جدلية العلاقة بين السياسة والأخلاق والفكر عند جاد الكريم الجباعي

مقدمة

تعدّ مسألة العلاقة بين السياسة والأخلاق والفكر من أبرز القضايا التي شغلت الفلاسفة والسياسيين على مر العصور. وقد قدم المفكر العربي المعاصر جاد الكريم الجباعي رؤىً عميقة حول هذه الجدلية، مستندًا إلى تراثه الفكري العربي والإسلامي، ومستفيدًا من الحوار مع الفلسفة الغربية المعاصرة. ويؤمن الجباعي أن هذه العلاقة تشكل ثالوثًا متشابكًا ومتداخلًا، حيث لا يمكن فهم أي عنصر منها بمعزل عن الآخرين. فهذه العلاقة ليست علاقة خطية بسيطة، بل هي علاقة متشابكة ومتداخلة يؤثر فيها كل عنصر في الآخر ويتأثر به. يرى الجباعي أن هذه العلاقة تشكل جوهر الصراع الفكري والسياسي في العالم العربي، وأن فهمها هو مفتاح لتحقيق التغيير المنشود.

أولًا: مفهوم السياسة

ينطلق الجباعي في حديثه عن مفهوم السياسة من أرضية تاريخية؛ حتى يضع أسس منطقية عامة للتعريف الذي يطرحه، فيرجع بنا إلى العصر اليوناني حيث تكمن بداية تشكل المفهوم مع ممارسة عملية، ثم يقفز إلى العصور الحديثة موضحًا أن السياسة في تلك الحقبة جاءت من عناصر عامة ومشتركة في الدولة. حيث نلاحظ أنه اعتمد على الدولة منذ اللحظة الأولى ولم يعتمد على أي مدركات أخرى مثل السلطة أو القوة. فالدولة هي أساس تعريفه للسياسة كي يتمكن من ربط السياسة بنظريات الدولة ومفهومها. فيقول: “كلمة السياسة مشتقة في اليونانية من police المدينة/ الدولة، والسياسة لم تكن تدرك عندهم إلا على أنها مشاركة في الحياة المدنية/ الدولة، وجملة من الحقوق والمسؤوليات والالتزامات يضطلع بها المواطن الحر الذي هو أساس الدولة. وأصبحت السياسة في الأزمنة الحديثة قائمة على ما هو عام ومشترك بين جميع مواطني الدولة ومواطناتها، وجميع طبقاتها وفئاتها الاجتماعية، أي على العلاقات الموضوعية التي تربط الأفراد، وبين الفئات والطبقات الاجتماعية، في الدولة المعنية، وعلى العلاقات الموضوعية التي تربط بين مختلف الأمم والشعوب والدول. ومن ثم، فإن معنى السياسة وثيق الارتباط بمعنى المواطنة، وعلم السياسة وثيق الصلة بنظرية/ نظريات الدولة”([1]).

وبهذا يقدم الجباعي تعريفًا دقيقًا ومختصرًا للسياسة، فهي لديه “علم الدولة” فيقول: “أميل إلى تعريف السياسة عندنا بأنها علم الدولة انطلاقًا من رؤية فكرية وأخلاقية ترتكز على مفهوم العمومية أو الجمهورية التي تتجلى في وحدة القانون وعموميته، والقانون هو روح الشعب وماهية الدولة”([2]). إلا أن البعض بحسب الجباعي يذهب إلى أن علم السياسة أقرب إلى علم السلطة منه إلى علم الدولة، إذ إن مفهوم السلطة أقدم وأوسع نطاقًا من مفهوم الدولة.

ولهذا يرى الجباعي أن هناك اتجاهين أساسيين يتنازعان علم السياسة في الوقت الحالي: أحدهما يرى فيه وسيلة لمعرفة الدولة، بما هي جملة كلية أو وحدة عينية من الأرض والشعب والسلطة السياسية أو النظام العام، والآخر يرى فيه علمًا للسلطة ووسيلة لدراسة آليات عملها بوصفها إدارة عامة. بحسب الاتجاه الثاني، لم تعد تحتكر ممارسة السلطة؛ إذ ينتج المجتمع تنظيمات تحتية في إطار الدولة تولد ظواهر سلطة، وتولد من ثم رؤية جديدة لماهية الدولة التي يغدو من الصعب فهمها من دون معرفة تنظيماتها([3]). فلماذا يربط الجباعي بين مفهومي السياسة والدولة؟ هذا يرجع إلى تصور الدولة لديه، فالدولة كائن عقلي في ذاته، وأيضًا كائن أخلاقي، هو مرآة أخلاقنا الذاتية والموضوعية، لدرجة أننا لا نستطيع معه فصل الذات عن الموضوع؛ لأنه من دون موضوع ليس هنالك ذات، ومن دون موضوعية ليس هنالك ذاتية. ولهذا فالسياسة هي علم الدولة مسعىً دائم لفهم الدولة، بما هي تجريد للعمومية، أي لفهم العلاقات الموضوعية التي أشرت إليها ومفهمتها؛ وقد تكون بعيدة عن مطلب بناء الدولة على النحو الذي ينبغي أن تكون عليه هذه الأخيرة، لأنها في المجال المخصوص لا تبين إلا الكيفية التي ينبغي أن تفهم بها الدولة بوصفها كائنًا سياسيًا وعالمًا أخلاقيًا([4]).

ولهذا السياسة وفقًا للجباعي لها جانب عملي لا يقل أهمية عن الجانب النظري، بل هو أساس الجانب النظري وغايته. ولهذا يمكننا أن نعدّ السياسة هي علم الدولة، من الجانب النظري، وهي علم وفن وإدارة الشؤون العامة، والعمل المتواتر والمتراكم في سبيل تحسين شروط الحياة الاجتماعية، على الصعيد العملي. هذا ينبع من الرؤية الحديثة للسياسة التي تفرض أن للسياسة وظيفة ملازمة للمواطن، وأحد المعاني الأساسية للمواطنة، التي تعني المشاركة في الشأن العام، وفي حياة الدولة وتتضمن الحرية والمسؤولية والمساواة([5]). يتفق الجباعي مع الجابري في أن السياسة جمعت الجانب النظري والعملي، فقد أشار إلى أن السياسة فعل، له محدداته وتجلياته، وهي فعل اجتماعي يعبر عن علاقة قوية بين طرفين يمارس أحدهما على الآخر نوعًا خاصًا من السلطة، هي سلطة الحكم. ومحددات الفعل السياسي بوصفه سلطة تمارس في مجتمع وتجلياته النظرية والتطبيقية، اجتماعية الطابع، تشكل بمجموعها قوام ما ندعوه هنا “العقل السياسي” ([6]).

مع أنني إلى حد ما أتفق مع تعريفه للسياسة بوصفها “علم الدولة” وفقًا لما قدمه الجباعي، إلا أن هذا التعريف على الرغم من دقته إلا أنه عام وفضفاض، فلو أننا مثلًا قلنا إن السياسة هي “علاقة متبادلة بين الأشخاص والدولة” فهذا التعريف اشتمل على علاقة بين الأفراد والسلطة المتمثلة بالدولة، في الوقت ذاته قدم حالة من التفاعل بين الأشخاص والسلطة في ما يعرف بالسياسة، من دون التطرق إلى طبيعة هذا التفاعل هل هو إيجابي أم سلبي.

حينما تطرق الجباعي إلى وضع مفهوم عام للسياسة لم يغب عنه وضع العقل العربي، ولهذا اتخذ من تعريفه وسيلة لتقويم الفهم العربي الذي جاء في شكل نقد لفهمنا العربي للسياسة. وجاء نقده في شكله الآتي:

  1. السياسة في أحد أهم معانيها هي العلم الذي يهتم بدراسة الدولة، فضلًا عن كونها علاقات موضوعية ومشاركة في حياة الدولة. والسياسة في عالمنا العربي أدلوجة قوامها أفكار وتصورات مسبقة وثابتة عن الأمة العربية والدولة القومية العربية أو الإسلامية أو الاشتراكية وشعارات وأهداف ذاتية تمتح من تلك الأفكار والتصورات، وتستمد مشروعيتها منها، لا من الواقع الذي ترفضه رفضًا مطلقًا، وليست مشاركة إيجابية في الحياة المدنية، بل تسلط يقابله إذعان وخنوع وقبول تام أو رفض تام([7]).
  2. ينتقد الجباعي السياسة في عالمنا العربي لأنها لم ترقَ إلى مستوى العمل في سبيل المشاركة في الشأن العام وفي حياة الدولة على قدم المساواة، بدلًا من ذلك عملت في سبيل احتكار السلطة والاستئثار بمنافعها؛ لأنه بحسب الجباعي المحك العملي للعلاقات الجدلية بين الفكر والأخلاق والسياسة هو الممارسة، لا ممارسة السلطات القائمة فقط، وإنما ممارسة الأحزاب السياسية والقوى الاجتماعية المعارضة أيضًا([8]).
  3. يري الجباعي أن مفهوم السياسة غائب عن الثقافة العربية أكان في الماضي أم الحاضر، السياسة بمفهومها تغيب عن الثقافة العربية اللهم إلا من المعنى الذي لا يعني إلا الملك والاستخلاف وقيادة الجماهير. ويرى أن غياب مفهوم السياسة مرتبط بغياب مفهوم الدولة. فهذا الغياب هو ترجمة لغياب فكرة المجتمع وحضور فكرة الجماعة (الهوية)، العائلة الممتدة والعشيرة والقبيلة والطائفة والملة([9]). قد تكون المفهومات المتداخلة للسياسة والخاطئة ترجع إلى أن العقل العربي يتعامل مع المعرفة السياسية التي تنشرها الأنظمة السياسية العربية، على اختلاف توجهاتها معرفة عقائدية أحادية البعد([10]).

وما ساهم في غياب فهم عام مشترك للسياسة في الثقافة العربية هو أن القائمين على السياسة أخفقوا في فهم مجتمعاتهم وفي التعبير عن آمالهم في الحياة السياسية، ولم يتمكنوا من تكوين تيارات واعية تعمل لأجل الإصلاح والمعرفة السياسية؛ ولهذا أصبحت السياسة قاصرة عليهم، معزولة عن القاعدة العريضة من الناس في عالمنا العربي، وأصبح مفهوم السياسة مهجورًا لأنه وفق الفهم العام للمواطنين غير فعال وغير مؤثر في حياتهم. كما أن جزءًا من نظرتنا للسياسة أنه يُنظر إليها وكأنها امتداد لمفهومات أخلاقية، بمعنى أننا نبحث فيها عمّا يجب من دون النظر إلى الواقع الكائن، وهذا يأتي من دائرة القيم التي تجعلنا نرى السياسة في ثوب أخلاقي الأمر الذي يساهم في تكوين نظر وفهم قاصر.

ثانيًا: الأخلاق والتوافق السياسي

يبدأ الجباعي حديثه عن الأخلاق بوصف المجتمع وحده هو مصدر للأخلاق، رافضًا أن يستمد الإنسان قيمه من مصدر خارجي، أو مصدر مفارق أو متعال([11]). ومن أشهر القائلين بهذا الرأي الفيلسوف الفرنسي “أوجست كونت”، “إميل دور كايم”، “ليفي بريل([12]). فإن القيم الأخلاقية ليست فطرية وليست فردية، بل هي نابعة من المجتمع، فالمجتمع يتجاوز إرادة الأفراد إلى أن يصبح ضمير انعكاس لضمير الجماعة، وعندئذ يؤمن الفرد بالأفعال التي يدعها مجتمعه، ويرفض الأفعال التي يرفضها مجتمعه. ويقول دور كايم: “ليس هناك سوى قوة أخلاقية واحدة تستطيع أن تضع القوانين للناس، هي المجتمع”([13]). إذًا مجتمعنا هو مصدر الأخلاق، المجتمع الذي تتشكل منه الدولة، الدولة التي تعدل السياسة، منذ اللحظة الأولى ندرك التماسك بين الأخلاق والسياسة، وهذا لا يعني أن السياسة مصدر الأخلاق وإنما هناك وسيط بينهما هو المجتمع الذي هو مصدر الأخلاق ومنه تتكون الدولة التي هي موضوع السياسة. إلا أن كثيرين في عالمنا العربي يرفضون فكرة أن تكون الدولة عالمًا أخلاقيًا، لأن السياسة قد انفصلت عن الأخلاق، ولأنه ليس من معنى عندنا للأخلاق إلا في دائرة الذاتية التي أصابها ما أصابها من تصدع في المعايير. أما الأخلاق الموضوعية التي تتجلى في بنى المجتمع وتنظيماته وعلاقاته، وتتجلى أكثر ما تتجلى في ماهية الدولة ومبادئها ووظائفها وآليات عملها، فتقع في دائرة الوعي المعتم([14]). بمعنى أن الأخلاق يجب أن تكون حاضرة في جميع جوانب الحياة، بما في ذلك السياسة. فالقائد السياسي الناجح هو الذي يجمع بين الحكمة والشجاعة والأخلاق. وبهذا يعدّ الجباعي الأخلاق قيمة جوهرية في حياة الإنسان والمجتمع، وهي ليست مجرد مجموعة من القواعد التي يجب اتباعها، بل هي تعبير عن عمق الإنسان ووعيه بذاته وبالآخر. يربط الجباعي بين الأخلاق والثقافة بصورة وثيقة، حيث يرى أن الأخلاق تتشكل وتتطور ضمن سياق ثقافي معين، وأنها تعكس قيم ومعتقدات هذه الثقافة.

ويتساءل الجباعي هل من الممكن قطع الصلة أو الصلات التي تربط السياسة بالأخلاق، وهل يمكن قطع الحياة الخاصة للفرد عن حياته النوعية أو حياته الأخلاقية؟

ويري الجباعي أن مكيافيلي هو أول من عمل على الفصل بين السياسة والأخلاق، والدين، وعن اليوتوبيا الأفلاطونية من ناحية أخرى. بوصف أن السياسة بطبيعتها لها مجال مستقل للموضوعات الموضوعية والنظر العقلي والتدبير العلمي، هذا بالإضافة إلى أن طبيعة الدين ذات سلطة مادية ومعنوية على غير الطبيعة السياسية. فقد عملا رجال السياسة والقانون على إظهار الفروق بين السياسة والأخلاق، على نحو ساهم في جعلهما مستقلين ومتعارضين([15]). فصحيح أن مكيافيلي فصل بين الأخلاق والسياسة وربما لأن الأخيرة قائمة على الاهتمام بالسلطة والسعي إليها. كما أن مكيافيلي بحسب اعتقاده أن الأشخاص أشرار ولا يحكمون إلا بالقوة، وهنا نقطة مهمة لا يمكن إغفالها ونحن هنا بصدد تقويم ميكافيلي في حديثه عن السياسة وفق ما قدمها فكانت مرحلة انتقالية أو استثنائية؛ حتى يحقَّق التحرر من المستعمر، وهنا يمكننا تحقيق النظام الجمهوري وفقًا لقيم العدالة والحرية والخير العام([16]). وعلى هذا وبحسب الجباعي إنه لولا الفصل بين السياسة والأخلاق لما أمكن الربط بينهما؛ لأن هذا الفصل ساعد في اكتشاف العلاقة الجدلية بين الأخلاق والسياسة. وربما يكون هذا ما دفع هيغل، إلى أن يصف الدولة بأنها ميدان الحرية الموضوعية والأخلاق الموضوعية، بصفتها “مملكة القوانين” وتجسيدًا للعقل، وكذلك كارل ماركس، الذي وصف الدولة بأنها “الحياة الأخلاقية للشعب” أو “التحديد الذاتي للشعب”. فمن الفصل جاء الوصل([17]). ويطلب إلينا الجباعي النظر إلى حياة الناس حتى يمكن التأكد من التداخل والتكامل بين الأخلاق والفكر والسياسة. فأخلاق الناس معرفتهم وثقافتهم هي سياساتهم، وسياساتهم هي أخلاقهم ومعرفتهم وثقافتهم. فالناس تنظر إلى السياسة من زاوية التعارضات الاجتماعية، بصفتها عوامل نمو وتقدم، من جهة، وبصفتها عوامل ركود وانهيار من الجهة المقابلة، هذا بحسب المجال الذي تجري فيه هذه التعارضات([18]). وللسياسة، دور في العمل على تحسين نوعية الحياة العامة، الأمر الذي يتطلب تحسين النظام الاجتماعي والنظام الأخلاقي والنظام السياسي، حتى تصبح هذه الأنظمة جديرة بالإنسان من خلال تحسين القوانين وجعلها أقرب إلى العدالة، في الوقت نفسه توسيع مجال الحرية مرة تلو مرة، ولولا هذا لكانت السياسة عبارة عن صراعات على السلطة والنفوذ والثروة، ولخلت من أي عنصر عقلاني ومن أي عنصر أخلاقي([19]). إذًا الجباعي يؤمن بالتداخل بين السياسة والأخلاق شأنه في هذا شأن برتراند راسل الذي ذهب إلى أن التداخل بين الأخلاق والسياسة أعمق من التداخل بين الدين والسياسة أو بين العلم والدين، لأن السياسة عنده أحد المصادر الكبرى للقيم الأخلاقية([20]).

يؤكد الجباعي أهمية الأخلاق في توجيه السياسة، فالقيم الأخلاقية هي التي تحدد الأهداف التي تسعى الأنظمة السياسية لتحقيقها. فالأخلاق والسياسة متكاملان، وكل منهما يؤثر في الآخر. فالسياسة الجيدة تحتاج إلى أساس أخلاقي قوي، والأخلاق تحتاج إلى إطار سياسي ملائم لتطبيقها. فالأخلاق هي الضابط الأساسي للسلطة، وتحول دون استغلالها لأغراض شخصية. هي الدافع الأساسي للتغيير الاجتماعي، كما أنها تحفز الأفراد على العمل من أجل تحقيق مجتمع أفضل. ويتفق الجباعي هنا مع فهمي جدعان في كتابه “مرافعات المستقبلات العربية الممكنة” حينما أكد أن المشكلة الأكبر التي تحكم قبضتها على المجتمع العربي تأتي من دائرة القيم([21]). ولهذا فإننا نجد حسن حنفي يرد المشكلة في طبيعة العلاقة بين الأخلاق والسياسة في فكرنا العربي إلى وجود الأخلاق السلبية التي مصدرها التصوف القائم على الطاعة غير المبررة والزهد والتوكيل السلبي والقناعة([22]).

وهنا لا بد من توضيح نقطة وهي أن مفكرنا الجباعي لم يقدم تعريفًا للأخلاق وإنما اعتمد على فهمنا العام لمعايير الصواب والخطأ، مع أن هذه المعايير نسبية وغير عامة، هذا من جانب، ومن جانب آخر حاول أن يقدم طرحًا يوضح فيه مدى الترابط بين الأخلاق والسياسة، فقد جاء طرحه عامًا مبنيًا على أن حياة الأشخاص جمعت بين الأخلاق والسياسة، وكأنه أغفل الواقع المعاصر بما يحتوي عليه من التعارض بين السياسة والأخلاق، فأزمة الإنسان هي انعدام الترابط الذي يشير إليه الجباعي، هذا بدوره يجعلنا ندرك أن الجباعي يبحث في دائرة القيم المثالية أو ما ينبغي أن يكون، تاركًا الواقع بما فيه من تعارض صارخ، الأمر الذي يعني أن الجباعي يطرح فكرًا نظريًا فقد البعد العملي الذي يمكنه من مد جذور له في الأرض. وربما عمل الجباعي على الجمع بين الأخلاق والسياسة والتركيز على هذا لأنه أراد أن يجعل من الفرد شخصًا مسؤولًا يشارك في الحياة الاجتماعية ذات البعد السياسي، وخاصة أن المشاركة عنده مهمة وعدّها سياسة بشق عملي. فالجباعي لديه مشكلة كبرى شأنه شأن النخب العربية هي محاولة فرض سيطرة الأخلاق على السياسة، وجعل كل ما في حياتنا مردّه إلى الأخلاق من دون محاولة فصل بين المجالات كالأخلاق والسياسة وربما يرجع هذا إلى طبيعة تكوين العقلية العربية، حتى أن الجابري جعل الأخلاق هي المحرك للتاريخ العربي. وكذلك وائل الحلاق الذي يرجع قوة الأخلاق إلى كونها مستمدة من الشريعة.

ثالثًا: الفكر وأبعاده

وبحسب الجباعي، ترتكز وظيفة الفكر في قدرتها على اكتشاف العنصر العقلي أو العناصر العقلية في الظواهر، الطبيعية منها والإنسانية، وفي التشكيلات والمنظومات الاجتماعية والنماذج والأنساق الثقافية والخطابات السياسية… وبحسب تعبير الجباعي العنصر العقلي هو المبدأ أو القانون المحايث لجميع الظواهر، في صغائرها وكبائرها على السواء، وهو مبدأ وحدتها الجدلية، وينفي كونه مقحمًا عليها من خارجها. فمعرفة المحايثة وإدراكها هو الذي منع الفكر من التعسف والهوى والاعتباط. وهذه المحايثة ماهي إلا العلاقة أو العلاقات الضرورية، الداخلية والخارجية، التي تجعل الظاهرة المعنية ما هي عليه، وما يمكن أن تصير عليه. والقانون الذي ينظم الحياة الاجتماعية هو ماهية الدولة الأمة، وروح الشعب، ومحصلة علاقاته الموضوعية ذات الطابع الجدلي، وخلاصة حياته الأخلاقية التي تحددها عملية الإنتاج الاجتماعي، المادي والروحي، في صيغة علاقات وبنى اجتماعية وعلاقات إنتاج تناقضية، تناقضها جدلي بالضرورة؛ لذلك لا يمكن أن ينفك القانون، بوصفه موضوع السياسة وموضوع الفكر، عن مضمونه الأخلاق المحايث للعلاقات والبنى الاجتماعية ولعلاقات الإنتاج، ولا يستقيم أن تضعه أو تفرضه رغبة ذاتية، أو إرادة جزئية، إرادة طبقة أو عشيرة أو طائفة أو حزب أو طغمة، لأن القانون لا يجوز أن يصدر عن إرادة جزئية وغير قانونية، ولا يجوز أن يصدر عن رغبة أو هوى، إلا كان تناقضًا في ذاته([23]). أي أن الفكر عند الجباعي هو العملية العقلية التي تتضمن التفكير، التحليل، التقويم، والإبداع. وهو الأساس الذي تنطلق منه الأخلاق والسياسة.

فالفكر هو الأساس. الفلسفة والبحث الفكري يقدمان إطارًا للعمل الأخلاقي والسياسي، فالفكر السليم يساهم في تشكيل رؤية واضحة ومنهجية للتعامل مع قضايا الحياة المختلفة. ويضيف هذا المعنى قائلا: “التفكير في مفهوم الأمة هو التفكير في نظام أخلاقي أو نسق أخلاقي يعد الخلاصة الروحية والأخلاقية للنظام الاجتماعي، وأساس النموذج الثقافي، وأساس النظام السياسي، فإذا ما اختل هذا الأساس أو تزعزع تختل الدولة وتتزعزع، وينفرط العقد الاجتماعي. فإن مبادئ الدولة/ الأمة الحديثة هي الحرية والمساواة والعدالة، وهذه مبادئ أخلاقية بالتساوي بقدر ماهي مبادئ عقلية بالتساوي، ومن ثم فإن مفهوم الأمة ومفهوم النظام الأخلاقي ومفهوم الوعي الأخلاقي ليست مفهومات نافلة أو قليلة القيمة. فليس ثمة أمة بلا وعي أخلاقي ونظام أخلاقي، وهذان الوعي والنظام لا يفترضان نظريًا، وليسا شرطين ذاتيين مسبقين، بل يتشكلان وينموان طردًا مع تشكل الأمة الحديثة ونموها وتشكل دولتها الوطنية، دولة الحق والقانون في الوقت ذاته”([24]).

يرى محمد الجابري أنه لا يمكن حدوث نهضة من دون أن يكون للفكر مكانه، وأن يكون العقل ناهضًا. عقل يعمل مراجعة مفاهيمه وآلياته وتصوراته التي يخضعها للنقد، فالفكر عند الجابري هو كأداة تعبر عن المبادئ والمفاهيم وآليات تكونت في وعينا منذ الصغر([25]). وهذا ما عبر عنه الجباعي عندما جعل الفكر شاملًا للنقد، والابداع، والتقويم، وكأنه يطرح عملية كاملة من مراجعة الذات وأفكارها وفقًا لمعايير العقل. وتحليلنا العقلي لمسلماتنا السياسية هو سبيلنا لتبين ما هي عليه من خطأ أو صواب، ويجب علينا أن نراجع مسلماتنا السياسية مراجعة منهجية مستمرة انطلاقًا من الواقع، وبصورة متدرجة وهادفة إلى أفكار جديدة، وعلم السياسة هو علم المراجعة المنهجية المستمرة أو هو علم النقد المنهجي الدائم المستمر للمسلمات والأحوال والأنظمة السياسية([26]). فقد قدم الجباعي من خلال ما سبق العلاقة الثلاثية بين الأخلاق والسياسة والفكر والتي يمكن أن تكون باختصار شديد كالآتي: الفكر كأساس للأخلاق والسياسة حيث إن الأفكار هي التي تشكل قيمنا ومعتقداتنا، والتي بدورها تحدد سلوكنا وأخلاقنا. ومن ثم تصبح الأفكار هي بمنزلة المحرك الأساسي للعمل السياسي. هذا وقد أشار الجباعي إلى مدى أهمية الفكر من خلال تناوله الحامل التاريخي للثقافة والأخلاق والسياسة والذي يعني به الإطار الزمني والثقافي والاجتماعي الذي تشكل فيه الأفكار والقيم والمعتقدات. وهو السياق الذي نشأت فيه الثقافة والسياسة والأخلاق، وتأثرت بتجارب المجتمع عبر الزمن.

ولهذا فإن كانط يحسب أن الإنسان مزود بقدر كاف من العقل يتيح له أن ينجز بحرية وبنجوع مصيره في العالم. يقول: “اطلبوا بالدرجة الأولى سيادة العقل العملي المحض وعدالته تتحقق لكم عندئذ غايتكم من تلقاء ذاتها” والواجب وحده، في الحق هو الذي يستطيع أن يرفد الحرية بقوانين من شأنها أن تكون نافعة وعادلة على صعيد الأخلاق وعلى صعيد السياسة معًا([27]).

رابعًا: العلاقة بين السياسة والأخلاق والفكر

ويقول الجباعي: “العلاقة السببية المتخيلة بين الفكر والأخلاق والسياسة في العالم الذي تبنيه النظرية في رؤوس أصحابها، تؤكد العلاقة الإيجابية والضرورية بين هذه الأقانيم الثلاثة في العالم الفعلي، عالم الأعيان والمشاهدة”([28]). فالأخلاق، مثل الثقافة، بل هي جوهر الثقافة، هي “ما يتبقى بعد أن ننسى كل شيء”. هي محتوى العلاقات، التي تربطنا بأخريات وآخرين، عفوية أكانت هذه العلاقات أم قصدية؛ هي السلطة، التي نمارسها على أنفسنا، وعلى غيرنا؛ هي ضمائرنا العميقة ومضمراتنا إزاء العالم، إزاء الطبيعة والمجتمع والإنسان، وإزاء المرأة بصورة خاصة، وضمير المرأة إزاء الرجل. فالأخلاق ثقافة بالقوة، وسياسة بالقوة، والثقافة أخلاق بالفعل والسياسة أخلاق بالفعل. بمعنى أن: العلاقات البينية، العلاقات البين ذاتية، والعلاقات الهوويّة أيضًا، هي معيار الثقافة والسياسة والأخلاق. العلاقات البين ذاتية والعلاقات الهوويّة تعينان نوعين من الأخلاق، تكمن الحكمة كلها في تمييز أحدهما من الآخر، في كل علاقة وفي أي وقت، وفي وعي الحاجات والغايات([29]).

فالأخلاق والسياسة تتشابك مع الوعي بالأنا كما يرى ريمون بولان من أن الأخلاق والسياسة تنتظمان في سلك مقالات تأملية، وهي تخاطب كل إنسان ما يستطيع وعيه، فالأخلاق والسياسة تتصلان بالأنا كما تعرب عن نفسها إزاء الآخرين من حيث مقاصدها وأعمالها. فالأخلاق تنظر إلى الأنا بوصفها فاعلًا واعيًا ذا استقلال ذاتي، ننظر إليها بوصفها نياتها وأفعالها، على الرغم من أن هذا الاستقلال الذاتي على مستوي العلاقات بين الأفراد يقدم الفاعل المستقل ذاتيًا عن الآخرين حتى ولو كان يتحرك بدافع من قوى وجوده العميق([30]).

والسلطة هي بنت الاجتماع البشري، حيث إنها نشأت بنشوئه وتنتفي بانتفائه، وتصلح بصلاحه، وتفسد بفساده. أي هي “علاقات قوة” فعناصرها قائمة في العلاقات المتبادلة بين الأفراد، في جميع مجالات الحياة. تبادلًا أو تكافؤًا، أو أقرب إلى التكافؤ، كما في حالات المودة والألفة والصداقة والمحبة، أو غير متكافئ، وهذا هو الأغلب والأعم. فلا تزول السلطة إلا بزوال التبادل، كما أنها تتغير بتغير شروطه وتغير طبيعته. وكلما مال التبادل نحو التكافؤ، وخاصة تبادل الأفكار والمعاني والقيم، تضمر العلاقات الهوويّة وتنمو إنسانية الذوات وعمليات التذوات، ويميل المجتمع المعني نحو الاندماج والاستقرار والتماسك. هذا، لأن الوجه الآخر للتبادل، في أي مجتمع، هو التشارك الحر والمبدع في سيرورة تشكل المجتمع، التي لا تتوقف، ولا تكتمل. السلطة هي مرآة العلاقات الاجتماعية، في أي مجتمع([31]). ومما سبق يشير الجباعي إلى رفضه السياسة السلطوية التي يشعر معها الأفراد بأن عليهم أن يطيعوها، إنما حديثه عن السياسة المجتمعية التي تميل إلى التوافق بين الأفكار والقيم، فهو يرفض السياسة المنفردة بعيدًا من التوافق المجتمعي القائم على التشارك الحر وعلى الاندماج لتتحول هنا السياسة إلى سلطة معبرة عن طبيعة العلاقات القائمة في المجتمع.

ويعود الجباعي ليتناول الفلسفة، في العصور الكلاسيكية، التي لم تفصل بين العلم والفن والدين والأخلاق، فالفلسفة كانت شاملة لجميع العلوم الموجودة في ذاك الوقت حتى إنه يصعب علينا القول: إن الطبيعيات والإلهيات والأخلاقيات والجماليات كانت المسائل الرئيسة الشاغلة للفلسفة. فصحيح أن أفلاطون منذ اللحظة الأولى رفض وجود الشعراء في دولته المثالية، إلا أنه لم يرفض الشعر في حد ذاته باعتبار أن الشعر يقدم رؤية جمالية وأخلاقية في العالم([32]).

ليس بوسعنا أن نفهم طبيعة الإنسان إذا لم نفهم طبيعة المجتمع البشري، واختلاف المجتمعات وتطورها المستمر، فليس في المجتمع والدولة شيء ليس موجودًا في الإنسان بالقوة أو بالفعل. وليس بوسعنا أن نفهم الخصائص المشتركة بين مجموعة من الأفراد، إناثًا وذكورًا، وسر علاقاتهم المتبادلة إذا لم نفهم المجتمع الذي يعيشون في كنفه، المجتمع الذي ينتجونه وينتجهم([33]). يمثل الفكر الحالة التي تتشكل فيها المفاهيم والتصورات السياسية بين النظرية والممارسة، فالواقع هو الذي ينتج والفكر يتأمل ويكون نظريته الكاملة التي تتضمن وجود مبدأ المعقولية([34]).

لهذا يرى الجباعي أن الأمل لنا في المجتمعات العربية هو إنتاج علاقة سليمة بين الفكر والأخلاق والسياسة. ولكي يتحقق هذا الأمل يجب علينا إعادة تعريف السياسة باعتبارها وظيفة اجتماعية وأخلاقية أساسية للمواطن، وهذا بدوره يتطلب جملة من الحقوق والواجبات والالتزامات التي من المفروض على هذا المواطن القيام بها باعتباره عضوًا في جماعة سياسية([35]).

فقد رأى الجباعي أن الثقافة والسياسة والأخلاق هي نسيج الحياة الاجتماعية، وأساس وحدة المجتمع وأساس الوحدة الوطنية، وهم معًا جوهر عملية الإنتاج الاجتماعي، هذا على عكس التعليم الذي خلق من عملية الإنتاج الاجتماعي “بنية تحتية”، ومن الثقافة والسياسة والأخلاق، “بنية فوقية”، ذلك أن عملية الإنتاج الاجتماعي، مفهومة فهمًا صحيحًا، محكومة بالعوامل الثقافية والسياسية والأخلاقية، ومحددة بها، بقدر ماهي حاكمة ومؤثرة فيها([36]).

ويدعم الجباعي فكرة التكامل بين الأخلاق والسياسة من خلال الرجوع إلى محاورة الجمهورية والاعتماد على ما أشار إليه أفلاطون من توضيح الفرق بين الفرد الطبيعي، أو الكائن الاجتماعي، وبين المواطن؛ فالشخص الأول تحركه حاجاته ومصالحه ورغباته وأهواؤه ونزواته الشخصية. هذا الكائن الاجتماعي يعبر عن كل واحد منا في سلوك حياته اليومي. أما الثاني، فهو المواطن الذي يتطلع إلى الحرية والعدالة والمساواة. وهذا أيضًا يعبر عن أي واحد منا، ولكن بشرط أن يخرج هذا الفرد من قوقعته الفردية المغلقة، أو أن يخرج من جلده المغطى بالأشواك، كجلد القنفذ، ويرى ذاته في الآخر كائنًا عاقلًا وأخلاقيًا. وعلى هذا الفرد الطبيعي أو الاجتماعي، هو أساس المجتمع المدني؛ والمواطن هو أساس الدولة السياسية. فالمواطن هو إذًا الفرد الطبيعي والاجتماعي، هو أيضًا كائن سياسي وأخلاقي من طبيعة الدولة ذاتها هذا بوصف (الدولة كائنًا سياسيًا وأخلاقيًا، أو مجتمعًا سياسيًا عموميًا). وعليه فإن المواطن كائن سياسي وأخلاقي من طبيعة الدولة، بوصفها كذلك، أي بوصفها كائنًا سياسيًا وأخلاقيًا([37]).

أبرز جوانب هذه الجدلية عند الجباعي:

  1. الحرية والضرورة: يرى الجباعي أن الفكر الإنساني يتحرك بين قطبي الحرية والضرورة. فمن جهة، يتمتع الإنسان بحرية التفكير والإبداع، ومن جهة أخرى، يخضع تفكيره لعوامل اجتماعية وثقافية وسياسية تحد من حريته. وهذه الجدلية بين الحرية والضرورة تنعكس على الأخلاق والسياسة، فالأخلاق ليست مجموعة من القواعد الجامدة، بل هي نتاج تفاعل بين الحرية الفردية والضرورات الاجتماعية.
  2. التوازن بين المعاني والقيم: يؤكد الجباعي أهمية تحقيق التوازن بين المعاني والقيم في الحياة الاجتماعية والسياسية. فالقيم هي المبادئ التي نؤمن بها، والمعاني هي التعبير عن هذه القيم في الواقع. وعندما يتحقق هذا التوازن، ينشأ مجتمع متماسك ومتحضر.
  3. السياسة كصراع بين القوى: يرى الجباعي أن السياسة هي صراع بين القوى الاجتماعية المختلفة، ولكل قوة مصالحها الخاصة. ولكي تكون السياسة عادلة، يجب أن تكون هناك آليات تضمن تمثيل جميع القوى الاجتماعية، وأن تحترم حقوق الأقلية.
  4. دور الفكر في التغيير الاجتماعي: يؤمن الجباعي بدور الفكر في إحداث التغيير الاجتماعي. فالأفكار الجديدة قادرة على تحويل المجتمعات، ولكن هذا يتطلب تضافر الجهود بين المثقفين والسياسيين([38]). ربما هذا ما عبر عنه الجابري حينما أشار إلى العقل السياسي الذي يعمل على محددات الفعل السياسي وتجلياته وتخضع جميعًا لمنطق داخلي يحكمها وينظم العلاقات بينها، منطق قوامه “مبادئ” وآليات قابلة للوصف والتحليل([39]).

وإذا كانت السياسة وظيفة ملازمة للمواطن، فإن هذه الوظيفة تظهر بصورة أساسية، في تمكن المواطن من الدفاع عن حقوقه وحريته، ومدى قدرته على تحسين شروط حياته، وتحسين شروط عمله، والحفاظ على صحته وسلامة بيئته ونظافتها، وحصوله على القدر الذي يريده من المعرفة والثقافة، وتنمية قدراته ومواهبه، والاستمتاع بأوقات فراغه، والحرية في إشباع حاجاته المادية والروحية، والعيش كيفما يشاء من دون ضغط أو إكراه من أي سلطة، هذا غير الوظائف الاجتماعية التي يمكن المجتمع أن يقوم بها، وإلا فعلى الدولة أن تقوم بها. فجميع وظائف الدولة هي وظائف اجتماعية لا يمكن للمجتمع أن يقوم بها وحده([40]). ويعرض الجباعي بعض الأمثلة التي توضح مدى الترابط بين الأخلاق والسياسة والفكر.

  1. الفكر والإصلاح السياسي: يشير الجباعي إلى أن الفكر الإصلاحي يؤدي دورًا في تطوير سياسيات تدعم العدالة الاجتماعية. على سبيل المثال، الأفكار التي تدعو إلى المساواة وحقوق الإنسان يمكن أن تُترجم إلى سياسات تدعم الحقوق المدنية وتحد من الفساد.

المثال: الأفكار الإصلاحية التي قدمها الفلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو في العصور القديمة والتي لا تزال تؤثر في الفكر السياسي اليوم. ويمكن رؤية أثر هذه الأفكار في الأنظمة السياسية الحديثة التي تسعى لتحقيق العدالة والمساواة. فأرسطو تحدث عن حكومة تسعى لتحقيق الخير العام، وهذه الفكرة يمكن أن تترجم اليوم إلى سياسات تركز على توزيع الموارد على نحو عادل ومنصف.

  1. الأخلاق والحكم الرشيد: من خلال القيم الأخلاقية مثل النزاهة والشفاهية، يمكن أن يتخذ القادة السياسيون قرارات تعود بالنفع على المجتمع ككل. قد يسلط الجباعي الضوء على ضرورة أن يكون القائد السياسي مثالًا يحتذى به في الأخلاق، الأمر الذي يؤثر إيجابيًا في المجتمع ويعزز الثقة بين الشعب والحكومة.

المثال: في العصر الحديث، نجد شخصيات سياسية مثل نيلسون مانديلا الذي جسد القيم الأخلاقية مثل النزاهة والشجاعة والعدالة في سياساته. قاد مانديلا جنوب أفريقيا نحو المصالحة والسلام بعد سنوات من الفصل العنصري، معتمدًا على قيم أخلاقية قوية، فمن خلال تبني هذه القيم، كان قادرًا على كسب ثقة الشعب وتعزيز الوحدة الوطنية.

  1. الفكر والنقد الاجتماعي: الأفكار النقدية تُستخدم لتحديد ومعالجة القضايا الاجتماعية والسياسية. قد يستخدم الجباعي النقد كوسيلة لتحليل وتقويم السياسات القائمة ومدى توافقها مع القيم الأخلاقية

المثال: على مدى التاريخ، أدى النقد الاجتماعي دورًا كبيرًا في حفز التغييرات السياسية الاجتماعية. ماركس وإنجلز استخداما النقد الاجتماعي في كتابهما “البيان الشيوعي” لتحليل وتفسير التفاوتات الطبقية والسعي نحو العدالة الاجتماعية. أفكارهما أثرت في الحركات العمالية والسياسات الاجتماعية في القرنين التاسع عشر والعشرين([41]).

خامسًا: القانون؛ نماذج على التكامل بين الفكر والسياسة والأخلاق

يعدّ الجباعي من المفكرين الذين يربطون بين مختلف جوانب الحياة الإنسانية، ويهتم على نحو خاص بالعلاقة بين الأخلاق والفكر والسياسة والتشابك بينها وبين القانون. فالنقطة الرئيسة التي يتقاطع فيها الفكر والأخلاق والسياسة هي القانون الوضعي، بصفته العامة والمجردة. وبصفته قانونًا متعينًا في دستور وفي مدونة قانونية، تشمل القانون المدني والقانون الجزائي وغيرهما من القوانين التي تنظم الحياة الاجتماعية وتوفر لها الأمن والاستقرار والازدهار([42]).

ويرى الجباعي أن القانون في حقيقته هو تعبير عن مكنون الشعب أو عن روحه، وتجريد لعلاقاته الاجتماعية الضرورية، ومدلول عما هو عام ومشترك بين جميع أفراده وفئاته الاجتماعية، يؤكد الجباعي أن ما هو عام ومشترك ما هو إلا العنصر العقلي والاخلاقي القائم بالضرورة في جميع أفراد الشعب وفي جميع طبقاته الاجتماعية. لأن القانون مثله مثل الشعب يعبر عن درجة نموه وتطوره، إلا أن هذا لا ينفي أن تكون هناك قوانين جائرة تلبي مصالح فئة على حساب فئات أخرى، لا يمكن أن يرفع جورها إلا الشعب نفسه، عن طريق المؤسسة التشريعية التي يعاد انتخابها كل بضع سنوات، في ظل حياة سياسية سليمة. ومن ثم، فإن جذر مشكلاتنا لا يكمن في القوانين الجائرة، بل في غياب القانون أو تغييبه، وفي ازدراء القانون والحؤول دون صيرورته لحمة النسيج الاجتماعي، بتغليب منطق الامتيازات والولاءات الإثنية والدينية والمذهبية والحزبية والشخصية، باسم الثورة مرة، وباسم المصلحة القومية العليا مرة أخرى، أو باسم حكمة أعلى من حكمة الشعب وإرادة أقوى من إرادته وغالبًا ما يستمد القانون مبادئه من القيم الأخلاقية السائدة في المجتمع. فمفهوم العدالة والإنصاف، مثلًا، هو أساس عديد من القوانين. والقانون يعمل على تجسيد القيم الأخلاقية في شكل قواعد ملزمة، ما يساهم في تحقيق الاستقرار والنظام في المجتمع([43]).

وبحسب الجباعي فالدولة لا بد لها من أمرين هما: سيادة الشعب وسيادة القانون الوضعي، الأولى تعني خروج السلطة التشريعية السيدة عن الشعب خروجًا مباشرًا عن طريق الانتخاب الحر، والثانية تعني تحقق العقد الاجتماعي، الذي تقره السلطة التشريعية وتسهر على تنفيذه والذي من جوهر مبدئه الحرية ومضمونه هو الحق وشكله هو القانون، تفعيل مبادئه العامة على الحاكمين والمحكومين على الأغنياء والفقراء وعلى الأقوياء والضعفاء على قدم المساواة([44]). فالسلطة السياسية هي المسؤولة عن سن القوانين وتعديلها. وتتأثر هذه القوانين بالاعتبارات السياسية، مثل مصالح الأطراف المختلفة والرؤى الأيديولوجية. ويستخدم القانون لتحقيق أهداف سياسية معينة، مثل حماية النظام السياسي أو تعزيز مصالح فئة معينة. وهناك تفاعل مستمر بين القانون والسياسة، حيث تؤثر السياسة في تشكيل القانون، ويؤثر القانون في توجهات السياسة.

فالقانون هو طريق متصل بين الأخلاق والسياسة؛ لأنه من خلاله توضَع القواعد الحاكمة للمجتمع البشري، وهذه القواعد هي أداة قسرية لتنظيم السلوك بين الأفراد، هنا يجب أن تكون هذه القواعد على توافق مع الأخلاق التي تضمن قبولها بين الأفراد. فالأفكار الفلسفية والاجتماعية تؤدي دورًا مهمًا في تشكيل القوانين. فالأفكار الليبرالية، مثلًا، أدت إلى ظهور قوانين تحمي الحريات الفردية. ويعكس القانون في كثير من الأحيان العقلية السائدة في المجتمع، والأفكار التي تهيمن على النخب الفكرية. كما أن الفكر يتطور بمرور الزمن، ومن ثم تتغير القوانين لتتلاءم مع الأفكار الجديدة. ويؤكد الجباعي أن هناك علاقة وثيقة ومتشابكة بين الأخلاق والفكر والسياسة والقانون. الفكر هو الأساس الذي يبنى عليه كل شيء، والأخلاق هي انعكاس لهذا الفكر، والسياسة هي التطبيق العملي للأفكار، والقانون هو أداة لتنفيذ السياسات وحماية القيم الأخلاقية.

إلا أن هناك وجهة نظر مغايرة ترى أن النظام السياسي لا يضع القوانين إلا ما يحدد قيمة سلوك الشخص بالنسبة إلى المجتمع أي بالنظر إلى عواقب هذا السلوك وآثاره بالنسبة إلى المجتمع نفسه من حيث تحقيق مصلحة هذا المجتمع ونفعه وأمنه. ومن هنا كان قيام الأخلاق على أساس تحقيق قيم شخصية عالية وإقامة القوانين السياسية على أساس تحقيق قيم اجتماعية نفعية معينة، إذ الأخلاق تخضع الفرد للجماعة في سعيها الحثيث نحو تحقيق مصالحها وإقامة النظام والاستقرار فيها، ولهذا قيل إن القانون أو النظام السياسي هو نظام اجتماعي، بينما الأخلاق نظام فردي أو شخصي، ذلك أن القانون يستهدف تحقيق العدل في حين أن الاخلاق تستهدف تحقيق الخير والرحمة([45]). فالنظامان يتحدان في الظاهر إلا أنها يختلفان في الواقع، فإذا كانا معًا يحرمان القتل فالهدف متباين: القانون – ينظر إلى عواقب القتل الاجتماعية، وما لها من أثر وخيم في أمن المجتمع واستقراره.

بينما تنظر الأخلاق إلى المستوى الذي تنحدر إليه النفس البشرية وما تنغمس فيه من شرور ورذيلة، فالقانون حين يحرم القتل إنما يحرمه بوصفه حارس المجتمع من كل ما يخل بأمنه واستقراره، بينما حين تحرمه الأخلاق فإنما تحرمه بوصفها حارسة للفرد ضد ما تحدثه به النفس الأمارة من شرور، ومعنى ذلك أن سلوك الفرد هو الذي يوصف بأنه أخلاقي أو غير أخلاقي لأن (مواصفات) الفعل الخلقي لا تنطبق إلا على سلوك الفرد([46]). هذا إلى جانب أن القانون يقتصر على تنظيم السلوك الخارجي للأفراد في المجتمع تاركًا لقواعد الدين والأخلاق تهذيب الأمور الداخلية التي تتعلق بالعواطف والنوايا، وبذلك لا يعاقب القانون على مجرد التفكير في الجريمة، بل لا بد من وجود سلوك خارجي يدل عليها مثل البدء في التنفيذ أو القيام بالتحضير([47]).

في الختام، يمكن القول إن جاد عبد الكريم الجباعي يقدم رؤية متكاملة ومتماسكة للعلاقة بين الأخلاق والفكر والقانون والسياسة. هذه الرؤية تساهم في فهم أعمق للواقع السياسي والمجتمعي، وتقدم أدوات لتحليل التحديات التي تواجه مجتمعاتنا. فإن فهم جدلية العلاقة بين السياسة والأخلاق والفكر عند جاد الكريم الجباعي يفتح لنا آفاقًا جديدة لفهم العالم من حولنا، ويساعدنا في المشاركة الفعالة في بناء مجتمع أكثر عدلًا ومساواة.

قائمة المصادر والمراجع

أولًا، المصادر

1- الجباعي. جاد الكريم، الطريق إلى الديمقراطية، ط 1، (دمشق، 2007).
2- ____، من الرعوية إلى المواطنة، ط 1 (دمشق، 2013).
3- ____، وردة في صليب الحاضر نحو دولة وطنية عروبة ديمقراطية، ط 2 (دمشق، 2018).

ثانيًا، المراجع

1- أبو الليل، إبراهيم، محمد الألفي. المدخل إلى نظرية القانون ونظرية الحق (مطبوعات جامعة الكويت، 1986).
2- عبد الفتاح إمام. إمام، الأخلاق والسياسة دراسة في فلسفة الحكم (القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2001).
3- راسل. برتراند، المجتمع البشري: في الأخلاق والسياسة، عبد الكريم أحمد (مترجم)، حسن محمود (مراجع) (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1960).
4- صعب. حسن، مقدمة لدراسة علم السياسة (بيروت: دار العلم للملايين، 1964).
5- حنفي، حسن، محمد عابد الجابري. حوار المشرق والمغرب (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1990).
6- عبد الحميد. حمد نجدي، القيم بين النسبية والثبات: دراسة في المصادر النتائج، (القاهرة: حولية كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين جامعة الأزهر، د.ت).
7- الحاج صالح. رشيد، الوجه السياسي للثقافة العربية المعاصرة، ط1 (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2012).
8- بولان. ريمون، الأخلاق والسياسة، عادل العوا (مترجم) (دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1992).
9- بدوي. عبد الرحمن، الأخلاق النظرية (الكويت، وكالة المطبوعات، 1976).
10- حجازي. عبد الحي، المدخل لدراسة العلوم القانونية وفقًا للقانون الكويتي (مطبوعات جامعة الكويت، 1972).
11- جدعان. فهمي، مرافعات المستقبلات العربية الممكنة (القاهرة: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016).
12- عابد الجابري. محمد، العقل السياسي العربي “محدداته وتجلياته” (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000).
13- ____، إشكاليات الفكر العربي المعاصر (مركز دراسات الوحدة العربية، 2005).
14- مكيافيلي. نيقولا، الأمير، أكرم مؤمن (مترجم) (القاهرة: دار ابن سينا، 2004).

1- ()- جاد الكريم الجباعي، وردة في صليب الحاضر نحو دولة وطنية عروبة ديمقراطية، ط 2 (دمشق: 2018)، ص 80.
2- ()- المرجع نفسه، ص 82.
3- ()- المرجع نفسه، ص 81.
4- ()- المرجع نفسه، ص 82.
5- ()- جاد الكريم الجباعي، الطريق إلى الديمقراطية، ط 1 (دمشق: 2007)، ص 42.
6- ()- محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي “محدداته وتجلياته” (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص 6.
7- ()-الجباعى، وردة في صليب الحاضر، ص 79-80.
8- ()- المرجع نفسه، ص 180.
9- ()- جاد الكريم الجباعي، الانعتاق السياسي: المسألة اليهودية نموذجًا، 23 أيلول/ سبتمبر 2024
https://elias-morcos.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%b9%d8%aa%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-
10- ()- رشيد الحاج صالح، الوجه السياسي للثقافة العربية المعاصرة، ط 1 (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2012)، ص 74.
11- ()- جاد الكريم الجباعي، من الرعوية إلى المواطنة، ط 1 (دمشق: 2013)، ص 243.
12- ()- عبدالرحمن بدوي، الأخلاق النظرية، (الكويت: وكالة المطبوعات، 1976)، ص 7-8.
13- ()- حمد نجدي عبد الحميد، القيم بين النسبية والثبات: دراسة في المصادر النتائج، (القاهرة: حولية كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين جامعة الأزهر ، د.ت)، ص 366.
14- ()- الجباعي، وردة في صليب الحاضر، ص 82.
15- ()- جاد الكريم الجباعي، من الرعوية إلى المواطنة، ص 243.
16- ()- نيقولا مكيافيلي، الأمير، أكرم مؤمن (مترجم) (القاهرة: دار ابن سينا، 2004)، ص 125.
17- ()- الجباعي، من الرعوية إلى المواطنة، ص 244.
18- ()-الجباعي، الانعتاق السياسي.
19- ()-الجباعي، وردة في صليب الحاضر، ص 174-175.
20- ()- برتراند راسل، المجتمع البشري: في الأخلاق والسياسة، عبد الكريم أحمد (مترجم)، حسن محمود (مراجع) (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1960)، ص 19.
21- ()- فهمي جدعان، مرافعات المستقبلات العربية الممكنة (القاهرة: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016)، ص 411.
22- ()- حسن حنفي ومحمد عابد الجابري، حوار المشرق والمغرب (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1990)، ص 62.
23- الجباعي، وردة في صليب الحاضر، ص 174.
24- ()- المرجع نفسه، ص 166.
25- ()- محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، (مركز دراسات الوحدة العربية، 2005)، ص51.
26- ()- حسن صعب، مقدمة لدراسة علم السياسة (بيروت: دار العلم للملايين، 1964)، ص 18.
27- ()- ريمون بولان، الأخلاق والسياسة، عادل العوا (مترجم) (دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1992)، ص 30.
28- ()-الجباعي، وردة في صليب الحاضر، ص 185.
29- ()-الجباعي، الانعتاق السياسي.
30- ()-بولان، الأخلاق والسياسة، ص 53-54.
31- ()-الجباعي، الانعتاق السياسي.
32- ()-الجباعي، من الرعوية إلى المواطنة، ص 245.
33- ()- المرجع نفسه، ص 248.
34- ()-بولان، الأخلاق والسياسة، ص 14.
35- ()-الجباعي، الطريق إلى الديمقراطية، ص 40.
36- ()- المرجع نفسه، ص 45.
37- ()- المرجع نفسه، ص 42.
38- ()-الجباعي، من الرعوية إلى المواطنة، ص 245-255.
39- ()-الجابري، العقل السياسي العربي، ص 7.
40- ()- جاد الكريم الجباعي، الطريق إلى الديمقراطية، ص 45.
41- ()-الجباعي، وردة في صليب الحاضر، ص 81-87.
42- ()- المرجع نفسه، ص 180.
43- ()- المرجع نفسه، ص 175.
44- ()- المرجع نفسه، ص 181-182.
45- ()- عبد الحي حجازي، المدخل لدراسة العلوم القانونية وفقًا للقانون الكويتي (مطبوعات جامعة الكويت، 1972)، ص 160.
46- ()- إمام عبد الفتاح إمام، الأخلاق والسياسة دراسة في فلسفة الحكم، القاهرة (المجلس الأعلى للثقافة، 2001)، ص 74.
47- ()- إبراهيم أبو الليل، محمد الألفي، المدخل إلي نظرية القانون ونظرية الحق، مطبوعات جامعة الكويت، 1986، ص.13.

  • باحثة في مجال الفلسفة السياسية المعاصرة، ليسانس آداب قسم فلسفة، ماجستير في الفلسفة السياسية عام 2019، دكتوراه في الفلسفة السياسية عام 2023. لها مجموعة من الدراسات نشرت في مجلات مصرية وعربية.

مشاركة المقال: