المجتمع المدني في فكر جاد الكريم الجباعي

مقدمة

يُنظر إلى المجتمع المدني اليوم على أنه بيئة ملائمة للأفراد للخروج من إطار العلاقات الاجتماعية التقليدية القائمة على الاعتبارات الأسرية، العشائرية، المناطقية، الدينية والمذهبية المحكومة بمنطق السيطرة والقوة، إلى إطار العلاقات الإنسانية أو الوطنية المحكومة بمنطق الاستقلالية والمساواة. وبهذا فإن المجتمع المدني يجب أن يؤدي دورًا مهمًا في مواجهة التعصب العشائري، المناطقي والديني، إضافة إلى دوره في تعزيز دور المواطنة والانتماء الوطني في البلد الواحد كبديل من الانتماءات العرقية والمذهبية. وهذا لا يعني أن المجتمع المدني يخلق انتماءً وطنيًا يحل بديلًا من الانتماءات العرقية في مواجهة الانتماء الإنساني، بل على العكس فالانتماء الوطني في مفهوم المجتمع المدني يجب أن يقوم على الانتماء الإنساني، أما الاعتبارات الوطنية فهي لحاجات سياسية واجتماعية منها نشر الوعي المجتمعي بالسياسة لتعزيز دور الديمقراطية ومواجهة الدولة والمجتمع التقليدي معًا في علاقاتهم السلطوية السائدة مع الأفراد. وقد حاول كثير من المفكرين العرب وقبلهم الغرب تعريف المجتمع المدني، وتحديد مفهومات واضحة له وشرح وظائفه، إلا أن المجتمع المدني لا يزال محكومًا بتعاريف ومفهومات متنوعة تختلف تبعًأ للسياقات الزمانية، المكانية والذاتية للفلاسفة والمفكرين الذين حاولوا التصدي لهذه المسألة. وفي هذه الدراسة سأبحث في ماهية المجتمع المدني في فكر المفكر السوري جاد الكريم الجباعي.

وتأتي أهمية هذه الورقة بسبب غياب تعريفات واضحة للمجتمع المدني في السياق الثقافي والسياسي العربي الآني. إذ لا يزال كثير من الباحثين والكتّاب العرب يعتمدون التعريفات الغربية، وفي مقدمتها مفهومات هيغل، كانط، كارل ماركس وأنطونيو غرامشي. أما جاد الكريم الجباعي فنراه يفند التعريفات التقليدية للمجتمع المدني ويعارض أفكار الفلاسفة الغربيين عن المجتمع المدني من دون أن يلغيها، وذلك من أجل صوغ مفهومات أكثر دقة ووضوحًا للمجتمع المدني بما يتلاءم مع السياق الإنساني الحالي. ينطلق الجباعي في تعريفه وشرحه للمجتمع المدني من تجربة ذاتية عملية إضافة إلى الأفكار النظرية الفلسفية التي درسها بعناية. فيصبح هذا المزيج بين الدراسة النظرية والتجربة الذاتية منطلقًا يبني عليها الجباعي نظريته وتعريفه الخاص للمجتمع المدني ووضعه في سياقه العربي الآني والإنساني على حدٍ سواء. فنرى أن الجباعي يفكك مفهومات المجتمع المدني إلى عواملها الأساسية فيردها إلى أصلها الإنساني المحض ثم يعيد تركيبها في خدمة الإطار الوطني والإنساني معًا. إذ صحيح أن الثقافة التاريخية تساهم في بناء العلاقات الاجتماعية لكل مجتمع وتحديد هويته ضمن إطار جغرافي محدد والتي تساهم باختلاف تعريف المجتمع المدني من ثقافة إلى أخرى ومن زمان إلى آخر، إلا أن ذلك لا يغير من طبيعة المجتمع المدني بالنسبة إلى الجباعي بوصفه مجتمعًا إنسانيًا قائمًا على الفرد الحر المستقل الذي يسعى على الدوام للتحسن والتقدم.

ومن أجل تحليل مفهوم المجتمع المدني في فكر الجباعي سأبحث في هذه الورقة أولًا في التنوع المفاهيمي للمجتمع المدني الناجم عن مرونة المجتمع المدني نفسه وتبدل وظائفه الاجتماعية، الثقافية والسياسية من زمان إلى آخر ومن مكان إلى آخر. ثم سأنتقل للبحث في السيرة الذاتية لجاد الكريم الجباعي، وليس القصد من البحث في سيرته الذاتية التعريف بالشخص على طريقة الكتابة المعتادة للسيرة الذاتية، إنما البحث في تجربته الذاتية التي أغنت فكره عن المجتمع المدني. ثم سأبحث مفهوم المجتمع المدني في فكر جاد الكريم الجباعي، وسأختتم برؤية نقدية لفكر الجباعي عن المجتمع المدني.

أولًا: المجتمع المدني

بقدر ما يبدو مصطلح المجتمع المدني مصطلحًا واضحًا ومعرفًا بذاته، بقدر ما هو مصطلح مرن ومتغير، إذ لا يمكن قراءته وفهمه إلا في سياقاته المختلفة الزمانية، المكانية التي تعبر عن ثقافة المجتمع الذي يولد فيه المجتمع المدني الخاص به والذي قد يختلف بتصوراته الحالية عن تصورات المجتمع المدني في مجتمعات الأسلاف أو في المجتمعات الأخرى المعاصرة. فلا يمكن أن ينطبق على المجتمع المدني في ألمانيا اليوم التعريف نفسه الذي كان يحمله في القرن التاسع عشر. كما أنه لا يمكن أن يُعرف المجتمع المدني في الوعي الغربي اليوم بالمفهومات نفسها التي يُعرف بها في الفكر العربي. ولا يرجع ذلك إلى العوامل المكانية فحسب، إنما العوامل الثقافية الآنية التي تشكلت في ظروف وسياقات تاريخية مختلفة تعبر عن تطورات سياسية، اجتماعية، اقتصادية، دينية وثقافية تختلف في مراحل نموها وتطورها من بيئة إلى أخرى. فالمجتمع المدني في القرن التاسع عشر كان يُفهم في إطار العلاقات الاقتصادية بعد أن نقلت الثورة الصناعية في أوروبا المجتمعات الأوروبية من نمط العلاقات الحرفية الصغيرة القائمة على التراتبية العائلية أو التراتبية الإقطاعية بين السيد وشغيلته إلى علاقات الاعتماد المتبادل بين الأفراد. وقد اهتم هيغل وماركس في تلك المرحلة بإيجاد مفاهيم جديدة لتعريف المجتمع المدني، تبيين ماهيته ضمن منظور العلاقات الاقتصادية الجديدة. أما في النصف الأول من القرن العشرين فقد أعاد أنطونيو غرامشي طرح المجتمع المدني من منظور سياسي إذ يرى بأن المجتمع المدني هو المجال التي تتجلى فيه الهيمنة الاجتماعية وأدواتها المثقفون والثقافة في مواجهة الدولة أو المجتمع السياسي[1]. وفي ثمانينات القرن الماضي ظهر المجتمع المدني في السياق الأوروبي الشرقي، البولندي خصوصًا، كمفهوم للتمرد الاجتماعي ضد وحدانية الحزب والدولة. إذ شكل خيارًا جديدًا للتغيير خارج إطار التغييرات التقليدية المتمثلة بالإصلاح الحزبي أو الانقلاب العسكري[2].

ويرى عزمي بشارة أن مفهوم المجتمع المدني يمكن أن يتغير حتى في الزمان والمكان نفسه تبعًا لوجهة نظر الكاتب أو المتحدث عنه وموقفه الأيديولوجي. فالمجتمع المدني بالمفهوم الليبرالي يختلف عنه بالمفهوم الديمقراطي الاشتراكي أو بالمفهوم الإسلامي. ويمكن للمجتمع المدني في المرحلة الراهنة أن يقدم إجابات على أسئلة مصيرية في حياة الشعوب، التي تحتاج إلى كل هذه المرونة التي يتحلى بها المجتمع المدني. فهو اليوم بمثابة رد على سلطة الحزب الواحد في الدول الشيوعية، إذ يشكل المجتمع المدني مرجعية اجتماعية خارج الدولة وخارج إطار السلطة السياسية التقليدية. وفي الدول الليبرالية فهو بمثابة رد على عملية البيروقراطية المعقدة التي تعيق الحيوية الاجتماعية والسياسية والثقافية. وفي دول العالم الثالث فهو بمثابة متنفس من الدكتاتوريات ورد على البنى العضوية التقليدية السلطوية في هذه الدول[3]. أما وائل السواح فيذهب إلى أن المجتمع المدني هو مجموعة التنظيمات التطوعية والحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة[4]. وبالنسبة إلى جاد الكريم الجباعي فالمجتمع المدني هو لحظة تاريخية في سيرورة تحسن العالم وهذه السيرورة لا تتوقف ولا تنتهي[5]. والمجتمع المدني يعبر عن تشابكات دينية، لا دينية، تاريخية، حاضرة، مادية ولا مادية معًا.

ثانيًا: جاد الكريم الجباعي منظرًا للمجتمع المدني

لا أسعى هنا لتقديم السيرة الذاتية بصورة تقليدية لجاد الكريم الجباعي، إنما للبحث بسيرته الشخصية من جوانب عدة وتبيان أثر تجربته الذاتية الفكرية، الثقافية والاجتماعية التي أثمرت في بناء نظريته عن المجتمع المدني في كتابه القيّم الذي صدر مؤخرًا بعنوان “المجتمع المدني اليوم”[6]. الجباعي من مواليد 1945 من محافظة السويداء جنوب سورية. ومن المعروف أن سورية نالت استقلالها عن الاستعمار الفرنسي عام 1946 ومنذ ذلك الحين بدأ البلد يشهد تحولات كبرى في المشهد الاجتماعي، الثقافي، الاقتصادي والديني بحثًا عن هوية سياسية اجتماعية تتلاءم والجغرافية الجديدة التي خلفها الاستعمار الأوروبي في المنطقة. فكانت العقود القليلة التالية للاستقلال تنبض بالحيوية السياسية والثقافية والتفاعل الاجتماعي والاقتصادي في سورية، وأقصد هنا الحيوية بشقيها الإيجابي والسلبي معًا، إذ أفضت الحيوية السياسية في بعض الأحيان إلى العنف الذي كثيرًا ما كان يأخذ شكل اغتيالات سياسية. ازدادت الأحزاب السياسية في البلد، وعلت أصوات المثقفين أحدهما في مواجهة الآخر، يتشابكون في ما بينهم لموضعة الهوية الجديدة للبلد في سياقات أيديولوجية مختلفة، قومية، دينية، ذاكراتية. وشهد الجباعي منذ طفولته وحتى شبابه هذه التحولات الكبرى في بلده سورية التي أثرت فيه، ولاحقًا خاض فيها أكاديميًا من خلال دراسته للغة العربية وآدابها وتدريسه لها. أما ثقافيًا فيساهم الجباعي حتى يومنا هذا بإثراء المكتبة السورية والعربية بدراسات يسعى من خلالها لتحليل الواقع العربي وإيجاد حلول لمشكلاته. وسياسيًا يرى الجباعي أن العالم العربي عمومًا وسورية خصوصًا ما زال في طور الانتقال من السياسة التقليدية الرعوية، ولهذا فإن كتابه “المجتمع المدني اليوم” يمكن عدّه بمنزلة خارطة طريق للانتقال الاجتماعي للطور السياسي الحديث الذي تمثل الديمقراطية أحد ثمراته.

ليس الزمان الذي ولد فيه الجباعي فحسب كان عاملًا مؤثرًا في فكره، إنما البيئة المكانية أيضًا. فالسويداء لها خصوصية اجتماعية وثقافية متمايزة نسبيًا، فهي مدينة تقطنها أغلبية من الموحدين الدروز، والذين يشكلون أقلية دينية في سورية. وخصوصية السويداء يمكن ملاحظتها عمليًا من خلال السلوك الاجتماعي الأقلوي الذي يميل إلى الانغلاق والتعصب العشائري أو العائلي بشكل أكبر من مجتمعات الأغلبية الدينية. وذلك بسبب القلق والخوف من المجهول والرغبة بالحفاظ على الهوية الدينية[7]. ويعد الانتماء العائلي والعشائري في السويداء منطلقًا أساسيًا للعلاقات الاجتماعية في السويداء، وتفرض التراتبية العائلية نفسها على الجميع في السويداء بمن فيهم النخب المثقفة الذين ينتقدون سطوتها[8].

ومن هنا نجد أن تحليل المجتمع التقليدي والدعوة إلى الانتقال إلى المجتمع الحداثي المدني في فكر الجباعي لا يقوم فقط على أسس نظرية بحت، إنما يستند إلى تجربة شخصية عميقة في مراحل زمانية ومكانية مختلفة. فقد عاش في سورية طفولته وشبابه في أوج حيوية البلد السياسية والثقافية منذ خمسينيات حتى بداية ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يتمكن العسكر من تجميد الحياة السياسية تمامًا وتوجيه الحياة الثقافية في منحنىً واحد يتمثل بأيديولوجية حزب البعث الحاكم. وعايش في ما بعد مرحلة الفوضى الفكرية التي أعقبت انطلاقة الربيع العربي، وأعني هنا الفوضى الفكرية بإيجابياتها وسلبياتها. كما أن لمولد الجباعي في بيئة مغلقة مثل السويداء ثم انتقاله إلى بيئة شبه مفتوحة في دمشق، وأخيرًا إلى منفاه في ألمانيا التي تمثل بيئة مفتوحة على العالم الإنساني ككل، أثرًا كبيرًا يمكن ملاحظته بوضوح في كتابه المجتمع المدني اليوم. وإن تبني الجباعي لبعض أفكار هيغل وكانط عن المجتمع المدني ورفضه لمفهومات أخرى من أفكارهما لم يكن مجرد عمل نظري، إنما ثمرة تجربة ذاتية مهمة مكّنت الجباعي من تحليل الواقع الآني وتوصيف مشكلاته بدقة واقتراح حلول لها.

ثالثًا: المجتمع المدني في فكر الجباعي

1- نقد وتحليل مفهوم المجتمع المدني في الفلسفة الغربية

يرى هيغل أن المجتمع المدني هو “منظومة الحاجات”، أما بالنسبة إلى إيمانويل كانط فهو “مجتمع غايات”، وبالنسبة إلى كارل ماركس فهو “مجتمع برجوازي ومسرح واقعي للتاريخ”. أما بالنسبة إلى الجباعي فيرى أن هذه المفهومات تنطبق على المجتمع الأهلي التقليدي والمجتمع المدني على حدٍ سواء. فالمجتمع التقليدي هو منظومة حاجات، ومجتمع غايات ومسرح واقعي للتاريخ. ويكمن الفرق عند الجباعي بين المجتمع التقليدي والمجتمع المدني بشكل العلاقات المتبادلة بين أفراد المجتمعين. فالمجتمع التقليدي محكوم بعلاقات القرابة والنسب والعقيدة والعشيرة، وهذه العلاقات تنتج سلطات شخصية مستبدة بين أفراد المجتمع التقليدي بحسب التراتب القيمي السلطوي. أما العلاقات في المجتمع المدني فهي علاقات إنسانية قائمة على التشارك الحر والمتكافئ في المعرفة والثقافة والسياسة وإنتاج المجتمع والدولة. والمجتمع المدني ليس إلغاء أو بديلًا للمجتمع التقليدي، إنما هو أفق المجتمع التقليدي ومستقبله الممكن[9]. فالمجتمع لا يتم بناؤه من لاشيء، إنما ينتج نفسه بنفسه وهو إنتاج كل فرد من أفراده ذكورًأ وإناثًا. وعملية إنتاج المجتمع لنفسه عملية جارية على الدوام لا تتوقف ولا تنتهي[10]. والانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع المدني يتمثل في عملية التفكيك التي تستلزم خطوتين ضروريتين: التحرر من سلطة النموذج الذاكراتي وتعيين النموذج في تصور ذاتي لا تصور تاريخي لما هو “المجتمع العربي”، “المجتمع الإسلامي”، “المجتمع الغربي”. أما الخطوة الثانية فهي تحرير المجتمع من الأيدلوجيا[11].

ونرى أن الجباعي يشدد على أهمية الطبقة البرجوازية والملكية الخاصة في المساهمة في المجتمع المدني لكون العلاقات فيها قائمة على المنفعة المتبادلة بين أفرادها. لأن إلغاء الملكية الخاصة يعني احتياج الشعب الدائم لهبات السلطة والاعتماد على مكرماتها. وبالتالي فإن ذلك يخلق نظامًا سياسيًا يربط الفرد بالسلطة المركزية بصورة مباشرة، وبلا أي توسط. وهذا ما سيفقد الحاجة لمجتممع مدني يلعب دور الوسيط بين الفرد والدولة وتهيئة الفرد للمواطنة المتساوية والمشاركة في العملية السياسية التي تتجلى بالديمقراطية[12]. ومنفعة الأفراد قاعدة أساسية من القواعد التي يقوم عليها الاجتماع البشري بشكل عام والاجتماع المدني بشكل خاص، شرط أن تُقيّد هذه المنفعة بالعدالة لكي تكون أساس الأخلاق المدنية[13]. ومن ثم فإن الجباعي يرفض النظرية الطبيعية لاكتساب الحقوق والتي تعدّ أن الحقوق الطبيعية تكتسب بناءً على علاقات القوة والضعف بين الأفراد. فهذه الحقوق بالنسبة إلى الجباعي ليست شرعية ولا مؤكدة. فالانتقال من المجتمع الطبيعي إلى المجتمع المدني يقابله أيضًا الانتقال من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية، أي الانتقال من الحرية الطبيعية التي لا حدود لها إلا قوى الفرد إلى الحرية المدنية التي تحدها الإرادة العامة[14]. وهنا أيضًا يخالف الجباعي فالتر بنيامين الذي يرى أن العنف شرط لخلق القوانين الجديدة والمحافظة عليها وبالتالي اكتساب الحقوق[15].

2- المجتمع المدني في السياق العربي الآني

إن مفهوم المجتمع المدني في الكتابات العربية يشهد التباسات كبيرة ليس بسبب مرونة المجتمع المدني وطبيعته المتغيرة فحسب، إنما بسبب تشوه المفهوم بفعل السلطات الدكتاتورية التي ابتليت بها البلدان العربية إلى جانب الأيدلوجيات الشعبوية فحورت مفهوم المجتمع المدني وحرفته عن وظائفه الأساسية بالمساهمة في خلق الدولة الوطنية الحديثة[16]. والمجتمع المدني، بالنسبة إلى الجباعي، لم ينضج بعد في العالم العربي ولا يزال في طور الانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع المدني. وهناك ثلاثة عوامل غيبت المجتمع المدني عن الثقافة العربية المعاصرة. العامل الأول: صعود المد القومي القائم على تقديس الجماهير وعبادة الحزب الثوري وتأليه القائد الفرد والإيمان بحتمية الوحدة العربية وانتصار الاشتراكية. العامل الثاني: تأويل الأفكار والمبادئ الوافدة إلى الثقافة العربية من الغرب. العامل الثالث: تصفية مكتسبات المرحلة الليبرالية أي الحياة المؤسساتية في خمسينات وستينات القرن الماضي[17].

ولأن الدين هو أصل التقديس والعبادة والتأليه والأيديولوجيات القومية كلها محولة عن عقائد دينية، فإن العلمانية شرط لنضوج المجتمع المدني في العالم العربي. إلا أن الجباعي يختلف بمفهومه عن العلمانية عما هو سائد في الأوساط العربية والتي غالبًا ما يقصد بها العلمانية السياسية التي تناقض الحكم الديني. العلمانية في مفهوم الجباعي ليست نقيضة للدين، إنما رده إلى أصله ووظيفته الأساسية التي تتمثل بالإيمان، حيث ينتفي التعصب الديني والمذهبي والتفاضل بين الأديان والمذاهب، فلا يصبح الدين علامة اجتماعية أو هوية ثقافية فارقة. وبهذا فإن العلمانية تلعب دورًا مهمًا في إنضاج المجتمع المدني، إذ تحرر الروابط الاجتماعية والعلاقات الإنسانية من الحدود الدينية والمذهبية وتستبدلها بالقيم الأخلاقية الإنسانية العامة[18].

يتفق الجباعي مع عزمي بشارة بأن الديمقراطية هي البيئة الأمثل التي يمكن أن يولد المجتمع المدني ويترعرع فيها، لكنهما يختلفان في مدى أسبقية أحدهما على الآخر. فبالنسبة إلى بشارة الديمقراطية هي الأسبق وهي شرط أساسي لقيام المجتمع المدني، حتى وإن أطلق على النضال من أجل الديمقراطية في العالم العربي مصطلح المجتمع المدني، فإنه قد أطلق هذه التسمية كوصف للمرحلة التاريخية لا أكثر[19]. أما الجباعي فيرى أن الديمقراطية ثمرة من ثمرات التحول من المجتمع التقليدي إلى المجتمع المدني. فالديمقراطية في ظل المجتمع التقليدي ستنجب نموذجًا سلطويًا واحدًا في محاكاة للنموذج التقليدي من السلطة. أما المجتمع المدني فيحفل بما لا حصر له من نماذج السلطة والحرية.

ويخالف الجباعي وائل السواح الذي يعدّ بأن المجتمع المدني هو مجموعة التنظيمات التطوعية والحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة. فبالنسبة إلى الجباعي المجتمع المدني يمثل حالة الانتقال من حالة الاجتماع الطبيعي المتمثل بالأسرة، العشيرة، الطائفة إلى حالة الاجتماع المدني وهي حالة إنسانية عامة. إلا أن المجتمع المدني يمكن أن يؤدي دور الوسيط بين الدولة والمجتمع التقليدي من جهة، وأن يساهم في توعية المجتمع التقليدي من جهة أخرى. أما مجموعة التنظيمات التطوعية والحرة فهي منظمات المجتمع المدني وليست المجتمع المدني نفسه.

رابعًا: رؤية نقدية في فكر الجباعي عن المجتمع المدني

كما ذكرت سابقًا إن مفهوم الجباعي عن المجتمع المدني ليس مجرد أفكار نظرية فحسب، إنما هي تستند إلى تجربة ذاتية، تجارب محلية وعالمية. فنرى أن الجباعي يقدم الأمثلة من تجارب الشعوب الماضية والحاضرة في دول ومناطق مختلفة ليستخلص الدروس التي يمكن أن تساهم في إنضاج المجتمع المدني في الواقع العربي. وبما أن الجباعي يرصد مشكلات الواقع العربي الحالي بدقة حتى يصوغ مفهومًا للمجتمع المدني يجيب على مسائل واقعه العربي اجتماعيًا، ثقافيًا وسياسيًا، فيمكن عد كتابه “المجتمع المدني اليوم” بمنزلة خارطة طريق يمكن البناء عليها إذا ما توافرت الإرادة الحرة والمستقلة لدى أبناء المجتمع. وإن كان ذلك سيصطدم بعقبات كبيرة منها أن السلطات الدكتاتورية لن ترتاح لفكرة مجتمع مدني يعمل على توعية المجتمع التقليدي سياسيًا ويدفعه للمشاركة بالعمل السياسي. ومثلها السلطات الأسرية، العشائرية والدينية في المجتمع التقليدي.

يعرّف الجباعي المجتمع المدني بأنه: “لحظة تاريخية في سيرورة تحسن العالم وتحسن الإنسان، وهذه السيرورة لا تتوقف ولا تنتهي”. ومنه نجد أن الجباعي بنى تعريفه على عنصرين أساسيين: الزمان والإنسان، واستبعد من تعريفه للمجتمع المدني العناصر الأخرى التي يتبناها معظم المفكرين والمنظرين عن المجتمع المدني، مثل المكان والثقافة المجتمعية السائدة في المكان نفسه. فالزمان هو الحامل الرئيس للمجتمع المدني وهو متحرك، والإنسان في أي مكان هو من يساهم في دفع المجتمع المدني خطوة إلى الأمام بغض النظر عن المكان والبيئة المجتمعية. وعلى الرغم من ذلك فإن الجباعي في عملية شرحه للمجتمع المدني لم يغفل تلك العوامل المكانية والثقافية، إلا أنه أسقطها من تعريفه للمجتمع المدني ليجعل منها عوامل مؤثرة وليست أساسية كالزمان والإنسان. يمكن تشبيه المجتمع المدني هنا بالقطار الذي يسير من دون توقف، يمكن أن يتباطأ قليلًا أو ينحرف عن مساره في مكانٍ ما نتيجة للعوامل الجوية لكنه يظل مستمرًا في المضي قدمًا، والعوامل الجوية تشبه العوامل المكانية والثقافية وغيرها.

لقد أحسن الجباعي باختياره للزمان والإنسان كعنصرين أساسيين للمجتمع المدني، إذ يوسع مفهومه الإنساني ليشمل ماضيًا وحاضرًا التجربة الإنسانية الطموحة للتقدم في كل مكان. وبهذا يمكن عد المجتمع المدني اليوم في أوروبا، وألمانيا خصوصًا استكمالًأ لمسيرته الزمانية منذ التنوير في القرن الثامن عشر. وما كان يطلق عليه المجتمع المدني في ذلك الوقت لم يكن إلا استكمالًا لمسيرته في عصر النهضة الإيطالية والأوروبية عمومًا منذ القرن الرابع عشر. وما وصل إليه في إيطاليا كان استكمالًأ لما وصلت إليه الحضارة العربية في الأندلس التي ورثت كثيرًا من مفهوماتها الجمعية عن دمشق، كما ورثت دمشق عن مكة ومكة عن الحضارتين الفارسية والبيزنطية، وهؤلاء عن الحضارة اليونانية… إذًا فالمجتمع المدني تجربة إنسانية محض يضيف كل مجتمع إليها تجربته ويورثها إلى أسلافه من البشر. والمفهومات التي نحفل بها اليوم على أنها مجتمع مدني، قد يعدها أحفادنا مستقبلًا مجتمعًا تقليديًا ويسيرون بها باتجاه المفهومات التي تتلاءم وزمانهم.

يظلم الجباعي في كتابه “المجتمع المدني اليوم” التاريخ إذ ينسب إليه الأساطير التي تتبناها الأيديولوجيات الحاضرة، وبرأيي أن الجباعي يخلط هنا بين مفهومي التاريخ والذاكرة في معرض نقده للأيدلوجيا التي تُبنى على التراث[20]. فالذاكرة الجماعية للشعوب، وليس التاريخ، هي الحامل الرئيس للأيديولوجيا التي تغذي أيديولوجيا اليوم إذ تروي الماضي على نحو متصل مع الحاضر، وتجعل الحاضر يبدو وكأنه نتيجة حتمية مستمرة للماضي. وبذلك فإنها تخلق مشاعر وأحاسيس لدى الجمهور تجاه أي حدث في الماضي مهما مضى عليه من الزمن. أما التاريخ هو العلم الموضوعي الذي يبحث في الماضي ويحقق في الحوادث التي وقعت حينها بصورة منفصلة عن الحاضر، ويبحث في الأسباب الموضوعية التي قادت إلى حدوث تلك الحوادث، ومن ثم تجريد تلك الحوادث من المشاعر والأحاسيس التي تعتري المستمع وتغييب قدرتها على بناء أيديولوجيا حاضرة[21].

خاتمة

ليس البحث في المجتمع المدني اليوم من قبيل الرفاهية الفكرية، إنما لأن وجود المجتمع المدني قد أصبح حاجة إنسانية ملحة لمواجهة العصبيات المحلية المستشرية في كل مكان تقريبًا في هذا العالم والتي تتغذى على الأيديولوجيات الذاكراتية القومية منها، العشائرية والدينية. وإن ما يحدث اليوم في العالم من حروب وصراعات يظهر مدى الحاجة إلى وجود مجتمعات مدنية في كل بلد وكل مدينة وقرية تتشارك بالمفهومات الإنسانية العامة. فعالم اليوم خصوصًا بعد التقدم التكنولوجي في العقدين الأخيرين انفتح على بعضه البعض من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وتحول إلى قرية صغيرة. وبالنتيجة فإن التواصل البشري قد أصبح عابرًا للقارات والحدود من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى اللغة لم تعد عائقًا للتواصل بين الشعوب المختلفة بعد أن حُلّت هذه المشكلة من خلال الترجمة الفورية التي توفرها تطبيقات الذكاء الصناعي. إلا أن هذا المجال المفتوح الذي يتيح التواصل الحر أمام البشر من جميع الأعراق والأجناس من دون أي حدود أو عوائق فيزيائية، لا يزال يواجه خطر الحدود الأيديولوجية بين أبناء المجتمعات البشرية المختلفة. إذ يدخل كل إنسان اليوم إلى ساحات التواصل الاجتماعي معبًا بفكر أسلافه الذي يشكل الذاكرة الجمعية لأبناء مجتمعه التقليدي الآني، وهذا ما يساهم في جعل وسائل التواصل الاجتماعي في كثير من الأحيان ساحة صراع ذاكراتية جماعية على أساس تقليدي محلي. إذ أضحت هذه القرية الصغيرة التي تختزل العالم كله ساحة معركة يتصارع أبناؤها فيها كلٌّ بأفكار أجداده، فتساهم بنشر الأيديولوجيات الذاكراتية بصورة أسرع وأوسع ومن ثم تأجيج العصبيات المحلية على نحو أكبر.

ومن هنا تأتي أهمية نظرية الجباعي عن المجتمع المدني، فهي تسد الفجوة بين التعريف الذي يقدمه الجباعي للمجتمع المدني وبين ما سبقه من تعريفات في العقود والقرون الماضية للمجتمع المدني التي كان عنصرها الأساسي المكان. ففيما أفرد معظم المفكرين مساحة واسعة للبيئة المكانية في تفسير المجتمع المدني، نرى أن الجباعي ركز على عنصري الزمان والإنسان كعناصر أساسية لتعريفه للمجتمع المدني وذلك استجابة للعصر الذي يعيش فيه، بما يحمله هذا العصر من تقدم تكنولوجي يجعل من البيئة المكانية عاملًا مؤثرًا وليس أساسيًا في تشكيل المجتمع المدني. ويبدو أن الجباعي يعي ذلك جيدًا إذ يطلق على كتابه الأخير تسمية “المجتمع المدني اليوم”، فمفردة اليوم التي أرفقها بعنوان الكتاب ليعطي لعنصر الزمان الأهمية الأساسية التي يحتلها اليوم في تفسير المجتمع المدني، وليعبر عن عصره الذي يعيش فيه ويترك المجال أمام الأجيال المقبلة لتبني أو رفض ما جاء في كتابه كلٌ بما يتلاءم وزمانه الخاص به.

المراجع

1- الجباعي. جاد الكريم، المجتمع المدني اليوم، ط1، (مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، 2024).
2- السواح. وائل، الديمقراطية، ط1، (دمشق: بيت المواطن للنشر والتوزيع، 2014).
3- العطواني. هيثم، “الهوية الاجتماعية والخصوصية الثقافية النسبية للسويداء، مقاربة أنثربولوجية تاريخية”، مجلة قلمون، ع:28، (2024).
4- بشارة. عزمي، المجتمع المدني دراسة نقدية، ط6، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012).
5- بنيامين. فالتر، نقد العنف، (عبدالله البلغيتي العلوي مترجمًا)، مجلة الأزمنة الحديثة، ع:2، (2010).
6- شحادة. حسام، المجتمع المدني، ط1، (دمشق: بيت المواطن للنشر والتوزيع، 2015).
7- Rosenstock-Hussy. Eugen, “The Predicament of History”, Journal of Philosophy, 32, (1935).

1- حسام شحادة، المجتمع المدني، ط1، (دمشق: بيت المواطن للنشر والتوزيع، 2015)، ص10.
2- عزمي بشارة، المجتمع المدني دراسة نقدية، ط6، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص43.
3- بشارة، ص44-45.
4- وائل السواح، الديمقراطية، ط1، (دمشق: بيت المواطن للنشر والتوزيع، 2014)، ص48.
5- جاد الكريم الجباعي، المجتمع المدني اليوم، ط1، (مؤسسة ميسلون للثقافة والنشر، 2024)، ص165.
6- جاد الكريم الجباعي، المجتمع المدني اليوم، ط1، (مؤسسة ميسلون للثقافة والنشر، 2024).
7- هيثم العطواني، “الهوية الاجتماعية والخصوصية الثقافية النسبية للسويداء، مقاربة أنثربولوجية تاريخية”، مجلة قلمون، ع:28، (2024)، ص159.
8- المرجع نفسه.
9- جباعي، ص165.
10- المرجع نفسه، ص128.
11- المرجع نفسه، ص169.
12- المرجع نفسه، ص31.
13- المرجع نفسه، ص198.
14- المرجع نفسه، ص144-145.
15- فالتر بنيامين، نقد العنف، (عبدالله البلغيتي العلوي مترجمًا)، مجلة الأزمنة الحديثة، ع:2، (2010)، ص9.
16- جاد الكريم الجباعي، “المجتمع الأهلي والمجتمع المدني: سوريا أنموذجًا”، مؤمنون بلا حدود، (25-02-2020). الرابط
17- المرجع نفسه، ص13.
18- المرجع نفسه، ص90.
19- بشارة، ص46.
20- جباعي، المجتمع المدني اليوم، ص25.
21- Eugen Rosenstock-Hussy, “The Predicament of History.” Journal of Philosophy, 32, (14 Feb. 1935), p1-2.

  • كاتب سوري، درس الحقوق في جامعة دمشق، بكالوريوس "دراسات شرق أوسطية" من جامعة أمستردام، طالب ماجستير "دراسات يهودية" في جامعة أمستردام. عمل محررًا في مجلة زمزم بين عامي 2018-2020 (مجلة أكاديمية باللغة الهولندية تصدر عن مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة أمستردام). منذ عام 2020 يعمل مستشار تواصل في مركز أمن المعلومات وحماية الخصوصية في هولندا. في عام 2021 صدرت له رواية بعنوان "رصاصة أخيرة" عن دار نون للنشر في تركيا.

مشاركة المقال: