الهرطقة، في زمن سيادة الاستبدادين السياسي والديني، وفي زمن هيمنة سلطة الرأي العام، فعل واجب ومسؤولية فكرية وأخلاقية، تتصلان بضمير المثقف ووعيه، ومن ثم تفصح الهرطقة عن مضامينها الإبداعية والمستقبلية، وتكسر قيود الهويات والانتماءات الأيديولوجية، وتذهب في عكس اتجاهات “العقل السليم”. فكوبرنيكوس كان مهرطقًا عندما أعلن أن الشمس هي مركز المجموعة الشمسية، وليس الأرض، ومعظم الفتوحات الفلسفية والفكرية والعلمية في التاريخ، انطلقت بفعل “هرطوقي” مستهجن، وأنتج لاحقًا إنجازات جبارة للبشرية جمعاء، ومعظم “الهراطقة” هم إنسانيون وجذريون في انتمائهم إلى الجماعة الإنسانية، وفي الوقت ذاته هم من «طينة الشياطين» في نظر أوساطهم الهوويّة، التي تغمرها منظومات «العقل السليم». وغالبًا ما يلجأ «المهرطق» إلى «قتل» أب رمزي، كان في مرحلة معينة تلميذًا له.
هناك مثقفان سوريان، قتلا أباهما الرمزي، هما جورج طرابيشي وجاد الكريم الجباعي، حيث كتب جورج طرابيشي، ذات يوم، لقد تمكنت من قتل أبي الرمزي ياسين الحافظ، وبعد القتل ذهب طرابيشي بعيدًا من منظومة الحافظ الفكرية إلى مسالك التحليل النفسي، والنقد الأدبي، وأخيرًا إلى مشروعه الكبير في نقد الجابري، وصولًا إلى كتابه الضخم «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث».
أما جاد الكريم الجباعي ذهب، بعد قتل أبيه الرمزي، مذهبًا آخر، حيث أعاد بناء مفهومات مصفوفة ياسين الحافظ النظرية بناءً مختلفًا جذريًا، تجاوزت الذروة النظرية التي أوصل ياسين الحافظ إليها الفكر القومي-اليساري، فنقل الجباعي تلك الذروة إلى ذروة أخرى غير مفكر فيها.
في هذا البحث سأحاول تسليط الضوء على أهم المفهومات، التي أعاد جاد الكريم الجباعي بناءها من منظورات أكثر اختلافًا، وغير محددة بالسقفين القومي واليساري. من أبرز هذه المفهومات:
أولًا: مفهوم التأخر التاريخي
لقد اقترح المفكر عبد الله العروي، بعد هزيمة عام 1967، علينا مفهوم التأخر التاريخي، لكن ياسين الحافظ فصّله وبسّطه وعمّق أبعاده ومدلولاته في الثقافة والسياسية والاقتصاد والاجتماع، وربطه بفكرة «الفوات»، أي أن مجتمعاتنا فوتت «الثورة الديمقراطية»، وشدد على ارتباطه، أساسًا، بالحيز الأيديولوجي-السياسي، وراهن على دور الوعي الذاتي، وعلى دور الطليعة، أو على الأنتلجنسيا في تجاوز واقعة الفوات «التاريخي»، بكلام آخر راهن على الإرادة الثورية والفعل النخبوي في تحقيق مضامين الثورة القومية الديمقراطية، التي من إحدى مهماتها القضاء على «الفوات» واللحاق بركب المدنية والمعاصرة، فتحديث وعي الأنتلجنسيا وعلمنتها ودمقرطتها في نظر الحافظ، هو المدخل لتصفية التأخر المعشعش في قيعان مجتمعاتنا، و يتكثف في التأخر الأيديولوجي-السياسي للنخب على وجه التحديد.
اختار جاد الكريم الجباعي مدخلًا مغايرًا للإحاطة بمفهوم التأخر التاريخي وممكنات الخروج من استلاباته.
لقد بنى الجباعي مسألة التأخر التاريخي على مفهوم «القصور الذاتي» الكانطي، وإلغاء «أنا المفكرة» لمصلحة «نحن» الهوويّة، «أعتقد أن النزعة الاختزالية والهوية/ الهويات الفارغة والتفاضلية تعبيران ثقافي واجتماعي عما سماه إيمانويل كانط “القصور الذاتي”، الذي هو الجذر الأساسي للتأخر، لأنه ينطلق من قصور الفرد منظورًا إليه من خلال علاقته بعالمه الفيزيقي والأخلاقي …. إعادة تأسيس مفهوم التأخر التاريخي على القصور الذاتي قد تساعد في تحديد السبل التي يمكن أن تفتح ثغرة في أسوار التأخر والاستبداد، وتفضي إلى تجاوزهما»[1].
وفي نظر الأستاذ الجباعي، التأخر التاريخي لا يتحدد فقط بتفويت الثورة الديمقراطية، بل بتفويت الثورات العلمية والصناعية والتكنولوجية أساسًا، والتي تعدّ الثورة الديمقراطية محصلة لهم.
«أعتقد أن التأخر التاريخي لا ينحصر في تفويت “الثورة الديمقراطية”، بل يتعداها إلى تفويت الثورة العلمية أساسًا. إن الثورة العلمية التي بدأت بتحرير العلم من سلطة الكنيسة، وغيرت زاوية النظر إلى الكون، ومن ثم، إلى العالم، هي الحد الفاصل بين العصور الوسطى والأزمنة الحديثة. الثورة العلمية، التي دشنت العصور الحديثة، وأريد أن أقول التي دشنت الحداثة، هي أساس الثورة الصناعية…الثورة العلمية والثورة الصناعية ومحصلتهما الاجتماعية-الاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية، أعني الثورة الديمقراطية، صارت كلها منجزات كونية، لا بد أن تندرج في النظم التربوية والتعليمية والمؤسسات الثقافية»[2].
ويرى الجباعي أن تحديث وعي الأنتلجنسيا وعلمنته ودمقرطته ليس كافيًا، على الرغم من أهميته، لفتح كوة كبيرة في جدار التأخر التاريخي، لا بد من عملية إصلاح تاريخية جذرية لنظم التربية والتعليم، تضع مجتمعاتنا في قلب الثورات العلمية والمعرفية والتكنولوجية، وتبعد مناهج التعليم عن الفكر الاختزالي، وعن منطق الهويات الميتة، الذي انعكس في العقود الماضية، خصوصًا في سورية، بتدريس مادتي “التربية القومية الاشتراكية”، و”التربية الإسلامية”، بكل ما يمثل تدريس هاتين المادتين من تعزيز العنصرية والمذهبية والطائفية وتعزيز الانقسامات المجتمعية، وكذلك ترسيخ التصورات الماضوية، ومن ثم إعادة إنتاج التأخر التاريخي بتجلياته ومظاهره كلها.
«إن تصحّر الحقل المعرفي-الثقافي السوري، الذي احتله البعث بأيديولوجيته العنصرية وانحطاطه الأخلاقي، إضافة إلى انطفاء معظم نجوم الثقافة السورية وشموعها من العوامل التي تحول دون “تحديث وعي الأنتلجنسيا”، لذلك اقترحت مدخلًا آخر أزعم أنه ممكن، بشرط توافر إرادة سياسية للتنوير والتحديث، تتبع طريقتين متلازمتين ومتكاملتين، تؤديان إلى تنمية معرفية – ثقافية مؤكدة: أولاهما إنشاء ثلاث أو أربع جامعات على غرار الجامعات المتقدمة في العالم، وبالتعاون مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية تحديدًا، والثانية هي إيفاد أعداد كافية إلى دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للتخصص في العلوم الطبيعية والرياضيات بوجه خاص، من أجل التعليم في الثانويات والمعاهد والجامعات، واستعادة جامعتي دمشق وحلب، واستعادة التربية والتعليم عمومًا من براثن البعث والإسلاميين ..فإن خريجي الجامعات المقترحة وخريجاتها إلى جانب الموفدين والموفدات يشكلون جميعًا نخبة أكاديمية حديثة، وتحديث التربية والتعليم، لا مستقبل لسورية إلا بتعليم علماني مئة في المئة…المدخل إلى حل المسألة المعرفية – الثقافية، ولا سيما مسألة تحديث التعليم ودمقرطته، يمكن أن يكون مدخلًا سياسيًا، مثلما المدخل إلى حل المسألة السياسية، أعني المسألة الوطنية، بكل منطوياتها، يمكن أن يكون مدخلًا معرفيًا – ثقافيًا»[3].
بكلام مختصر، إن تجاوز حالة الاحتباس من تقييدات التأخر التاريخي، لن تكون فقط عملًا نخبويًا إرادويًا، يتبع مسار «الثورات السياسية» وحسب، بل هو عملية مجتمعية إصلاحية شاملة وعميقة، أساسها الإنسان متجاوزًا قصوره الذاتي، وقد كف عن أن يكون مستنفذًا في الهويات التي تقتل أناه المفكرة.
ثانيًا: مفهوم الوعي المطابق
يتحدد الوعي المطابق في منظومة ياسين الحافظ، بمدى مطابقته للواقع في زمان ومكان محددين أولًا، ويتحدد ثانيًا بمدى مطابقته للأهداف التي تضعها الجهة المعنية، أكانت فردًا أم حزبًا أم طليعة ثورية…الخ. أي مطابق لذاتية صاحب الهدف، وليس لخضوع الهدف/ الأهداف إلى عدد لا حصر له من الشروط الموضوعية المستقلة. ويتحدد ثالثًا بالإرادة الذاتية للطليعة، وبمستوى يقظة الوعي الثوري لديها، هذا الوعي الثوري يتضمن ثلاثة حيزات: الحيز التاريخي والحديث والكوني، يجب أن تُؤخذ جميعها في الحسبان.
في نظر الجباعي هذه الرؤية للوعي المطابق يكتنفها قصور معرفي غير قليل، يضعها في سياقات أيديولوجية أكثر منها فكرية وذلك للأسباب الآتية:
1– الواقع ليس عالم أشياء معطى مسبق، يمكن إدراكه على نحو حسي، ويمكن الذهاب إليه مباشرة من دون توسطّات، وكذلك، لا يرتدي طابعًا فيزيقيًا وأخلاقيًا فقط، بل طابعه حدثي، لأن العلم الحديث أثبت أن العالم هو عالم حوادث، لا عالم أشياء، فضلًا عن تضمنه عددًا لا حصر له من الذوات الأخرى، التي تخلع عنه الطابع الكينوني- الإستاتيكي، وتضعه في سياق الصيرورة الدائمة، أي في سياق «تذويت الموضوع»، و«موضعة الذات».
«الرؤية الواقعية تقوم على اعتبار الواقع مرجعًا وحيدًا للفكر، هذا مهم بالتأكيد، لكن الواقع مفهوم شديد الالتباس، وشديد الغموض، “يراه” كل شخص أو يدركه من موقعه، وزاوية نظره، على نحو مختلف عمّا يراه أو يدركه غيره، فيكون من يصفون الواقع المعني، و “يحّللونه تحليلًا ملموسًا”، مثل عميان يصفون فيلًا، كل واحد منهم يصف ما تقع عليه يده، وهنا تتجلى أهمية “النظر”، بصفته رمزًا للفكر، لذلك لا يعد “الواقع” مرجعًا موثوقًا به، ولا يعد مرجعًا عامًا. ولذلك أيضًا، يمكن أن تكون الواقعية تأويلًا أيديولوجيًا، لواقع مفترض، هو مجرد دليل على فكرة وهمية مسبقة، أو تبرير لغاية منشودة، وليس موضوعًا للفكر والعمل، كاعتبار الكون المنظم تنظيمًا مدهشًا دليلًا على وجود الله»[4].
2– في نظر ياسين الحافظ يجب أن يطابق الوعي الهدف المرسوم، أكان هذا الهدف الوحدة العربية، أم تحرير فلسطين، أم التقدم العربي.. إلخ. أي أن البعد الذاتي للهدف وازن في تحديد الوعي المطابق، ومن ثم، وبوصف الذاتية شكلًا من أشكال الأيديولوجيا، فهي ليست فكرًا أو معرفة.
«وأما الأيديولوجيا، فهي، في جميع مجالات تداولها واستعمالها، وعلى اختلاف دلالاتها، منظومة أحكام قيمة وأحكام واقع، غير مستقلة لا عن مبادئ إنتاجها، ولا عن شروط إنتاجها، منظومة تُنتج أو تستعاد لتبرير المطالب والتطلعات والأهداف والغايات»[5].
ويعتقد الجباعي أن اللينينية تقبع خلف رؤية الحافظ الذاتوية تلك، وأيضًا مركزية فكرة الطليعة المسلحة بوعي مطابق لحاجات التقدم العربي. «في تعريفات ياسين الحافظ شيء من الثقافة العربية السائدة، ثقافة القوة والغلبة، ثقافة الغزو، والفتح والتوحيد (لا الاتحاد)، علاوة على طابعها الأيديولوجي… إن مفهوم المطابقة عند ياسين هو مطابقة الوعي للهدف، والهدف ذاتي خالص واختياري خالص أيضًا، هنا مكمن العنصر الأيديولوجي الذي لم ينتبه له ياسين، والذي يشي بخلل في رؤيته العقلانية»[6].
3– الواقع لا يصلح أن يكون معيارًا كونيًا للوعي، نظرًا إلى بعده المحلي في مكان وزمانين محددين، وكان ياسين الحافظ قد حدد ثلاثة أبعاد للوعي المطابق: بعد تاريخي، وبعد حديث، وبعد كوني، فلا بد في هذه الحالة، أن يكون هناك معيار كوني للوعي المطابق.
لم يجد جاد الكريم الجباعي أنسب من الحياة الإنسانية، ومفهوم الإنسان ككائن كلي، معيارًا كونيًا لتأسيس مفهوم الوعي المطابق، الإنسان هو المبدأ والمنطلق، وهو الغاية والهدف، ولا يجوز أن يكون وسيلة لأي غاية أخرى مهما بدت سامية ورفيعة، الإنسان أهم من أي عقيدة دينية كانت أم دنيوية، لذا فإن تحسين شروط الحياة وشروط البشر هو الرائز والمعيار لأي عمل تاريخي.
«الكائن الوحيد على كوكب الأرض، الذي يستطيع تحسين عالمه وتحسين شروط حياته، وتغيير أشكال الطبيعة، وخلق عالمه الخاص، بهذا كله هو قادر على تحسين ذاته باطراد، تلكم هي قابلية التحسن الذاتي، أو ملكة التحسن الذاتي»[7].
«مرجع الفكر هو الفرد الإنساني الحي، هنا– الآن، (المفكر، أو اسم الفاعل)، أعني الـ “أنا أفكر” من دون الشطر الثاني لكوجيتو ديكارت. الأنا أفكر في رؤوس الآخرين، وفي رأسي آخرون يفكرون. عالم الإنسان، المجتمع والدولة، من إنتاج الإنسان نفسه، أي من إنتاج المعرفة – العمل، والفكر هو شكل العالم، في صيغة رموز وعلامات وروابط وصلات وصور وتمثيلات، هو عملية ترميز ومفهمة للواقع، (عملية إنشاء صورة العالم في الذهن، بتعبير إلياس مرقص، وإعادة إنشائها مرة تلو مرة)، وهذه عملية لا تني ولا تتوقف، ولا تكتمل. الفرد الإنساني الحي، المفكر، هنا – الآن، أي فرد على الإطلاق، هو مرجع الفكر، لا “الواقع”، كما تفترض النزعة “الواقعية” أو المذهب الواقعي، الذي يخلط الفكر بالأيديولوجيا، بحكم ما ينطوي عليه من تأويل يصعب تلافيه…. بموجب هذا الافتراض تتغير دلالة “المطابقة”، “مطابقة الفكر أو عدم مطابقته لحياة الفرد الإنساني، وفقًا لتلبية حاجاته الفردية والنوعية.. لذلك تعد حرية الفرد، (الأنثى والذكر)، واستقلاله الذاتي، وحقوقه المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتمكّنه الكياني ورفاهيته وسعادته معايير كونية، أو يفترض أن تكون. بهذا الاعتبار تكون الجملة المرجعية والإطار المرجعي للفكر جملة كونية وإطارًا كونيًا. وعلى هذا الأساس فقط يمكن أن يرتقي الفكر العربي إلى مصاف الكونية، لا على أساس مطابقة الفكر للواقع، التي يمكن أن تؤوّل تأويلًا أيديولوجيًا، ثوريًا أو محافظًا.. أعتقد أن هذه الإزاحة أو النقلة من مطابقة الفكر للواقع إلى مطابقة الفكر لمقتضيات الحياة الإنسانية، هنا – الآن، في راهنها وآفاقها، في واقعها العيني وممكناتها، تدخلنا في مغامرة روحية، تصير معها جميع الحدود المفهومية والواقعية، بما فيها الحدود الجغرافية والسياسية والإثنية والدينية…إلخ، لا مجرد حدود واصلة – فاصلة، وأحيانًا فاصلة فصلًا فيزيائيًا فقط، بل تصير مجالات تبادل حر وتشارك مبدع في الكلية العينية، في جميع الكليات العينية، التي تؤلف الجماعة الإنسانية»[8].
وفق هذه الإزاحة لمفهوم الوعي المطابق، تتغير زاويا الرؤيا لكثير من قضايا الهوية/ الهويّات، والانتماءات السياسية والأيديولوجية، لمصلحة الانتماء الجذري للجماعة الإنسانية، بوصفة حاكمًا على الوعي وعلى جميع الانتماءات الأخرى. بذلك تصبح، على سبيل الأمثلة، حياة الفلسطينيين داخل إسرائيل أولى بالدفاع عنها، قياسًا على حياة الفلسطينيين البائسة في قطاع غزة والضفة الغربية. وعلى المنوال نفسه، تكون حياة السوريين تحت الاحتلال الفرنسي أولى بالدفاع عنها قياسًا على حقبة البعث التي توصف بأنها حقبة “استقلالية”. وكذلك تصبح رفاهية دول الخليج وتنميتها المتحققة أهم من الوحدة العربية…الخ.
ثالثًا: عن الاندماج المجتمعي أو الاندماج القومي (= الوطني)
كانت الأيديولوجيات القومية والإسلامية والاشتراكية تعدّ أن الانقسامات المذهبية والطائفية والإثنية، عبارة عن إشكاليات ثانوية وغير ذات أهمية، يمكن حلها في سياق توحيدي تقوده أيديولوجية وحدوية حازمة، تستعيد وحدة “الأمة” التي جزأها الخارج الكافر أو الإمبريالي، أكانت هذه “الأمة” عربية أم إسلامية، بحسب المتكلم. وكان الاشتراكيون يعتقدون: أن مقولة الجماهير والطبقات الشعبية وتجلياتها الواقعية، تجبّ تلك الانقسامات.
بعد الحرب الطائفية اللبنانية، التي بدأت عام 1975، التي وصفها اليساريون اللبنانيون حينها بأنها حرب فقراء ضد ذوي امتيازات، ووصفها القوميون بأنها حرب ضد الانعزالية المارونية، وكذلك وصفتها فصائل منظمة التحرير الفلسطينية بأنها حرب لتصفية القضية الفلسطينية، تنبّه ياسين الحافظ إلي خطورة ما كان يسميه ظاهرة «نقص الاندماج القومي/الوطني»، ورأى أن هذه الحرب هي حرب طائفية قذرة، يجب أن تقف، وما تلك الشعارات إلا تعمية وأيديولوجية فارغة: تعبر أولًا عن بؤس وعي النخب القومية واليسارية، وتعبر ثانيًا عن عمق ظاهرة التأخر التاريخي، بوصف وضعية “نقص الاندماج القومي/الوطني” هو أحد تفرعاتها. وأفرد لقضية الانقسام العمودي والحرب اللبنانية حيزًا مهمًا في كتابه، الذي صدر بعد وفاته: “في المسألة القومية الديمقراطية”[9]. وكان التحليل الذي قدمه للمسألة الطائفية في لبنان مدخلًا للتفكير في مسألة الدولة الوطنية وتفرعاتها، لكن القدر لم يمهله ليكمل ذلك، لذا قال أمام أحد الأصدقاء وهو على فراش الموت في أحد مستشفيات بيروت: «عندما نضج فكري سقط القلم من يدي»[10].
ربط ياسين الحافظ وضعية «نقص الاندماج القومي» بظاهرة التأخر التاريخي، وظل تحليله مقتصرًا على حصرها في إطار العلاقات بين أكثريات وأقليات إثنية ومذهبية وطائفية، وبتأثير الأيديولوجية القومية، وصف الأقليات الإثنية والدينية والمذهبية على أنها كسور في جسد “الأمة”، وهذا لم يكن يتسق مع عقله الصاحي وتجاوزه لـ “التقليدوية الجديدة” التي كانت موضع نقد وتشكيك بالنسبة إليه. ولم يكن يتسق مع رؤيته لمفهوم الأمة العلماني في مواجهة مفهوم الملة الديني، فمثلًا كان يقول: أن المثقف القادم من بيئة أكثرية هو أكثر ميلًا إلى الديمقراطية من المثقف القادم من بيئة أقلوية، وأن المثقف القادم من بيئة أقلوية أكثر ميلًا للعلمانية من المثقف القادم من بيئة أكثرية، ومن ثم وصل إلى النتائج الآتية: أن المثقف “الأكثري” يجب أن يساهم في دمقرطة وعي المثقف “الأقلوي”، والمثقف “الأقلوي” يجب أن يساهم في علمنة وعي المثقف “الأكثروي”.
لم يتجاوز ياسين الحافظ في تحليله للانقسامات المجتمعية سقف العلاقات بين تشكيلات ما قبل قومية من جهة، ومن جهة ثانية كان يراهن على وعي النخب في تبني منظورات «الثورة القومية الديمقراطية»، لأن هذه الأخيرة تتضمن الأدوات اللازمة لحل معضلات الانقسامات المجتمعية، وبذلك علق حل وضعية الأقليات القومية على تحقيق الديمقراطية، وعلق حل وضعية الأقليات الطائفية والمذهبية على تحقيق العلمانية.
أما جاد الكريم الجباعي، أخرج ظاهرة نقص «الاندماج القومي=الوطني» من مستوى علاقات بين أثنيات وطوائف ومذاهب، وتعليق حلها على تحقيق «الثورة القومية الديمقراطية» ذات الأفق الاشتراكي، أو من دون الأفق الاشتراكي، إلى آفاق مختلفة وأحيانًا متعارضة مع رؤية الحافظ. نعم، لقد ربطها بتفويت الثورات العلمية والصناعية والتكنولوجية، فضلًا عن تفويت الثورة الديمقراطية. وأسس مفهوم الاندماج الوطني على أفكار الحرية الفردية والاستقلال الذاتي وتحرر الأفراد من هيمنة الانتماءات الأولية وتشكل فضاءات وطنية عمومية، وكذلك على نمو مسارات تشكّل المجتمع المدني وما تنطوي عليه من بلورة شبكات أفقية طوعية واختيارية وعلاقات تبادل مادية وثقافية بين الأفراد والجماعات، وعلى عمليتي التموضع والتذاوت الإنساني، وعلى نمو العملية الإنتاجية بشقيها الروحي والمادي وتقدم التقسيم الاجتماعي للعمل.
ويمكن تمييز القضايا الآتية في رؤيته للاندماج الوطني:
1– أهمية الإنتاج بشقيه المادي والروحي، في عملية /عمليات التبادل المادية والثقافية، فالمجتمعات التي تفتقر إلى الإنتاج تفتقر إلى عمليات التبادل، وتفتقر إلى نمو الشبكات الأفقية والعلاقات المدنية والسياسية، الأمر الذي يفسح المجال لنمو خطوط التفاصل بدلًا من خطوط التواصل بين الأطر ما قبل الوطنية، الأمر الذي يفضي إلى مزيد من التحاجزات والاستنقاعات في وضعيات اقتصادية اجتماعية ثقافية راكدة. ولقد كانت إجراءات تأميم الملكيات الصناعية والزراعية التي حدثت ستينيات القرن الماضي في سورية من أهم العوامل التي تقبع خلف حالات «نقص الاندماج الوطني»، وذلك لأنها قضت على العمليات الإنتاجية وما كانت قد تفضي إليه على مختلف مناحي الحياة.
إن السيطرة على العملية الإنتاجية هو أساس النظام الاستبدادي في سورية وغيرها من البلدان التي سارت في طريق الاشتراكيات المتأخرة «التأخراكيات».
«أول خطوة من خطوات هذه السيطرة كانت التأميم، باسم الاشتراكية القومية، ثم حظر الأحزاب السياسية، ثم تسييس النقابات، ثم تشكيل تنظيمات سلطوية لجميع فئات الشعب بدءًا من الأطفال، أي إن السيطرة على عملية التقسيم الاجتماعي للعمل أدت إلى السيطرة على المجتمع كله وتعطيل نموه. إن شر ما فعله البعث هو إعاقة نمو المجتمع السوري، من دون أي صفة للمجتمع، لأن النمو لا يتماشى مع التسلط والنهب والهدر والامتيازات وشراء الذمم ولا يتماشى مع الفساد الإداري والاقتصادي والمالي والأخلاقي.
لعلّ المشكل في رؤية ياسين الحافظ للاندماج القومي، وافتراضه أن الأكثرية، أي أهل السنة والجماعة، هي صاحبة القرار التاريخي في التقدم، وأن الأقليات هي كسور الأمة، وذات أيديولوجيات نابذة للمشروع القومي الديمقراطي…إلخ، لعلّ المشكل في هذه الرؤية أن ياسين لم يكن يفكر في مفاعيل التأميم، بسبب ميوله الاشتراكية، وظن أن الانتقال نظريًا من “الاشتراكية العربية” إلى “الاشتراكية العلمية”، ثم إلى الماركسية اللينينية يحل المشكلة»[11].
2– الاندماج المجتمعي يندرج ضمن عمليات تشكل المجتمع المدني والعلاقات المدنية، التي تحرر الأفراد من ربقة الخضوع المطلق للانتماءات الأولية، وتدفعهم للخروج إلى الفضاء العام المحكوم بعلاقات شبكية أفقية عابرة للعلاقات الأولية.
«الاندماج الاجتماعي، الذي كان ياسين الحافظ يسميه “الاندماج القومي”، ويعتبره معيارًا من أبرز معايير التقدم، هو علم على/ أو اسم لسيرورة تشكل المجتمع المدني الحديث، وهذه سيرورة لا تقبل التذويت والصهر أو الهضم والتمثل، ولا تقبل الاستتباع والإلحاق، ولا تقبل أن يكون لفئة من المجتمع امتياز على غيرها من الفئات، وأن تكون ثقافتها معيارًا للثقافة وأخلاقها معيارًا للأخلاق، ولا سيما أنها، أي سيرورة التشكل، تحتفي باستقلال الفرد وحريته، وبمنظومة حقوق الإنسان»[12].
أي أن الاندماج القومي/ الوطني، ليس مسألة علاقات بين طوائف ومذاهب وأثنيات، ولا يرتبط بوعي النخب فقط، بل هو أساسًا، ينتج من درجة تمدن المجتمع، فالعلاقات الأفقية والشبكية، التي يولدها المجتمع المدني هي حاضنة الاندماج الوطني وفق الآليات الآتية:
أ- في المجتمع المدني فقط، يحدث التقسيم الاجتماعي للعمل «وهذا ليس مجرد توزيع العاملين والعاملات على المهن المختلفة وفروع الإنتاج والمؤسسات الخدمية، بل إنه يولد علاقات اجتماعية جديدة، عابرة للبنى التقليدية، هي علاقات صداقة مدنية وثقة وتعاون وتضامن لا تتأثر بالانتماءات الإثنية والدينية والمذهبية والجهوية والمرجعيات الثقافية، لأن قوامها المصلحة المشتركة والمنافع المتبادلة.
تتعين هذه العلاقات في تضامنيات حديثة، كالنقابات والجمعيات والأندية وجماعات الضغط، والأحزاب السياسية، التي تتوسط بين الأسرة والدولة. هذه التضامنيات هي الأطر التي يمارس فيها الأفراد حياتهم العامة، في الفضاء الاجتماعي والسياسي العام والمشترك…. تنظيمات المجتمع المدني، المتولدة من التقسيم الاجتماعي للعمل هي الأطر الضرورية لانتقال الأفراد طوعًا واختيارًا من الفضاءات الخاصة والبنى المغلقة إلى فضاء عام قوامه الحرية. الاحتياج المتبادل والمنفعة المتبادلة هما العاملان الرئيسيان من عوامل الانتقال النوعي إلى حياة نوعية (= إنسانية). وهكذا تكون الماهية الإنسانية هي الأساس الذي ينهض عليه الاندماج الاجتماعي»[13].
ب- ترتيب العلاقة بين المجتمعين المدني والأهلي، فليس مطلوبًا ولا ممكنًا إلغاء المجتمع الأهلي فيزيائيًا، حيث كان يستخدم ياسين الحافظ مصطلح «المصهر العلماني»، ليس مطلوبًا الصهر، بل المطلوب ترتيب العلاقات، فالمجتمع المدني يتطور من المجتمع الأهلي، وينطوي على التقسيم الاجتماعي للعمل، ومبدأ فصل المجالات، وخاصة المجال السياسي، مجال الدولة، وهذا يقود إلى مبدأ الإلغاء السياسي للدين وللإثنية، على منوال الإلغاء السياسي لمفاعيل الملكية الخاصة، وعلى النحو الذي فعله ماركس في نقده لباور في كتاب المسألة اليهودية.
إن الإلغاء السياسي لمفاعيل الدين والعرق يقود إلى نمو التشكيلات ما قبل الوطنية في رحاب المجتمع المدني وفق قوانينها الخاصة، في الوقت الذي يتم الحفاظ فيه على وحدة المجال السياسي بصفته مجال الوحدة. فالاندماج ليس إلا عملية/ عمليات الانتقال من مجال الاختلاف والتعدد في المجتمع المدني إلى مجال الوحدة في الدولة الوطنية، في سياق نمو ثنائية مجتمع مدني/ دولة وطنية.
ج- المجتمع المدني وعلاقاته الشبكية الأفقية، هو المؤهل لتوليد حالات التبادل بين الأفراد والجماعات والمؤسسات، وهذا التبادل لا يقتصر على تبادل السلع والخدمات، بل يصل إلى تبادل الثقافة والقيم، ومن ثم يفرض حالة التذاوت بين الأفراد، وهي أرقى أشكال الاندماج.
«في عملية التبادل الحر تختفي أو تكاد تختفي الانتماءات ما قبل الوطنية، لأنها تكف عن كونها مصادر للسلطة، فإن التقسيم الاجتماعي للعمل يغدو هو المصدر الرئيس للسلطة، بصفتها علاقات قوة مبثوثة في الجسم الاجتماعي، ومن ثم إن مبادئ إنتاج السلطة تغدو اجتماعية أكثر فأكثر، وهذا هو المغزى العميق لإلغاء الملكية الخاصة سياسيًا، وإلغاء الدين سياسيًا… لذلك أفترض أن حظوظ الاندماج الاجتماعي تتناسب طردًا مع توسع الحقل التبادلي/ الحقول التبادلية، ولا تتأثر بالخطابات الأيديولوجية والمطالب الفئوية، (الحقل التبادلي هنا ينطوي على مفهوم السوق ويتجاوزه).
لعلّ عمليات التأميم والمصادرة التي لجأت إليها السلطة الانقلابية في سوريا، في ستينيات القرن الماضي، هي العامل الرئيس من عوامل التفكك الاجتماعي، وما يسمى نقص الاندماج الاجتماعي أو الاندماج القومي (= الوطني). فلم يكن لعمليات التأميم والمصادرة أن تؤدي إلى تفكك المجتمع، واغتيال جنين المجتمع المدني الذي كان آخذًا في النمو لولا حظر الأحزاب السياسية وتسييس النقابات وأدلجتها، وإنشاء “منظمات شعبية” بمراسيم فوقية، لتكون واجهة شعبية للاستبداد والاحتكار، وإغلاق الصحف والمجلات واحتكار وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية، وبكلمة واحدة إفراغ المجتمع من جميع عناصر القوة وإمكانات الدفاع الذاتي، التي يتوافر عليها أي مجتمع معافى»[14].
د- في تعارض مع رؤية ياسين الحافظ الذي يرى الأقليات كسورًا في جسم الأمة، يقترح جاد الكريم الجباعي: مبدأ تكافؤ القيم والمعاني، فجميع الجماعات وبصرف النظر عن عددها متكافئة في القيم والحقوق والواجبات، ولا ينجم عن كثرة العدد أو قلته أي نتائج سياسية. «تكافؤ الجماعات الإثنية والدينية والمذهبية في القيم، وتساويها في الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بغض النظر عن عدد أفراد كل منها، لأن كثرة العدد أو قلته لا تضيف إلى ماهية أي من هذه الجماعات شيئًا، ولا تنقص منها شيئًا»[15].
3- لقد كان حضور مفهومي المجتمع المدني والدولة الوطنية شاحبًا في رؤية ياسين الحافظ، لمصلحة المجتمع العربي والدولة العربية والوحدة العربية، فلم يصل، ربما بسبب وفاته المبكرة، إلى ثنائية مجتمع مدني/ دولة وطنية، ومن ثم لم يكتشف محورية هذه الثنائية في سيرورة الاندماج الوطني، الفضاء الوطني العمومي هو فضاء الاندماج.
رابعًا: مفهوم السياسة
أفرد ياسين الحافظ كتابًا كاملًا بعنوان «اللاعقلانية في السياسة»[16] ويتضمن بصورة أساسية نقدًا للسياسات العربية في المرحلة ما بعد الناصرية، في هذا الكتاب يمكننا استكشاف رؤيته للسياسة بوصفها «فن تحريك الأشياء والبشر»، في مناخات طبيعتها صراعية، يحتل فيها مفهوم موازين القوى موقعًا وازنًا، وكيفية تعديل هذه الموازين لمصلحة العرب في إطار الصراع العربي- الإسرائيلي. ومن ثم كانت مقولة كلازوفيتس «الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى» أثيرة على قلبه، وإن رؤيته للتقدم العربي والوحدة العربية والاندماج الوطني وغير ذلك، هي إلى حد كبير منها جزء من سيرورة بناء موازين القوى لمصلحة الأمة التي يفترض وجودها بداهة في مواجهة الخارج.
جاد الكريم الجباعي يعيد بناء مفهوم السياسة من منظورات مختلفة:
1- يميل إلى تصور إلياس مرقص، باستبدال مصطلح الصراعات الاجتماعية بمصطلح التعارضات الاجتماعية، فمصطلح الصراع يحيل إلى العنف والحرب، فيما يحيل مصطلح التعارض إلى التسويات وحل الخلافات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية حلًا سياسيًا بعيدًا من العنف والتطرف.
2- إلى جانب التحديد الأرسطي للإنسان بأنه “كائن عاقل”، والذي بُنيت عليه أغلب الفلسفات العقلانية الحديثة، بدءًا من ديكارت الذي عدّ العقل أعدل الأشياء قسمة بين البشر، هناك التحديد الكانطي المهم بأن الإنسان إضافة إلى كونه “كائنًا عاقلًا” فهو “كائن أخلاقي”.
العقل عند الإنسان في الماضي والحاضر لم يمنع الحروب والكوارث، بل استُخدمت «العقلانية في السياسة» ضمن إستراتجيات الحروب، «فعقلانية» بوتين وفيلسوفه دوغين، لم تمنعهما من التورط في حرب غير عقلانية وغير أخلاقية في أوكرانيا. وكذلك “العقل” لم يمنع صدام حسين من احتلال الكويت، وجر الويلات والكوارث على العراق لاحقًا. والأمثلة كثيرة في التاريخ على “عقلانية” قادة وزعماء، جلبوا الكوارث على شعوبهم والبشرية جمعاء. لذا يميل الجباعي إلى ربط العقلانية بالأخلاق وبناء السياسة على الأخلاق أولًا.
3- يعارض على طول الخط تحديدين لمعنى السياسة، تحديد كلافوتيز «الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى»، وتحديد ميشيل فوكو المقلوب «السياسة هي امتداد للحرب»، بفكرة أن السياسة هي طرد ونفي للحرب خارج أسوار المدينة. السياسة ضد الحرب، بل وظيفتها داخل الدول تقوم على استئصال عوامل العنف والصراع، ووظيفتها على صعيد العلاقات الدولية القضاء على عناصر التنابذ وشوفينية الدول القومية وتطرفها الإمبراطوري.
4- إن معيار نجاعة السياسات وعقلانيتها وأخلاقيتها هو مدى دفاعها عن الإنسان وتحسين شروط حياته ومعيشته، وليس الدفاع عن العقائد والأيديولوجيات والقوميات، ومدى تطابق تلك السياسات مع مصلحة البشرية، ومع الانتماء الجذري للجماعة الإنسانية.
5- معارضة الحزب الأيديولوجي بالحزب السياسي، فالحزب الأيديولوجي الذي يدافع عن العقائد هو حزب حرب، وكل كائن أيديولوجي يقبع في قاعه كائن ميليشيوي، الأحزاب الأيديولوجية تنتج ميليشيات، فيما تنتج الأحزاب السياسية دولًا عمومية ذات طابع أخلاقي.
تكمن وظيفة الأحزاب السياسية التي تتموضع على الخطوط الفاصلة-الواصلة بين المجتمعين المدني والسياسي بتحويل الخلافات والتعارضات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية إلى تعارضات قابلة للحل ويمكن تسويتها سلميًا تحت سقف الدستور والقانون العام.
«إن استعمال القوة أو التلويح باستعمالها كانا ينتهيان غالبًا إلى كان يجب أن يبدأ الحل بغير استخدام القوة، وبغير التلويح باستعمالها، أي أن استعمال القوة أو التلويح باستعمالها كانا ينتهيان غالبًا إلى النقاش والحوار والتفاوض.. ومن ثم، إلى الصلح والوفاق والتعاهد والتواثق، أي التوصل إلى اتفاقيات ومعاهدات ومواثيق. هذا المآل التصالحي أو التوافقي لاستعمال القوة يدل دلالة قاطعة على لا عقلانية استعمال القوة والتلويح باستعمالها، ولا أخلاقية ذلك. ويدل من ثم على أن تاريخ البشر وفق الفهم السائد للتاريخ، هو تاريخ موضوعي، بلا شك، ولكنه ليس عقلانيًا باطراد، وليس أخلاقيًا باطراد، بل هو غير عقلاني باطراد، لأنه غير أخلاقي باطراد، بحكم تلازم العقل والأخلاق منطقيًا وواقعيًا. ما العقلاني في فتوحات الإسكندر المقدوني أو الفتوحات الرومانية أو الإسلامية أو العثمانية؟ ما العقلانية في الحروب الدينية وحروب التحرير؟ إن حسبة بسيطة للإنفاق العسكري والاستخباري و”الأمني”، أي للإنفاق على الحروب والنزاعات القائمة والممكنة، على الصعيد العالمي، تبين أن ما ينفق على الجيوش والعتاد والأسلحة التقليدية وغير التقليدية يمكن أن يحل مشكلتي الفقر والبطالة في العالم، فيستأصل جذرين من جذور العنف في العلاقات الاجتماعية والعلاقات الدولية. ويمكن لمقدار الإنفاق العسكري في سنة واحدة أن يسهم في إيصال الموارد المعرفية والثقافية إلى جميع الفئات المحرومة والمهمشة، في العالم أيضًا، وفي رفع قدرة هذه الفئات على الاستفادة من منظومة الحريات الأساسية والحقوق المدنية، ورفع قدرتها، من ثم، على المشاركة الإيجابية في الحياة العامة، بدلًا من مشاركتها السلبية التي تجعل منها عبئًا على المجتمع والدولة»[17].
قد يكون الرهان على الممكنات الأخلاقية في السياسة هو أمر طوباوي، في ظل هيمنة المصالح القومية المتطرفة، وهيمنة مصالح الجماعات ومراكز الضغط والقوة في العالم وداخل الدول، لكن هذه الممكنات الأخلاقية هي رهان البشرية على الخروج من أزمة الكوكب الأرضي، فإما أن ينجو الكوكب بأكمله أو أن يغرق بأكمله، يقول الراحل إلياس مرقص: «لقد وصلت البشرية الآن في هذه اللحظة المنطقية والتاريخية، إلى أكبر مفترق في تاريخها الطويل. وصلت إلى نهاية تقدم وثورة تأسيس لتقدم آخر وإما أن تكون نهاية النوع. هذه القضية تخصنا بالتمام!»[18]
نعم لن ينقذ البشرية من استلاباتها إلا سياسات تستعيد مفهوم الإنسان كقيمة كلية وأخلاقية وعقلية معًا.
«مقاربتي لمفهوم السياسة، التي تبدو طوباوية، هي مقاربة لسياسة ممكنة، لا لسياسة واجبة فقط، فإذا لم نراهن على الممكنات الأخلاقية للأفراد والأسر والجماعات والمجتمعات والمؤسسات والمنظمات وعلى دور التربية والتعليم والتنشئة، ودور المعرفة والثقافة لا يتبقى لنا شيء يُراهن عليه»[19].
خامسًا: تحرير ياسين الحافظ من طريق قتل الأيديولوجيتين القومية والماركسية الراسبتين في فكره
وإن كان القتل لا يستقيم مع الحرية، فإن جاد الكريم الجباعي بنى على المقدمات المعرفية والثقافية والسياسية التي بدأها ياسين الحافظ، واتجه بها في مسارات مختلفة، تتسم بكون حرية الإنسان وكليته حاكمة عليها، ومن ثم كانت تلك المسارات أكثر اتساقًا مع مقدمات الحافظ، من حيث انعتاقها من رواسب الأيديولوجيتين القومية والماركسية، ومن حيث انسجام النتائج مع تلك المقدمات، فاستند إلى مفهومات مثل: الدولة الوطنية، المجتمع المدني، الأمة بصفتها تجريدًا للمجتمع المدني، الهوية والذات، الإنسان ككائن كلي، الحرية الفردية، الاستقلال الذاتي، الرأسمال الاجتماعي، الرأسمال الثقافي، الرأسمال الرمزي، وغيرها من المفهومات. ليصل إلى مساءلة الركون إلى بداهة مصطلحات الحافظ، مثل «المجتمع العربي»، «الشعب العربي»، «الأمة العربية»، «الطليعة الثورية»، «الوحدة العربية»، «الثورة القومية الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي»، «الصراع العربي-الإسرائيلي» إلخ.
1- حول مفهوم الأمة
على الرغم من أن ياسين الحافظ كان أول المفكرين العرب الذين تحدثوا عن المجتمع المدني، وعن مفهوم الأمة – العلماني في مواجهة مفهوم الملة الديني، وكان جذريًا بخياراته العلمانية والإنسانية، وجذريًا بانحيازه للكونية والمعاصرة، إلا أنه لم يستطع الإفلات من التحديد الإثني/ العرقي للأمة، كما يقول الأستاذ الجباعي:
«تخطى الحافظ ” المعتقد الإيماني القومي العربي”، ونبذه، إلا أنه احتفظ بالأهداف القومية العربية، ثم بالكيفية ذاتها تخطى المعتقد الإيماني (الدوغمائي) للماركسية المسفيتة، بنسختها البكداشية، واحتفظ بأهدافها (الثورة الاشتراكية) وأداتها (الطليعة الثورية)، قبل أن تتبلور رؤيته للثورة القومية الديمقراطية، ويرى في الاشتراكية أفقًا لهذه الثورة. فقد ظلت الآثار المعتقدية ماثلة في النسيج النصي أو متخفية في ثناياه، مثولها في الذهن-النفس والشعور أو تخفيها فيهما. يتجلى ذلك منهجيًا في تداخل الحتمية والإمكان: “الوحدة العربية حتمية”، “الوحدة العربية ممكنة”، الصيغة الأولى معتقدية بامتياز، بخلاف الثانية. يؤكد ما نذهب إليه قوله “الوحدة العربية شرط الوجود العربي”، لا للتقدم العربي فقط.
وما كان يسميه تحولًا من القوماوية إلى الأموية، لا يعد تحولًا ديمقراطيًا جذريًا، ما دامت الأمة هي “الأمة العربية”، وما دام الوطن هو “الوطن العربي”، على الرغم من تعدد الإثنيات وتنوع الثقافات. وعلى الرغم من حديث الحافظ عن العالم العربي.
اللافت أن الحافظ ينطلق دومًا من افتراض أن العرب أمة واحدة، هائمة على وجهها بلا دولة، أمة تبحث عن إطار سياسي، عن شكل سياسي لوجودها، إذًا أمة واحدة بلا شكل، سديم بشري، أو سديم عربي واحد…. إذ عملية/ عمليات تشكل الأمة (من دون أي صفة) هي ذاتها عملية / عمليات بناء الدولة الوطنية أو القومية، الدولة الأمة. الوحدة في ضوء افتراض الحافظ تعني بناء دولة على أساس قومي عربي، دولة عربية واحدة للأمة العربية الواحدة. فمفهوم الأمة عنده لا يزال يحيل على الجماعة الإثنية/ اللغوية»[20].
هذا الارتباط في معنى الأمة مع الجماعة الإثنية/ اللغوية عند ياسين الحافظ، يثلم جذريته العلمانية والوعي الأموي لديه، ويبعده أكثر عن مفهوم المجتمع المدني، كون الأمة هي تجريد المجتمع المدني، ليست حكرًا على عرق أو إثنية حتى لو كانت هذه الإثنية أكثرية عددية، ويبعده أيضًا عن مفهوم التشكل والتكون فالأمة كائن يتشكل وينحل في التاريخ، فلا وجود لأمة متعالية على قوانين التطور التاريخي، كما يظن التيار القومي المعتقدي، حين يمط الأمة في التاريخ ويوصلها إلى قحطان وعدنان، ويحولها إلى امتداد فخذي ونسلي، أي إلى هوية ميتة.
2- حول مفهوم الشعب
إن مفهومات الشعب والدولة والأمة والمواطنة والوطنية، مصفوفة مترابطة مع بعضها بعضًا، والقاسم المشترك بينها جميعًا مبدأ التجريد ومبدأ العمومية، فحيث تحدَّد الأمة تحديدًا إثنيا / لغويًا، يحدَّد الشعب أيضًا تحديدًا إثنيًا / لغويًا، «فالأمة العربية» تستوجب «شعبًا عربيًا»، لذا كنا نجد الحافظ يستخدم دائمًا مصطلح «الشعب العربي»، من دون تحرز وحذر، وكأنه معطى مسبق مكتمل التشكل والتكون.
هذا فضلًا، عن توصيف مفهوم الشعب بصفة إثنية، يصب في المآل الأخير في تعزيز ظاهرة «نقص الاندماج الوطني» في “مجتمعاتنا”، لأن هذا التوصيف في سورية مثلًا يحيل إلى مجموعة من “الشعوب”: العربية والكردية والأرمنية والتركمانية…الخ.
فمهوم الشعب ليس له مفردة، المواطن هو مفردة الشعب، والمواطن هو تجريد الفرد الطبيعي في المجتمع المدني، وبذلك يكون الشعب هو مجموع المواطنين الأحرار الذين ينتمون إلى الدولة-الأمة، ويكتسبون جنسيتها، بصرف النظر عن انتماءاتهم الإثنية أو العقائدية، والدولة تنظر إليهم بصفتهم مواطنين فقط.
كما يحمل مفهوم «الشعب العربي» تعسفًا ورؤية اختزالية للواقع، فهذا الشعب الممتد من المحيط إلى الخليج ليس عربًا فقط، بل يضم كردًا وأمازيغًا وأرمنًا وشركسًا… فضلًا عن إطلاق صفة إثنية على مئات الملايين من البشر المختلفين، ويعيشون في “دول” مختلفة، تحت قوانينها وأنظمتها وجنسيتها، لا يعد توصيفًا سياسيًا ملائمًا، وفيه كثير من “الشلف التأويلي” بتعبيرات الحافظ نفسه.
كما أن مصطلح “الشعب العربي” يستند إلى جذر قومي رومانسي، مفاده أن الاستعمار الغربي والإمبريالية العالمية قد جزأتنا إلى “دول” مختلفة بدافع الهيمنة والسيطرة على مقدراتنا وثرواتنا، الأمر الذي قاد إلى فرضية “شعب واحد” في دول عدة. ألم يعش السوريون واللبنانيون في ظل نظام الأسد المستبد عقودًا، تحت عسف شعار “شعب واحد في دولتين”.
إذًا الشعب ليس مقولة كائنة، ومعطى مسبقًا قائمًا، بل يخضع لسيرورة تشكل مع تشكل دولته الوطنية، ومع تشكل الأمة، فنحن السوريين، لم نتشكل كشعب سوري بعد، بالمقدار نفسه الذي لم نشكل فيه دولتنا الوطنية بعد، ولم نشكل فيه الأمة السورية بعد، لا نزال جماعات ما قبل وطنية “تتصارع وتتناتش” في سياقات تتسم بانحدار السلام والأمن والثقافة والسياسة والأخلاق، أو كما يقول الراحل إلياس مرقص: “في ظل تراجع الوجود لحساب نمو العدم”، فعندما ينعدم وجود الشعب ودولته نظريًا وواقعيًا ينمو العدم ويتقدم، عدم الأخلاق، عدم الأمن، عدم الاستقرار، عدم السلام…الخ.
وكما فند ودحض الجباعي التحديد الإثني للأمة، يتابع هذا التفنيد لمفهوم الشعب. «يكون الشعب مجموع المواطنين الأحرار والمواطنات الحرائر. ومفهوم المواطن مفهوم سياسي، من طبيعة الدولة الحديثة، أي إنه مفهوم رمزي، كمفهوم الدولة، الذي يدل على شخص اعتباري… ومن ثم فإن مفهوم الشعب هو مفهوم من طبيعة الدولة الحديثة، وهو مفهوم سياسي…إذا كان الشعب يعني مجموع المواطنين والمواطنات الذين يتمتعون واللائي يتمتعن بجميع حقوق المواطنة المتساوية وجميع حقوق الإنسان، فلا نستطيع الحديث عن شعب سوري أو لبناني أو عراقي أو فلسطيني إلا مجازًا… الشعب الممكن والأمة الممكنة والمجتمع المدني الممكن مرهونة كلها بوحدة المجال السياسي (الدولة الوطنية) والمواطنة المتساوية والمشاركة الحرة في إنتاج الوطن والوطنية وإعادة إنتاجه مرة تلو مرة»[21].
3- المجتمع المدني، بوصفه (هوية الاختلاف)، في مواجهة مقولات «المجتمع العربي»، «المجتمع العربي الموحد»، «المجتمع الاشتراكي الموحد»
إن التسليم السهل، من دون شكوك ومن دون تفحص ومن دون أي حذر لمقولات «الأمة العربية»، «الشعب العربي»، «الدولة العربية الواحدة»، والذي يستبطن التجانس والكتلوية، وتسوية الاختلافات عنفيًا وفق منطق الإرادة «الثورية العربية»، كان من الطبيعي أن يقود إلى التعميم والاختزال أيضًا، بتبني مصطلح «المجتمع العربي». وهذا كله تعبير عن ميول اختزالية عميقة في نماذج المعرفة والثقافة السائدة، «وقد عبر إلياس مرقص عن هذه الميول الاختزالية بإشارته إلى أن “الصفة تأكل الموصوف”، كما عبر عنها بتضخم الـ “نحن” الفارغة، على حساب الأنا أفكر، أي تضخم الـ “نحن” الهووية، التي لا تدل على جمع من إناث وذكور مختلفات ومختلفين، وأفضليتها على الـ”هم” الهووية هي الأخرى»[22].
كان من نتائج هذه المعرفة الاختزالية:
أ- أنها تعامت عن واقع التعدد والاختلاف الملازم للحياة البشرية.
ب- صفة “العربي” هي افتراض وهمي كناية عن وحدة زائفة، وغير واعية لمسألة وحدة الاختلاف.
ج- لم تستطع إدراك أهمية ثنائية دولة وطنية/ مجتمع مدني، وآليات نشوء وتشكل الدولة-الأمة.
د- تحمل نزعة عنصرية ذات قاع أكثروي/ عددي معادية لسيرورة التشكل الوطني.
ه– تعمق الانقسامات والتشظي المجتمعي بعنصريتها وافتراضها لحمة العروبة كلحمة زائفة ووهمية.
و- تتناقض مع الكونية والإنسية، لأنها تستنفذ البشر بصفاتهم العرقية، وتجعلها لا تدرك ما هو إنساني عام في أي تجربة إنسانية خاصة، وأي ثقافة قومية خاصة.
ز- تتجاهل أن المجتمع أهم إنتاج بشري على الإطلاق، وغير متشكل مسبقًا، بل هو دائم الإنتاج، ودائم التشكل، استنادًا إلى مبدأ نشوئه الأول، كما يقول إلياس مرقص «إن أول ثورة في تاريخ النوع البشري هي ظهور الاجتماع البشري».
ح- مع تجاهلها لواقع التعدد والاختلاف على صعيد الأفراد والجماعات، تتجاهل أيضًا انقسام المجتمعات المعاصرة الفعلي إلى مجتمعات حضرية وريفية وزراعية وبدوية وإلى آخر ذلك.
يقول جاد الكريم الجباعي: «نعتقد أن فكرة المجتمع المدني، التي أمسك بها الحافظ باكرًا، قياسًا بالفكر السائد آنذاك، كان لها أثر إيجابي حاسم في إرهاف رؤيته الديمقراطية، علاوة على نفوره الباكر من التقليد ونقده الذي لا يرحم للمجتمع التقليدي…ونرى أنها، أي فكرة المجتمع المدني (البرجوازي)، هي ما ساعده في تجاوز المعتقد القومي والمعتقد الماركسي، وإعادة التفكير في مقولة “الصراع الطبقي”، في مجتمع متأخر. ولكن همه السياسي وشاغله الوحدوي، على اعتبار الوحدة العربية رافعة للتقدم العربي، صرفاه عن بسط هذه الفكرة وإنمائها، وجمع شذراتها المبثوثة في نسيج كتابته واختبارها في واقع “المجتمع العربي” / المجتمعات العربية، لإرساء الثورة القومية الديمقراطية على أساس مكين، وتوجيه العمل السياسي نحو تنمية البذور العلمانية والديمقراطية في المجتمع، لأننا نعتقد أن المجتمع التقليدي أو المجتمع الأهلي هو الذي يحمل جنين المجتمع المدني الحديث، نتيجة تعمق نمط الإنتاج الرأسمالي، وانتشار التعليم “العلماني” أو شبه العلماني، وتحسن الخدمات العامة، وانفتاح الريف على المدينة. وأثر هذا كله في تفكك الروابط والبنى البطركية، الإقطاعية وشبه الإقطاعية، التي أعاد نظام البعث إحياءها، في سياق تحوله التدريجي إلى نظام تسلطي أو استبداد كلي، وقضم الدولة حديثة الاستقلال، وتحويلها إلى “دولة البعث”»[23].
لقد أولى جاد الكريم الجباعي أهمية فائقة لثنائية مجتمع مدني / دولة وطنية، حيث كتب كتابين مهمين حول المجتمع المدني الكتاب الأول «المجتمع المدني هوية الاختلاف» والكتاب الثاني «المجتمع المدني اليوم»، هما أفضل ما كُتب عن المجتمع المدني على المستوى العربي، وأظهر فيهما العلاقات الضرورية والجدلية ما بين حالة التعدد والاختلاف في المجتمع المدني وحالة الوحدة في المجال السياسي (مجال الدولة الوطنية)، والعلاقة ما بين الأمة والمجتمع المدني، بوصف الأمة هي تجريد المجتمع المدني. وأوضح على نحو لا لبس فيه أن مفهوم الأمة العلماني لا يستقيم مع توصيف المجتمع “بالعربي” أو أي توصيف مذهبي أو ديني أو عرقي، كما أوضح العلاقات ما بين المجتمع المدني والمجتمع الأهلي، وأن المجتمع المدني ينمو في رحم المجتمع الأهلي، لكن العلاقات الشبكية الأفقية التي يولّدها تستقل عن البنى الأولية والانتماءات ما قبل الوطنية، وهذه العلاقات الشبكية تحتضن الجمعيات والنقابات والاتحادات والنوادي، كذلك الأحزاب السياسية التي تتموضع على الحد الفاصل ما بين المجتمعين المدني والسياسي، وتحول التعارضات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية إلى تعارضات يمكن حلها سياسيًا. وبالتعارض مع ربط المجتمع مع صفة إثنية أو دينية، ربط الجباعي المجتمع بعملية / عمليات الإنتاج المادي والروحي.
«إن المجتمع قبل أي صفة هو انتظام الأفراد وفقًا لعملية/ عمليات الإنتاج الاجتماعي، المادي والروحي، عملية إنتاج عالم الأفراد المعنيين، إنتاج “العمران” والسياسة والسلطة، وإنتاج الوطن، فلا يكون المجتمع والدولة ولا يكون الوطن إلا كما تكون عملية الإنتاج الاجتماعي، بمعناها الواسع والشامل: الإنتاج الاقتصادي والمالي والثقافي والسياسي والأخلاقي، وقبل ذلك كله إنتاج الحياة وحفظ النوع. هذا هو المعنى العميق للوطن، كما أفهمه. ليس بوسعنا أن نتحدث عن مجتمع مدني، ونصرف النظر عن نمط الإنتاج الرعوي والزراعي والحرفي والتجاري، وبصرف النظر عن عدم دخول بلادنا في العصر الصناعي الحديث المؤسس على العلم والمعرفة العلمية… أميل إلى وصف المجتمع والدولة بأنهما معًا “العالم الأخلاقي”، (نظرًا إلى اقتران الأخلاق والعمل والفاعلية الاجتماعية والسياسية والثقافية وأنماط السلوك، وتلكم هي الأخلاق المحايثة).. لذلك يمكن القول إن سيرورة تشكّل المجتمع المدني في أحشاء المجتمع الأهلي (التقليدي) هي ذاتها سيرورة نمو الحياة الأخلاقية من أخلاقيات السيطرة/ الطاعة، والهيمنة/ الإذعان إلى أخلاقيات الحرية/ المسؤولية وأخلاقيات المواطنة والصداقة المدنية»[24].
4- قضية الوحدة العربية
ما دام “الشعب” عربيًا، وما دامت “الأمة” عربية وكذلك “الدولة” و”المجتمع”، وما دامت الأقليات الإثنية والدينية والمذهبية عبارة عن “كسور” في جسد الأمة المتعالية على الاختلافات، تصبح قضية الوحدة العربية هي مسألة مرهونة فقط بدحر مؤامرات الخارج عن “الأمة” والتحرر من مفاعيل الهيمنة الإمبريالية، ومعالجة إشكالية الأقليات القومية بالديمقراطية، وإشكاليات الأقليات الدينية والمذهبية بالعلمانية، ومرهونة فقط بانتصار «العوامل الجاذبة في السيرورة الوحدوية على العوامل النابذة» بتعبيرات الحافظ نفسه.
هنا أيضًا تظهر الرؤية الاختزالية والرومانسية معًا في المعرفة، عندما تشيح النظر عن واقعة التجزئة “القومية” وقوتها، والاعتقاد بأن زوال الهيمنة الاستعمارية يؤدي أوتوماتيكيًا إلى زوال واقع التجزئة هذا من جهة. ومن جهة ثانية عدّ الوحدة العربية شرطًا للتقدم العربي، وشرطًا لمقاومة ناجعة مع الغرب الاستعماري ومع إسرائيل، ووضعها في رأس مهمات “الثورة العربية” فوق حقوق الإنسان وفوق التنمية وفوق تحسين شروط الحياة، الوحدة العربية، في نظر الحافظ، أهم من الإنسان، وتستحق الشهادة من أجلها بوصفها من أنبل أهداف “الثورة العربية”.
هذه الرؤية “الإثنية” الجواهرانية لقضية الوحدة العربية، أفضت إلى حزمة من النتائج خلال العقود الماضية:
أ- أُهملت الكيانات القائمة واقعيًا، بل جرى ازدراؤها، بدعوى أنها كيانات “قطرية” مصطنعة وعابرة على طريق الوحدة القومية، فعدّت هذه الكيانات عقبات كأداء أمام الوحدة، ومن ثم أُهملت جميع الحقوق المدنية والسياسية للأفراد فيها، وأُهملت التنمية فيها، ولم يجرِ التفكير في مسارات تحويل هذه الكيانات إلى كيانات حقيقية وإلى دول حقيقية.
ب- تم النظر إلى “الدول” القائمة في هذه الكيانات على أنها “دول قطرية” ناقصة الشرعية، وعوائق على طريق “الدولة” العربية الواحدة، التي هي صاحبة الشرعية الحقيقية.
ج- حجب المشروعية عن “الدول” القائمة بالفعل والتعلق الدوغمائي بمبدأ الوحدة، أدى إلى تبرير كثير من الجرائم والخطايا التي ارتكبها القوميون العرب، ودعاة الوحدة العربية، مثل حوادث أيلول الأسود والصراع المسلح بين فصائل منظمة التحرير و”الدولة” الأردنية، حيث وقفت الأغلبية العظمى من القوميين العرب مع الفصائل الفلسطينية المسلحة، على حساب منطق الدولة الذي كان يدافع عنه الملك حسين. وأيضًا جرى تبرير اشتراك فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في الحرب الطائفية اللبنانية استنادًا إلى المنظورات نفسها. كذلك وقف القوميون العرب مع صدام حسين خلال غزو العراق للكويت، بدعوى أن الكويت كيان مصطنع، وتابع لإرادة خارجية. كما أن كثيرًا من المفكرين القوميين العرب نظّروا لطريق “بسماركي” إلى الوحدة العربية.
د- أفضت هذه الرؤية لواقع “الدول” القائمة بالفعل إلى انتفاء وجود سياسات وتنظير لتطوير “الدول” القائمة إلى دول وطنية حقيقية، تقرر برلماناتها المنتخبة شكل الوحدة المقترح، أكان اندماجيًا أم فدراليًا، أم كونفدارليًا، أم تكامليًا على نموذج الاتحاد الأوروبي، أو تقرر عدم الوحدة كليًا.
هـ- إن إضافة صفة العروبة على العملية الوحدوية يثير حفيظة الأقليات القومية الموجودة في هذه المنطقة الواقعة بين المحيط والخليج، ويشعرها بالاغتراب والعزلة.
5- ضعف التصورات عن مفهوم الدولة – الأمة
إن صفة العروبة التي أُلحقت بالموصوف أكان هذا الموصوف «أمة أم شعبًا، مجتمعًا أم دولة» أجهضت الطابع العمومي للدولة في كتابات ياسين الحافظ، كما ظل مفهوم المجتمع المدني، الذي أمسك به مبكرًا، شاحبًا ومحتجزًا في إطار كتاباته عن الثورة القومية الديمقراطية، التي من أبرز مهماتها تحديث المجتمع وعلمنته ودمقرطته واللحاق بالمعاصرة، وصولًا إلى بناء الدولة-الأمة، التي التبست بمفهوم “دولة الأمة العربية الواحدة”، ومن ثم على الرغم من تبني الحافظ لمضامين الثورة القومية الديمقراطية، وكذلك لمفهوم الأمة-العلماني، إلا أنه بتأثير هواجسه السياسية ذات الطابع القومي العربي، لم يصل إلى اكتشاف ثنائية مجتمع مدني/ دولة-أمة أو دولة وطنية. وأيضًا «رغم تأكيده أهمية الديمقراطية وراهنيتها وأولويتها، واقترانها بالمجتمع المدني والدولة-الأمة، والحديث في الوقت نفسه عن أكثرية قومية، وأقليات قومية، وأكثرية مذهبية، وأقليات مذهبية، لا من قبيل الوصف الضروري، لمعرفة الواقع، كما هو، في مظاهره الأيديولوجية، ولا من قبيل التحليل التاريخي الضروري أيضًا، فقط، بل من قبيل امتياز الأكثرية العربية المسلمة السنية بكونها “صاحبة القرار التاريخي في تقدم الأمة”، ووصف الأقليات بأنها “كسور الأمة”. وهذا ما سمح، في اعتقادنا، بتأويل منظومة الحافظ، إما تأويلًا أقواميًا، وإما تأويلًا مذهبيًا، على نحو ما أولها مناهضو العلمانية، من المثقفين السوريين خاصة، وجعلوا من الأكثرية والأقليات أقانيم ثابتة أو جواهر أو ماهيات متعالية على التاريخ»[25].
وأيضًا على الرغم من وصف الحافظ “للدول” القائمة بالدول “السلطانية المحدثة”، التي أُعيد إنتاجها، مع تصفية «جنين الدولة الوطنية»، و«جنين المجتمع المدني» اللذين تكونا في المرحلتين الكولونيالية والاستقلالية، وكذلك مع إعادة انبعاث التاريخ المملوكي-العثماني، في عقب تصفية الآثار الليبرالية لصدمة الحداثة، على يد الانقلابات العسكرية، ظل تصوره للدولة، إلى حد ما، مقيدًا بالرؤية اللينينية الرديئة حول تحطيم الدولة، وبأنها أداة هيمنة طبقية، وارتبط نشوؤها في فكره إلى حد كبير بالإرادة الثورية والهدف الاشتراكي.
لم يعش ياسين الحافظ ليرى الآثار الكارثية لتغول «الدول السلطانية المحدثة»، وكيف قادت حروبًا على “شعوبها” و “مجتمعاتها”، ودمرت العمران والبشر، ووظّفت ظاهرة «نقص الاندماج الوطني» في هذه الحرب: «حرب الدولة على المجتمع»، اعتقد أن الموت المبكر فوّت عليه تدارك، خطورة وضع عنصر خاص في المجال العام، أكان هذا العنصر الخاص العروبة أم الإسلام لا فرق، الدولة كائن عمومي لا يجوز تقيده بكائن خاص، هذا الكائن الخاص يأكل عمومية الدولة وطابعها الأخلاقي، ويطلق العنان لتفلت سلطتها من كل قانون وحد. ولكان أدرك أهمية ما قاله رفيق دربه إلياس مرقص:
«يجب الانتقال من “الديمقراطية” (مع مزدوجين!) إلى “دولة حق” وديمقراطية. دولة حق وقانون إلخ هذا هو الأساس المنطقي للديمقراطية.
لا دولة ديمقراطية إذا لم تكن أولًا “دولة حق”.
لا ديمقراطية بلا دولة.
لا ديمقراطية مع اللادولة.
واللادولة هي الدّول (بالجمع)، الفوضى والعسف والاستبداد. وهي المخلوطة دول- طبقات- طوائف-قبائل وهلمجرا»[26].
ويمكن القول أيضًا، إن عدم متابعة ياسين الحافظ لمفهوم المجتمع المدني، الذي بدأ فيه مبكرًا، وهوسه الشديد بالأهداف القومية العربية، فضلًا عن الهدف الاشتراكي، وتأثره بالرؤية اللينينية عن الدولة، إضافة إلى عوامل أخرى، هي التي جعلته في نظر الجباعي يسكت أو يشارك في انقلاب البعث عام 1963، «لقد ألغى نظام البعث الجمهورية، بإلغاء عمومية الدولة، صبيحة الثامن من آذار 1963، فألغى بذلك فعالية المجتمع، ولم يأسف التقدميون كافة، بمن فيهم ياسين الحافظ، على هذا الإلغاء. بل أسهم ياسين الحافظ وجمال الأتاسي في وضع ” المنطلقات النظرية” لحزب البعث العربي الاشتراكي، التي منحت حزب العسكر طابعًا “تقدميًا… ولعل إلحاح الرجلين، الحافظ والأتاسي، على الوحدة العربية، انطلاقًا من “الدولة المركز” أو الدولة القاعدة، (مصر)، حسب نديم البيطار نوع من تعويض عن خسارة الدولة السورية، وتبرير ذلك باعتبارها “دولة قطرية” هزيلة ومصطنعة»[27].
6- حول الصراع العربي-الإسرائيلي
تم تنضيد الصراع العربي-الإسرائيلي تنضيدًا هوويًا، أي صراع بين هوية عربية وهوية إسرائيلية، أو بين هوية إسلامية وهوية يهودية، وجميع الحروب التي خيضت في هذا الصراع، استندت إلى هذه الخلفية الهوويّة، فكانت تلك الحروب منسجمة مع صفة العروبة السياسية، التي أُصبغت على “الدول” و”المجتمعات” و”الشعوب”، وبالأخص على “الأمة”، وغالبًا ما كان يُعبر عن هذا الصراع بأنه صراع وجودي بين “الأمة العربية” وإسرائيل، وبما أنه صراع وجودي أو هووي فهو لا يحتمل تسوية تاريخية، فلا بد من انتصار أحد الطرفين فيه، وبما أن العرب مطمئنون إلى انتمائهم الراسخ إلى “أمة” متشكلة ومتجذرة في التاريخ، وينتمون إلى “أمة إسلامية” أكثر تجذرًا في الجغرافيا والتاريخ، فكانت الأغلبية العظمى من العرب تعتقد أن إزالة دولة إسرائيل هو أمر حتمي في نهاية المطاف.
وهذا الاعتقاد الراسخ ولّد نزعتين عند القوى القومية العربية، التي كان يسميها ياسين الحافظ «قوى الثورة العربية». النزعة الأولى هي النزعة السلاحوية أي النزوع الحربي، والنزعة الثانية هي النزعة الرومانسية نتيجة الاطمئنان المطلق “لحتمية الانتصار” عسكريًا.
وعلى الرغم من أن ياسين الحافظ، نقد هاتين النزعتين نقدًا تفصيليًا وحاسمًا، وأكّد في كتاباته مرارًا وتكرارًا، أن ميزان القوى بين العرب وإسرائيل لا يتقوم عسكريًا فقط، بل يمتد ليطال البنى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتعليمية بين الطرفين، وهو في حقيقته صراع بين الجامعات الإسرائيلية والجامعات العربية، وبين المدارس الإسرائيلية والمدارس العربية، وأن مجموع البنى المجتمعية هو الذي يقرر في المآل الأخير ذاك الميزان، إلا أن الحافظ ظل أسير منطق الصراع والحرب ومعارك الانتصار، ولم يفكر في خيارات السلام والتسويات التاريخية.
وبما أنه كان يفكر في معارك الانتصار ذهب إلى النموذج الفيتنامي، لكشف أسرار الانتصار الفيتنامي على الإمبريالية الأميركية، ومن وحي هذا الذهاب كتب كتاب «التجربة التاريخية الفيتنامية، تقييم نقدي مقارن مع التجربة العربية»[28]. حيث عرض في الكتاب مبكرًا، أسباب انتصار الفيتناميين وهزيمة العرب على نحو مقارن، وكان هاجسه الرئيس هو: كيف لنا نحن العرب أن نخوض حربًا ناجعة في مواجهة إسرائيل المدعومة أميركيًا؟ حتى في كتابه «اللاعقلانية في السياسة»[29]، كان يشرح لا عقلانية السياسات العربية في المرحلة ما بعد الناصرية، بصورة أساسية، من منظور كيفية بناء ميزان قوى لمصلحة العرب، في الصراع العربي- الإسرائيلي.
إذًا لم تخرج رؤى الحافظ عن خطوط صراع القوى، وهو لم ينتقد الحرب، بل تناول بالتحليل والنقد شكلًا واحدًا من أشكال الحرب، ألا وهو «حرب التحرير الشعبية»، وأفرد له فصلًا كاملًا وطويلًا في كتابه: «الهزيمة والأيديولوجية المهزومة»[30] فهو كان منحازًا للحرب النظامية في مواجهة حرب التحرير الشعبية.
يقول جاد الكريم الجباعي في نقد نزعة الحرب عند الحافظ: «إن الحافظ لم يول قضية السلم الأهمية التي تستحق، سوى من خلال تأكيده أهمية “الاندماج القومي”، وراهنية الديمقراطية وضرورتها، ومقارنته بين بلاد الحرية وبلاد الخوف. لكن الحرب ظلت ماثلة في ترسيمته النظرية، ولا سيما في رؤيته للصراع العربي-الإسرائيلي، ودفاعه عن الحرب النظامية، لدحض شعار “حرب التحرير الشعبية”، وفي مقارنته بين التجربة الفيتنامية والتجربة العربية. فلعل مفهوم الثورة عنده ظل ملتبسًا بمفهوم الحرب. مع أنه أشار بوضوح إلى أن الثورة يمكن أن تكون سلمية ويمكن أن تكون عنفية»[31].
7- حول مفهومات الثورة، الطليعة، الإرادة، والصراع والحرب
تتداخل هذه المفهومات مع بعضها بعضًا في فكر ياسين الحافظ، “فالثورة”، تقوم بها وتنفذها طليعة ثورية، أو حزب ثوري، وتكون الإرادة الثورية عاملًا حاسمًا في التغيير الثوري. لذا نجد تكرارًا لمصطلح الثورة في كتاباته: «الثورة العربية»، «الثورة الاشتراكية»، «الثورة القومية الديمقراطية»، «الثورة الكوبرنيكية»، «الثورة الثقافية» الخ. وفي ثنايا كتاباته يُلاحظ ارتباط مفهوم الثورة بمفهوم «الطليعة الثورية»، وإرادتها الذاتية، بوصفها التحقيق المسبق للمجتمع الذي ترسم ملامحه المستقبلية في أيديولوجيتها وتصوراتها، ومن ثم تضع إرادتها الخاصة محل الإرادة العامة، إرادة المجتمع أو إرادة “الشعب” لا معنى لها في تصورات الذوات الثورية، في نظرها هي تتفوق على صعيد الوعي على “الجماهير” العادية، ومن مهماتها “المقدسة” رفع الجماهير إلى مستوى وعيها، ألم يقل لينين ذات يوم، وردد الثوريون في العالم تلك المقولة وراءه في كل مناسبة: «الجماهير لا تنتج إلا “وعي تريدنيوني”، الوعي يأتي إلى الجماهير من الخارج من الطليعة»!.
وتتداخل الإرادة الثورية مع العنف والحرب، فلا مانع من تحقيق أهدافها الذاتية عبر مسارات الصراع والعنف، وما معنى الشرعية الثورية غير السيطرة بالقوة على مصادر السلطة والقوة والثروة، من دون أدنى اعتبار لإرادة المجتمع والشعب، أليس الجحيم الذي تعانيه سورية والعراق واليمن وليبيا حاليًا، من نتائج سيطرة الإرادات الثورية؟ أليست إجراءات تأميم الملكيات في سورية ستينيات القرن الماضي، تحت عناوين المشروعية الثورية، هي التي تقبع في خلفية إلغاء مسألة الإنتاج المادي والروحي، ومن ثم احتجاز بناء مجتمع مدني، ومسارات سياسية، وتفاهمات وطنية، ندفع أثمانها اليوم وستستمر في المستقبل؟
بكلام آخر: لم يكن ياسين الحافظ، على الرغم من عقله المستنير، حذرًا باستخدام مصطلحات الثورة والطليعة والإرادة والصراع الطبقي والحرب الثورية.
جاد الكريم الجباعي يعارض هذه النظمية الثورية عند الحافظ بمفهومات مثل: التقدم، الإصلاح وتحسين شروط البشر، الإرادة العامة، المشروعية الدستورية، المجتمع المدني، العقد الاجتماعي، السياسة كسيرورة مضادة للحرب والعنف، الدولة الوطنية / التعاقدية في مواجهة “دولة” المشروعية الثورية، الثورات العلمية والصناعية والتكنولوجية في وجه الثورات السياسية العنفية ذوات القيعان الأيديولوجية.. الخ.
«إذا نظرنا إلى الإصلاح على أنه النتيجة التي تفضي إليها عملية/ عمليات تحسين نوعية الحياة الاجتماعية، والارتقاء بها إلى حياة إنسانية لائقة، وهي عملية/ عمليات مؤسسة على ملكة التحسن الذاتي، يمكن القول إن مفهوم الإصلاح يتعين في عملية التحسن الذاتي، وعمليات تحسين العالم وتحسين نوعية الحياة الاجتماعية- الاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية… وليست الثورة الاجتماعية أو السياسية، في واقع الأمر، سوى انفجار ناتج عن احتجاز سيرورة الإصلاح، أو سيرورة تحسين الحياة الاجتماعية على ما يتلاءم ومستوى التحسن الذاتي لدى الأفراد والجماعات والمجتمعات. ولا أحسب إلا أن الثورات العلمية والصناعية والديمقراطية كانت استجابة لدواعي التحسن الذاتي وتحسين العالم (المجتمع والدولة ومجتمع الدول).
التأمل والتفكير في مسألة الاجتماع البشري الذي لا ينفك يتكرر، ويرتقي، أو ينتكس، يمكن أن يوصلنا إلي تعريف جديد للثورة واعتبارها سيرورة إصلاح مطّرد، تتخللها طفرات، ليس ضروريًا أن تكون عنيفة كالثورة الفرنسية أو الثورة الأميركية أو الثورة البلشفية، بل يمكن أن تكون كالثورة العلمية، أو المعرفية الأشمل، فتبدو “الثورات” مجرد انفجارات اجتماعية-سياسية، تنتج منها حالة فوضى هي حرية مطلقة، حرية طبيعية، وحشية (وغير مدنية).. بهذا المعنى تكون الثورة- الانفجار عودة إلى بدء من أجل استئناف الإصلاح أو من أجل استئناف سيرورة التحسن الذاتي وتحسين العالم، التي هي المغزى العميق للتاريخ»[32].
على سبيل الخاتمة: فكر ياسين الحافظ من منظور الهوية والذات
الهوية والذات من المفهومات التي اشتغل عليها وأنضجها جاد الكريم الجباعي، وله مخطوط بهذا العنوان، لم ينشر بعد سأقتبس منه هذا المقطع: «ذات الفرد هي إنسانيته، ماهيته الجوهرية، حريته، جسده، نفسه، روحه، لغته عقله وفكره وعاطفته وممكناته المعرفية والأخلاقية والجمالية وجملة علاقاته الإنسانية.. وأناه العميقة، على نحو ما تتجلى كلها في آخرين وأخريات، يتشاركون ويتشاركن، على وجه التكافؤ والمساواة في الكرامة الإنسانية والكرامة الوطنية والأهلية والجدارة والاستحقاق، تشاركًا حرًا ومبدعًا في إنتاج عالمهم (المجتمع والدولة) وابتكار وطنهم، في أفق الإنسانية المؤثرة في ذات كل منهم وكل منهن، بصفتها ماهيتهم/ن الجوهرية. ذات الفرد هي صورة فردية للنوع، تحمل جميع خصائصه، وتتوفر على جميع ممكناته.
كل فرد يتجه، ويسير، إما نحو أفق ذاته، أي نحو الإنسانية، وإما نحو “أفق” هوية من هوياته، أي نحو التشدد والتعصب…الهويات المتقاطعة والمتضافرة في الحجر على الذوات ومسخها أو هدر إنسانيتها…وتنتج ما نسميها ثقافة التوحش، على نحو ما تتجلى في أدلوجة الحركة الصهيونية وأدلوجة “الثورة الإسلامية الإيرانية” وأمثالهما، كأدلوجة البعث القومية، وأدلوجة الإحياء الإسلامية. لذلك سوف نموضع تعارض الذات والهوية، في تعارض الفكر والأيديولوجية، فنقرن الفكر بالذات والذاتية، ونقرن الهوية بالأيديولوجية»[33].
فإذا كانت الهوية الميتة هي الهوية الأولية الموروثة، التي لا دور للفرد في إنتاجها، وهي مرتبطة بالماضي، والهوية الحية هي ما ينتجه الفرد على الصعيدين المادي والروحي، وهي ترتبط بالمستقبل وبالصيرورة والتشكّل الدائم.
فيمكننا القول: إن ياسين الحافظ في السيرة الذاتية له، والتي وضعها مقدمة كتابه «الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة». قدم لنا نموذجًا عن الذات المتمردة على الهوية، من طفولته في مدينة دير الزور ونفوره من المجتمع التقليدي، إلى تطور وعيه السياسي في دمشق وبيروت وباريس، وتجاوزه النقدي للمعتقدين القومي والماركسي، بوصفهما هويتين مقاومتين لتشكل الذات الفردية وتحررها، وصولًا إلى تبنيه قضية الثورة القومية الديمقراطية، والوعي الأموي، حيث بدا ذلك واضحًا في آخر كتاب له «في المسألة القومية الديمقراطية»، الذي نُشر بعد وفاته، إذ يلمس القارئ في هذا الكتاب سيرورة النمو والتقدم في وعي الحافظ، قياسًا على بداياته في حزب البعث، حين كتب «المنطلقات النظرية»، وسيرورة النمو والتقدم هذه ليست إلا انتصارًا للذات الفردية على الهوية/ الهويات، التي استطاع الحافظ أن ينفك عنها باتجاه أفق إنساني واضح.
ولكن في الوقت ذاته كانت الهوية/ الهويات القومية والماركسية والاشتراكية، تضغط على تلك الاندفاعة الذاتية، فهو لم يتخلص من ثقل مفهومات الهوية مثل «الأمة العربية»، «الشعب العربي»، «المجتمع العربي» الخ.
ومن ثم شكلت هذه الهويات حدودًا على أطروحاته الفكرية، وثلمت استنتاجاته عن الشعب والمجتمع والدولة والأمة والثورة والإصلاح والسلم والحرب والطليعة…الخ.
لذا فإن جاد الكريم الجباعي انتصر “للذات” عند ياسين الحافظ في مواجهة “الهوية” / “الهويات” المقيدة، وبنى على الصوى التي وضعتها تلك الذات المتحررة على الطريق ولم تكتمل، فعملية القتل للأب الرمزي كانت بمنزلة قتل لذلك النزوع الهووي، وانتصار للفردية واستقلالية الذات وحريتها في مواجهة الهوية وعقدها.