المشاركون: الدكتور حازم نهار، والأستاذ منير الخطيب
المحاورون: الدكتور حسام الدين درويش، والأستاذة صبا حرب
الزمان: يوم السبت 31 آب/ أغسطس 2024 في تمام الساعة السادسة مساءً بتوقيت ألمانيا.
المكان: على الزوم
صبا حرب: أهلًا وسهلًا بكم جميعًا ضمن فعالية جديدة لمنتدى تفاكر
نحن هنا اليوم للاحتفاء بالمفكر السوري جاد الكريم الجباعي من خلال كتاب “ضد العقل السليم”، وهو عبارة عن حوار وأسئلة صاغها كل من الدكتور حازم نهار والأستاذ المهندس منير الخطيب، والهدف كما عبر عنه الأستاذ منير هو “القيام بعصره”، أي الأستاذ جاد، لاستنباط هذا المخزون الفكري، والاستفادة من علومه ومعارفه وآرائه، ولا سيما أنه رافق فترة الربيع العربي، وكان له كثير من الأفكار العميقة والقيّمة فيها.
ضيفنا الدكتور حازم نهار كاتبٌ وباحثٌ في الشؤون السياسية والثقافية. رئيس تحرير مجلة “رواق ميسلون” للدراسات. له مساهماتٌ عديدةٌ في الصحف والمجلات ومراكز الدراسات العربية. وهو باحثٌ في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وقد نشر عددًا من الكتب السياسية والثقافية، وله عدة ترجمات.
أيضًا الأستاذ منير الخطيب كاتبٌ وباحثٌ، يكتب في مجال الفكر السياسي، وله مساهماتٌ عديدةٌ في الصحافة العربية، وهو مهندسٌ مدنيٌّ.
سأقدم هذا الحوار، أنا صبا حرب، خريجة معهد موسيقا ومهتمة بالفكر والأدب، وعضو في منتدى “تفاكر”، والدكتور حسام الدين درويش، باحث ومحاضر الجامعات الألمانية، له عديد من الكتب والأبحاث المؤلفة والمترجمة، في مجالات الفلسفة والفكر العربي والدراسات الإسلامية والدراسات الثقافية، باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية.
صبا حرب: سنبدأ ندوتنا اليوم بسؤال يدور حول عنوان الكتاب. فعلى الرغم مما يتضمنه الكتاب من عمق وحث على التفكير المنطقي والتوصل إلى نتائج قائمة على الفهم العميق للواقع ورفض الجمود، ومع ذلك كله، جاء عنوان الكتاب “ضد العقل السليم”. نحن نعرف أن أهم ما قد يمتلكه الإنسان هو القدرة على التفكير السليم، فكيف لنا أن نضع مثل هذا العنوان لكتاب بهذا العمق؟ يمكن لأي منكما أو لكليكما الإجابة عن هذا السؤال.
الدكتور حازم نهار: أولًا مساء الخير للجميع، وشكرًا لمنتدى “تفاكر” على هذه المبادرة، في الحقيقة الكتاب صادم بدءًا من عنوانه، وفي الوقت نفسه نحن إزاء مفكر نقدي حقيقي؛ فقلائل هم من تليق بهم صفة المفكر النقدي مثل جاد الكريم الجباعي، أكان على مستوى الساحة السورية أم العربية.
إذا أردنا أن نتكلم عن الأستاذ جاد الكريم الجباعي، من خلال علاقتنا التاريخية به، أو من خلال كتاباته طوال ثلاثة عقود، سنجد أنفسنا بصورة أكيدة أمام مثقف مهموم بقضايا الإنسان والوطن، مثقف مجتهد ودائم التفكير، يُسائل نفسه بصورة دائمة، يراجع نفسه، يتجاوز نفسه، ويتجاوز من قرأ لهم أو تبنى أفكارهم في لحظة من اللحظات.
أعتقد أن عنوان الكتاب يعود إلى مقولة هيغل حول “العقل السليم”؛ فقد ميَّز هيغل بين العقل والعقل السليم، ورأى أن مقولة “العقل السليم” تدل على مجموعة الأحكام المسبقة خلال فترة زمنية في مجتمع ما أو عند مجموعة من البشر، أي تدل على ما هو سائد من قناعات وأفكار في لحظة ما، ولذلك واجه هذه المقولة بمقولة “العقل”، العقل من دون أي صفة تابعة، ضد سائر السلطات المرجعية، وعبر فتح باب الشك على مصراعيه، لأنه في أي مجتمع من المجتمعات، وفي أي لحظة من اللحظات، هناك دائمًا سلطات مرجعية، أكانت في حقل السياسة أو الفكر، وهي التي تصوغ الحقائق أو ما هو صحيح أو ما هو مقبول.
مثلًا، إذا تطرقنا لسلطة السلف أو السلطة السياسية، فهي تنتج أيديولوجيا تتحول إلى معيار وإلى شكل من أشكال المسطرة، أو المقاس الذي تقاس به أي أفكار جديدة، ومن هنا، يعني عنوان الكتاب “ضد العقل السليم” الوقوف ضد الثقافة السائدة ومعاييرها وضوابطها، والتفكير بحرية خارج أسوارها ومحرماتها.
من المؤكد أن جميعنا يذكر المقولة الشائعة، في السياسة والحياة عمومًا، التي نسمعها أو نكررها دائمًا: “أنا مع النقد البناء”. ينادي جميعنا، سياسيين ومثقفين وأحزابًا، بشيء اسمه “النقد البناء”، وهذه الصفة، أي صفة البناء، تجعلنا نطرح سؤالًا بدهيًّا يتبادر إلى الذهن مباشرة: من سيحدِّد أن هذا النقد “بناء” فيما غيره “غير بناء”؟! إذ لا شك أن للمتحدث أو الكاتب معاييره وضوابطه التي يحدِّد من خلالها ما إذا كان هذا النقد بنَّاءً أم لا. لذلك واجه الجباعي وإلياس مرقص، وغيرهم، فكرة “النقد البناء” بفكرة النقد من دون أي صفة، لأنَّ هذه الصفة تخفض من قيمة الأساس ودوره ومدلولاته، أكان العقل أو النقد.
الأستاذ منير الخطيب: مساء الخير للجميع، شكرًا لمنتدى “تفاكر” ومؤسسة “ميسلون” على هذه الدعوة الكريمة، أنا أتفق مع ما قاله الدكتور حازم، لكن أريد إضافة عدة مسائل بسيطة، الذين قاموا بالفتوحات التاريخية المهمة عبر التاريخ البشري، هم “الهراطقة”، والهرطقة كانت مدخل الفتوحات الكبرى، فعندما نادى “كوبرنيك” بمركزية الشمس كان يهرطق، وكان يذهب باتجاه معارضة منظومة “العقل السليم” آنذاك، والهرطقة بهذا المعنى: كانت تعارض على طول الخط المنظومات الأيديولوجية المهيمنة، التي هي جوهر “العقل السليم”. وتذهب باتجاه إزالة الصفات التي تستنفذ الموصوف وتختزله معرفيًا. لذا شهدت الساحة الثقافية العربية خلال الخمسين أو الستين سنة الماضية، ظاهرة نقص المعرفة، وتلك بسبب أن الصفات كانت تبتلع الموصوف، مثلًا، تعبير “المواطن الصالح” كلمة “الصالح” تبتلع فكرة المواطن، وكذلك مفهوم “النقد البنّاء”، كلمة البناء تبتلع مفهوم النقد، ومصطلح “الدولة الشعبية الاشتراكية”، كلمتا الشعبية والاشتراكية تبتلعان مفهوم الدولة…إلخ. وكان أيضًا مفهوما “الوطني” و”غير الوطني” يحددان على ضوء الموقف من الخارج، من الإمبريالية أومن الصهيونية، لا بدلالة الانتماء إلى الدولة الوطنية، بوصفها دولة الكل الاجتماعي. فمفهوم “العقل السليم” هو كناية عن تخثر وركود الواقعين الثقافي والسياسي، وسيطرة أيديولوجيات “المجتمع الجماهيري”، الذي أنتجته “الصحوتان القومية والإسلامية”، اللتان أسهمتا في تصفية آثار صدمة الحداثة، وأعادتا إنتاج التاريخ المملوكي- العثماني، بكل قبحه وتأخره وصراعاته الداخلية وانقساماته الهوويّة، فالعقل السليم هو الركون البليد إلى وسادة الموروث بكل صوره وأشكاله، وعدم اخضاعه للنقد والمساءلة والتشكيك. فتصبح بذلك المنظومات الأيديولوجية المغلقة هي التي تصوغ وعي الجماعات والأفراد المتعلمين وغير المتعلمين، والمثقفين وغير المثقفين.
صبا حرب: من خلال قراءة الكتاب، المعنى هو ضد جمود الأيديولوجيا، الدكتور “جاد” في الكتاب دائمًا يلفت لجمود الأيديولوجيا مقارنة بالفكر، ومن هذا المعنى هو ضد جمود الأيديولوجيا الموجودة في العموم.
الأستاذ منير الخطيب: بأحد معانيه هكذا طبعًا، لكن هذا المعنى لا يستنفذ كامل المفهوم، ولكن يتضمنه.
الدكتور حسام الدين درويش: شكرًا صبا على التقديم الجميل وعلى السؤال عن العنوان المثير للتفكير. والشكر للمؤلفين/ المحاورين أيضًا، “الدكتور حازم والأستاذ منير”، على هذا الكتاب، ليس فقط لأنه يتناول قضايا مهمة أساسية وعامة، بل لأنه أيضًا يكثف هذا الفكر، فكر جاد الكريم الجباعي بهذه الطريقة، من دون أن يستنفذه، وأعني هذا الفكر الذي ما زال في حالة صيرورة وإنتاج.
إذا انتقلنا من العنوان إلى التقديم أو المقدمة الجميلة والرصينة التي كانت بقلم الدكتور حازم نهار، والتي تحدثت عن قصة الكتاب وقدمت الجباعي كإنسان ومفكر، نجد أنه لم تسنح الفرصة للمتابعين ليعرفوا التقديم الآخر، تقديم الأستاذ منير. لذلك نود منك، أستاذ منير، أن تقدِّم لنا الكتاب وتبين لنا وجهة نظرك فيه من حيث “فكرته، ومضمونه، وغايته، وصيرورة إنتاجه، ورأيك فيه بعد إنتاجه.
الأستاذ منير الخطيب: بدأت فكرة الكتاب بيني وبين الدكتور حازم، كمبادرة لتكريم الأستاذ الجباعي، تطورت إلى الاتفاق على إنجاز هذا الحوار الذي تم إصداره في كتاب “ضد العقل السليم”. التفكير في الحوار في رأيي كان يستند إلى مجموعة من النقاط:
أولًا، هناك مثقفان سوريان فقط، قتلا أباهما الرمزي، وهما جورج طرابيشي وجاد الكريم الجباعي، إذ كتب جورج طرابيشي ذات مرة: لقد قتلت أبي الرمزي، قتلت “ياسين الحافظ“، لكن قتل جورج طرابيشي لـ ياسين الحافظ ذهب به مذهبًا آخر، اتجه جورج طرابيشي نحو التحليل النفسي، ونحو النقد الأدبي، ثم أنتج مشروعه في نقد الجابري، الذي اختتمه في اصدار كتاب من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث. الأستاذ جاد قتل ياسين الحافظ بطريقة مختلفة تمثلت بإعادة إنتاج الخط الذي أسسه ياسين الحافظ نقديًا، بما ينسجم مع التطورات التاريخية الكبرى التي حدثت بعد وفاة ياسين الحافظ. أنا من الذين يعتقدون أن الفكر القومي اليساري وصل مع ياسين الحافظ والياس مرقص إلى أقصى ذروة في تاريخ سورية، وهذه الذروة التي وصل إليها كان أمامها خياران، إما الانحدار أو الانتقال إلى ذروة أخرى، الفكر القومي اليساري، بصفة عامة، انحدر بعد ياسين الحافظ، بدليل أن القوميين واليساريين التحقوا بالإسلاميين، وهذا تأسس فعليًا عند عقد المصالحة التاريخية التي قام بها الفكر القومي مع التقليد، والتي كان يسميها ياسين الحافظ “مصالحة مدلّسة”، بينما نقل جاد الكريم الجباعي هذه الذروة إلى ذروة أخرى، من طريق قتل أبيه الرمزي، وأن الخط الوطني في سورية، الذي تم تأسيسه من قبل الياس مرقص وياسين الحافظ، أعاد جاد الكريم الجباعي النظر فيه من طريق ثنائية وصل/ فصل، التي مكنته من هدم بعض المفهومات كليًا، وهدم بعضها الآخر جزئيًا، لكنه أعاد بناء هذه المصفوفة على فكرة الإنسان ككائن كلي بشكل أساسي.
ثانيًا، حول “المثقف الهامشي”: في متن الحوار قال الجباعي في إحدى الإجابات: إن جورج طرابيشي والياس مرقص وياسين الحافظ كانوا مثقفين هامشيين، بمعنى أنهم ضد “العقل السليم”، والهامشية هنا تزداد طردًا مع ازدياد درجة العمق الفكري للمثقف، خاصة أن الإعلام ومنظومات “العقل السليم” تروج وتُبرز مثقفين منسجمين مع السائد والمهيمن، بصرف النظر عن ثقافاتهم وعن صحوة ضمائرهم واستقلالهم. فيما يقبع المثقفون النقديون الجديون في الهامش، وجاد الكريم الجباعي لم يشذ عن هذه القاعدة وظل في الهامش، وبقي مثقفًا هامشيًا، بقدر ما ترمز هذه الهامشية إلى الجذرية الفكرية، وإلى الاستقلال والحرية الفردية وتوقد العقل والضمير، وكذلك إلى معارضة سلطة الرأي العام، وسلطة الرأي العام لا تقتصر على الجماهير والاتجاهات الشعبوية فقط، بل يصوغها ويدافع عنها أشخاص محسوبون على “الأنتلجنسيا” أو المثقفين. وكم كنت أُستفز، مثلًا، في فترة التسعينيات، عندما كنا نجري حوارات مع مثقفين سوريين، ولم يكن أحد من بينهم يعرف من هو الياس مرقص! وأنا متأكد أن الذين قرؤوا الياس مرقص في سورية لا يتجاوزون عشرين أو خمسة وعشرين شخصًا، وهذه معضلة حقيقية عند المفكرين الذين يطرحون قضايا ضد العقل السليم بشكل خاص.
ثالثًا، هناك مسألة أخرى كانت دافعة لإجراء هذا الحوار، هي تواضع جاد الكريم الجباعي المبالغ فيه والذي يصل إلى درجة الاستفزاز، وكان أحد أهداف هذا الحوار هو: ردة فعل على هذا التواضع عبر تسليط الضوء على فكر هذا المثقف النقدي الكبير.
الدكتور حسام الدين درويش: لكن بالنتيجة لم يتردد في إبداء التواضع في أثناء الحوار مرات عديدة.
الأستاذ منير الخطيب: صحيح، وهذا ما يتنافى مع مضمون طرحه في إحدى الإجابات في هذا الحوار عن أرستقراطية الثقافة، إذ قال: أنا مع أرستقراطية الثقافة، والتواضع هنا هو تواضع شخصي على الرغم من أنه على المستوى الفكري هو ينتمي إلى الحيز الأرستقراطي للثقافة.
صبا حرب: هو قال إنه ليس متواضعًا فكريًا وإنما هو من العامة، هو يعرف تمامًا قيمته الفكرية والعلمية وما لديه من مخزون فكري وثقافي.
الأستاذ منير الخطيب: صحيح، ولكن أنا أتحدث عن التواضع في الجانب الآخر، أي “عدم الاستعراض، عدم محاولة الظهور الإعلامي” والانصراف كليًا إلى الاشتغال في الحقل المعرفي المنحاز إلى الأرستقراطية الثقافية، بكل الأحوال، كان هناك حزمة من الهموم توجه الحوار، وما ذكرته هي بعضها، ونحن كنا حريصين على أن نسلط الضوء على إعادة إنتاج هذا الخط الوطني الذي بدأه ياسين الحافظ والياس مرقص “نقديًا” وهذه هي طبيعة الحياة وطبيعة الثقافة. باختصار ما يميز الجباعي ترافق التواضع الشخصي والحياة الشخصية مع العمق الفكري والمعرفي، وهذا ما يوصف بأنه تواضع الكبار.
الدكتور حسام الدين درويش: إحدى السمات التي تحدث عنها الدكتور حازم في تقديمه ﻟـ جاد الكريم الجباعي، ولفكره، وللحوار معه، هي أنه صانع أو نحات مفاهيم. فبأي معنى، وإلى أي مدى، وبأي طريقة، كانت هذه السمة حاضرة في نتاجه، وكان هذا النتاج ذا دقة لغوية ودقة مفاهيمية؟ يمكن أن نأخذ المفهومات انطلاقًا من التمييز بين كونها وصفية تحليلية أو معيارية تقويمية، بمعنى هل المفهومات تصف وتحلل أم هي تقوم أكثر وتتحدث عما يجب أن يكون. ويمكن أن نأخذ هنا مثالًا، هو التمييز بين الفكر والأيديولوجيا، وهي أحد النقاط التي تحدث عنها الدكتور حازم في أكثر من سؤال. دعونا نقول ببساطة: يتسم هذا النحت المفاهيمي بما يتسم به الفكر العربي عمومًا، هذا الفكر المهموم المشغول أو المنشغل بالتغيير، وبالواقع البديل الذي يجب البحث عنه، يتحدث عما يجب أن يكون (الأيديولوجيا) على حساب تحليل ما هو كائن أحيانًا (الفكر أو المعرفة). ومن يقرأ جاد الكريم الجباعي، على الأقل في هذا الكتاب، وفي الصفحات الكثيرة التي تحدث بها عن الفكر والأيديولوجيا، يصعب عليه بعد ذلك أن يخلص إلى مقارنة وصفية معرفية تميّز بين الفكر والأيديولوجيا، إلا من خلال أن الفكر أفضل من الأيديولوجيا لأسباب كثيرة. لذلك أرجو منك، دكتور حازم، أن توضح لنا معنى وصفك له بأنه نحات وصانع مفاهيم؟
الدكتور حازم نهار: إنَّ الحديث عن المفهومات التي استخدمها جاد الكريم الجباعي وطرائق استخدامها، ومعانيها ومحدِّداتها، حديث طويل، لكنني أعتقد أن إحدى الفضائل، في فكر الأستاذ جاد، هي الدقة المفاهيمية. عندما صغت هذا التعبير “الجباعي صانع أو نحات مفاهيم” كنت أضع في رأسي ما هو موجود من إرباك على الساحتين الثقافية والسياسية، وما نسمعه من مثقفين أو أكاديميين معروفين أو من قوى سياسية عريقة؛ فالسائد هو عدم الدقة والاعتباطية والمقاربة الذاتية، وخلال الأربعة عشر عامًا الفائتة، رأيت أن هناك خلطًا دائمًا، وحالةً من عدم وضوح وعدم التحديد، أو حتى محاولات من إعادة صوغ مفهومات حديثة لتلائم مقاسًا طائفيًا أو قوميًا أو إثنيًا أو عشائريًا أو فرديًا. هناك خليط مربَك ومربِك في واقعنا الفكري السياسي، حتى عند كثيرٍ من الأكاديميين وخريجي الجامعات الأوروبية، وهذا ينتقل إلى الفضاء العام، وأدى إلى حالة عامة من الفوضى الذهنية والعطالة على مستوى الممارسة.
أنا أعتقد أنَّ الحشو والمقاربات الضَّالة والمضلِّلة في نصوص كثير من الكتّاب والقوى السياسية والمدنية، كان، وما يزال، سائدًا ومهيمنًا أكثر كثيرًا من الاستخدام الدقيق أو المحدَّد للمفهومات. وعلى سبيل المثال في مسألة الفكر والأيديولوجية، أي ما بين المعرفة والأيديولوجية، أصبحت كلمة الأيديولوجية مرذولة عند أغلب المثقفين والأكاديميين والمفكرين، على الرغم من أن معظم ما ينتجه هؤلاء يقع في خانة الأيديولوجية، أما التمييزات التي قام بها جاد الكريم الجباعي بين الفكر والأيديولوجية، فهي على درجة عالية جدًا من العمق والتأثير: مثلًا، ذكر في سياق تمييزه بين الفكر والأيديولوجية عددًا من النقاط على درجة كبيرة من الأهمية، وبيَّن أن الفارق الأساسي أو الجوهري بين الفكر والأيديولوجية، هو أن الأيديولوجية تنفي الفردية، في حين أن الفكر يحتفي بها، والأيديولوجية تنفي الحرية، في حين أن الفكر يحتفي بها، فليس هناك فكر من دون حرية. أنا أعتقد أنَّ هذه التمييزات على درجة عالية من الأهمية، ولا سيَّما عندما نلاحظ إلى أين تأخذنا في مجال تطبيقاتها في السياسة والجوانب العملية، فهذا التمييز يعني أنَّ الأيديولوجيات كلها تسعى إلى صوغ قطيع من البشر، أي إلى قولبة البشر وجعلهم بمقاس واحد، متشابهين، متماثلين، خاضعين للثقافة السائدة، أو إلى سلطة “العقل السليم” المتمثلة إما بالسلطات أو بالمعارضات، أو برجال الدين أو بالسلف الصالح، وهذا الإلغاء “إلغاء الفردية” هو بالضرورة إلغاء للحرية أيضًا. عندما يتحدث الجباعي مثلًا عن مسألة علاقة الفكر بالواقع، كان يشير إلى وجود مقولات جاهزة في هذه الإطار، ولا سيَّما لدى اليسار؛ إن الفكر يتبع الواقع، تغيرات الواقع تؤدي إلى تغيرات في الفكر، والفكر هو انعكاس للواقع، وهذه المقولات تفتقد، في الحقيقة، إلى العمق المطلوب في الرؤيا، وتضعنا في كوارث عندما ننتقل إلى التطبيق العملي في مجال السياسة، إذ نشاهد مثلًا أشخاصًا يرفعون شعار “الواقعية” و”الرؤية الواقعية”، من دون السؤال عمّا هو الواقع؛ فعلى الرغم من أن هذه الكلمة قديمة ومستخدمة بكثافة إلا أنها ليست بدهية، أي ليس ممكنًا الإحاطة بالواقع، فضلًا عن كونه مستوى أول في المعرفة، إضافة إلى احتماليته المفتوحة ولا يقينيَّته.
الدكتور حسام الدين درويش: دعونا هنا ننتقل إلى المفهوم الثاني المرتبط بهذه المسألة، أكان بالنسبة إلى الأيديولوجية أم إلى علاقة الفكر بالواقع، أي “مفهوم الوعي المطابق”. وهنا مسألة كيف كان “قتل الأب”، في فكر الجباعي، أوضح مع ياسين الحافظ، وبدرجة أقل مع الياس مرقص. والمقابل للوعي المطابق هو الوعي الزائف “الأيديولوجية”. أستاذ منير أعتقد أنك تكلمت أو سألت عن مسألة الوعي المطابق، وكيف “قام الجباعي بإزاحة موفقة ومفتاحية لمفهوم الوعي المطابق، من مستوى «المطابقة» مع الواقع، إلى مستوى المطابقة مع شروط الحياة الإنسانية، ومع فكرة الإنسان بوصفه كائنًا كليًا مكتفيًا بذاته، ومع حاجاته ومتطلباته الضرورية”. هل يمكن أن تشرح لنا هذا الانزياح لو سمحت؟
الأستاذ منير الخطيب: أجرى جاد الكريم الجباعي انزياحًا بنيويًا وجوهريًا في مسألة الوعي المطابق، الذي نضدّه ياسين الحافظ، وكان يركز فيه على مطابقة الوعي للواقع أولًا ومطابقة الوعي للهدف ثانيًا، علمًا أن الهدف ذاتي نابع من الرغبة ومن التصورات الذاتية، أي من الأيديولوجية، وفي طريقة النظر إلى الواقع، تختلف الرؤى إلى أي واقع محدد باختلاف الأشخاص وزوايا الرؤية ومستويات الثقافة وباختلاف السياسات المعنية، ويستبطن مفهوم الوعي المطابق للواقع، بعدًا “ستاتيكيًا حسيًا”، فعندما ننظر إلى الواقع الفيزيقي أو الأخلاقي في لحظة محددة، فأننا تقطع هذا الواقع عن الصيرورة، والواقع عبارة عن صيرورة لا تنقطع، مثلًا عندما أقول “وعي مطابق للواقع” وأقوم بعملية تجميد للواقع وعملية قطع للصيرورة، وأقوم في هذه اللحظة بإنتاج منظورات فكرية-سياسية، ويمكن أن تمتد لحظة القطع عشرة أعوام أو حتى عشرين عامًا أو حتى عقودًا، فمثلًا تيارات “الإسلام السياسي” قطعت صيرورة الواقع وأوقفتها منذ ألف وأربعمئة سنة، وهي تقوم الآن بتحيين لحظة الانبثاق الأولى وتستحضرها إرهابًا واستبدادًا. ومن جهة ثانية، تستبطن هذه الرؤية للوعي المطابق تصورًا حسيًا مرذولًا، بما يعني أنني أقوم بالقبض على الواقع مثلما أقبض على التفاحة أو الأرنب، وكأن الواقع شيء حسي مدرك تمامًا وليس هو ذوات أخرى، وبالتالي تلغي صفات الواقع بأنه إمكاني واحتمالي أي علائقي يحتوي ويتضمن عددًا لا نهائيًا من العوامل المرئية وغير المرئية، وما هو غير مرئي أكبر كثيرًا من المرئي في الواقع، لذلك كان الياس مرقص يردد: الواقع احتمالي وإمكاني، والتاريخ هو توقيع ممكنات على حساب ممكنات أخرى، فالوعي المطابق بهذا المعنى عند ياسين الحافظ، ينبغي أن يكون مطابقًا لأهداف مثل: الوحدة العربية وتحرير فلسطين والتصدي للإمبريالية، لذلك اتجه نحو التجربة التاريخية الفيتنامية، والانحياز للهدف هو الذي دفعه نحو تلك التجربة، كون الفيتناميين قاوموا أميركا وأخرجوها من بلادهم، بينما نحن الأمة الفيل المهزومة أمام الضفدعة الإسرائيلية، ذهب الحافظ إلى التجربة الفيتنامية مدفوعًا بالهدف القومي، في وقت كانت فيه سورية بحاجة إلى التجربة الموجودة إلى جانبها “تجربة أتاتورك” سورية كانت بحاجة آنذاك إلى تجربة أتاتورك وليس إلى التجربة الفيتنامية المقاومة. وإن الوعي المطابق، أخيرًا، وفق هذه الرؤيا، هو شكل من أشكال الأيديولوجيا، وشكل من أشكال الوعي الأيديولوجي. الانزياح الذي قام به جاد الكريم الجباعي، هو أن الوعي المطابق هو الذي يطابق تحسين الحياة الإنسانية فقط، وهو الذي يطابق فكرة الإنسان ككائن كلي، وهو الذي يطابق شروط تقدم البشر بغض النظر عن العقيدة والانتماء الهووي، الوعي المطابق الذي تحجبه الهوية، يدافع عن العقائد “الدينية، القومية، إلخ…..” أما أن يكون الوعي المطابق مبنيًا على مبدأ تحسين شروط حياة البشر وازدهارها وتقدمها، فهو معيار كوني وليس معيارًا محليًا، لأنه عندما نقول الوعي المطابق للواقع، فهذا معيار محلي، للواقع، سواء كان الواقع عربيًا أم صينيًا أم غربيًا إلخ….، يُغرق البشر في الخصوصيات المحلية، بينما عندما يكون المعيار هو فكرة الإنسان وتقدمه، فهذا معيار كوني متعارف عليه عالميًا، وشروط تحسين البشر معروفة عالميًا، فمثلًا ربط الوعي المطابق بالهدف القومي العرب، دفع القوميين العرب لدعم غزو صدام حسين للكويت ودافعوا عن ذلك الغزو بشراسة، أما كون معيار قياس الوعي المطابق يتعلق بمدى تحسن شروط الإنسان وتقدم الحياة البشرية، كان عليه أن يدفع العرب إلى الوقوف ضد هذا الغزو ودعم الكويت والكويتيين، لأن حياة البشر في الكويت هي أفضل من حياة العراقيين، وتستحق أن يُدافع عنها في مواجهة عقيدة قومية عدمية وفاشية.
الدكتور حسام الدين درويش: دعنا نقول بأنه كان هناك استمرارية في “مفهوم التأخر التاريخي”، ولكن كان هناك تغيير أيضًا، من عبد الله العروي إلى ياسين الحافظ. وفي جميع الأحوال بقي هذا المفهوم مركزيًّا، من حيث المبدأ؛ لكن المعيار لم يعد مجرد التأخر في العلاقة مع الغرب أو مع الآخر، وإنما تأخر حتى في إنتاج الذات أو في تخلف الذات نفسها، أو التخلف الداخلي. هل يمكن أن تشرح لنا مفهوم “التأخر التاريخي” وكيفية مواجهته، من منظور الجباعي؟ وما الاختلاف بين منظوري الجباعي والحافظ في خصوص هذا المفهوم ومسائل الثورة الثقافية والتغير البنيوي المنظوماتي، المؤسساتي، التعليمي، التربوي، القانوني… إلخ.
الأستاذ منير الخطيب: التأخر التاريخي هو مفهوم أخذه ياسين الحافظ عن عبدالله العروي حيث كان أول من تحدث عنه بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967، عندما كتب كتاب الأيديولوجية العربية المعاصرة، بينما ياسين الحافظ بسّطه وفصّله، ثم حلل ظواهر الواقع العربي استنادًا لهذا المفهوم، لكن رؤية ياسين للتأخر التاريخي تتلخص في الآتي: هو تأخر أيديولوجي سياسي ينحصر بصورة أساسية في تأخر “الأنتلجنسيا” وعدم علمانيتها ولا ديمقراطيتها ولا عقلانيتها، هذا من جهة، وتأخر في بنى المجتمع الثقافية والسياسية والاجتماعية، واستخدم مفهومًا موازيًا له وهو مفهوم “الفوات” حيث استخدمه بمعنيين، المعنى الأول التعفن (خضار مفوتة أي متعفنة) والمعنى الثاني وهو الأهم، هو الفوات بمعنى “الفوات التاريخي” أي فات الزمن، برأي ياسين الحافظ، الثورة الديمقراطية التي تحققت في الغرب نحن فوتناها على أنفسنا وفي بلادنا، ولذلك يجب أن نتلافى هذا الفوات من طريق عقلنة وعلمنة “الأنتلجنسيا” وتحقيق الليبرالية دون المرور في مرحلة ليبرالية، إذًا اكتفى الحافظ بتظاهرة تفويت الثورة الديمقراطية فقط، كأحد أسباب التأخر التاريخي المهمة . أما جاد الكريم الجباعي استند إلى فكرة الفوات أو التفويت وقال: نحن فوتنا ليس فقط الثورة القومية الديمقراطية، بل فوتنا الثورة العلمية والثورة الصناعية والثورة الديمقراطية، وتفويت الثورتين العلمية والصناعية كان مقدمة لتفويت الثورة الديمقراطية، لأن الثورة الديمقراطية في الغرب هي محصلة هاتين الثورتين، ومن ثم موضوع الفوات هو أعمق من تأخر أيديولوجي أو سياسي أو تأخر في الذهنية، وهو في أحد أبعاده يتضمن ما كان يسميه ياسين الحافظ “تصفية مكتسبات الحداثة”، مثلًا العرب أو أي منطقة عمومًا احتكت بالغرب ستنصدم بالحداثة، ومع صدمة الحداثة في سورية، أصبح لدينا جنين مجتمع مدني وجنين دولة وطنية، وهذه الأجنة التي نشأت بتأثير صدمة الحداثة أُجهضت، والتأخر التاريخي القائم في وعي النخب من جهة وفي البنى المجتمعية من جهة ثانية، أجهض إمكانية نمو هذه الأجنة، وهذا كان مقدمة الانقلاب القومي على الدولة الوطنية وعلى المسألة الوطنية، ومن ثم ساعد التأخر التاريخي وأسهم في جميع النكبات، التي تحدث عنها ياسين الحافظ عندما حلل الصراع العربي الإسرائيلي، وفي نظره إن التأخر العربي كان أهم عامل من عوامل قيام دولة إسرائيل، إضافة إلى ضعف العرب وفرقتهم، والهزيمة التاريخية للعرب أمام إسرائيل هي بالتحديد هزيمة التأخر أمام الحداثة والتقدم. وأنا أعتقد أن الأستاذ الجباعي أعاد بناء المفهوم كليًا على مبادى أخرى، وخاصة حول تحديده سبل الخروج من هذه الوضعية التاريخية، فهذه السبل لا تقتصر على تحديث وعي الأنتلجنسيا وعلمنتها ودمقرطتها فقط، بل يجب أن تمتد لتطال الاقتصاد ونظم الإنتاج ونظم التربية والتعليم الجامعي، كي تتشكل نخب إدارية وعلمية واقتصادية وليس فقط نخب ثقافية، وكي تتشكل علاقات شبكية أفقية حاملة لإمكانات الحياة المدنية.
الدكتور حسام الدين درويش: دكتور حازم، الأستاذ منير حدد المشكلة ونريد الحل منك: كيف نواجه هذا التأخر أو هذا الفوات التاريخي، إذا كانت مواجهته تتطلب هذه المسائل كلها، مع أن غيابها هو المشكلة أصلًا. وبكلمات أخرى، يبدو أن المشكلة والحل واحد. فالمشكلة تكمن في الحل، والحل يكمن في المشكلة، بمعنى ما. ما السبيل إلى مواجهة هذا الفوات أو التأخر التاريخي، من منظور الجباعي؟
الدكتور حازم نهار: أعتقد أن حديث الجباعي في هذه النقطة كان من زاوية إعطاء ما يشبه الإشارات إلى عدم استسهال مسألة التغيير، على عكس ما هو سائد في الوعي العام ووعي النخب، إذ إن تجاوز الحالة الراهنة، حالة الفوات التاريخي والتأخر التاريخي، ليس عملية بسيطة يمكن أن تتم في سياق تغيير السطح السياسي وحسب. كان الانزياح أو التحديث الذي قدمه الجباعي لمفهوم التأخر التاريخي أو الفوات التاريخي، هو تأكيده أن ما ينقصنا ليس الثورة الديمقراطية وحسب، حيث كان تركيز ياسين الحافظ على إحداث تغيير ديمقراطي على مستوى نظام الحكم، على الرغم من أنه وجَّه نقدًا شديدًا لعمارة المجتمع العربي، لكنه حصر الحل على مستوى “الأنتلجنسيا” أو مستوى النخب، أي أن تحديث هذه النخب كفيل بنقلنا من الحالة الراهنة أو حالة التأخر التاريخي عبر الثورة الديمقراطية، أما الجباعي فقد أعطى بعدًا أوسع لمسألة الثورة الديمقراطية، ونحن نستطيع أن نشاهد واقعيًا تجليات اختزال التغيير في حيز مستوى نظام الحكم وإسقاط الأنظمة السياسية وتغيير السطح السياسي وحسب، في ظل غياب الثقافة الديمقراطية، وفي ظل هيمنة الوعي الأيديولوجي، والثقافات التقليدية، من دون أن ندرك أن هذا النمط من التغيير سوف يعيد إنتاج الاستبداد بصور وطرائق مختلفة.
أعطى الجباعي أهمية للثورة العلمية، لأن الثورة الديمقراطية في الغرب كانت حصيلة مسار طويل؛ لقد كانت آخر الثورات، إذ جاءت بعد الثورة الصناعية والعلمية، وهو ما يعطينا إشارات مهمة إلى ضرورة الاهتمام بمسألة تحديث التعليم، وتحديث الثقافة، وضرورة العمل على الجبهة الثقافية، وجبهة تحديث النظم التعليمية. بإمكان النخب أو “الأنتلجنسيا” الحالية أن تؤدي دورًا مهمًا الآن في الواقع، لكن النخب الحقيقية والفاعلة هي ابنة مؤسسات وأنظمة تعليمية حديثة.
الدكتور حسام الدين درويش: يمكن ضبط أو ربط مسألة “الفوات التاريخي” بمسالة القطيعة مع التراث والحداثة والتحديث. ويبدو أن أستاذنا الجباعي ليس مع مفهوم القطيعة، الذي يبدو راديكاليًا ثوريًا جذريًا إلخ…..، عندما يتعلق الأمر بالماضي القريب وبالتغيير السياسي، حيث أشار إلى أنه، في هذا الخصوص، مع مفهوم الإصلاح أكثر مما هو مع مفهوم الثورة. في المقابل عندما يتحدث الجباعي عن العلاقة مع الماضي أو مع التراث، فهو يشدد على ضرورة إحداث قطائع معرفية أو إبستمولوجية وأخلاقية معه، كي تحصل الحداثة؛ أي أن القطائع من متطلبات الحداثة. هل يمكن أن تتفضل، أستاذ منير، بتوضيح رؤية الجباعي لمسائل القطيعة والثورة أو الإصلاح في العلاقة مع الماضي القريب وعلاقة ذلك بالحداثة والتحديث؟
الأستاذ منير الخطيب: بالتزامن مع الصحوة الإسلامية التي بلغت ذروتها مع الثورة الخمينية واستخدام الإسلام الجهادي في أفغانستان، حدثت هجمة من قبل المثقفين العرب على الهوية والتراث، وخلال الأربعين والخمسين سنة الماضية، برزت عناوين كبرى تصدرت الكتب مثل “الإسلام والعلمانية، الإسلام والديمقراطية، الأصالة والمعاصرة” إلخ….، فكنا أمام هجمة على التراث وهذه الهجمة كانت جزءًا من الصحوة الإسلامية ذاتها، ومن ثم حولت هذه الهجمة المثقف إلى فقيه، أي المثقف صار فقيهًا، فضلًا عن أنه ليس من اختصاص اليساريين والقوميين الحديث عن الإصلاح الديني وتبيان أنه يوجد هناك إسلام معتدل وإسلام غير معتدل وإسلام متطرف إلخ…، وليس من اختصاص العلمانيين واليساريين الذهاب نحو هذه القضايا، هذا من جهة، ومن جهة ثانية جميع الثورات الدينية عبر التاريخ أنتجت طوائفَ أخرى، بما يعني أن أي إصلاح ديني ينتج طائفة أخرى تدعي أنها على الصراط المستقيم، حتى الإصلاح “البروتستانتي” “مارتن لوثر” أنتج طائفة أخرى، من هنا فإن فكرة حوار الأديان هي فكرة عقيمة ومبتذلة.< الهويات لا تتحاور بل تتقاتل>.
الدكتور حسام الدين درويش: سنعود إلى مسألة الدين والعلمانية، لكن السؤال هو عن موقفه من التراث، هل يؤسس هذا الموقف على كون التراث دينيًّا أم على كونه ماضيًا مضى أو لا يريد أن يمضي؟ هل لأنه ماضٍ ديني أم لأنه ماضٍ أصلًا، بغض النظر عن كونه دينيًا أو غير ديني؟
الأستاذ منير الخطيب: بما أنه ماضٍ وبغض النظر، أكان دينيًا أو غير ديني، فالرجوع إلى ماض ما هو عودة إلى أصل، وغالبًا ما تتضمن هذه العودة أسطرة لهذا الأصل، وتتضمن أيضًا إعادة إنتاج هوية ما، الهوية عمومًا هي التي تمنع “أنا المفكرة”، أي “نحن الهوويّة” هي التي تحجب “أنا المفكرة”، وأريد استدراك فكرة فاتتني عند الحديث عن “التأخر التاريخي”، وهي مبدأ التنوير “الكانطي” القائم على مقاومة مبدأ القصور الذاتي لمقاومة التأخر التاريخي، أي أن تبني المبدأ “الكانطي” القائم على التفكير الفردي المناهض لمنظومة العقل السليم، ومن ثم يشكل القصور الفردي الذاتي، أحد أهم أسباب نمو “نحن الهوويّة” على حساب “أنا المفكرة” بوصف هذا القصور هو عدم الاستخدام العمومي للعقل، والتراث بهذا المعنى من خلال إعادة إنتاجه كهوية متوحشة وطاردة للاختلاف، هو ما يمنع “أنا المفكرة” من جهة، ويضع خلافات وصراعات الماضي بلبوسات معاصرة من جهة ثانية، ومن ثم، فإن القطيعة مع التراث هي قطيعة معرفية، واستمرار التراث في الحاضر هو بالفعل ماضٍ لا يمضي، نحن الآن نعيش صراعات عمرها ألف سنة، الحشد الشعبي والفصائل الإسلامية السنية، هي شكل من أشكال إعادة إحياء التراث بمضامينه الانقسامية والصراعية المدمرة للحياة الآدمية.
الدكتور حسام الدين درويش: فلننتقل إلى ما يقابل التراث أو “القدامة، الحداثة”. وهنا، نأخذ رأي الدكتور حازم في هذه المسألة، مسألة الحداثة المرتبطة بالعقلانية. فمن بين الانتقادات التي وجهت إلى الحداثة، ممثلة بالدولة (الحديثة) عديمة الأخلاق، كما يقول وائل حلاق. حتى الأستاذ الجباعي يقول بمعنى ما أنه صار أقل حماسة للعقلانية، لأنه أصبح يحدها بالأخلاق. وأود هنا السؤال عن مركزية المسألة الأخلاقية في فكر الجباعي، أكان في ما يتعلق بالدولة أم المجتمع، الفكر أم الحرية، فكل هذه المسائل وغيرها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأخلاق.
الدكتور حازم نهار: بالطبع، ركز الجباعي على مسألة الأخلاق في جميع المستويات، الدولة مثلًا بالنسبة إليه كائن أخلاقي، فعندما تكون الدولة محط النظم والأخلاقيات فإنها تنتج مجتمعًا مختلفًا. كذلك مسألة ربط الحداثة بالأخلاق، فالحداثة سارت في مسارات مختلفة، ولم تكن مسارًا واحدًا، فبعد عصر الأنوار الليبرالي أصبحت هناك مسارات مختلفة للحداثة، ولذلك يتعامل الجباعي مع الحداثة بعقل نقدي، ويؤكد على الحداثة الأخلاقية، ولا سيَّما في ظل هذا التقدم التقني الذي طال جميع مجالات الحياة “الذكاء الصناعي، الثورة التكنولوجية”، والذي يمكنه، من دون وجود النواظم الأخلاقية، أن يأخذ البشرية باتجاهات مدمرة، وأنا أعتقد أن هذا الأمر على غاية كبيرة من الأهمية. إنه يحاول أن يرسم توجهًا على المستوى الإنساني والعالمي وليس على مستوى منطقتنا وحسب، ولذلك تحدث في مواقع عديدة عن الحروب وتكاليفها وأضرارها وعدم جدواها، وعن رفضه لها تحت أي ذريعة، في ما قد يبدو نزعة طوباوية، لكنني أعتقد أن هذه هي مهمة المفكر. يمكن للسياسيين أن يتعاطوا مع موازين القوى ومع اللحظة السياسية وتعقيداتها، لكنني أعتقد أن المفكرين ينبغي لهم أن يعملوا بدلالة الإنسان الكلي، وبدلالة حاجات البشر وسعادتهم، واستنادًا إلى هذه النظرة يأتي اهتمامهم بمسألة الربط بين الحداثة والأخلاق. الجباعي بوصفه مفكرًا نقديًا عينه على تحسين حياة البشر والنهوض بالإنسانية، وهو ليس معنيًا بمقاربة القضايا انطلاقًا من واقع سوري أو واقع عربي أو صراعات محدّدة وحسب، بل بمتابعة كل ما يجري في المنطقة والعالم أيضًا من زاوية الرؤية الإنسانية الكلية ومصالح البشرية كلها.
الدكتور حسام الدين درويش: ثمة مثنوية في فكر الجباعي، تظهر في حديثه عن العالم عمومًا، من جهةٍ، وعن “عالمنا” من جهةٍ أخرى. فهو متفائل جدًّا على الصعيد العالمي، ومتشائم على الصعيد المحلي؟ فعندما يتحدث عن العالم عمومًا، نجده يتحدث عن التقدم في الأنسية، يتحدث عن التقدم في الحقوق، ويتحدث عن التقدم في الديمقراطية الاجتماعية ونموها، ويتحدث بإيجابية كبيرة عما يحدث أو يمكن أن يحدث في العالم (غير عالمنا) ويبشِّر “بثورة معرفية ثانية؛ هي الانتقال من واقع الإنسان المخلوق، أي من واقع الاغتراب الذاتي والاغتراب الموضوعي، إلى ممكنٍ هو الإنسان الخالق والمسؤول عن مخلوقاته، في أفق الحرية المدنية والعدالة الاجتماعية، أو الديمقراطية الاجتماعية”. في المقابل، عندما يتحدث عن “عالمنا” يقول حرفيًّا: ” أأنا متشائم؟ أجل، بل أكثر من ذلك كثيرًا؛ أنا أسمع بأذنيَّ تهشُّم الإنسانية اليابسة، وتقصُّفها في داخلي، فلا حياة إنسانية ممكنة خارج عالم الإنسان، المجتمع المدني والدولة الديمقراطية”. ويمكن ربط هذه المثنوية بمسألة أنه لا يتحدث إلا بالإيجابي عن الديمقراطيات الغربية، ولا يتحدث إلا بالسلبي عن عالمنا (العالم الثالث، العربي، إلخ…). فكيف يمكن أن نفهم هذه الثنائية/ المثنوية، وهاتين المنظومتين لهذين العالَمين بمعنى ما؟
الدكتور حازم نهار: أنا أعتقد أنه ارتكز على مقولة أو مركب “رأس المال الاجتماعي” في مقاربة أوضاع البشر، أكان ذلك في المنطقة العربية أم على مستوى العالم، وهذا التفاؤل على المستوى العالمي في الدول الأوروبية أو غيرها، أعتقد أن له مسوِّغًا، لأنه يستند إلى مركب رأس المال الاجتماعي لدى الأوروبيين، أما التشاؤم على مستوى المنطقة العربية فهو أيضًا مفهوم، فهو يقارب ما يحدث في المنطقة، الثورات والحروب وغيرها، انطلاقًا من مركزية رأس المال الاجتماعي. وعلى سبيل المثال، يطرح الجباعي سؤالًا مفتاحيًا في عدة أماكن؛ ما الذي يبقى من أي شعب في ظل أي كارثة موجودة، مثلًا الكارثة السورية، كيف ندرس أو كيف نتوقع ما هي المسارات السورية ما بعد هذا الحدث “مسألة إسقاط النظام السوري”، ما هي حصيلة ما أنتجه السوريون خلال الفترات الماضية، ما الوسائل، ما هي الثقافات، ما هي المؤسسات الموجودة بين أيدينا من أجل تجاوز النظام التسلطي، وما درجة حضور العلم في سورية، وما درجة النهوض الثقافي، جميع هذه المسائل التي تدخل ضمن رأس المال الاجتماعي، هي التي تجعلنا نتنبأ بما يمكن أن يحدث في سوريا والمنطقة العربية، أو ما يمكن أن تنتجه التغيرات التي حدثت في ظل غياب رأس المال الاجتماعي، على عكس الحالة في الغرب. أذكر مثلًا التحليلات الشعبوية، تحليلات السياسيين عندما دخلت روسيا على أوكرانيا، عشرات كتبوا عن انهيار أوروبا وجفافها، وأن أوروبا تموت من البرد، وأنها ستحتاج إلى عشر سنوات حتى تنهض، في حين أنها لم تكن أكثر من وعكة صحية بحكم رأس المال الاجتماعي الموجود، هناك تاريخ من الإنتاج ومن العلم ومن المؤسسات ومن الثقافة القابلة لمواجهة أي مشكلة.
لذلك، فإن السؤال المطروح بالنسبة إلينا، والذي يفسِّر نسبيًا سر التشاؤم، هو: ما الذي أنجزناه خلال المئة عام الماضية، من مئة عام وحتى اليوم كانت مسيرة المنطقة العربية من تراجع إلى تراجع، من منظور التاريخ والحداثة والعلم، ومن منظور الحياة الروحية للبشر، لقد كنا عام ألف وتسعمئة أكثر تطورًا من اللحظة الراهنة. نستطيع أن نذكر أمثلة عديدة في هذا السياق، ألمانيا مثلًا أو حتى اليابان، أو أوروبا كلها، التي تعرضت لتدمير شديد طال كل شيء خلال الحرب العالمية الثانية؛ هل كان يمكن لهذه الدول أن تعود وتنهض وتتقدم بعد الحرب الطاحنة لولا وجود هذا الرأسمال الاجتماعي لدى شعوبها، هذا الإنتاج، وهذا التراكم العلمي والثقافي؟!
الدكتور حسام الدين درويش: يمكن ربط هذه المسألة بمسألة الاندماج المجتمعي أو الوطني. وهذا الاندماج أحد أشكال التأسيس للرأسمال الاجتماعي، في حال حصوله. أستاذ منير هل يمكن أن تتحدث لنا أكثر عن هذا المفهوم، وكيف اختلف الجباعي عن ياسين الحافظ في هذا الخصوص؟ وما هي أهم مضامين هذا المفهوم/ الاندماج؟ وكيف يحدث؟ وما أهميته؟
الأستاذ منير الخطيب: ياسين الحافظ هو أول من نظّر لمفهوم الاندماج القومي، وهو الاندماج المجتمعي أو الوطني نفسه، ويشيران إلى المدلول نفسه. التياران القومي التقليدي والإسلامي كانا يفترضان وجود وحدة دينية أو وحدة إثنية، عبر رابطة العروبة أو الإسلام، حيث كان التيار القومي يفترض أن العروبة توحد أبناء هذه المنطقة، والتيار الإسلامي كان يعتقد أن الإسلام يوحد الأمة الإسلامية، وبالتالي لا توجد انقسامات مجتمعية، حيث يجبّها الإسلام أو العروبة، وتوصيف الوحدة الكتلوية هذا، لم يتحقق تاريخيًا، على الرغم من وجود العروبة والإسلام لكن ظل سكان المنطقة يتحاربون ويتقاتلون وهم منقسمون إلى طوائف ومذاهب وميليشيات، منذ أكثر من ألف وأربعمئة عام. ياسين الحافظ نحت مفهوم الاندماج القومي في سياق الحرب الأهلية اللبنانية، خلال سبعينات القرن الماضي، حيث قام الوعي الأيديولوجي بحجب الطابع الطائفي لهذه الحرب، فأطلقت الفصائل الفلسطينية المسلحة على هذه الحرب عنوان: بأنها تخوض حربًا ضد الحل التصفووي، والاشتراكيون قالوا نحن نخوض حربًا ضد ذوي الامتيازات، ويقصدون “الموارنة” بأنهم ذوو امتيازات وبالتالي نحن نخوض حربًا ضدهم من أجل العلمانية السياسية، والقوميون قالوا نحن نخوض هذه الحرب للحفاظ على وجه لبنان العربي. وكل هذه التوصيفات كانت تقّنع المضمون الطائفي للحرب. لكن ياسين الحافظ ذهب والتقط ما أطلق عليه ظاهرة ” نقص الاندماج القومي”، الذي يقف خلف هذه الحرب الأهلية، وكذلك حلل الأسباب الطائفية للحرب. وقاده ذلك إلى تنضيد مفهوم الاندماج الوطني أو الاندماج المجتمعي أو القومي، لكن ياسين الحافظ أبقى مسألة الاندماج في إطار الطوائف وعلاقة الطوائف ببعضها، فنادى بأن السنة هم القوم الأكثري الذي يحمل المسؤولية التاريخية لتقدم الأمة، والمسيحيون مثلًا هم الطائفة التي تجلب الحداثة إلى مجتمعاتنا لأنها جسر الوصل إلى الغرب، والأقليات الإسلامية غير السنية هي إلى حد ما أقليات تفرز شخصيات ذات طابع علماني، والقوم الأكثري يفرز تيارات ديمقراطية، ووصف الأقليات بأنها كسور في جسد الأمة، باختصار يمكن القول: أن ياسين الحافظ، أبقى مسألة الاندماج المجتمعي في إطار علاقة الطوائف ببعضها، لكنه، رغم ذلك، كان متقدمًا آنذاك، فمثلًا أمام القوميين لم تكن تستطيع التحدث عن شيء اسمه طائفية، حيث تظن الأيديولوجية القومية أن العروبة تجب كل الانقسامات المجتمعية، ويظن الاشتراكيون إن الاشتراكية تحل كل القضايا الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك الإسلاميون بنظرهم الإسلام هو الحل لكل شيء. أما النقلة التي رسمها جاد الكريم الجباعي تمثلت بأنه بنى مفهوم الاندماج المجتمعي على الإنتاج والتقسيم الاجتماعي للعمل، الذي يخلق علاقات شبكية أفقية مستقلة عن التشكلات الأهلية هي قاعدة الحياة المدنية ، وهذا التقسيم الاجتماعي للعمل لا يقوم إلا في مجتمع فيه إنتاج اقتصادي وإنتاج ثقافي وسياسي… إلخ، لذلك فهو يعزو مسألة التناثر والتشظي في المجتمعات العربية في أحد وجوهها إلى قضية التأميم، التأميم الذي صفقنا له طويلًا، في فترة الخمسينيات والستينيات كسوريين، كان السبب القابع في خلفية انعدام التقسيم الاجتماعي للعمل في بلادنا، حيث جاءت تلك السلطات التي كان يسميها ياسين الحافظ “تأخراكيات” واستولت على عملية الإنتاج، ثم أنشأت نقابات واتحادات للتحشيد والتجييش، ومن ثم لم يعد هناك إمكانية لإنشاء علاقات أفقية في المجتمع، وهذا أحد العوامل المهمة في انعدام مسألة نشوء علاقات مشتركة عابرة للانتماءات الأولية الطبيعية، النقطة الثانية وهي انعدام مسألة التبادل، الاقتصادي والثقافي، فالبشر عندما يتبادلون منتجاتهم، يتبادلون في ذات الوقت الثقافة والقيم المعنوية والرمزية، بحيث يصبح هناك مسألة “تذاوت” وهي رديفة للتبادل، في المجتمعات التقليدية التي لا يوجد فيها تبادل للسلع والخدمات، لا يكون فيها “تذاوت” بل مجرد عملية مقايضة، ورغم أنه حدث في مجتمعاتنا تبادل محدود في السلع والنقد وغير ذلك، لكن كانت تعاني من نقص في “التذاوت”، بما يعنيه من نقص في التبادل الثقافي والتبادل الإنساني، وهذا الذي كان معطلًا في مجتمعاتنا.
الدكتور حسام الدين درويش: قد يكون من الضروري، في هذا السياق، الإشارة إلى ما يرى كثيرون أنه المفهوم المفتاحي الأبرز لفكر الجباعي وهو مفهوم المجتمع المدني. وأنت، أستاذ منير، اعتبرت أن كتابه في هذا الموضوع هو أهم ما كُتب حتى عربيًا، قد يكون من المفيد الربط بين مفهوم الاندماج المجتمعي ومفهوم المجتمع المدني وعلاقته بالمجتمع الأهلي؟
الأستاذ منير الخطيب: مرتبطة طبعًا، ومثلما عبر الأستاذ الجباعي أيضًا، الاندماج المجتمعي هو رمز أو علم لصيرورة تشكل المجتمع المدني.
الدكتور حسام الدين درويش: الحديث هنا هو عن وجود خمس مراحل للعلاقة بين المجتمعين المدني والأهلي في تاريخ سورية المعاصر؟
الأستاذ منير الخطيب: نعم في سورية يوجد خمس مراحل في تاريخها الحديث، من منظور العلاقة بين المجتمعين الأهلي والمدني، المرحلة الأولى هي مرحلة النضال ضد الاستعمار الفرنسي، والتي تضمنت الثورات المسلحة التي قامت ضد الاستعمار الفرنسي وحملها المجتمع الأهلي، أصلًا لم يكن هناك من مجتمع مدني بعد، ولم يكن هناك علاقات مدنية، وبعد انطفاء تلك الثورات عام ألف وتسعمئة وسبعة وعشرين، انتقل النضال السياسي إلى المدن، وتحولت المدن الكبرى (دمشق، حلب) إلى مراكز العمل السياسي والوطني، وأصبح التظاهر والبيان السياسي والاضراب هي أشكال العمل الرئيسية في مقارعة الاستعمار الفرنسي، طبعًا ركائز وأساسات هذه الحالة أنتجها الاستعمار الفرنسي ذاته، عبر عملية التعليم العلماني التي قام بها ومن خلال البنى الاقتصادية والإدارية التي وضعها بهدف إدارة سورية، هذه الوضعية الجديدة أنتجت فئات اجتماعية، أسهمت في وضع “نويات” المجتمع المدني في الفترتين الكولونيالية والاستقلالية، وفي المرحلة الثالثة جاء الانقلاب القومي في الخمسينات حيث قام بتصفية هذه “النويات”، وكان جوهر الانقلاب القومي يمثله الانقلاب على فكرة الدولة الوطنية، والانقلاب على المسألة الوطنية، هذه الدولة الوطنية التي كان يسميها جورج طرابيشي “دولة قطرية” غير شرعية، ونحن كيساريين سواء في السلطة أم في المعارضة، كنا نعدّ سورية “دولة ما تبقّى” وهي دولة “ملعونة ونجسة”، وما سورية الحالية إلا دولة “ترانزيتية” للوصول إلى الوحدة العربية والدولة القومية، وهذا الكلام القومي الديماغوجي أجهض مكتسبات المرحلة “الليبرالية” ومن ثم أجهض كل ما يمكن أن تستند إليه صيرورة تشكل المجتمع المدني والدولة الوطنية. والمرحلة الرابعة هي مرحلة ربيع دمشق، وفي ذلك الربيع تحرك المجتمع المدني لوحده، عبر المنتديات والاتحادات والنقابات التي تشكلت آنذاك، بينما المجتمع الأهلي ظل سادرًا في غيبوبة شبه تامة، ولذلك تم القضاء على حركة المنتديات والتي هي عبارة عن حركة مجتمع “مدني” من دون دعم المجتمع الأهلي، أما في مرحلة الثورة عام ألفين وأحد عشر، انفجر المجتمعان المدني والأهلي معًا، لكن عزم عطالة المجتمع الأهلي وعزم عطالة السلطة القمعية كانا كبيرين، حيث تمكنا من سحق إرادة الحرية التي كان يحملها شباب الحراك المدني، فأُجبروا على الفرار إلى الخارج، لذا يمكن القول أن المجتمع الأهلي والدولة التسلطية سحقوا كل ما يمكن أن يكون أساسًا للديمقراطية ولدولة الحق والقانون، وهذا ينقلنا لفكرة طرحها الأستاذ “جاد” بأن السوريين انقسموا على محوري الصراع، وهذا الصراع تاريخيًا بين الإسلاميين والبعثيين، والفئات البينية بين هذين التيارين انقسمت على هذين المحورين، ولم تستطع أن تشكل محورًا ثالثًا له وزن، بالطبع نتيجة أنه كان مجتمعًا ليس فيه إنتاج، وفيه دولة تسلطية تهيمن على كل شيء، ولا سيّما على مسألة الإنتاج، المجتمع المدني لا يتناقض في رأيه مع المجتمع الأهلي، وهو ابن المجتمع الأهلي، وصيرورة تشكله هي حالة نمو وتقدم في رحم المجتمع الأهلي، لذا فإن التشكيلات والبنى الأهلية ضمن مناخات غير تسلطية، ينبت وينمو لها بُعد عمومي، هذا البعد العمومي هو الرحم الذي تتشكل فيه علاقات أفقية وشبكية، تتجاوز الانتماءات العصبوية، والنقطة الأهم برأيه هي الإلغاء السياسي للملكية الخاصة والإلغاء السياسي للدين، الإلغاء السياسي للملكية الخاصة هو أحد عوامل تشكل المجتمع المدني في المجتمعات المتقدمة، لأن غير المالكين أصبحوا يشرعون للمالكين، والملكية الخاصة بذلك لم يعد لها قيمة سياسية، أي المالك صار مثله مثل غير المالك سياسيًا، من حيث التساوي في حق الاقتراع، لكن المالك كسب حق الملكية في المجتمع المدني والتي أصبحت فيه “ملكيته” محمية بالقانون، وعلى نفس المنوال، إن أهم مسألة في الاندماج المجتمعي وفي صيرورة تشكل المجتمع المدني، هي الإلغاء السياسي للدين في مجتمعاتنا أيضًا، الدين لا يجوز أن ينتقل إلى المجال السياسي، بوصفه مجالًا عامًا ولا يجوز وضع ما هو خاص ديني أو عرقي أو أيديولوجي فيه، فالإلغاء السياسي لكل ما هو حصري وذاتي وخاص في المجال العام هو مدخل الاندماج الوطني.
الدكتور حسام الدين درويش: سنعود إلى هذه المسألة أستاذ منير، ولكن نسأل الدكتور حازم عن الثنائية نفسها، بين ياسين الحافظ وجاد الكريم الجباعي، والانتقال، في خصوص الاندماج، من الاندماج القومي إلى الاندماج المدني أو الوطني، وعلى مستوى الدولة، من المسألة القومية إلى المسألة الوطنية. وأنا أعلم أنك شخصيًا من المهتمين جدًّا، في المجال العام، بمفهوم الوطنية وتمييزه عن القومية، وربطه بالديمقراطية والمواطنة. وقد رأى الأستاذ جاد وجود التباس حصل بين الوطني والقومي والتماهي بينهما أحيانًا، لكن هو يميز ويفصل بينهما. تفضل دكتور حازم.
الدكتور حازم نهار: شكرًا، بالتأكيد هذه واحدة من النقاط المهمة جدًا، ولا سيَّما في في السياق السوري، فهذا الانزياح من فكرة الاندماج القومي إلى الاندماج الوطني مرتبط بإشكالية الوطنية والقومية التي جاءت من التيارات القومية العربية “البعث والناصرية”، إذ كانت فكرة الوطنية فكرة مرذولة ولصيقة بفكرة الدولة القطرية التي تحدث عنها الأستاذ منير؛ النظر إلى القطرية، وكل ما يتعلق بها، بأنها فترة موقتة أو عابرة للانتقال إلى مرحلة أعلى أو أكبر “القومية”. ناقش جاد الكريم الجباعي هذا الأمر من عدة زوايا، من بينها أن كلمتي الوطنية والقومية في هذا السياق هما واحد، وهذا الإشكال يأتي من جهة من الوعي الزائف، ومن جهة أخرى من اللغة العربية التي أعطت معنيين لمصطلح واحد باللغة الإنكليزية (nationalism)، وفي السياق الذي يتحدث عنه الأستاذ جاد هما صفة للدولة، مشيرًا إلى أنه ليس هناك فرق بين تعبير “الدولة الوطنية السورية” و”الدولة القومية السورية”، لكن هذا لا يأخذنا بالطبع باتجاه أيديولوجيا الحزب القومي السوري التي لا تختلف عن الأيديولوجيا القومية العربية؛ الوطنية والقومية بهذا المعنى صفة للدولة وتعطي معنى العمومية لها بعيدًا عن الأيديولوجيات. ومن أجل ذلك يرى الجباعي أن أي صفة توضع بعد كلمة “الدولة”، تخفض مستواها من العام إلى الخاص، مثلًا عندما نقول “الجمهورية العربية السورية”، فإن هذا يعني أن الكرد السوريين قد أصبحوا سلفًا خارج إطار هذه الدولة، ومثل ذلك الدعوة إلى “دولة إسلامية” في سورية، لأن هذا التعبير الأخير يطرد سلفًا أيضًا من هم غير مسلمين خارج الدولة، وإذا دخلنا في تفصيلات أكثر “دولة إسلامية سنية أو شيعية… إلخ” سنكون أمام كارثة على مستوى الوعي والواقع، وستكف الدولة عن كونها دولة. القصد هنا أن أي صفة تأتي بعد الدولة ليست من “جنسها” (بمعنى العمومية) تحوِّل الدولة بالضرورة إلى “عصابة” أكانت هذه العصابة بعثية أم إسلامية أم ناصرية أم ماركسية أم يسارية أم يمينية… إلخ. لم يجد الجباعي غضاضة في استخدام مفهوم الأمة السورية، والذي قد يكون مستفزًا ومثيرًا للكثيرين، على أساس أن الأمة هي التعبير الثقافي عن وجود الدولة والشعب، أو عندما أشار إلى أن الشعب مفهوم سياسي، مفهوم يصنع صناعة، مفهوم خاضع للسيرورة، لا يورث، وهذا المفهوم ليس حصيلة جمع طوائف وإثنيات وجامعات عرقية وأحزاب، فهذا الخليط لا ينتج شعبًا لأن الشعب مفهوم سياسي وحالة نوعية.
هناك كثير من التشويش في الساحة السورية في وعي هذه المفهومات “الدولة، المواطن، الشعب، الأمة” وتجسيدها، وهذا التشويش سبب رئيس لإخفاقنا السياسي واستمرارنا في الدوران في حلقة مفرغة.
الدكتور حسام الدين درويش: بالفعل هذه الدقة المفاهيمية وهذا العمق المفاهيمي في تناول مسائل الدولة والمواطنة أمران ضروريان وملحان حتى في حالتنا الراهنة. ولكن الذي لم أفهمه كثيرًا هو أن تطبيق بعض المفهومات والمبادئ والأفكار يقتصر على الحالة العربية في الحالة السورية. فـ الجباعي يرى أنه لا معنى ولا ضرورة من الحديث عن أمة عربية، أو شعب عربي، أو دولة عربية، أو دول عربية، فهذا كله كلام فارغ ولا معنى له ومرفوض وهو من الأوهام ومن العقبات أصلًا في وجه قيام دولة مواطنة. في المقابل، وعندما نأتي إلى الوضع “الكردي” أو الأكراد، يتحدث الجباعي عن شعب كردي ممكن، وعن دولة كردية ممكنة، عن إمكانية الانفصال وأنه “أهلًا به” …إلخ. لكن لماذا هناك إمكانية للحديث عن شعب كردي (ممكن) وعن دولة كردية (ممكنة) وليس عن شعب عربي (ممكن)، أو عن دولة عربية (ممكنة)؟ دولة كردية ممكنة وليس دولة عربية ممكنة؟ فالحديث عن الشعب العربي أو الدولة العربية وهم ومشكلة، في حين أن الحديث عن الدولة الكردية والشعب الكردي قد يكون جزءًا من الحل! أتطلع إلى معرفة وجهتي نظركما في هذا الأمر وفي رؤية الجباعي للمسألة القومية (العربية والكردية) وعلاقتها بالدولة والأمة المرتبطة بإثنية ما، وهما الإثنيتان العربية والكردية؟ وهذا السؤال للأستاذ منير والدكتور حازم.
الأستاذ منير الخطيب: في رأيي إن مفهومات الدولة والأمة والشعب هي مفهومات مترابطة، وكونها مترابطة، طرحها الأستاذ الجباعي في سياق التشكل، أي أن الأمة هي كائن يتشكل والدولة كائن يتشكل والشعب يتشكل، ولا يوجد في هذه المفهومات شيء سرمدي مكتمل معلق فوق قوانين التطور التاريخي، وفي سياق التاريخ لا يوجد شيء اسمه أمة عربية أو أمة إسلامية، لأن وجود الأمة يفترض وجود دولة ويفترض وجود شعبً، والفكرة التي تردد دائمًا عن “الشعب الكردي والشعب العربي” هي فكرة مغلوطة، مثلًا في سورية لا يوجد شعب كردي وشعب عربي، إنما يوجد شعب سوري أو يفترض كذلك يتكون من أكراد وعرب وشركس وأرمن إلخ…، لذلك إن فكرة التشكل هي الأساس في هذا الموضوع وليس مفهوم الوراثة، ونحن عندما نتحدث عن أمة عربية واحدة من دون دولة، فهذا الأمر فاقد المعنى، لأن الأمة بدون دولة هي أمة تائهة تبحث عن دولة مفترضة هكذا شمالًا ويمينًا، هو أمر مغلوط وغير معقول، ومن ثم هذه المفهومات هي دلالات عن كائنات عمومية تتشكل وتنحل في التاريخ. وأنا لا أعتقد أن هناك تناقضًا في كلامه عن العروبة السياسية وعن الأكراد في هذه المسألة، وإن كان عموميًا، وهذه مبادئ عامة حاكمة على كل الأمم والشعوب، ولا يجوز أن نكون “استنسابيين” في هذه المسألة.
الدكتور حسام الدين درويش: الجباعي قال إنه مع قيام دولة كردية، أما أي حديث عن دولة عربية هو وهم وعقبة ومسألة سلبية يجب القضاء عليها… إلخ. فهو، من ناحية، يأخذ على العروبيين أنهم قزموا الدولة (القطرية) وتحدثوا عنها بأسلوب تحقيري… إلخ. ومن ناحية ثانية يرحب بالانفصال وتقسيم الدولة القائمة. دكتور حازم، أليس هناك تناقض وعدم اتساق في رؤية الجباعي للمسألتين العربية والكردية؟
الدكتور حازم نهار: طبعًا أنا مع الكلام الذي تفضل به الأستاذ منير، فهذه المفهومات تنتمي إلى حقل دلالي واحد، إذ لا نستطيع أن نفهم أي مفهوم منها من دون فهم علاقته بالمفهومات الأخرى، ومن خلال مقاربة الموضوع بصورة أوسع؛ إذا أخذنا اليوم الثلاثية الرئيسة: “الدولة، الشعب، المواطن” وتفحَّصناها واقعيًا، سنجد أنه ليس هناك شيء اسمه دولة عربية، ومن ثم لا أستطيع الحديث عن شيء اسمه شعب عربي، فالدولة تتجسد بالعقد الاجتماعي أو بالدستور، هل يوجد بين أيدينا دستور عربي لدولة عربية؟! طبعًا لا يوجد. وإذا أخذنا مفهوم “المواطن العربي” أيضًا، وحاولنا اكتشافه في الواقع، فهل هناك وجود لمنظومة حقوقية سياسية توضح حقوق هذا المواطن وواجباته وفق العقد الاجتماعي؟ بالتأكيد لا.
الدكتور حسام الدين درويش: دكتور حازم الأمر ليس عن الواقع القائم. لا أحد يقول إنه توجد دولة عربية أو يوجد شعب عربي بهذا المعنى. الحديث عن الموقف من دولة ممكنة، دولة كردية ممكنة أو دولة عربية ممكنة. الموقف هنا مختلف تمامًا. فهل الدولة (العربية أو الكردية) ممكنة في المستقبل؟ هل يمكن أن تحدث أم لا! وهل ينبغي لنا تأييد مثل تلك الدولة؟ الجباعي يؤيد الدولة الكردية الممكنة، ويرى وجوب ألا يكون مصير الأكراد محددًا بيد العرب بل بيد الأكراد، وأن يكون لهم دولتهم الكردية، لكن هو ضد الدولة العربية ويرى وجوب ألا نسعى إليها أصلًا لأنها عقبة ووهم!
الدكتور حازم نهار: تحدث الجباعي، في أماكن عديدة، عن فكرة الاتحاد؛ أشار إلى فكرة أن العروبة فضاء ثقافي، وأنه من المهم عدم تسييس هذه العروبة لأن ذلك سيؤدي إلى تقزيمها وتحويلها إلى أيديولوجيا قومية، لكنه في المقابل تحدث عن شيء شبيه بالاتحاد الأوروبي، عن اتحاد ما بين دول عربية أنجزت بناء الدولة الوطنية الديمقراطية، وأشار أيضًا إلى أن دولة القومية العربية وفق الأيديولوجيات القومية العربية (البعث والناصرية مثلًا)، قد ألغت الواقع عمليًا، لأن “الدولة الوطنية” هي الواقع القائم؛ لتخيل مثلًا أن أحدًا ما يعمل في السياسة، وأول شيء يفعله هو أنه لا يريد أن يرى الواقع القائم! إذًا، يتحدث الجباعي عن مشروعية وعن احتمال لاتحاد دول عربية أنجزت ثورة وطنية ديمقراطية وليس عن أيديولوجية قومية تلغي الواقع أو تقفز فوقه، والأهم من ذلك، أن الحديث، على المستوى السوري اليوم، عن شعب كردي أو شعب عربي، يأتي أيضًا من باب المشروعية والاحتمالية والإمكان، أما واقعيًا فلا يوجد شيء اسمه شعب عربي ولا يوجد شيء اسمه شعب كردي بالمعنى السياسي، الاحتمال والإمكان الأرجح سوريًا هو إعادة إنتاج الشعب السوري بدلالة الدولة الوطنية السورية الديمقراطية.
الدكتور حسام الدين درويش: دعونا الآن نفتح مجالًا للأشخاص الحاضرين معنا هنا. من يود أن يسأل يستطيع أن يرفع يده إلكترونيًا، أو يضع رقم واحد في الردود، أو يرفع يده فيزيائيًا، نبدأ معك “صبا” تفضلي.
صبا حرب: خلال قراءتي لهذا الكتاب في هذه الفكرة، لاحظت الاهتمام بطبقة “الأنتلجنسيا” النخبة المثقفة لتحقيق الثورات أو لبناء المجتمع، وهذه نقطة أختلف فيها مع الأستاذ “جاد”. فغالبًا الذي يقوم بالثورات ويحقق الانتقال هو الشعب عمومًا، ولكن بعد قيام الثورات ونجاحها يمكن أن يأتي دور الطبقة المثقفة “النخبة” لتشكيل دولة قوية واعية لإرساء دعائم الديمقراطية ونشر الثقافة بصورة أكبر، وتغيير المناهج، لكن واقعيًا أنا أشعر أننا جميعنا أبناء للربيع العربي، جميعنا نزلنا إلى الشارع، وطالبنا بدولة ديمقراطية. وفي الحقيقة كان هناك كثير من الأشخاص البسطاء، لكن كانوا يمتلكون الوعي والفهم، والقدرة على التفكير وقراءة الواقع، من أجل تحقيق وبناء دولة جديدة. وفي هذه النقطة تحديدًا أختلف مع الأستاذ “جاد”.
الدكتور حسام الدين درويش: أظن أننا جميعًا نختلف معك، ولكن لا بأس من الاختلاف، علمًا أننا لا نستقل بوعي الشارع بمعنى ما، وبالطبع كان فيه أشخاص أدركوا ما حدث عن وعي وقناعة وأخلاق، وقاموا بأفعال عظيمة.
الدكتور حازم نهار: أكيد هذا الأمر هو موضوع للنقاش، وهو صحيح، وأستطيع أن أزيد عليه في بعض اللحظات، ولا سيّما في البدايات، فأنا أعتقد أن الشارع كان متطورًا على وعي القوى السياسية آنذاك، وأذكر كثيرًا من المناسبات والمحطات، التي أعلن فيها الشارع منذ البداية، أنه ضد الطائفية “إسلام ومسيحية واحد، الشعب السوري واحد”… إلخ”، هذه توجهات كانت موجودة ومتجاوزة لوعي كثير من القوى السياسية. إن عملية التغيير في أي مجتمع من المجتمعات هي مسار، وهنا غالبًا ما ننحشر في زاوية “مَن أولًا” فنعود إلى قصة الدجاجة والبيضة، ما المطلوب أولًا؛ الثورة الثقافية أم التغيير السياسي، إسقاط النظام أم تغيير وعي الناس؟ هذا الأمر وارد دائمًا، وأنا أعتقد أنه في النهاية هناك حصيلة، وهناك موازين قوى، وهناك مخزون ورأسمال اجتماعي، هي من تحدد إلى أين تذهب المسارات، ونحن لا نستطيع أن نرسمها بدقة، لكن الشيء المهم، هو أنني لا أعتقد أنه يمكن بناء دولة وطنية ديمقراطية من دون نخب حديثة ومتقدمة.
الدكتور حسام الدين درويش: شكرًا جزيلًا، دكتور حازم. ودعوني أقرأ بعض التعليقات. “أستاذنا الجباعي كان معنا وما زال معنا، لم يسمع الحديث جيدًا، لكنه يشكركم جزيل الشكر ويعتذر عن عدم المشاركة لعدم تمكنه من السمع، تقبلوا محبته وتقديره دومًا، وإن شاء الله سيستمع للتسجيل لاحقًا”. هناك ملاحظة أخرى، لا أعلم إن كانت إيجابية أو سلبية. فهناك اعتراض عليك أستاذ منير وأعتقد أنك ستحبه. يوجد تأكيد من الأستاذ “سنحاريب ميرو” حول تأكيدك بأن قراء الياس مرقص لم يتجاوزوا خمسة وعشرين شخصًا. هو يقول إنه وحده يعرف مئة شخص على الأقل، بمعنى أنه يوجد عدد كبير أو أكبر مما تظن، ممن قرؤوا لـ ياسين الحافظ والياس مرقص وجورج طرابيشي، لكن في ظل الواقع المتجمد، العقل السليم لم يسمح بانتشار هذا الفكر الهامشي.
الأستاذ منير الخطيب: الصديق “سنحاريب” الرقم الذي وضعته هو رقم للكناية، وليس شرطًا أن يكون دقيقًا مئة بالمئة، لكن أكيد عدد قراء الياس مرقص لا يتجاوزون المئة في سورية، الياس يختلف عن جورج وياسين، جورج وياسين كانوا أكثر انتشارًا لمجموعة من الأسباب، أهمها أنه كان لهم علاقة بالسياسة أكثر، وكتاباتهم كانت أبسط وأسلس، وبصراحة كان حزب العمال هو من يعمم فكر ياسين الحافظ وجورج طرابيشي، لأن جورج طرابيشي كان أيضًا في حزب البعث اليساري، الياس كان قراؤه قلائل بسبب عمقه الفلسفي، وهو لم يكن معنيًا خاصة بعد فترة السبعينيات بالسياسة المباشرة، بل كان معنيًا بمسألة التأسيس للمفهومات، ومن أجل ذلك لم يكن منتشرًا، وبالتأكيد قراؤه في سورية لا يتجاوزون مئة شخص.
الدكتور حسام الدين درويش: على ذكر القلة، ومتابعة لما قاله الدكتور حازم، الأستاذ “خليل” لديه أكثر من تعليق، ولكن دعوني أذكر هذا التعليق المرتبط بهذه المسألة، أكان من حيث مسؤولية “النخبة” دائمًا، أم بمعنى مسؤوليتها عن حادثة معينة أو عما حدث في الربيع العربي في سورية، الأستاذ “خليل” يقول “الرأي النخبوي أو الوضع النخبوي هو الذي أدى إلى ظهور ما ظهر، ماذا قدمت النخبة للربيع العربي؟ ليس لها أثر إيجابي بالمطلق أو ليس لها أثر مطلقًا. لم تستطع النخبة أن تبني تيارًا ثوريًا، لأنها انشغلت بالتنظير ولم تقم بالعمل. وهنا دعوني أشير إلى مسألة نقد الأستاذ الجباعي ﻟ “الإرادوية” والتنظير، بمعنى تشديده على مسألة العمل. دكتور حازم نعود لك حول مسألة النخبة، وأظن أنك تشاركه النقد، لكن ماذا قدمت، ولماذا لم تقدم ما ينتظر منها؟
الدكتور حازم نهار: في ظل هذه الانفجارات التي حدثت، فعلًا مثلما قيل، طبيعة الانفجارات حكمت أن تكون هذه النخب هامشية، وحتى عندما حاولت وبادرت كان هناك رفض عام، أكان ذلك من قوى سياسية أو من الناس أنفسهم. طبعًا، نحن نتحدث عن النخب بهذا المعنى تحديدًا، لأن مفهوم النخبة له مستويات كثيرة للنقاش فيه. مثلًا إذا أردنا الحديث عن النخب، بمعنى النخب التي كانت قادرة على التأثير، تلك التي كانت موجودة في الواجهة، أي في الصفوف الأولى “النخب السياسية، العسكرية، الاقتصادية، الدينية”، وغيرها، فإنها كانت، في تقديري، عاجزة سلفًا عن إنتاج تغيير، عاجزة عن تغيير وعي الناس، أو الأخذ بيد الناس، أو السير بجانب الناس، واندرجت في سياقات “شعبوية” وتحولت إما إلى ذيل للإسلام السياسي السني، أو ذيل للإسلام السياسي الشيعي.
الدكتور حسام الدين درويش: معنا السيدة “إيناس” التي تشيد بالكتاب وبفكر الجباعي المنصف للمرأة وبتحليله العميق للعلاقة بين المجتمعين المدني والأهلي، ومفهوم الوطن في ظل الاغتراب والتغريب، وتحليله لمفهوم رأس المال الاجتماعي والرمزي؛ لكنها تختلف مع الأستاذ منير الذي تحدث عن رقي الرأسمالية، وترى مع غرامشي “أن تكون إنسانًا في زمن الرأسمالية، هذه غرامة ستكلفك الكثير في مجتمع الذئاب”. فهي ترى أن الرأسمالية متوحشة وهي التي تنتج الأسلحة وتفتعل الحروب في مناطق خارج بلادها، بدافع الجشع والطمع وغطرسة القوة؟ وترى أنه هناك انقطاع للصلة بين المعرفة والأخلاق، وأن ذلك الانقطاع هو أساس المظالم. فكيف نصل ما انقطع ونصل بين المعرفة والأخلاق؟ وتشير إلى “الموقف الغربي المشين من المذبحة الإسرائيلية في غزة”.
الأستاذ منير الخطيب: شكرًا للسيدة “إيناس”، أولًا لأبدأ من الأخير عن الرأسمالية المتوحشة، التوحش ليس مربوطًا بنمط الإنتاج الرأسمالي فقط، “النظام الرأسمالي العالمي” على الرغم من أنه حدثت داخله حربان عالميتان، إلا أنه لا يزال النظام الأرقى الذي أنتجته البشرية لجملة من الأسباب، أولًا، لأنه يتيح لنا معارضته، وبناء معارضات جدية له، في حين لا تسمح النظم غير الرأسمالية ببناء أي نوع من أنواع المعارضات السياسية وغير السياسية. أيضًا هذا النظام هو من ثوّر العالم وصنع ثورات كبرى، نحن نعيش تحت ظلال نعمها الآن، وأعني الثورات الصناعية والعلمية والتكنولوجية التي لم يكن لها لتحدث من دون نمط الإنتاج الرأسمالي، النقطة الثالثة، مسألة الأخلاق والعدالة والمساواة والحرية، مرجح تطورها في العالم الرأسمالي المتقدم أكثر من غيره، في الجانب المقابل واستنادًا إلى البيان الشيوعي، الذي قال إن البرجوازية أنجبت “البروليتاريا” حفارة قبرها، أي قبر الرأسمالية، لا بل أنجبت قوى أخرى معارضة لها، فمثلًا الآن لا يمكن التفكير بتشكيل حركة للديمقراطيين وحركة للمجتمع المدني على المستوى العالمي، من دون المراكز الرأسمالية، والمراكز الرأسمالية بحركاتها المدنية الديمقراطية يجب أن تكون في قيادة وطليعة الحراك العالمي المناهض للهيمنة والتسلط وتهديد مستقبل البشر، وأنا أعتقد أن هناك فكرة ساذجة وسطحية كان يعبر عنها “سمير أمين” وكنا نحن نصفق لها، وهي فك الارتباط عن العالم الرأسمالي، فك الارتباط عن العالم الرأسمالي يعني ببساطة أن الفراغ في منطقتنا أو في العالم المتأخر، تعبئه قوى هوويّة مثل إيران وروسيا، أيضًا ما هي النماذج البديلة للنظام الرأسمالي الآن؟ والتي تطرح نفسها كقطب عالمي جديد، هل “بوتين” و”خامنئي” يستطيعان بناء قطب عالمي جديد في مواجهة الغرب؟ طبعًا هذا غير ممكن، إذًا النظام الرأسمالي لا يزال النظام الأرقى في التاريخ، لأنه هو الذي يفسح المجال لنشوء ثورة “كوبرنيكية” ثانية، والتي تحدث عنها الأستاذ “جاد” في كتابه، وهنا سأنتقل لربط الأخلاق بالمعرفة، الثورة “الكوبرنيكية” الثانية التي يجب على العالم أن يلج فيها، هي تنصيب الإنسان في مركز العالم، وكما قال الأستاذ الجباعي، يجب كفّ يد “برومثيوس” عن العبث بكنوز الآلهة، لأن كنوز الآلهة هي من إنتاج الإنسان نفسه، هذه الثورة “الكوبرنيكية” ذات الأبعاد الإنسانية والأخلاقية والتي تهدف أساسًا إلى انقاذ البشرية من نتائج أعمالها، ستكون مراكزها بالتأكيد في الدول المتقدمة.
المذبحة في غزة هي موضوع يصنفه الغرب ويربطه بـ “حماس”، و”حماس” هي حركة إرهابية في نظر الغربيين. في الغرب يجب التمييز بين مسألتين مهمتين، بين الدولة القومية في الغرب والتي لها طموحات إمبراطورية، وبين المجتمع الرأسمالي بشموله وكليته، وهذا التمييز دقيق جدًا، الدولة القومية هي من لديها طموحات إمبريالية أكانت رأسمالية أو غير رأسمالية، أي الطموحات الإمبريالية للخامنئي أقوى كثيرًا من الطموحات الإمبريالية لأميركا، وهذا لا ينسحب على بنى وحركات المجتمع في الغرب، بل على العكس يدعم وجهة نظري، بأن الغرب هو المكان الوحيد الذي تظاهرت فيه الناس نصرة لغزة، ونصرة للشعب الفلسطيني، وليس نصرة “لحماس” الفصيل الإرهابي الظلامي المرتبط بسياسات إيران الإمبريالية، الغرب الذي أنتج وعد بلفور ينتج حركات وسياسات تعارض وعد بلفور وما نجم عنه سابقًا وحاليًا.
الدكتور حسام الدين درويش: شكرًا أستاذ منير، معنا الأستاذ “عماد”
الأستاذ عماد: تحية للقائمين على هذا الحوار، للصديقين: الأستاذ منير الخطيب والدكتور حازم نهار، وتحية لـ جاد الكريم الجباعي المربي الكبير الذي تربينا على يديه، أكيد في الكتاب حاول مقاربة بعض المقاربات الضرورية لتوضيح بعض المفهومات، وهذا اللقاء يلفت النظر لأنه في عودة دائمة لتحديد المفهومات وجعلها أكثر التصاقًا، أكان من الناحية التعريفية القيمية أم وضعها السياسي، لكن دعوني أقول لجميع أصدقائي ورفاقي وأضع ملاحظة صغيرة، دائمًا كان هناك أسر للإرث المعرفي بمقاربة مفهومات مثل “الدولة، الدولة الأمة، القومية، الشعب، المواطن” ومؤكد أن من ينظر من الخارج “الغرب” تحديدًا، إلى كيفية مقاربتنا لهذه المفهومات ينتبه لبعض الأشياء، أولًا دعونا نأخذ ملاحظات صغيرة، وهذا السؤال مفتوح للدكتور حازم والأستاذ منير، لأن الدكتور حازم تحدث عن أن الشعب والمواطن ينتميان إلى حقل دلالي واحد، “الدولة والشعب والمواطن” والأستاذ منير أيضًا عرج على “الدولة والدولة الأمة”، مثلًا اثنتا عشرة مستعمرة في الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأميركية عندما أرادت إنشاء دولة، هل كان الأميركيون فعلا يفكرون كثيرًا في هذه التعاريف، أم كان السياق السياسي والظرف والحاجة هم من فرضوا ذلك؟ الدولة الكندية اليوم “”Canadian Nation هي “الأمة الكندية” وهي مؤلفة من قوميات، وقوميتين أساسيتين، وثنائية اللغة، ودولة “كونفدرالية” أيضًا لم يفكر أهلها كثيرًا في هذه التعاريف، نحن دائمًا نقع في ظل أسر التعاريف الأولية، بينما الأمة والمواطنة هي مفهومات جديدة، الدولة مفهوم قديم، كل سلطة على الأرض هي دولة. وما زال حتى اليوم مثقفونا والطليعة الواعية، كلهم يعالجون الأمور من المدخل نفسه، أكان التعريفي، الثقافي، التاريخي، بينما الفعلي، السياسي، لا يحضر مباشرة، ممكن أن تكون الدولة، أمة ضمن أمة، مثلًا يمكن أن تكون دولة أمة سورية ضمن الأمة العربية، والتي لها مواصفات تاريخية، وثقافية، أما غير ذلك يصبح البحث عن تحديدات أكثر تاريخية أو فلسفية، أعتقد يمكن أن يوقعنا في دوامة كبيرة.
الدكتور حسام الدين درويش: الأستاذ عماد يرى أن هناك تمايزًا بين التعريفات النظرية لمفهومات الأمة والدولة والقومية إلخ والتطبيق العملي التاريخي لها. ويرى أنه حتى اليوم لا يزال المثقفون والطليعة الواعية يعالجون الأمور من المدخل نفسه، أكان التعريفي، الثقافي، التاريخي، بينما الفعلي، السياسي، لا يحضر مباشرة. وهذا ما يمكن أن يوقعنا في دوامة كبيرة. وقريب من هذا الإطار حديث الأستاذ “جمال” عن التصور الأسطوري المبالغ فيه لدور النخب وأدواتها في تغيير الوعي؛ ويرى ضرورة الالتفات إلى العوامل المادية ودور القوى الخارجية للعولمة في تشكيل مجتمع السوق. وعطفًا على مسألة التشاؤم والتفاؤل، تسأل الدكتورة “ميادة كيالي” – التي ستكون معنا في الندوة المقبلة، عن فكر الجباعي في يوم الثامن والعشرين من الشهر – إنه بعد كل هذا الحديث، والتي سمعته باهتمام ومشكورين عليه، هل يمكننا أن نتفاءل بإمكانية حدوث تغيير إيجابي في المستقبل القريب، أم أن ما نشهده بالفعل هو تراجع عميق لا يمكن الخروج منه في المدى المنظور؟ وتعقيبًا على رأي الأستاذ منير في الرأسمالية، هناك من يشدد على ضرورة أخذ تاريخ الرأسمالية في الحسبان، لأنها ذات “نشأة مشبوهة وتاريخ أسود”، مع ضرورة التمييز بين مفهوم الرأسمالية المتوحشة، ومفهوم السوق الحر بسياق وطني.
الدكتور حازم نهار: بالنسبة إلى المفهومات، فإنه غالبًا ما يؤخذ على الحديث فيها أنها مفهومات نظرية، وليس بالضرورة أن تسير الأمم وفق هذه الترسيمة النظرية. هنا أقول في مواجهة هذا الاعتراض: بالتأكيد الواقع أغنى، لكننا نحلل الواقع اليوم في ضوء اللحظة الراهنة والنتائج الحاصلة، فخلال الثلاثة عشر عامًا الماضية في سورية مثلًا، بدءًا من عام 2011، كانت هناك حالة عامة من الخلط والتشويش والضياع والتوهان السوري العام، ولا توجد اتفاقات بين السوريين على سوريا المستقبل، كما لا توجد أمور أو مسائل تحولت إلى بدهيات: فكرة الدولة مثلًا حتى الآن، نحن كسوريين لم نتلمس أهميتها ومركزيتها في عملية الانتقال الديمقراطي أو في أي عملية تغيير، الدولة في الوعي السوري العام وفي وعي النخب تساوي “السلطة”، أما عندما نفهم الدولة استنادًا إلى ارتباطها بمسألة المجتمع المدني وبعمومية الدولة، يصبح من غير المنطقي أن نتنازع على “هويتها” الدينية أو العرقية (أنا أريد أن تكون الدولة عربية، وفلان يريدها إسلامية، وفلان يريدها إلخ…..)، ولا يجوز أن نتنازع على مسألة “هوية الشعب” (شعب عربي أو شعب سوري أو شعب كردي أو غير ذلك)، ولا يجوز أن نقدس مفهوم الثورة (الثورة كيفما كانت)، فالثورة من دون فكرة التقدم، وهي الأهم، لا يكون اسمها ثورة بالمعنى الإيجابي الذي يتكلم عنه الناس؛ لدينا ثورات كثيرة، مثلًا ثورة الثامن من آذار عام 1963 يسمونها ثورة! والثورة الإسلامية الإيرانية أيضًا يسمونها ثورة! أي ثورة تعود بنا إلى الوراء، في رأيي، تفقد الصفة التقدمية، وتكفّ عن كونها ثورة بالمعنى الإيجابي. هذه هي أهمية وعي المفهومات وتحديدها: الخروج خارج نطاق هذا الخلط والتشويش السائدين. اليوم، لا توجد وثيقة سياسية سورية ناضجة أو متماسكة، والخطاب السياسي هو خطاب مشوش، وخطاب ضحل، وخطاب متناقض، وخطاب ينوس بين الماضي والحاضر ومراضاة الناس، ومراضاة الدول، وكل هذه الفوضى لن نخرج منها من دون الفكر.
النقطة الثانية تتعلق بدور النخب المبالغ فيه.
الدكتور حسام الدين درويش: ماذا عن العوامل المادية والمقارنة بين دورها ودور النخب؟
الدكتور حازم نهار: هي شرط لازم ليس كافيًا، لكن لو كان لدينا في سورية سابقًا هذا الإنتاج الثقافي، هذه النخبة المتماسكة، هذا التنظير التراكمي، لكانت هذه النخب، كما أعتقد، قادرة على الأقل على خلق وجدان سوري عام، ضمير سوري عام، رأي عام سوري، لكننا للأسف لا نمتلك مثل هذه النخبة التي يُعدُّ وجودها واحدةً من مستلزمات بناء الأمة السورية، أو بناء الشعب السوري. اليوم، إذا أردنا أن نوصّف “الشعب السوري”، أرى أنه من الصعب تسميته شعبًا انطلاقًا من المفهوم السياسي للشعب، فنحن إزاء مجموعة من البشر أو السكان أو من السوريين الذين يقطنون على هذه الأرض، وهذا وحده لا يشكل منهم شعبًا بالمعنى السياسي، لأن موضوع انتقال السوريين من حالة السكان ليكونوا شعبًا يستلزم بناء الدولة، وأنا أعتقد أن هذا الأمر يُفترض التنظير له لأنه يصبُّ في جوهر فهمنا لعملية التغيير المأمولة، فليس المطلوب إحلال سلطة بديلة وحسب (أدّت عملية اختزال للثورة بإبعاد السلطة المستبدة والإتيان بسلطة جديدة، لكن على الأرضية الثقافية نفسها، إلى كوارث).
أما بالنسبة إلى مسألة “التفاؤل والتشاؤم”، فإن التحليل الذي نقدمه هو تحليل بالمعنى الإستراتيجي، بالمعنى التاريخي؛ إن مسألة التعافي من الاستبداد هي تمامًا، كما شبهها الأستاذ الجباعي، مثل تعافي مريض السرطان أو أي مصاب بمرض مزمن، فالأمر يعتمد أيضًا على مناعة المريض، بمعنى ماذا أنتج هذا المريض أو راكم سابقًا من عوامل الصحة، ما هي بنيته الصحية العامة، لأن هذه الجوانب هي التي ستساعده في عملية التعافي من المرض المزمن. هنا يجب أن نسأل أنفسنا، ماذا بأيدينا؟ وما هو الرصيد المتوافر لدينا؟، ما هو رأس المال الاجتماعي الموجود لدينا كسوريين، على المستوى العلمي، الثقافي، الاقتصادي، التنظيمي، المؤسساتي، التعليمي، المعرفي؟ ودعونا نحكم!
الدكتور حسام الدين درويش: شكرًا كثيرًا دكتور حازم، الأستاذ منير تفضل.
الأستاذ منير الخطيب: بالنسبة إلى سؤال الأستاذ “عماد” أنا برأيي وضوح المفهومات ضروري جدًا، أهم مشكلة واجهت الربيع العربي أنه بقي محتجزًا في أفق “الملة” لم يستطع الانتقال إلى أفق “الأمة العلمانية”، لماذا؟ لأنه لم يكن يوجد وعي في كل هذه المصفوفة، “الأمة والشعب والدولة” وفعلًا هذه قضية ليست قليلة، لأن الذي حدث عندنا، في هذا التاريخ الطويل، ليس دولًا! كان عندنا “إمارة، خلافة، سلطنة” وكان عندنا أيضًا مفهوم “الملة” الديني ولم يكن لدينا مفهوم “الأمة” قبل صدمة الحداثة، ولم يكن هناك شيء اسمه “مفهوم الشعب” بل كان سائدًا طيلة التاريخ العربي المديد مفهوم “العامة” عوضًا عن الشعب، فتغيير رؤية البشر العاديين قبل النخب لهذه المسائل، هو أمر ضروري كثيرًا، عبد الله العروي أصدر سلسلة مفهومات حول هذه القضايا، من مفهوم الدولة إلى مفهوم التاريخ، لأن هذه مفاهيم مهمة ومفتاحية لتأسيس حياة عمومية بدون حروب وصراعات. إذ لا يزال الإسلاميون يركزون على الصفة أكثر من الموصوف، يركزون على الصفة الإسلامية للدولة والعرب يركزون على صفة العروبة إلخ…، أنا أعتقد توضيح المفهومات بغض النظر عن كيف ستتشكل الدولة مركزيًا أم فيدراليًا أم لا مركزيًا، مثلًا في كندا تشكلت لأنه ليس لديهم ذلك التاريخ المملوكي، وليسوا محتجزين في أفق الملة مثلنا، لذلك استطاعوا بسهولة أن يبنوا هذه الشراكة Companitoin”” في ألمانيا أقاموا فدرالية أيضًا، لأنهم ليسوا محتجزين في مسألة التأخر وتفرعاتها، لذلك تأسيس هذه المفهومات هو البدوة لدحض أُطر ما قبل الدولة.
الدكتور حسام الدين درويش: أستاذ منير أرجو الإجابة عن سؤال “حل المبالغة في دور النخب”
الأستاذ منير الخطيب: أنا أعتقد أن هذه الفكرة (دور النخبة) تتقلص مع تعقد الحياة الاجتماعية ومصادر المعرفة وعندما نركز على تغيير النظام التربوي والتعليمي، وإعطاء أهمية لفكرة الإنتاج الاقتصادي وإنتاج المجتمع لذاته، عندها تنزاح النخب إلى الخلف، وإنتاج المجتمع جدًا مهم، هناك فكرة لـ الياس مرقص يقول فيها “المجتمع ينتج المجتمع” هذه المسألة أكبر من قصة نخبة هنا أو نخبة هناك، هي تتعلق بكامل العملية الإنتاجية الاقتصادية والفكرية والأخلاقية إلخ…، ثم عن مسألة هل يمكننا أن نتفاءل، أنا أعتقد أنه في سياق التطور التاريخي لا يوجد تفاؤل أو تشاؤم، بل توقيع ممكنات على حساب ممكنات أخرى، وأنا أعتقد أن سؤال لينين ما العمل؟ هو سؤال في غير محله لأن في المشاريع التاريخية الكبرى هذا السؤال لا يُطرح، هناك مشروع تاريخي كبير، سيرورة تاريخية كبيرة، ويوجد فيها عوامل غير منظورة أكثر من العوامل المنظورة، ويمكن لأثر الفراشة أن يقوم بتغيير كبير وهائل لا أحد كان يترقبه أو مراهنًا عليه، وأنا أعتقد أن مقولة غرامشي “تشاؤم العقل يلغيه تفاؤل الإرادة” هي مقولة سطحية وساذجة، بالإرادة وحدها لا نحقق شيئًا، التاريخ له حساباته وهي مختلفة عن حسابات التيارات والأفراد والأحزاب إلخ.
الدكتور حسام الدين درويش: وماذا عن “النشأة المشبوهة والتاريخ الأسود” للنظام الرأسمالي؟
الأستاذ منير الخطيب: أولًا النشأة ليست مشبوهة، بل “ولادة طبيعية” وأرقى ولادة حدثت وتحققت لنظام في التاريخ البشري، النظام الرأسمالي بدأ إرهاصاته في عصر النهضة، وعصر النهضة في القرن الخامس عشر، ركز على فكرة الإنسان ككائن كلي، وهناك ذروتان قبل الرأسمالية المتوحشة “ذروتان مهمتان جدًا” ذروة عصر النهضة وذروة العصر الليبرالي، وهاتان الذروتان هما نمو في العمومية، ونمو في الفكر الإنساني، قبل الرأسمالية المتوحشة والدولة القومية، كان هناك مفكرون يتكلمون بلغة “كونية”، “كانط” ليس مثل “الجابري” كتب نقد العقل العربي، “كانط” كتب نقد العقل “المحض” ونقد العقل العملي، “فولتير” لم يكن يوجه خطابه للفرنسيين، بل كان يوجهه للإنسان “البشرية” وهذا كله مقدمات لنشوء الظاهرة الإمبريالية، وليس من ذكرناهم هم من ساهموا بظهور الإمبريالية “هذه مقدمات” الذي ساهم في الظاهرة الإمبريالية هي “الدولة الأمة” التي تحمل جرثومة الإمبريالية، وتحمل نقيضها وهو “التطور الديمقراطي”، أكبر كارثتين في تاريخ الرأسمالية هما “الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية”، قامت وظهرت فيهم قوى من خارج النظام الرأسمالي، ومعادية للنظام الرأسمالي “النازية” والتي هي تمرد على النظام الرأسمالي، “الفاشية” والتي هي أيضًا تمرد على النظام الرأسمالي، “الستالينية” أيضًا هي تمرد على النظام الرأسمالي، والنظام الرأسمالي كسر رأس هذه التجارب كلها، ونأمل الآن أن يكسر هذا النظام الرأسمالي رأس “خامنئي” ويكسر رأس “بوتن”، وشكرًا.
الدكتور حسام الدين درويش: أعتذر عن عدم إمكانية الاستمرار في طرح أسئلة إضافية، فقد تجاوزنا الوقت المفترض للندوة التي استمرت لأكثر من ساعتين ونصف. وتجاوزنا كثيرًا من الوقت، شكرًا جزيلًا دكتور حازم، لك شخصيًا ولمؤسسة ميسلون، ونحن في تعاون ضمن سلسلة النشاط والندوات لهذه المسألة، ولغيرها. وشكرًا أيضًا لك أستاذ منير، هذه مشاركتك الأولى معنا، ولن تكون الأخيرة، وسنكون في تواصل دائم. وشكرًا على الكتاب أولًا وعلى النقاش، وشكرًا للعزيزة صبا، ولكل من حضر وشارك.
صبا حرب: أنا أيضًا أحب أن أشكركم على هذه الندوة الجميلة، وعلى الكتاب الجميل والعميق، ومؤكد كتاب بعمق فكر الأستاذ “جاد” من الصعب اختصاره في ساعتين أو ثلاث أو حتى أربع ساعات، وبالفعل كان هناك الكثير من المداخلات التي كنا نود لو أضفناها وناقشناها، ولكن ضيق الوقت فرض علينا ذلك، أيضًا في النهاية أشكر الدكتور حسام الذي جمعنا كلنا في منتدى “تفاكر” شكرًا لك جزيل الشكر دكتور حسام.