تعلمين بأنّ هذه منطقة أمنية والتصوير فيها ممنوع، ويمكن ملاحقتك على هذا الفعل؟ فأجبته: مرحبًا، أعتذر فقد غاب عن ذهني ذلك، إنما هو شعوري بالملل والرغبة في توثيق الذكريات علمًا أنني درست القانون، وليس لدي أي غاية أخرى، وسلّمته هاتفي، وقلت له: بإمكانك حذف الصورة، وأعتذر منك لتجاوزي القانون. فابتسم وردّ قائلاً: هذه المرة فقط سنتجاوز هذا الانتهاك، فهنالك كاميرات مراقبة في كلّ مكان، خذي واحذفي الصور أمامي، ونتمنى ألا يتكرّر هذا الخطأ مرة أخرى، كان بإمكاننا التعامل معك بطريقة أخرى، لكن لأنك محترمة وحقوقية سنقدّر ذلك. شكرته وقدّمت اعتذاري، وقمت بحذف الصور كلّها، وعدت إلى طابور الانتظار مرة أخرى.

أما في تركيا التي أحببتها خلال زياراتي المتعدّدة لها ومن ثم استقراري فيها، فكان حاجز اللغة يقف عائقًا أمامي، وقد حاولتُ مرارًا تعلّم اللغة التركية، لكنني أفتقر إلى ذلك الشغف الكبير في تعلّمها، ولا أعلم لماذا لا أمتلك ذلك الشغف، ربما لانشغالي الدائم بدراستي، أو ربما لأنني أستطيع إسعاف نفسي في كلّ المواقف، ولأنني أفهم التركية من خلال تعبير الوجه وتكرار الأسئلة التي اعتدتها! فَجُلّ أسئلتهم: من أين أنت؟ وكم مضى على وجودك في تركيا؟ أيهما أجمل اسطنبول أم دمشق؟ ماذا تفعل هنا؟ هل ما زالت هنالك حرب في سورية؟

ومن أكثر الأسئلة التي كانت تشبع غروري، وتريح (الإيغو) عندي هو سؤال سائق التكسي لابني عني: هل هذه أختك الكبيرة؟

بداية كانت الأسئلة تُغضب ابني وتُثير غيرته على أمّه، ومن ثم اعتاد عليها لتكرارها على مسمعه.

أثناء تواجدي في تركيا وفي المملكة السعودية كان اليوم الوطني والاحتفال الشعبي والفرحة التي تعمّ البلاد بهذه المناسبة تثير في داخلي أحاسيس متناقضة من فرح وغصة وأسئلة مزدحمة: متى سنحتفل بيوم وطني مثلهم؟ متى سيكون بمقدوري المشاركة في الانتخابات؟ متى سيكون بإمكاني ممارسة حقوقي كمواطن؟ متى سأفرح لأجلك وبك وفيك وطني؟

ومن ملاحظاتي في الغربة، وذلك قبل الربيع العربي، هو أنّ الجاليات العربية غالبًا ما كانت متكافلة ومجتمعة ويساند بعضها بعضاً، وخير مثال على ذلك الجالية السودانية التي كانت تتعاون فيما بينها لإغاثة المحتاج منها والوقوف مع المغترب الجديد، وهذا ما كنّا نفتقده نحن كجالية سورية، نفتقد التعاضد والتعاون على الرغم من محاولات بعض الأشخاص وإخفاقهم في تحقيق التكافل والوصول إلى اللمّة السورية.

وكذلك قيام بعض السفارات بكامل دَورها في الدفاع التامّ عن مواطنيها المغتربين واسترجاع حقوقهم وحمايتهم، فقد تصل الإجراءات في بعض الأحيان، ردًا على أي إساءة في حقّ أيّ مواطن مغترب إلى قطع العلاقات مع الدولة التي أُسيء له فيها وإيقاف التعاقد معها.

والمعيار الذي يلعب دورًا رياديًا ومهمًا لأي مغترب هو مدى قوة جواز السفر الذي يحمله، وقوة الدولة التي يحمل جوازها، ومدى استجابة السفارة للذّود عن مواطنيها خارج الوطن وحمايتهم.

للغربة معانٍ أخرى 

وللغربة سلبيات وإيجابيات عدّة، ومن الإيجابيات التي استطعت تحقيقها هي الدراسة بعد الانقطاع بسبب السفر، وحتى اليوم استطعت الدراسة في عدة تخصّصات، واستطعت أن أشتري منزلين في وطني، وساهمت الغربة في إتاحة الفرصة لي للسفر والسياحة والتعرّف على بلدان جديدة.

وكذلك منحتني الفرصة للتعرّف على ثقافات وعادات غريبة لكن محبّبة، وجنسيات متعدّدة من بلدان وقارات عدّة، وتكوين صداقات عابرة للأوطان والقارات، وكما قال محمود درويش: “الغريب أخو الغريب”.

الغربة معلّمة ومدرسة، واستطعت في الغربة أن أكتسب خبرات وتجارب كثيرة، كان من المستحيل لي أن أكتسبها لو بقيت في وطني، لكنتُ احتجت إلى عمرين أو ثلاثة في وطني لاكتسابها.

فغالبًا ما تكون الغربة بهدف تأمين فرصة عمل والعيش الكريم، فكما قال البحتري:

وإذا الزّمان كَسَاكَ حلّة معدمٍ         فالْبسْ لها حللَ النّوى والتغرّبِ

في الغربة ستتقبّل مفهوم الاختلاف بشكل أوسع وأعمق وبصدر رحب، وسيتجذّر المفهوم ليصبح معيارًا محبّبًا ومقبولًا، حتى تصل إلى قاعدة مهمّة في الحياة وهي “وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا” قاعدة تجعلك تقبل الآخرين على ما هم عليه، ولا ترغب في تغيير المختلف عنك، لأن في الاختلاف جمالًا وجاذبية وخيارات إضافية، أمّا التشابه فهو مقيت، والتماثل يكسوه الجمود وعدم التجديد، ولا يُكسبك الخبرات الجديدة، وفي الغربة ستحمل في جعبتك الحكايات الكثيرة والقصص.

أما سلبيات الغربة فهي كثيرة، ومنها: الغربة العاطفية عن الوطن، وتداعي طيف الذكريات، والتشتّت بين الحنين والأنين، ومشاعر القلق التي سترافقك ما لم تتخلّص منها، وسيحاصرك الكمد بانسلاخك عن وطن أحببته، وأهل تفديهم بكل ما تمتلك، ومدينة ألفتها، وستعصف بك رياح الشوق والوجد “وريحة أراضينا عم بتنادينا”. فيصبح للعبارة التي تودّعك بها حدود بلادك “رافقتكم السلامة” وقع مؤلم على روحك، وتصبح الأطلال هي عتبة السعادة والنعيم لك حين الإياب، وحتى سرب الطيور الذي لم تكن تأبه به في وطنك سيمتلك معاني الحبّ والحنين والعودة حين يعود الربيع، حتى بضائع ومنتجات وطنك التي كنت مسبقًا تذمّها وتشتكي رداءتها، ستنتشي حين تحصل عليها.

وهنالك المرحلة الأولى من غربتك، وهي مرحلة الصدمة وعدم توافق أحلامك مع الواقع وتصادمها مع الواقع لتسأل نفسك: هل هذا هو المرفأ الذي كنت أنشده؟

هذه التفاصيل الصغيرة لا يمكن أن يدرك معانيها إلا من اختبر الاغتراب لسنوات طويلة وذاق معنى الترحال وشوقه إلى وطنه مشتعل.

والغربة أيضًا مضيعة للأصول والأنساب، حيث يطال التعميم كل أبناء جنسية المغترب حين يكون هناك انتهاك فرديّ أو جرم من قبل فرد معين، فغالبًا ما يُعمَّم هذا الجرم على الشعب بأكمله، وقد يتعرّض المغترب إلى التنمّر والعنصرية والأحكام المسبقة عن أبناء بلده، والأسوأ هو العنصرية الموجَّهة ضد الطفولة بلا ذنب أو جرم، ففي الغربة يغدو الإنسان نسيان النسيان.

ومن السلبيات الخوف الدائم من إنهاء خدمات المغترب بشكل مفاجئ من دون سابق إنذار، حيث يستقبل القرار من دون أدنى تخطيط لهذه اللحظة المفصلية، ويخشى رميه في الشارع وإنهاء إقامته وإغلاق الأبواب أمامه لتأمين لقمة عيشه وترحيله.

والاعتياد على طريقة عيش، وعدم إمكانية التخلي عن طريقة العيش الأولى بسهولة، ومحاولاتك الفاشلة في التعود على عدم الاعتياد، وعدم الحصول _في بعض الأحيان_ على جنسية الدولة التي يقيم فيها المغترب، وعدم تمتّعه بحقوق المواطنة، وصعوبة الإجراءات المتعلقة بالمقيمين والأجانب، وذهاب جهود وتعب المغترب لغير بلاده، إضافة إلى هجرة الشباب والعقول وفقدان الوطن لهذه الثروة العظيمة.

ومن سلبيات الغربة التصادم الثقافي والحضاري، وكثرة الفروقات واختلاف المجتمعات، ما لم يجد المغترب حلًّا وسطًا ليتلاءَم مع الجو العام بالتعاون مع المجتمع المستضيف له أو بلد المهجر أو الاغتراب.

ستقارن في اللاوعي بلدك بهذه البلدان، وسترى تراجع بلادك وسلبيات أداء حكومة بلدك، وستلحظ الفساد بشكل أدقّ، وستستشعر الخطر الذي سيداهمه إن عمَّ الفساد وعظمت المظالم.

وأقسى ما قد تواجهه هو فاجعة موت أحد أحبابك أو فقد أحد من أهلك وأنت في الغربة، حيث يستحيل عليك السفر حينها بسبب روتين إجراءات السفر. لكنك ستصل إلى مرحلة من السلام الداخلي، ولن تهاجمك الوحدة، وذلك حين تصل إلى مرحلة الاكتفاء بذاتك، فأصعب أنواع الغربة غربة الإنسان عن نفسه، فالغنى غنى النفس.

باختصار، لا أحد ينجو من حبّ الوطن، وأنت من تُحدّد مصيرك وقناعاتك وسلوكك وخياراتك واغتنامك للفرص، وأحيانًا يلعب الحظ دوره معك في تحديد ما إذا كانت الغربة نقمة ومحنة أم فرصة ومنحة، ولا تنسى بأنه ليس ثمة مهرب، وكل الأقدار متشابهة، وعلى الرغم من إغراء الغربة، فلكل شيء ضريبة، وللغربة ضريبة، كما أن للاكتفاء وللعيش في كنف الوطن ضريبة، ولا بُدَّ لك من أن تدفع البدل.

محطات كثيرة مررت بها، ذكريات كثيرة تعجّ في ذاكرتي، وقد مضى على اغترابي عشرون عامًا، وفي كل ليلة أهمس في أذن وطني:

“دعِ العتب جانباً، فإنني أحبك من دون أيّ تردّد أو تحفّظ وعلى الرغم من كلّ السواد، فلا تحزن ولو جار الزمن عليك وعلينا. على جبينك سيبقى الأمل مرسومًا على الرغم من كل الضياع، ولم أكُ أدري بأنني كنت أهرب منك إليك، وسأعود إليك يومًا ما أيها الوطن المشتهى”.

وأختم مقالتي هذه ببعض الكلمات من أغنية للمطرب وديع الصافي:

“وإن شاء الله توصل مراكبنا اللي فيها أهالينا وحبايبنا.. والفرحة تكمل.. يا ريّس..”