تكمن أهمية “المسألة اليهودية”، التي لا تزال قائمة هنا وهناك، في كونها مسألة هوية مركبة: دينية و”قومية” (إثنية) في الوقت نفسه، على نحو ما تتجلى، اليوم، في دولة إسرائيل؛ ولكونها هوية دينية قومية أو قومية دينية في بيئة تعددية. ولأن لها نظائر إسلامية، سنية وشيعية، في العالمين العربي والإسلامي، على نحو ما هي الجمهورية الإسلامية الإيرانية[1]، اليوم، و”دولة الخلافة الإسلامية” المنشودة، لدى جماعات الإسلام السياسي، التي تتماهى في عقيدتها الملَّةُ والأمَّةُ والجماعة؛ وتنتشر ظلالها فوق عقيدة “المجتمع العربي-الإسلامي” و”الثقافة العربية-الإسلامية” و”التراث العربي-الإسلامي” و”الفكر العربي-الإسلامي، والتاريخ العربي-الإسلامي، بما هي عقيدة هووية بالفعل وعنصرية بالقوة. المسألة اليهودية، برمزيتها التاريخية، راهنة في سوريا راهنيَّتَها في سائر الدول القائمة على افتراضات و”مبادئ” غير سياسية.
تعيِّن المسألة اليهودية ثلاثة مستويات للنظر أو الفكر، أو التفكير: مستوى لاهوتي، ومستوى ثقافي، ومستوى سياسي. والنظر في هذه المستويات يختلف من حيث اعتبار كل واحد من هذه المستويات إما مستقلًا بذاته ثابتًا ودائمًا، وهذا هو الشائع في السجالات الهووية، التي تملأ الصحف والإذاعات والقنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي، وتشغل الكتاب والمفكرين والفلاسفة؛ وإما من حيث اعتبار المستوى السياسي، ببطانته الأخلاقية، يتضمن المستوى الثقافي، ببطانته الأخلاقية، على أنه أساسُه؛ والمستوى الثقافي يتضمن المستوى اللاهوتي، ببطانته الأخلاقية، على أنه وجه من وجوهه، واعتبار هذه المستويات ديناميكة متغيرة؛ أيُّ تغير في أحدها يؤثر فيها كلها. وهذا ضرب من الفكر “النابت” (نقيض الثابت وضده). يبدو أن “الثوابت والنوابت” وجهان متضادان لإشكالية الهوية القديمة-الجديدة وكيفية مقاربتها، بدلًا من العصبية والاستخلاف.
النابت ينبت في بيئته، وينمو متأثرًا بها ومؤثرًا فيها، ويموت موت الفرد المتناهي، ويترك بذوره في تربة بيئته، التي تكون قد تغيرت بموته، وتتجدد بنبْته أو نباته من جديد، بحسب قانون الكائنات الحية.
النظر في المسألة اليهودية على النحو النابت، يقتضي إعادة تعريف السياسة (بصفتها عقلًا عمليًا أو أخلاقًا عملية، معرفةً وثقافةً متحققتان بالفعل) وإعادة تعريف السلطة؛ بصفتها ضرورةً، تضعها الحرية، وتنفيها، وتعيد تشكيلها حينًا بعد حين. السياسة في نظرنا، هي الشكل الأرقى الممكن من أشكال الوجود الاجتماعي، بخلاف دلالة السياسة في القاموس والثقافة السائدة، وبخلاف اعتبارها امتدادًا للحرب بوسائل أخرى، عند ميشيل فوكو. السياسة ليست فن التدبير، وليست “فن إدارة البشر والأشياء”. السياسة هي ذورة من ذرى الحياة الأخلاقية، إن لم تكن ذروةَ الحياة الأخلاقية، تتجلى في الدولة، بصفتها الحياة العامة، “الحياة الأخلاقية للشعب”. مفهوم السياسة غائب عن الثقافة العربية قديمها ووسيطها وحديثها، غائب عن الثقافة “العربية” المعاصرة، إلا بمعنى الملك والاستخلاف وقيادة الجماهر، أي بمعنى سياسة الدواب، كما يعرفها القاموس. غياب مفهوم السياسة هو جذر غياب مفهوم الدولة، بصفتها تعينًا للعقل، للروح الإنساني والحكمة الإنساية، وبصفتها حرية موضوعية وأخلاقًا موضوعية. هذا الغياب هو ترجمة لغياب فكرة المجتمع وحضور فكرة الجماعة (الهوية)، العائلة الممتدة والعشيرة والقبيلة والطائفة والملة. ليس في بلاد العرب مجتمعات، بل جماعات متراصفة تتعايش على مضض، وتكيد كل منها للأخريات. الجماعات قطعان بشرية ليس غير.
انظروا في الحياة اليومية؛ أخلاق الناس، معرفتهم، وثقافتهم، هي سياساتهم، وسياساتهم هي أخلاقهم ومعرفتهم وثقافتهم، وكذلك سياسات الأحزاب والدول.. نحن ننظر إلى السياسة من زاوية التعارضات الاجتماعية، بصفتها عوامل نمو وتقدم، من جهة، وبصفتها عوامل ركود وانهيار من الجهة المقابلة، بحسب المجال الذي تجري فيه هذه التعارضات. ففي المجال الاجتماعي الخالص (مجال الإعمال الخاصة بلا قوانين عامة) تكون التعارضات فردية-فئوية أنانية مباشرة وعنيفة بين فئات مغلقة (هووية)، قد تؤدي إلى صدامات ونزاعات، ما لم تترجم إلى اتجاهات ثقافية وتيارات فكرية ونظريات سياسية وإلى آداب وفنون.. في المجال الثقافي تتخلص التعارضات الاجتماعية ذاتها من بعض فئويتها وانغلاقها وعنفها، وتحل اللغة محل السلاح، والتواصل محل التفاصل، ولكن إمكانات النزاع تظل قائمة، ما لم تُترجِم التعارضات، التي تخترق المجال الثقافي إلى سياسة، فتنتفي فئويتها كليًا، وتنتفي إمكانات العنف والنزاع، لأن الدولة تحتكر العنف، وتعين أشكال استعماله، وتحددها بدستور وقانون. الدولة هي ذروة الحياة السياسية، والسياسة هي ذروة الحياة الأخلاقية. كان هيغل وماركس على حق حين اعتبرا المجتمع المدني فضاء الحرية، والدولة مملكة القوانين وتجسيدًا للحياة الأخلاقية؛ تجسيدًا للعقل والحرية الموضوعية والأخلاق الموضوعية. الدولة هي الحياة الأخلاقية للشعب (ماركس).
في ضوء ما تقدم، يمكن القول: إن العلاقات المتبادلة بين الأفراد، في بيئة بعينها، هي، على اختلاف أشكالها ومضامينها، ثقافة غير مبنية بعد، هي جينات الثقافة وجينات السياسة وجينات السلطة وجينات الأخلاق، غيرَ مبنينة، وغير ممؤسسة؛ وأن الثقافة هي العلاقات البينية إياها مبنية ومبنينة وصائرة إلى مؤسسة / مؤسسات، مع عنصر اجتماعي غير مرفوع؛ والثقافة، بصفتها هذه، هي سياسة بالقوة، أو سياسة غير مبنية وغير مبنينة بعد، وغير ممؤسسة، ومن ثم تكون السياسة ثقافة خالصة بالفعل وأخلاقًا خالصة بالفعل، ثقافة خالصة من أي عنصر اجتماعي، فئوي أو طبقي أو ما شئتم. وهذا معنى قولنا: إن العمومية (الإنسانية) هي جوهر السياسة، وجوهر الدولة السياسية، مؤسسة المؤسسات؛ وإن الإنسانية هي قوام الوطنية وعمادها ونصابها، وإلا تكون الوكنية عنصرية وحسب.
الأخلاق، مثل الثقافة، بل هي جوهر الثقافة، هي “ما يتبقى بعد أن ننسى كل شيء”. هي محتوى العلاقات، التي تربطنا بأخريات وآخرين، عفوية كانت هذه العلاقات أم قصدية؛ هي السلطة، التي نمارسها على أنفسنا، وعلى غيرنا؛ هي ضمائرنا العميقة ومضمراتنا إزاء العالم، إزاء الطبيعة والمجتمع والإنسان، وإزاء المرأة بصورة خاصة، وضمير المرأة إزاء الرجل. الأخلاق ثقافة بالقوة، وسياسة بالقوة، والثقافة أخلاق بالفعل والسياسة أخلاق بالفعل. بكلمة موجزة: العلاقات البينية، العلاقات البين ذاتية، والعلاقات الهووية أيضًا، هي معيار الثقافة والسياسة والأخلاق. العلاقات البين ذاتية والعلاقات الهووية تعينان نوعين من الأخلاق: أخلاق الحرية وأخلاق العبودية أو التبعية (أخلاق الأمر والطاعة)، تكمن الحكمة كلها في تمييز أحدهما من الآخر، في كل علاقة وفي أي وقت، وفي وعي الحاجات والغايات.
أما السلطة فهي قرينة الاجتماع البشري، نشأت بنشوئه وتنتفي بانتفائه، تصلح بصلاحه، وتفسد بفسادة. هي “علاقات قوة” أجنَّتها (جمع جنين) مبثوثةٌ في العلاقات المتبادلة بين الأفراد، في جميع مجالات الحياة، تبادلًا إما متكافئًا، أو أدنى إلى التكافؤ، كما في حالات المودة والألفة والصداقة والمحبة، أم غير متكافيء، وهذا هو الأغلب والأعم. فلا تزول السلطة إلا بزوال التبادل. لكنها تتغير بتغير شروطه وتغير طبيعته: كلما مال التبادل نحو التكافؤ، بما في ذلك تبادل الأفكار والمعاني القيم، بل لا سيما تبادل الأفكار والمعاني والقيم، تضمر العلاقات الهووية وتنمو إنسانية الذوات وعمليات التذوات، ويميل المجتمع المعني نحو الاندماج والاستقرار والتماسك. هذا، لأن الوجه الآخر للتبادل، في أي مجتمع، هو التشارك الحر والمبدع في سيرورة تشكل المجتمع، التي لا تتوقف، ولا تكتمل. السلطة هي مرآة العلاقات الاجتماعية، في أي مجتمع. السلطة ضرورة تضعها الحرية، وتنفيها، في الوقت نفسه، آنًا بعد آن وحينًا بعد حين، وتغير طبيعتها، بحسب مبادئ إنتاجها، فيمكن أن تجعلها ضربًا من سلطة الإنسان على نفسه، سلطة الدستور والقانون، هذا حدث، ويمكن أن يحدث بغير “معونة ابن خلدون”، كما يريد المسكيني، أي بغير معونة العصبية والاستخلاف، بل بتفككهما وتفسُّخهما، وبغير أدلوجة “الجمهور” التي يراد لها أن تحل محل حقيقية الشعب. الجمهور سديم بشري غير منسوج، هو الصورة العينية لتهتك الروابط الاجتماعية والإنسانية.
أحد العيوب “الأصلية” المشتركة بين العصبية والاستخلاف والجماهيرية القطيعية هو فصل الحرية عن المساواة، بحيث لا تكون الحرية حدًا على الإفراط في المساواة؛ ولا تكون المساواة حدًا على الإفراط في الحرية والتردي إلى نوع من حرية طبيعية، برِّية، حيوانية، في مقابل الحرية المدنية المجسَّدة في دستور ومدونة قانونية. هذا هو في اعتقادنا جوهر المسألة اليهودية.
تُشتق الدلالة الوجودية (الأنطولوجية) للسلطة من الفروق الفردية القابلة للنمو والتغير والتحول، كالفروق في القوة الحيوية، الطبيعية، والفروق في المعرفة (الإدراك والفهم والعقل والذاكرة والخيال) والثقافة وفي طرائق التفكير وأنماط السلوك، كما في الميول والخبرات والمقدرات والتجارب، وفي الصفات النفسية.. بحيث يمكن تعريف السلطة بأنها محصلة القوى المتغيرة في العلاقات البينية، في مختلف مجالات الحياة.
عن “المسألة اليهودية”
يبدو من الصعب تفسير التوتر المستمر بين العقائد الدينية، إذا لم نرجعه إلى نزعة التمركز على الذات، (Egocentralism)، التي تميز حياة الفرد في المراحل الأولى من عمره. ويبدو بأنها تميز طفولة الجماعات البشرية الطويلة، التي شهدت نشوء الظاهرة الدينية بالتزامن (ربما) مع نشوء الملكية الخاصة والسلطة المركزية والهيمنة الذكورية. نقصد بالطفولة، هنا، مرحلة ما قبل الرشد الأخلاقي، (وهو غير الرشد القانوني)؛ إذ الرشد الأخلاقي هو من أبرز ممكنات الاجتماع البشري ومن أهم شروطه. واللافت أن التوترات الدينية والمذهبية لا تزال قائمة، في غير مكان من العالم، تشير، حيثما وجدت، إلى عدم الرشد الأخلاقي، أو إلى ضموره وانتكاسه إلى الغيِّ والهوى[2].
انطلق برونو باور (1809-1882) الفيلسوف واللاهوتي الألماني، من اعتبار المسألة اليهودية مسألة دينية أو لاهوتية، فالتناقض، في نظره، هو بين المسيحية واليهودية؛ وهو تناقض متوتر، ولكنه يستعصي على الحل، بل يبدو حله مستحيلًا إلا إذا تخلى اليهود عن يهوديتهم والمسيحيون عن مسيحيتهم، فذهب إلى ضرورة نفي الدين كليًا. هذا التصور للمسألة وطريقة حلها مرتبط بتقليد فلسفي ألماني على درجة كبيرة من الأهمية، نعني نقد الدين فلسفيًا. الفلسفة إلغاء معرفي وأخلاقي للدين والقومية.
بخلاف باور، نظر ماركس إلى المسألة اليهودية على أنها مسألة اجتماعية سياسية، في العالم وفي التاريخ، أي إنها مسألة دنيوية وتاريخية، لا مسألة دينية أو لاهوتية، وأن حلها لا يكون بنفي الدين أو حذفه، لأنه لا يمكن حذف الدين. الدين لا ينتفي إلا بانتفاء الشروط التاريخية التي أنتجته، ولا تزال تعيد إنتاجه. الدين ظاهرة تاريخية، كأي ظاهرة تاريخية أخرى لا تزول إلا بزوال أسبابها، بل بزوال علَّة وجودها والشروط التي أنتجتها وتعيد إنتاجها.
استغلال الإنسان للإنسان، في نظر ماركس، هو أحد هذه الأسباب. احذفوا الاستغلال، جميع أنواع الاستغلال، واحذفوا التمييز، ينتفي الدين من تلقاء ذاته لانتفاء مبررات وجوده وأسبابه. لكن المسألة أعمق من ذلك وأكثر تعقيدًا، حتى في نظر ماركس نفسه؛ إنها تتعلق باغتراب الإنسان عن ناتج عمله، المادي والفكري على السواء، إذ يتحول هذا الأخير إلى سلطة (عليا) تقيد حرية من أنتجها، بل إنها تعيد إنتاجه. وهذا أمر في غاية الأهمية، عالجه ماركس في مخطوطات 1844 الفلسفية والاقتصادية، وفي مسودات كتاب رأس المال (الغراوندريسه) ثم في الكتابين الأول والثاني في رأس المال تحت عناوين الاغتراب والتشيؤ وصنمية السلعة… إلخ.
المسألة الدينية (اليهودية) إذن مسألة اجتماعية سياسية، تتعلق بتأخر المجتمع الألماني ونقص تطوره الرأسمالي وبطء سيرورة تحوله إلى مجتمع مدني حديث، قياسًا بتطور إنكلترا وفرنسا، في زمن ماركس. وتتعلق، من ثم، بنقص الدولة، وكونها تناقضًا في ذاتها بين عموميتها النظرية، بصفتها دولة، وجزئيتها الواقعية، بصفتها مسيحية. أي إنها دولة جزء من المجتمع، بغض النظر عن حجم هذا الجزء، لا دولة المجتمع كله. وأن جزئيتها هذه، التي تجعلها تميز المسيحيين على اليهود، هي ذاتها التي تجعلها تميز مسيحيين على مسيحيين، أي إنها دولة امتيازات لا دولة حقوق متساوية.
كتب ماركس: “يطالب اليهود الألمان بالتحرر، فبأي تحرر يطالبون؟ التحرر كمواطنين، التحرر السياسي؟ يجيبهم برونو باور: ليس ثمة من هو متحرر سياسيًا في ألمانيا. نحن أنفسنا لسنا أحرارًا، فكيف نستطيع تحريركم؟ أنتم أيها اليهود أنانيون. حين تطالبون لأنفسكم كيهود بانعتاق خاص، عليكم أن تعملوا كألمان من أجل انعتاق ألمانيا السياسي، وكبشر من أجل الانعتاق البشري. ألا تشعرون أن النوع الخاص لاضطهادكم وذُلِّكم ليس استثناء عن القاعدة وإنما هو تأكيد لها. أم ترى أن اليهود يطالبون بالمساواة مع أبناء الرعية المسيحيين[3]؟ إذا كان الأمر كذلك فإنهم يعترفون بشرعية الدولة المسيحية، وطبقا لذلك، بسلطة الاستعباد العام. فلماذا يستهجنون نيرهم الخاص إذا كان النير العام يعجبهم! لماذا ينبغي للألماني أن يهتم بتحرِر اليهود إذا كان اليهودي لا يهتم بتحرير الألماني؟
بهذه الأسئلة حدد ماركس الإشكالية: هل هي دينية أم سياسية، تحرر ديني أم تحرر سياسي، ما الذي يريده اليهود وما الذي يمكن تحقيقه، وكيف؟ ماركس ينتقد رؤية باور للمسألة اليهودية على أنها مسألة دينية وأن الانعتاق المطلوب هو الانعتاق من الدين. ويقارن بين الدولة المسيحية (الدينية) والدولة السياسية، التي نسميها الدولة الوطنية الحديثة، ويحدد، من ثم، شروط الانعتاق السياسي، التي يمكن أن تجعل من المسيحي مسيحيًا ومواطنًا ومن اليهودي يهوديًا ومواطنًا، فالحل لا يقتضي إلغاء الدين بل إلغاء الامتيازات على اختلافها، ولا سيما الإثنية منها والدينية.
“الدولة المسيحية لا تعرف إلا الامتيازات، ولليهودي فيها امتياز كونه يهوديًا. وله كيهودي حقوق ليست للمسيحيين. فلماذا يطالب بحقوق ليست له، يتمتع بها المسيحيون؟ حين يريد اليهودي التحرر من الدولة المسيحية فإنه يطلب أن تتخلى الدولة المسيحية عن حكمها الديني المسبق أو عن شرطها الديني المسبق. فهل يتخلى هو، اليهودي، عن حكمه الديني المسبق أو عن شرطه الديني المسبق؟ أفيكون من حقه أن يطلب من غيره أن يتخلى عن الدين؟ يدرك باور وماركس أن مشكلة اليهود دومًا، ولا سيما في العصر الحديث، أنهم يعتبرون اليهودية قوميتهم، التي تتعارض لا مع دين الأكثرية، بل مع قومية الأكثرية، ومع قومية الدولة. هذا التعارض المركب أو المتقاطع ناجم عن اعتبار الدين هوية سياسية، واعتبار الأصل (العرق) هوية سياسية أيضًا. هذا هو جذر المشكلة التي تعاني منها، اليوم، شعوب منطقة الشرق الأوسط، وشمالي أفريقيا وغيرها، لذلك رأينا أن تحليل ماركس لهذه المسألة لا يزال راهنًا، ويمكن اعتباره نموذجًا لا تنبغي خسارته في إثناء البحث عن حلول ناجعة للمسألة الطائفية في هذه البلدان.
لب المسألة أو جوهرها هو أن الدولة المسيحية تبعًا لجوهرها (المسيحي) لا تستطيع أن تعتق اليهودي، ولكن اليهودي لا يستطيع أيضًا، من حيث جوهره (اليهودي)، أن ينعتق، كما يضيف باور. فما بقيت الدولة مسيحية واليهودي يهوديًا فإِن كليهما على السواء غير قادرين على منح التحرر أو تلقيه بالتساوي، غير قادرين على العتق والانعتاق بالتساوي. بكلام آخر: ما بقيت المسيحة هوية سياسية للمسيحيين وأساسًا للدولة، وما بقيت اليهودية هوية سياسية لليهود تضعهم في تناقض مع المسيحية من جهة ومع الدولة من جهة أخرى، فإن المسيحي واليهودي على السواء غير قادرين على منح التحرر أو تلقيه.
الدولة المسيحية لا تستطيع أن تسلك إزاء اليهود إلا بطريقة الدولة المسيحية، هذا يعني بطريقة منح الامتيازات، أيِ بأن تسمح بتمييز اليهودي من بقية مواطني الدولة، (بمنحه حقوقًا خاصة)[4]، ولكنها تجعله يشعر بضغط المجالات الأخرى المتميزة، وبصورة أشد حين يكون اليهودي في تعارض ديني مع الدين السائد. ولكن اليهودي أيضًا لا يستطيع أن يقف من الدولة إلا موقفا يهوديًا، هذا يعني أنه يقف من الدولة موقف الغريب، بأن يضع قوميته الوهمية مقابل القومية الحقيقية ويضع قانونه المتوهم مقابل القانون الحقيقي بأن يظن أن من حقه أن يتمايز عن البشرية، بأن يحجم مبدئيا عن المشاركة في الحركة التاريخية، بأن يطمح في مستقبل لا يجمعه بالمستقبل العام للإنسان أي شيء، بأن يعتبر نفسه عضوًا في الشعب اليهودي، ويعتبر الشعب اليهودي الشعب المختار”.
أساس المشكلة إذا هو مسيحية الدولة، لا مسيحية المسيحي ولا يهودية اليهودي. الدولة المسيحية (ضعوا الإسلامية) لا تستطيع أن تتصرف إزاء غير المسيحيين إلا وفق طبيعتها المسيحية. فالأمر الحاسم في المسألة والذي يفتح إمكانية حلها هو طبيعة الدولة، هل هي دولة دينية أو قائمة على أساس ديني، أم هي دولة سياسية، دولة وطنية لجميع مواطناتها ومواطنيها. وهذه متصلة أوثق اتصال بطبيعة المجتمع، هل هو مجتمع تقليدي أو مجتمع أهلي بتعابيرنا الرائجة، لا يعرِّف فيه الإنسان نفسه، ولا يعرِّف غيره، إلا بصفته الدينية أو المذهبية أو العشائرية.. أم هو مجتمع مدني حديث، يرى كل فرد من أفراده صورته في الآخر المختلف والأخرى المختلفة، بصفته/ـا إنسانًا في المقام الأول ومواطنًا/ـة في المقام الثاني. هنا يكون الانعتاق السياسي مقدمة لازمة وضرورية للانعتاق الإنساني.
يقول ماركس: “طرح باور مسألة تحرر اليهود طرحًا جديدًا بعد أن وجه الانتقاد إلى الطروحات والحلول التي كانت قائمة حتى ذلك الوقت. إنه يتساءل: ما هي طبيعة اليهودي، الذي يريد التحرر، وما طبيعة الدولة المسيحية التي يفترض أن تحرره؟ فأجاب بنقد الديانة اليهودية، وتحليل التناقض بين اليهودية والمسيحية وإيضاح جوهر الدولة المسيحية، وفعل هذا كله بشجاعة ووضوح وظرافة وعمق، بأسلوب يتصف أيضا بالدقة والمتانهَ والحيوية”. يُلاحظ، هنا، تقريظ ماركس لباور والتنويه به. ما يعني أنه متفق معه على نقد الدين، أي دين، ولكنه ليس متفقًا معه على تعريف المسألة اليهودية وفهمها وطريقة حلها، بما هي مسألة اجتماعية سياسية.
تناول ماركس المسألة اللاهوتية في رسالة إلى أبيه، وكان لا يزال في التاسعة عشرة، وربما في رسالته لنيل درجة الدكتوراه، ولم يعد إلى هذه المسألة قط في عمله النظري اللاحق، إلا من خلال نقد الفلسفة المثالية الألمانية. فلم يعد يرى في الدين سوى عزاء وهمي من الشقاء الإنساني الواقعي، أو مسكِّن للآلام، يجعل الأشقياء ينظرون إلى عالمهم الوهمي المنسوج من تصورات غيبية على أنه العالم الواقعي، وينظرون من ثم إلى العالم الواقعي على أنه وهمي. ذلكم هو “الوعي الشقي”[5].
مرة أخرى نشير إلى أن باور رأى أن المسألة اليهودية هي مسالة دينية، لا تحل إلا بالتحرر من الدين وحذفه كليًا. وهذا حل مغر ومريح ونهائي، ويتوسل بالعلم والمعرفة العلمية، ولكنه غير ممكن، لا في شروط ألمانيا آنذاك، ولا في أيامنا هذه أيضًا، لا سيما أن الدين في كل مكان يُظهر حقيقته التاريخية، بصفته شكلًا من أشكال التمركز على الذات، صيغته القصوى هي الجماعات الدينية والمذهبية المسلحة (الميليشيات)، التي تلتهم ما تسمى دولًا، أو ما كان يمكن أن تكون دولًا، في غير مكان.
لاحظوا كيف يحاكم باور هذه المسألة محاكمة نظرية مجردة، على طريقة التأمل الذاتي: (أكثر أشكال التناقض صلابة بين اليهودي والمسيحي هو التناقض الديني. كيف يحل المرء تناقضًا ما؟ بجعله مستحيلًا. وكيف يحل المرء تناقضًا دينيًا مستحيلًا؟ بإلغاء الدين. حالما يرى كل من اليهودي والمسيحي دين الآخر مجرد مراحل تطور مختلفة للفكر الإنساني ويتعرفا فيهما على جلدي أفعى سلخهما التاريخ وعلى الإنسان الذي يمثل الأفعى التي كانت في هذين الجلدين، فلن تكون العلاقة بينهما علاقة دينية وإنما علاقة علمية نقدية وحسب، علاقة إنسانية يكون العلم وحدتها. أما التناقضات في العلم فيحلها العلم نفسه). حذف حدَّيْ التناقض أو طرفيه هو أهون الحلول، ولكنه مستحيل، إلا بفعل التاريخ، لا بإرادة أي منهما. وحذف أحد الحدين أو الطرفين يؤدي إلى كارثة لا يسلم منها ومن عقابيلها أي منهما.
كيف يمكن أن يحل هذا التناقض التعادمي وما يماثله؟ بإحلاله في التاريخ، لا بإحلال التاريخ فيه؛ بالنظر إليه بدلالة التاريخ، لا بالنظر إلى التاريخ بدلالته، على نحو ما هو سائد في الوعي الشعبي والثقافة الشعبية الأثيرة لدى الشعبويين؛ باعتباره وجهًا من وجوه الثقافة، لا باعتبار الثقافة وجهًا من وجوهه، باعتباره مسألة اجتماعية-سياسية، لا مسألة لاهوتية؛ بإخضاعه لمنطق الواقع، لا إخضاع الواقع لمنطقه؛ بالاعتراف المتبادل بالمساواة في الكرامة الإنسانية، والكرامة الوطنية، والأهلية والجدارة والاستحقاق. والاعتراف المتبادل بتكافؤ المعاني والقيم، تكافؤ الثقافات، وامتناع أن تكون ثقافة بعينها نموذجًا معياريًا للثقافة ومرجعًا وحيدًا للأخلاق.
كأني بماركس يقول: أجل، الدين مثل جلد الأفعى يسلخه التاريخ عنها بين الحين والحين فتستبدل به جلدًا آخر. والفكر الإنساني أو الوعي هو هذه الأفعى التي تبدل جلدها.. التناقض ليس بين اليهودية والمسيحية، فهما جلدا الأفعى، باعتراف باور نفسه. التناقض يكمن تحت هذين الجلدين، أي في الإنسان ذاته، بين حياته الشخصية الخاصة وحياته النوعية العامة، بين كونه فردًا طبيعيًا أو عضوًا في المجتمع المدني وكونه مواطنًا أو عضوًا في المجتمع السياسي، أو في الدولة السياسية. هذا التناقض هو ما يؤسس التناقض بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، وبموجب العلاقة الجدلية بينهما تكون الدولة إما دينية وإما سياسية، وهذه الأخيرة، أي الدولة السياسية إما ناقصة وإما كاملة. ومن ثم، إن التناقض لا يحل إلا بتحديث المجتمع وإقامة الدولة السياسية الكاملة، دولة المواطنة المتساوية. وهذا ممكن، في أي وقت، وفي أي مجتمع، يبدأ بحق الاقتراع العام، وفق دستور وقانون قائمين أو مبنيين على مبادئ المساواة والحرية، أي على مبادئ العدالة السياسية؛ قل على مبادئ المواطنة المتساوية.
يتقدم النقد خطوة أخرى: باور ينظر إلى المسألة على أنها مسألة عامة، لا تتعلق بالواقع الألماني فقط. بل هي مسألة “علاقة الدين بالدولة”، في كل مكان، فلا يكتفي بأن يتحرر اليهودي والمسيحي معًا من الدين، بل يقرن ذلك بتحرر الدولة من الدين أيضًا. هذه خطوة متقدمة، ولكن المسألة لا تزال عالقة في مأزق استحالة تحرر الأفراد من شروطهم الدينية، إلا طوعًا واختيارًا، لا لأسباب تتعلق بطبيعتهم، بل لأسباب تتعلق بطبيعة النظام الاجتماعي-السياسي، الذي يجعل من الدين “حاجة إنسانية”، (حاجة إلى عزاء ومسكِّن للآلام) وبطبيعة الواقع الذي ينتج الأوهام، ويعيد إنتاجها، لأنه في حاجة إلى أوهام تقنِّع حقيقته (واقع الاستغلال والاستعباد).
يقول باور: «يجب أن يكون اليهودي، على سبيل المثال، قد كف عن أن يكون يهوديًا، حين لا يدع قانونه يعيقه عن أداء واجباته إزاء الدولة وشركائه في المواطنة، أي أن يذهب مثلًا في يوم السبت إلى مجلس النواب، ويشارك في المناقشات العامة. يجب إلغاء كل الامتيازات الدينية بوجه عام، بما في ذلك أيضًا احتكار كنيسة ذات امتيازات خاصة، وإذا كان البعض أو العديدون أو الأغلبية العظمى لا تزال تعتقد أن عليها أن تؤدي واجبات دينية، فينبغي أن يترك ذلك لهم كمسألة شخصية بحتة». «لا يعود ثمة دين حين لا يعود ثمة دين يتمتع بالامتيازات. خذوا من الدين قوته التمييزية فلا يعود له وجود». (في الواقع يجب أن تؤخذ من الدين قوى أخرى كثيرة لكيلا يعود له وجود؛ خذوا منه محدوديته، مثلًا، ويقينيته ودوغمائيته، وثوابته ومطلقاته..).
يتساءل ماركس: هل قيام اليهودي بواجباته السياسية يوم السبت يجعله يكف عن كونه يهوديًا، ويجعل اليهودية تكف عن الوجود؟ أو هل عدم ذكر يوم الأحد في القانون أو عدم الاعتراف بامتياز كنيسة يجعل المسيحة تكف عن الوجود أو تحوِّل الدين إلى مسألة شخصية بحتة، فتُحل، من ثم، المسألة الدينية وعلاقة الدين بالدولة؟ من الواضح أن السؤال استنكاري، لأن وضع الإشكالية لم يتغير، فلا تزال المسألة مسألة دينية. (يطلب باور أن يتخلى اليهودي عن يهوديته والإنسان بوجه عام عن الدين، ليتحرر كمواطن من جهة. ومن جهة أخرى يعتبر الإلغاء السياسي للدين كتبعة لذلك إلغاء للدين بوجه عام. إن الدولة التي تشترط الدين لم تصبح بعد دولة حقيقية، دولة واقعية).
“في هذه النقطة يظهر المفهوم أحادي الجانب للمسألة اليهودية.
لا يكفي بأية حال من الأحوال أن نبحث: من الذي سيقوم بالتحرِر ومن الذي سيتحرر؟ فعلى النقد أن يقوم بشيء ثالث. عليه أن يسأل: بأي نوع من التحرر يتعلق الأمر؟ أية شروط تقع في صلب التحرر المطلوب؟ لقد كان نقد التحرر السياسي نفسه هو النقد النهائي للمسألة اليهودية وذوبانها الحقيقي في “مسألة العصر العامة”.
يرى ماركس أن باور لم يرفع المسألة إلى هذا المستوى فسقط في التناقضات. لقد وضع شروطًا للتحرر السياسي لا صلة لها بهذا التحرر، كالانعتاق من الدين. وانتقد الدولة المسيحية لا الدولة بوجه عام. وخلط التحرر السياسي بالتحرر الإنساني. فهذا الأخير، أي التحرر الإنساني ليس تحررًا من الدين فقط، بل من جميع الشروط التي تجعل الإنسان مهانًا ومذلًا ومغتربًا عن ذاته وعن عالمه. الاغتراب في الدين أحد أشكال الاغتراب فحسب، وليس الدين سبب الاغتراب بل نتيجته. فهل يقتضي التحرر السياسي أن يتخلى الناس عن الدين بوجه عام؟ وهل تجوز معالجة النتائج بدون معالجة أسبابها؟ نعتقد أن الصيغة الأصح هي في لغتنا: الدين ليس علَّة الاغتراب، بل هو معلول الاغتراب. ثمة فرق بين العلة والسبب.
لا يجوز النظر إلى مسألة من هذا النوع بمعزل عن شروط تشكلها تاريخيًا، وبمعزل عن الظروف العينية التي تكتنفها من كل جانب. فمسألة علاقة الدين بالدولة وموقف الأخيرة من الجماعات الدينية تختلف من دولة إلى أخرى. في ألمانيا حيث لا توجد دولة سياسية، (في زمن ماركس)، أي لا توجد الدولة كدولة، فإن المسألة اليهودية هي مسألة لاهوتية محضة. يجد اليهودي نفسه في تناقض ديني مع الدولة التي تقر بأن المسيحية تشكل أساسها. هذه الدولة هي دولة لاهوتية محترفة. والنقد هنا هو نقد اللاهوت، نقد ذو حدين، نقد للاهوت المسيحي واللاهوت اليهودي. ولكننا ما زلنا بهذا نتحرك في اللاهوت مهما أردنا أن نتحرك فيه نقديًا.
أما في فرنسا حيث الدولة نصف سياسية، لأن مظهر الدولة الدينية لا يزال باقيًا في صيغة “دين الأكثرية”، وعلاقة اليهودي بالدولة تتخذ مظهر تناقض ديني مع دين الأكثرية المعترف به دستوريًا، فالمسألة مسألة دستورية، لا دينية أو لاهوتية. النقد هنا يجب أن ينصب على الدولة التي لم تصبح بعد دولة سياسية كاملة، (لم تصبح بعد دولة وطنية)، كما هي الحال في الولايات الأمريكية الشمالية. حيثما تكون الدولة السياسية كاملة تفقد المسألة اليهودية وإشكالية العلاقة بين الدين والدولة معناها، لأن المسألة تكون قد حُلَّت حلًا نهائيًا. وحين تكف المسألة عن كونها لاهوتية يكف نقد باور عن كونه نقديًا”.
المسألة العلمانية، أو علاقة الدين بالدولة، في نظر ماركس، لا تحل بتحرر الأفراد من الدين، ولا بنقد الدين، مع أن نقد الدين حق شخصي لأي فرد، ولكنه ليس مسألة عامة، لأن الدين أساسًا ليس مسألة عامة، فليس هنالك من دين عام، بل أديان ومذاهب كل واحد منها هو دين خاص بهذه الجماعة أو تلك، بغض النظر عن عدد أفرادها؛ لذلك يجب أن تظل مسائل الدين في الحيز الخاص. تحل المسألة العلمانية بقيام الدولة الوطنية، كما في بعض الولايات الأمريكية في زمن ماركس، مع أن الولايات المتحدة هي بلد التدين، (حتى يومنا). وصفة الكمال للدولة السياسية، في نص ماركس، تعني أن الدولة لا تقوم على أي حكم مسبق غير سياسي، أو على أي شرط ديني أو مذهبي أو قبلي أو إثني. الكمال هنا نقيض الجزئية والحصرية. الدولة السياسية الكاملة هي دولة جميع مواطناتها ومواطنيها بالتساوي وبلا استثناء. أما الدولة الناقصة فهي دولة جزء من المجتمع، ولو كان هذا الجزء هو الأغلبية.
إذًا، وجود الدين لا يتعارض مع قيام الدولة الوطنية. ولكن، لأن وجود الدين هو وجود لنقص، فإن مصدر هذا النقص لا يمكن أن يُبحث عنه إلا في جوهر الدولة نفسه، لا في الدين. لا يعود الدين في نظر ماركس هو الأساس، وإنما هو مظهر للمحدودية الدنيوية وحسب. ومن هنا تُفسَر اللاموضوعية الدينية للمواطنين الأحرار بـ لاموضوعيتهم الدنيوية. فليس على هؤلاء المواطنين أن يتخلوا عن محدوديتهم الدينية، ليزيلوا حواجزهم الدنيوية. بل على العكس، إنهم سيتخلون عن محدوديتهم الدينية حالما يزيلون حواجزهم الدنيوية. لا يجوز تحويل المسائل الدنيوية إلى مسائل لاهوتية، بل يجب تحويل المسائل اللاهوتية إلى مسائل دنيوية. “يجب حل الغيبيات في التاريخ، بعد أن انحل التاريخ وقتًا كافيًا في الغيبيات”.
الدين ليس سبب المحدودية الموضوعية الدنيوية، بل نتيجة من نتائجها[6]. وحين يزول السبب تزول النتيجة. الدين ليس نقصًا في ذاته، بل نتيجة نقص في الحياة الإنسانية، نقص في المجتمع ونقص في الدولة. هكذا يغدو التحرر السياسي شرطًا لازمًا للتحرر الإنساني ومقدمة ضرورية له. أما تحرر الأفراد والجماعات من الدين، التحرر الذي لا يعارضه ماركس، ولكنه لا يعده شرطًا للتحرر السياسي، فلا ينظر إليه إلا من زاوية التحرر الإنساني الشامل من الاستغلال والاستعباد والقهر والاغتراب الذاتي.
ومن هنا فإن نقد ماركس لنقص الدولة وضعفها الديني هو نقد لبنيتها الدنيوية، بصرف النظر عن الضعف الديني. إنه “يؤنسن تناقض الدولة مع دين معين، كاليهودية مثلًا، في التناقض بين الدولة وعناصر دنيوية معينة، ويؤنسن التناقض بين الدولة والدين بوجه عام، في التناقض بين الدولة وشروطها بوجه عام”. إن ماركس يمارس، في الفكر، عملية دَنْيَوَة وعقلنة للظاهرة الدينية وعلاقة الدين بالدولة. والدنيوة والعقلنة ركنان رئيسان من أركان الحداثة.
“التحرر السياسي لليهودي والمسيحي والإنسان المتدين بوجه عام هو تحرر الدولة من اليهودية والمسيحية ومن الدين بوجه عام. تتحرر الدولة في شكلها، الذي يتضمن جوهرها الخاص كدولة، من الدين بتحررها من دين الدولة، هذا يعني عدم إقرار الدولة كدولة بدين، بل بإِقرارها بكونها دولة. ليس التحرر السياسي من الدين هو التحرر من الدين المطلق والخالي من التناقضات، لأن التحرر السياسي ليس الأسلوب المطلق والخالي من التناقضات للتحرر البشري”.
تحرر الدولة من الدين ومن دين الدولة أو دين الأغلبية، لا يقتضي تحرر الأفراد من الدين. يمكن أن تتحرر الدولة من أي حكم ديني مسبق، من دون أن يتحرر مواطنوها من هذا الحكم. هنا يغدو الدين شأنًا من شؤون الذاتية، أو من الشؤون الشخصية في المجتمع المدني. المشكلة في بلادنا ليست في عدم التفريق بين الحيز الخاص والحيز العام فقط، بل في عدم إدراك الفروق الدقيقة بين المجتمع المدني والمجتمتع السياسي (الدولة)، وعدم إدراك الفروق بين الدولة والسلطة ونظام الحكم. وكذلك في خلط الطابع الطبقي للسلطة السياسية والطابع العام، الوطني، للدولة، وإغفال حقيقة أن للسلطة السياسية طابعًا مزدوجًا، عام وخاص، عام لأنها سلطة الدولة ومقيدة بالدستور والقوانين، ببعديها العام والمجرد، وخاص لأنها سلطة الفئة الاجتماعية، التي تفوز في الانتخابات فتحظى بأكثرية مقاعد البرلمان، وتؤلف الحكومة، وتعمل عادة على تلبية مصالح فئة أو طبقة اجتماعية بعينها من دون أن يتعارض ذلك مع المصلحة العامة.
فإن حق الاقتراع العام ينتج وضعًا يشرِّع فيه غير المالكين للمالكين، وقد سمى ماركس ذلك “الإلغاء السياسي للملكية الخاصة”. الملكية الخاصة هنا لا تُلغى بالفعل في المجتمع المدني، ولا تكف عن النمو والتطور، ولكن الملكية الخاصة لا تُنتِج حقوقًا للمالكين مختلفة عن حقوق غير المالكين. وكذلك الإلغاء السياسي للدين، لا يعني إلغاء الدين من المجتمع المدني، بل يعني أن العلاقات الدينية لا تَنتج منها أي نتيجة سياسية. الدولة تلغي فرق الأصل والمكانة الاجتماعية والمهنة بطريقتها، حين تقرر أن فروق الأصل وشروط الولادة والمكانة الاجتماعية والمهنة هي فروق غير سياسية، وحين تعلن دون مراعاة لهذه الفروق عن كون كل فرد من أفراد الشعب مشاركًا متساويًا في السيادة الشعبية، إذا ما تعامل مع جميع عناصر حياة الشعب الحقيقية من وجهة نظر الدولة.
ومع ذلك تترك الدولة الملكية الخاصة والتأهيل والعمل تؤثر في المجتمع، على طريقتها الخاصة، هذا يعني كملكية خاصة وتأهيل وعمل، مؤكدة طبيعتها الخاصة. وعلى هذا النحو تمامًا، تترك الدولة الدين يؤثر في المجتمع، بطريقته الخاصة، أي بصفته دينًا. إنها، أي الدولة، بعيدة كل البعد عن إلغاء هذه الفوارق غير السياسية، في المجتمع المدني، بل إنها توجد فقط في ظل هذه الشروط، وتشعر أنها دولة سياسية وتجعل عموميتها نافذة في مواجهة عناصرها المختلفة هذه. ومن هنا كان هيغل يحدد العلاقة بين الدولة السياسية والدين تحديدًا صحيحًا تمامًا حين يقول: “كي تقوم الدولة كواقع واع وأخلاقي للعقل، فإِنه من الضروري تمايزها عن شكل السلطة والعقيدة. ولكن هذا التمايز لا يظهر إلا بمقدار ما تقوم به الكنيسة من جانبها بالفصل. هكذا فقط اكتسبت الدولة، بوقوفها فوق الكنائس الخاصة، شموليةَ الفكر ومبدأ شكلها الذي تظهره للوجود.”[7].
الدولة هي الحياة النوعية للفرد الإنساني، مقابل حياته الخاصة، والحياة الأخلاقية للشعب، مقابل حياته المادية. الدولة هي “سماء الشعب”، علاقتها بالمجتمع المدني مثل علاقة السماء بالأرض. ما من شك في أن هذه الصيغ مجازية، إذا ترجمناها إلى الواقع نقول: لكل فرد إنساني حياته الخاصة في الأسرة وداخل مجتمعه الصغير، وحياته العامة في المجتمع الكبير وانتظاماته ومؤسساته، وفي كنف الدولة السياسية، الحياة العامة هي الحياة النوعية للفرد الإنساني، من حيث هو زيد أو عمر أو حواء، أي من حيث هو فرد حر ومستقل من جهة، ومن حيث هو النموذج الكامل للإنسان من جهة أخرى، إنسانيته هي قوام فرديتة، وحياته النوعية، الإنسانية، هي جوهر حياته الفردية، كلتاهما تتطوران معًا تقدمًا وتراجعًا. ليس في المجتمع والدولة شيء ليس موجودًا في الفرد بالفعل أو بالقوة. هذا يعني أن المجتمع والدولة هما الإنسان مموضعًا، بحسب ماركس. الفرق بين الإنسان المتدين والمواطن هو الفرق بين التاجر والمواطن، بين العامل بأجر يومي والمواطن، بين المالك العقاري والمواطن، بين الفرد الطبيعي الحي والمواطن وبين البورجوازي والمواطن.
على المرء أن يقارن مقطع «المجتمع المدني» بكامله (ص 8-9)، مع رؤية هيغل للمجتمع المدني والدولة السياسية، ليتبين أنه صيغ وفق الملامح الأساسية لفلسفة الحق عند هيغل، على الرغم من نقدها نقدًا جذريًا. يعترف ماركس بالمجتمع المدني في تناقضه الجدلي مع الدولة السياسية على أنه ضرورة، لأن الدولة السياسية معترف بها على أنها ضرورة.
التحرر السياسي خطوة تقدمية كبيرة حقًا، ومع أنها ليست الشكل الأخير للتحرر الإنساني بوجه عام، لكنها الشكل الأخير للتحرر الإنساني ضمن النظام الرأسمالي العالمي القائم حتى الآن. نحن نتحدث هنا بالطبع عن التحرر الحقيقي، العملي. “التحرر السياسي من الدين هو إقصاء الدين من الحق العام إلى الحق الخاص، ومن الحقل العام (الدولة) إلى الحقل الخاص في (المجتمع المدني)، فيكف عن كونه “روح الدولة” ليصير “روح المجتمع البورجوازي”.
“الدولة الديمقراطية، الدولة الحقيقية لا تحتاج إلى الدين من أجل اكتمالها السياسي. وأكثر من ذلك تستطيع هي أن تطرح جوانب كثيرة من الدين، لأن الأساس الإنساني للدين متحقق فيها بطريقة دنيوية. وعلى العكس تقف ما تسمى الدولة المسيحية موقفًا سياسيًا إزاء الدين ودينيًا إزاء السياسة. وحين تحط هذه الدولة من الأشكال السياسية ظاهريًا فإِنها تحط من الدين ظاهريًا بالقدر نفسه”. لنلاحظ هنا أن جميع الدول غير الديمقراطية كانت ولا تزال تحتاج إلى الدين، لتكمل به نقصها وعدم شرعيتها. ولكن ما نقصها؟ إنه افتقارها إلى الشرعية، أي إلى العدالة الاجتماعية والمساواة الاجتماعية (الندية أو التساوي في المنزلة والمكانة، والنظر إلى الفرد الإنساني أنثى وذكرًا والتعامل معه على أنه النموذج الكامل للإنسان، لا الإنسان الكامل. والنظر إلى المرجعيات الثقافية على أنها متساوية في القيمة الإنسانية، وليست أي منها مرجعية معيارية) والحرية الاجتماعية أو المدنية، التي يحول التفاوت الاجتماعي دون إمكان التمتع بها.
أما نقد اليهودية فيتلخص في كونها الدين العملي للرأسمالية والمسيحية تتمته المثالية، من حيث أن إله الرأسمالية الواقعي هو المال. (ليس سر اليهودي في ديِنه وإنما سر الدين في اليهودي الواقعي. ما هو الأساس الدنيوي لليهودية؟ الحاجة العملية، المنفعة الخاصة. ما هي العبادة الدنيوية لليهودي؟ التجارة. ما هو إلهه الدنيوي؟ المال). إن تحرر اليهود هو في معناه الأخير تحرر البشرية من اليهودية، أي من الرأسمالية.
وهكذا فإن الإلغاء الإيجابي الأول للملكية الخاصة[8]-الشيوعية الفجة-هو مجرد شكل تظهر فيه على السطح وضاعة الملكية الخاصة التي تريد أن تضع نفسها باعتبارها الجماعة الإيجابية.[9] الإلغاء الإيجابي الأول للملكية الخاصة يشبه الإلغاء الإيجابي الأول للدين. فإن فصل الدين عن الدولة والمدرسة هو إلغاء سياسي للدين، مثل الإلغاء السياسي للملكية الخاصة، التي تنمو وتزدهر في المجتمع المدني بفعل قوانينها الخاصة، وكذلك الدين. “الارتفاع السياسي للإنسان فوق الدين يشارك في كل مثالب الارتفاع السياسي وفي كل مزاياه. الدولة كدولة تحذف الملكية الخاصة، الإنسان يرسم سياسيًا إلغاء الملكية الخاصة، بمجرد أن يقرر أن الاقتراع والترشيح لم يعودًا مرتبطين بالمقدار الضريبي (المخوِّل حق الاتخاب)، كما تقرر في العديد من دول ولايات أمريكا الشمالية. هاملتون يؤول بشكل صحيح جدًا هذه الواقعة، من وجهة نظر السياسة: “الجمهور الكبير أحرز النصر على الملاكين والثروة المالية”. أوليست الملكية الخاصة محذوفة فكريًا-مثاليًا حين من لا يملك شيئًا صار مشرِّعًَا لمن يملك؟ المقدار الضريبي هو الشكل السياسي الأخير للاعتراف بالملكية الخاصة”. بيد أن الإعدام السياسي للملكية الخاصة ليس فقط لا يحذف الملكية الخاصة، بل هو يفترضها. الدولة تحذف على طريقتها امتيازات الولادة والمرتبة الاجتماعية والتعليم والعمل الخاص، برسمها أن الولادة والمرتبة الاجتماعية والتعليم والعمل الخاص هي فروق غير سياسية، حين بدون اعتبار لهذه الامتيازات تعلن أن كل فرد من الشعب يشاطر، بصفة متساوية، السيادة الشعبية، حين تعامل كل عناصر الحياة الشعبية الفعلية من وجهة نظر الدولة. ولكن هذا لا يغير كون الدولة تترك كلًا من الملكية الخاصة والتعليم والمهنة يفعل فعله، على طريقته، أي بوصفه ملكية خاصة وتعليمًا ومهنة، ويحقق طبيعته الخاصة. بعيدًا عن أن تحذف الدولة هذه الفروق الصنعية، تعي أنها دولة سياسية، ولا تحقق أو تقيم كليتها إلا بالتعارض مع هذه العناصر[10]. “الدولة السياسية الكاملة هي، بحسب جوهرها، حياة الإنسان النوعية، العامة، في معارضة حياته المادية. كل افتراضات هذه الحياة الأنانية تواصل بقاءها في المجتمع البورجوازي. حيثما الدولة السياسية وصلت إلى تفتحها الحقيقي، يعيش الإنسان، لا في الفكر، أو في الوعي، فقط بل في الواقع، في الحياة، وجودًا مزدوجًا، سماويًا وأرضيًا، الوجود في الجماعة السياسية أو الاشتراك السياسي، حيث يعتبر نفسه كائنًا عامًا، والوجود في المجتمع المدني، حيث يشتغل كإنسان خاص.
ندعي أن مقاربة جديدة تتأسس على اعتبار الفرد الحر، المستقل كيانيًا، الخالق لأفعاله وأقواله، والمسؤول عنها اجتماعيًا وقانونيًا وسياسيًا وأخلاقيا، والمشارك في الوجود عامة، وفي جميع أشكال الوجود الاجتماعي مشاركة حرة ومبدعة.. هو أساس المجتمع المدني، وأن المواطن/ـة بما هو أو هي تجريد هذا الفرد نفسه، هو وهي أساس المجتمع السياسي (الدولة)، قد تُبيِّن لنا أن الانتقال من مجتمع تقليدي، يُعرَّف فيه الفرد بشروط ولادته، إلى مجتمع مدني حديث، يعرف فيه الفرد بفاعليته وجدارته واستحقاقه وموقعه في عملية الإنتاج الاجتماعي المادي والروحي، هو خطوة حاسمة تاريخيًا على طريق الانعتاق السياسي والانعتاق الإنساني، أي على طريق حذف الاغتراب الذاتي. وأن النظام السياسي الديمقراطي، الذي ينتجه المجتمع المدني ويعيد إنتاجه، وفقًا لمبادئ العدالة، هو ضمانة هذا الانعتاق. إن الرهان على المجتمع المدني والحديث والدولة الديمقراطة العادلة هو رهان على الفرد الإنساني الممكن على الدوام، أي على الروح الإنساني ببعديه الفردي والنوعي. إن اعتراف الفرد الإنساني بنفسه خالقًا ومبدعًا ومسؤولًا ومشاركا في الوجود، واعتراف المجتمع والدولة به، على هذا النحو، هو مبدأ الانعتاق الإنساني الكلي.