مقدمة
يحظى مفهوم الاندماج بمكانة كبيرة في الفكر السوسيولوجي، ولعلّ السبب الأبرز وراء أهمية هذا المفهوم واهتمام الباحثين والدارسين في علم الاجتماع بدراسته يعود إلى كونه شرطًا أساسيًا لوجود أي مجتمع، فالمجتمع بما ينضوي عليه من ترابط وتشابك لا يمكن أن يوجد ويقوم من دون وجود حدّ معين من الاندماج.
يُقدّم الباحثون والدارسون في علم الاجتماع نوعين من التصورات ذات العلاقة بمفهوم الاندماج؛ التصور الأول يحمل صبغة اجتماعية، حيثُ يجعل من المجتمع منطلقًا له، وينظر إلى الحياة الاجتماعية من زاوية عضوية ووظيفية بالتركيز على مظاهر تقسيم العمل بين الأفراد في إطار نظام اجتماعي متكامل ومنسجم، وعلى الكيفيات التي يحافظ بها المجتمع على تماسكه من خلال عملية التنشئة الاجتماعية التي تمارسها مؤسسات المجتمع وفق نظرة تكاملية وظيفية تهتم بتكامل الأفراد والجماعات مع النظام الاجتماعي.
أما التصوّر الثاني فيحمل صبغة سياسية أكثر منها عضوية، فهو يجعل من المجتمع السياسي منطلقًا له، ويركّز على صفات التعقيد والتنوع وعدم التجانس وهيمنة مظاهر الصراع التي تتسّم بها المجتمعات الحديثة، ويرى أنّ إنتاج الاندماج الاجتماعي لا يُمكن تحقيقه إلا بواسطة ميكانيزمات وآليات مؤسسة سياسيًا، يتمّ عبرها تحويل النزاعات والصراعات إلى حلول وسط تخدم أهداف تحقيق الاندماج الاجتماعي[1].
يعدّ جاد الكريم الجباعي واحدًا من أبرز الباحثين والمفكّرين الذي اهتموا بدراسة مفهوم الاندماج الاجتماعي في صبغته السياسية، حيثُ قام بالكتابة والتنظير لهذا المفهوم في إطار جدلية العلاقة بين المجتمع والدولة، ورأى أنّ مفهوم الاندماج الاجتماعي ينسجم مع فكرة الأمة، وأنّ الدولة- الأمة بمؤسساتها المختلفة هي المسؤولة عن إقامة ذلك البناء التكاملي لما تقوم به من عمليات واعية تمسّ الوجود الاجتماعي للأفراد والجماعات المنتمين إليها[2].
نأخذ في هذه المقالة البحثية تنظيرات الجباعي حول الاندماج الاجتماعي، ونحاول قراءتها انطلاقًا من مفهوم النموذج المثالي لماكس فيبر (Max Weber)، وهو مفهوم يهدف إلى تكوين نموذج للظاهرة الاجتماعية أو منظور هادف لها من خلال تركيب مجموعة من السمات والمواصفات وإعطائها لها بصورة عامة ومجرّدة، ثمّ العمل على تصنيفها ضمن نموذج فكري وعقلي ومنطقي متسّق.
نفترض في هذه المقالة أنّ الجباعي تعامل مع الدولة التي يتحقّق فيها الاندماج الاجتماعي (دولة المواطنين) كظاهرة اجتماعية وأنّه من خلال تنظيراته عنها قد أوجد لها مجموعة من المعايير والمؤشرات، ونحاول بناء نموذج مثالي ذهني لهذه الدولة، من خلال أخذ ملاحظات وتنظيرات الجباعي المدركة والمحسوسة حولها، والعمل على تجريدها وتحويلها إلى نموذج ذهني مجرّد في شكل خصائص ومكونات وسمات مشتركة مجرّدة وعامة.
أولًا: تنظيرات الاندماج الاجتماعي عند الجباعي
يعرّف الاندماج الاجتماعي –عمومًا- على أنّه عملية ممارسة المواطن أدواره داخل البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أكان بسعيه -مجتمعيًا- نحو استعادة مكانته في البنى المختلفة، أم عبر قيام الدولة التي يعيش فيها بتفعيل هذه المكانة في مختلف البنى والمستويات.
ينضوي مفهوم الاندماج الاجتماعي على بعد اجتماعي يُشير إلى التنشئة الاجتماعية التي تهدف إلى إكساب الفرد السلوك والمعايير والاتجاهات المناسبة لتمكينه من أداء الأدوار الاجتماعية المنوطة به، وتأهيله من أجل تحقيق التوافق الاجتماعي مع محيطه، ومساعدته على الاندماج في الحياة الاجتماعية، ليُصبح فردًا فعالًا في المجتمع، كما وأنّه ينضوي على بعد سياسي يشير إلى جهود الدولة من أجل إزالة الحواجز بين مختلف الجماعات الموجودة فيها، والعمل على التنسيق فيما بينها للوصول إلى مجتمع ذي وحدة متكاملة، يكتسب أفراده هوية وطنية سياسية تعزّز انتسابهم لدولتهم وتوطّد ولاءهم لها[3].
يرى جاد الكريم الجباعي أنّ مسألة الاندماج الاجتماعي في الوطن العربي هي مسألة يسودها خطابان متطرفان؛ خطاب استاتيكي ينفي وجود أي مظهر من مظاهر الاندماج الاجتماعي في الدول العربية، حيثُ يفترض أنّ المجتمعات العربية هي مجتمعات قائمة على انفصال الجماعات المكونة لها ووجود حواجز دائمة وراسخة بينها، وخطاب افتخاري يعبّر عن زهوه الدائم بالعلاقات الروحية الدافئة -القائمة على أسس القبيلة والعشيرة والقوم وغيرها من الانتماءات الفرعية- التي تسود بين أفراد المجتمعات العربية، خصوصًا في معرض السجال الدائم مع الآخر الغربي[4].
يتعرّض الجباعي إلى خطابين متطرفين سادا في أوساط المجتمعات العربية -في فترات زمنية معينة- وشكلا أساسًا لبروز نزعة افتخارية بواقع اندماج اجتماعي قائم على الانتماءات الفرعية بعيدًا من الانتماء الوطني الجامع، وهذان الخطابان هما: خطاب الفكر القومي المعاصر وخطاب فكر “الصحوة الإسلامية”، حيثُ يعتقد بأنّ تسييس العروبة وأدلجتها واعتبارها هوية سياسية للفرد والمجتمع وصِفة للدولة لا يختلف عن تسييس الدين أو أدلجته واعتباره هوية للفرد والمجتمع وصفة للدولة، ويرى أنّ الأحزاب العقائدية القومية وجماعات الإسلام السياسي بُنيةً ووظيفةً تتعارض مع مفهوم الاندماج الاجتماعي الحقيقي القائم على أسس الوحدة والهوية الوطنية[5].
يُعرّف الجباعي الاندماج الاجتماعي بأنّه “سيرورة أو عملية نمو وتطوّر تاريخية، شاملة وتراكمية، ينتقل بها سكان البلد المعني من جماعات مغلقة ومتحاجزة تتعايش على مضض، يحكمها مبدأ التفاضل والامتياز والتنازع على الثروة والسلطة، وأفراد تابعين ومقهورين ومهدورين.. إلى مجتمع منسوج أو نظام اجتماعي سياسي، قوامه علاقات متبادلة واعتماد متبادل بين أفراد أحرار ومستقلين، وبين جماعات ومؤسسات حديثة تعزز استقلال الأفراد وحريتهم وتعيد إنتاجهم اجتماعيًا، تؤسَّس هذه العلاقات على التكافؤ في القيم والمساواة في الكرامة الإنسانية والمساواة في الحقوق، والعدالة في توزيع الثروة وعوامل الإنتاج وممارسة السلطة”[6].
يُشير الجباعي في تعريفه السابق إلى دولة المواطنين بوصفها أساس تحقيق الاندماج الاجتماعي في أي مجتمع، فهي دولة تُمثّل عمومية المواطنة فيها ثقل المجتمع ونقطة ارتكازه، لأنّ هذه العمومية تجعلها دولة لجميع مواطنيها بالتساوي، وتَعمل على إلغاء الوجود السياسي للإثنيات والأديان والمذاهب، لكنها تدعم وجودها الفعلي في المجتمع المدني، من خلال تعزيز نموها وازدهارها ومنحها شرعية قانونية وحمايتها[7].
يرى الجباعي أنّ عمومية المواطنة في أي دولة عندما تتقلّص تتطابق مع سلطة فئة اجتماعية أو عائلة أو عشيرة أو حزب عقائدي، وتُصبح من أسباب انقسام المجتمع على مبدأ القرابة والولاءات والامتيازات، بعيدًا من الهوية الوطنية التي تمثّل الأساس لكلّ اندماج اجتماعي مأمول[8].
يؤكّد الجباعي أنّ دولة المواطنة لا تنفي التعارضات والتناقضات القائمة واللازمة لحياة الأفراد والجماعات في أي مجتمع بل توفّر الاعتراف لها، حيثُ تصبح المساواة القانونية في هذه الدولة مدخلًا إلى الاندماج الاجتماعي وشرطًا من شروطه، ويقصد بذلك، أنّ دولة المواطنة تُحقّق الاندماج الاجتماعي بين الأفراد والجماعات لأنّها توفّر الاعتراف المبدئي والنهائي بتساوي الأفراد إناثًا وذكورًا في الكرامة الإنسانية والجدارة والاستحقاق، وتساوي الجماعات الإثنية والدينية والمذهبية المختلفة، في القيمة الروحية والحقوق المدنية والسياسية[9].
ثانيًا: الاندماج الاجتماعي في فكر الجباعي (قراءة في ضوء النموذج المثالي الفيبري)
يعتمد ماكس فيبر (Max Weber) على النماذج المثالية كأطر تصورية مجرّدة، ويستخدمها كأدوات منهجية من أجل الفهم السوسيولوجي، ودراسة وتأويل أنماط الفعل والعلاقات والظواهر السوسيو-ثقافية في إطار ثقافات معينة.
يُمكن القول إنّ النماذج المثالية التي أقامها فيبر لم تبدأ من فراغ، ولكنها كانت أحد المتطلبات التي أفرزتها تعقيدات الواقع الاجتماعي والثقافي، بمعنى آخر فقد اعتمد فيبر عليها -باعتبارها أدوات منهجية تصورية مجردة- لتمكنه من فهم الواقع الاجتماعي والثقافي المحيط به، واستطاع من خلالها أن يثبت العلاقة الارتباطية القائمة بين الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية[10].
يعرّف مفهوم النموذج المثالي عند –واضعه- فيبر على أنّه مفهوم مجرّد أو مقولة وصفية تُمكّن من فهم جملة من الظواهر وتفسيرها والتنظير لها، وليسَ شرطًا أن تتوافر خصائص هذا النموذج في الظواهر الملاحظة والمدركة بصورة جيدة، فالهدف من هذا النموذج هو تكوين نموذج للظاهرة الاجتماعية أو منظور هادف لها من خلال عملية يجري فيها تركيب مجموعة من السمات والمواصفات، وإعطاؤها لها على نحو مجرد وهادف، والعمل على تصنيفها ضمن نموذج فكري وعقلي متسّق.
يمكن بناء هذا النموذج ذهنيًا عبر تجريد أو تحويل الظاهرة الاجتماعية المدركة والملاحظة إلى نموذج ذهني مجرّد في شكل خصائص ومكونات وسمات مشتركة مجردة وعامة، أي الانتقال من المحسوس إلى المجرّد المثالي، ويُمكن للباحث تطبيق هذا النموذج في المجال البحثي من خلال العمل على رصد ظاهرة اجتماعية مدركة ومعزولة، واختزالها في مجموعة محددة من المكونات والخصائص والسمات العامة والمجردة، لبناء نموذجها المثالي[11].
في إطار تنظيراته حول الاندماج الاجتماعي في دولة المواطنين يضع الجباعي مجموعة من المعايير والمبادئ العامة التي تُميّز دولة المواطنين عن غيرها، وتعطيها صفتها كدولة لجميع مواطنيها، وأهم هذه المعايير:
1• طبيعة النظام السياسي القائم على المواطنة العامة، والمتجاوز لحدود الانتماءات الفرعية الأولية، الذي يضمن الحقوق المدنية والسياسية المتساوية لكافة الجماعات والأفراد في الدولة التي يحكمها.
2• توافر نوع من التكافؤ بين الأنوثة والذكورة، باعتبارهما قيمتين اجتماعيتين تُحددان طبيعة العلاقة بين البيولوجي والاجتماعي والإنساني.
3• توافر مجال سياسي عام وحرّ يُشارك فيه جميع الأفراد والجماعات في المجتمع، وتتجلى فيه خصائص الأفراد الشخصية والنوعية واتجاهاتهم وميولهم، بحيث يضمن حرية المناقشة العلنية والنقد والتعبير عن الرأي، على جميع المستويات، بلا حدود ولا قيود، ولا تحريم ولا تجريم.
4• توافر نوع من الاستقلالية والحرية لمنظمات المجتمع المدني، ولا سيما النقابات وجماعات الضغط والأحزاب السياسية البرامجية ذات الطابع الوطني، بما يُظهر قدرة المجتمع على تحقيق ذاته كقوة سياسية وازنة، تلجم تغوّل سلطة الدولة، وتحول دون انتهاكاتها للحقوق والحريات.
5• ضمان عمومية التنمية الإنسانية والبشرية والاقتصادية، وتوافرها بشكل متوازن في مختلف مناطق الدولة، وتوزيعها بشكل عادل على مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية[12].
وتبعًا لذلك، يُحدّد الجباعي مجموعة من المؤشرات التي تَعكس مدى تحقّق الاندماج الاجتماعي في أي دولة، لتكون دولة لجميع مواطنيها، وهذه المؤشرات هي:
1• مدى استقلال الأفراد عن البنى الأولية والانتماءات الفرعية، وما يتمتعون به من حقوق مدنية وسياسية وحريات شخصية وعامة، ولا سيَّما حرية الفكر والضمير وحرية الرأي والتعبير.
2• مدى انتشار الزواج المدني بين مختلف الجماعات الإثنية والمذهبية والطبقية في الدولة، بما يعكس مستوى استقلال الأفراد وحريتهم.
3• مدى حصول المرأة على حقوقها، ومدى الاعتراف بها وبحريتها وكرامتها الإنسانية، وحقّها في المشاركة في المجال العام في الدولة.
4• مستوى التعليم في الدولة، من حيث توسعه الأفقي والعمودي، ومن حيث مدخلاته ومخرجاته الكمية والنوعية، ودرجة مساهمته في انتشار المعرفة العلمية.
5• مستوى انتشار الفقر أو الغنى، ودرجة التفاوت الطبقي بين الأفراد والجماعات، ومدى رضا الأفراد والجماعات في الحياة الخاصة والعامة ومجالات العمل والإنتاج.
6• درجة التكامل بين البادية والريف والمدينة، ومدى قدرة المدينة على القيام بوظيفتها التمدينية.
7• مدى الاحتكام إلى القانون الوضعي العام، ومدى تمتع المواطنين والمواطنات بحقوق متساوية أمام هذا القانون من دون وجود أي تمييز على أساس إثني أو لغوي أو ديني أو مذهبي أو جهوي أو جندري، أو على أساس المنبت والموقع الاجتماعي.
8• مدى اقتراب القيم الاجتماعية السائدة في الدولة من القيم الإنسانية العامة أو ابتعادها عنها، ومدى تقدم الوعي بقضية حقوق الإنسان والمواطنة[13].
خاتمة
وبناءً على ما تقدّم، فإنّه يُمكن الاستناد إلى المعايير والمؤشرات التي أوردها الجباعي لبناء نموذج مثالي لدولة المواطنين التي يتحقّق فيها الاندماج الاجتماعي، ويُمكن القول إنّ النموذج المثالي لدولة المواطنين يتحقّق عندما تتوافر فيها جملة من العناصر هي: تمتّع المواطنين والمواطنات بحقوق متساوية بعيدًا من أي تمييز، وجود مجال عام يسمح بحرية الحركة والتعبير لجميع الأفراد والجماعات في الدولة، استقلال المجتمع المدني والمنظمات العاملة فيه وبروزه كقوة موازية لقوة الدولة، وجود شكل من أشكال الاختلاط بين مختلف المذاهب والإثنيات والأديان والأعراق والذي يبرز بالزواج المدني، التوزيع العادل للثروات بين مختلف مناطق الدولة (مدينة، ريف، بادية) بما يُحقّق رضا الأفراد والجماعات عن حياتهم بعيدًا من مشاعر الحرمان النسبي، تراجع مظاهر النظام الأبوي البطريركي وتمتّع المرأة بحقوق متساوية مع الرجل.