يتناول هذا العدد من مجلة رواق ميسلون التغيّر النوعي الذي حصل في سورية في الثامن من ديسمبر 2024، ومجموعة من القضايا المحورية المطروحة على السوريين مثل الانتقال من الثورة إلى الدولة، وطبيعة السلطة الجديدة، ومسألة العدالة الانتقالية، والإعلان الدستوري، وتحديات المرحلة الانتقالية، وبناء الاقتصاد السوري، والانقسامات الحاصلة في المجتمع السوري، وغيرها من القضايا الراهنة والملحة والخلافية.
كتب افتتاحية هذا العدد الخاص من (رواق ميسلون) راتب شعبو، وهي بعنوان “سوريا بعد الثامن من ديسمبر 2024″، رأى فيها أن “التحول العسكري في الصراع، هو ما حال دون تلاشي الجبهة المضادة لنظام الأسد، لأنه أدى إلى ظهور مناطق واسعة خارج سيطرة النظام، ولكن هذا التحول قاد، في الوقت نفسه، إلى هيمنة الضرورة العسكرية على الضرورة السياسية”، لكنه أكد في المقابل أن “التحول الجذري الذي شهدته سورية في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، كان لحظة سورية نادرة”، وأشار إلى أنه “لن يكون سهلًا على القيادة الجديدة أن تقف في وجه الوعي الذي عبأت به عقول عناصرها وجمهورها، وهو وعي طائفي يفهم الصراعات على أنها صراع بين جماعات دينية من دون إدراك المصالح المتحكمة في الصراع والعابرة للطوائف”، واختتمها بالأكيد على أن “تنكر النخب العامة للقيم الوطنية يزيد من مخاطر تقسيم الشعب وديمومة التسلط السياسي”.
وفي باب الدراسات المحكّمة، كتب أنور جمعاوي دراسة بعنوان “تحدّيات الزمن الانتقالي في سورية”، اهتمّت بدراسة تحدّيات المرحلة الانتقالية في سورية بعد الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، مركّزة على عدد من التحديات البنيوية التي تعترض بناء الدولة الجديدة. إذ لم تؤدِّ إطاحة النظام الشمولي لأسرة آل الأسد إلى استقرار تلقائي، بل كشفت عن هشاشة عميقة في البنى السياسية والاقتصادية والأمنية. وتتجه هذه الورقة إلى النظر في ثلاثة مسارات رئيسة: أوّلها، المسار الأمني والعسكري، المتّصل أساسًا بإعادة هيكلة الجيش على أسس جمهورية غير طائفية، وضبط السلاح، ومواجهة النزعات الانفصالية، وتأمين الحدود. وثانيها، المسار الاقتصادي، بوصفه قوام المال والأعمال ويستوجب معالجة انهيار القطاعات الإنتاجية، وانتشار الاقتصاد الموازي، والتكيّف مع السوق العالمية. أما ثالثها، فهو مسار العدالة الانتقالية، بوصفه ركيزة أساسية لتفكيك منظومات العنف، وضمان المساءلة، وجبر ضرر الضحايا، وترسيخ المصالحة الوطنية عبر عقد اجتماعي/ مدني جديد.
وكتب شريف شعبان مبروك دراسة بعنوان “سبل تحقيق العدالة الانتقالية في سورية؛ على خلفية التجارب الإقليمية والدولية: الآليات والتحديات“، رأى فيها أن الأطراف التي انخرطت في النزاع السوري لا يمتلك أي منها مصلحة في تحقيق عدالة شاملة؛ فجميع الأطراف تورطت في الحرب الداخلية السورية وتُوَجه لقياداتها اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، وهو ما يفسّر، بحسب رأيه، تصريحات وأفعال قيادات الحكومة الحالية تجاه ملف العدالة، وكذلك عدم خوض القوى الأُخرى المسيطرة على بعض المساحات السورية في هذا الملف، ودلَّل على ذلك بتوجه الرئيس أحمد الشرع، من خلال المرسوم الرئاسي الخاص بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، نحو حصر مهمات الهيئة في الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق فقط، متجاهلًا باقي الأطراف، الأمر الذي قالت عنه منظمة “هيومن رايتس ووتش” إن “محدودية صلاحيات هيئة العدالة الانتقالية السورية “تقوض مصداقية هيئة العدالة الانتقالية السورية”.
وكتب سليم سنديان دراسة بعنوان “العدالة الانتقالية في السياق السوري: آليات المساءلة وآفاق البناء“، رأى فيها أن العدالة الانتقالية في سورية لا ينبغي لها أن تُختزل في المحاكمات أو العقوبات، بل يجب أن ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالانتقال السياسي وإعادة بناء مؤسسات الدولة وصياغة عقد اجتماعي جديد. فهي تتطلب قبل كل شيء وقف العنف والتحريض الطائفي، والانتقال إلى ثقافة الحوار وقبول الاختلاف والاحتكام إلى السياسة والقانون، فضلًا عن معالجة المخاوف التاريخية والراهنة والمستقبلية للمكوّنات السورية كلها. بذلك، تكون العدالة الانتقالية سبيلًا إلى بناء استقرار طويل الأمد وتحول ديمقراطي مستدام، ودون ذلك، ستتحول إلى مجرد أداة لتصفية حسابات وإعادة إنتاج الاستبداد”.
وكتب مهند البعلي دراسة بعنوان “الإعلان الدستوري السوري والمرحلة الانتقالية: قراءة قانونية سياسية مقارنة”، قدَّم فيها قراءة قانونية–سياسية للإعلان الدستوري السوري الصادر في شباط/ فبراير 2025 في عقب سقوط النظام السابق، بوصفه الإطار المنظم للمرحلة الانتقالية. وتركز الدراسة على تحليل مدى التزام الإعلان بمبادئ سيادة القانون والشرعية والمشروعية، بوصفها الركائز الأساسية لضمان انتقال سلمي نحو دستور دائم ودولة مؤسسات. وتخلص الدراسة إلى أن الإعلان، على الرغم مما يتضمنه من نقاط إيجابية مثل تأكيد وحدة الدولة ومكافحة الفساد وإدماج بعض المرجعيات الدولية، يعاني من ثغرات خطرة، أبرزها ازدواجية المرجعية بين الفقه الإسلامي والاتفاقيات الدولية، وتركيز السلطة التنفيذية في يد الرئيس المؤقت على حساب استقلال السلطتين التشريعية والقضائية، وتجاهل الإطار الأممي المنظم للعملية الانتقالية. واقترحت الدراسة جملة من التوصيات العملية لمعالجة هذه التناقضات، من بينها إعادة ضبط المرجعية القانونية، وتعزيز الفصل بين السلطات، وتقييد صلاحيات الرئيس، وضمان استقلال القضاء، وربط الإعلان بالقرار 2254.
وأخيرًا كتب أنور بدر دراسة بعنوان “سقط النظام فهل تبقى الدولة مستحيلة؟”، تناول فيها بالشرح والتحليل أرب قضايا رئيسة هي: 1- إشكاليّة الدولة الوطنيّة والأيديولوجيات الشموليّة في سورية، 2- سقوط الأبد الأسدي وفقدان اليقين، 3- الدولة والهويات، 4- ما بين الدولة الوطنية والدولة الدينية المستحيلة، وطرح في الحصيلة سؤاله المركزي: إلى أي درجة يمكن أن يتحول منطق العصبة التي تنطلق وتتبنى الأصولية الإسلامية إلى منطق الدولة، وتحديدًا في دولة كسورية غنية بتعدّدياتها الإثنية والقومية والدينية والمذهبية وصولًا إلى هويات صغرى قبلية أو عشائرية وحتى الهويات الجهوية والمناطقية، وصولًا إلى خلافات المدينة والريف المحمولة على كثير من الهويات السابقة؟
وفي باب مقاربات حول ملف العدد كتب حسين الشرع مقاربة بعنوان “النصر السوري والانطلاق نحو بناء الدولة”، أكد فيها، من جهة أولى، على ضرورة الانتقال إلى مرحلة بناء الدولة لأن “الثورة في حد ذاتها فعل عاطفي غير متزن يعكس تمردًا على الأعراف القائمة، وقد تمارَس فيها تصرفات صائبة أو خاطئة، طبيعة الثورة تقوم على ردات الفعل والتجاوزات، بهدف مواجهة الظلم والطغيان والتخلف، لذلك تحمل قوانينها الخاصة وغير التقليدية التي قد تكون ضرورية في تلك اللحظات الحرجة“، ومن جهة ثانية على أن “بناء الدولة يتطلب إطارًا منظّمًا ومنهجًا قانونيًا واضحًا يضمن استمرارية مؤسساتها ويحميها من الفوضى…. فإن بناء الدولة لا يتحقق من خلال الشعارات أو اجتهاد فئة بعينها؛ فالدولة في حاجة إلى أسس وقوانين واضحة، مستمدة من الدستور ولا تخالف مبادئه. كما يتطلب النجاح توسيع قاعدة صنع القرار بما يخدم عملية بناء الدولة وصيانتها، مع إقناع الناس بمنهجيتها من خلال الوضوح والشفافية بوصفهما أساس الشعور بالأمان لدى المواطنين، خاصة أولئك الذين دعموا التغيير وعملوا من أجله”.
وكتب جبر الشوفي مقاربة بعنوان “ هوية السويداء: بين أزمة الذاكرة وصعوبة الاختيار”، خلص فيها إلى أنَّ “الاستغراق في العاطفة، والانفعال والغلو في مديح الذات الطائفية (الهوية الثقافية) لا يفضيان إلا إلى مزيد من الاستلاب، وقتل الشخصية القابلة للتشارك والاندماج الوطني، وهو ما يتطلب في وضعنا الحالي تفكيك التباسين عدوين متقابلين: أولهما الالتباس بين جهاديي السلطة الموقتة في دمشق، وبين الإسلام العمومي الذي اتسع منذ أربعة عشر قرنًا لتوليد طوائف ومدارس إفتاء ووجهات نظر، لم تخرجه عن جوهره الإيماني بل صانت بعده القيمي والأخلاقي والتشاركي، وكذلك بينه وبين الوطنية السورية التي لا يمكن أن تقوم إلا على تحييد العقيدة عن الشأن العام، وإفساح المجال لتشارك المتباينين في الهوية الوطنية السورية الجامعة. أما الالتباس المقابل، فيقوم على فصل الهجرية عن الدرزية العمومية وتحرير الهوية من اختزالها في شخصه، ومن طموحه لتأسيس درزية ولائية تابعة وشبيهة بولاية الفقيه، إذ لا يمكن أن تقوم إلا على استبداد ديني ملتبس باسم الطائفة وزعيمها الذي قد يتطلع إلى استنساخ شخصية حسن نصرالله في صورتها وظروفها الدرزية ضمن دويلة مستقلة أو فدرالية”.
وفي باب مقالات الرأي كتب سالم الترابين مقالةً بعنوان “سوريا الدّولة الجديدة: مبادِئ العَدَالة والحيادُ القِيَمِيّ”، عرض فيها الإرهاصاتِ السوسيوسياسيّة المرافقة لبناء الدّولة السّوريّة الجديدة، وذلك بتجلية بعض الأسس الفكريّة الحضاريّة والمدنيّة التي وجب أن ترافق بناء الدوّلة الجديدة. فمن الواضح أنّ “تشكيلَ النّظام الجديد يواجه تحدّياتٍ أهمّها شَرْعَنة العُـنف من أجل بناء منظومة أمنيّة قويّة، كما يواجه بعض المفكّرين ما يسمّى متلازمة الجاذبيّة السّياسيّة وكاريزما القائد المنتصر التي تجعل حدود النّقد السياسيّ البنّاء مستوحِشًا ومحاصَرًا بقيودٍ شعبويّة والتي قد تشكّل استمرارًا لحجاب الجهل الّذي تخفّى به النّظام البائد”.
وكتب عبد الرزاق دحنون مقالةً بعنوان “هل يحتفظ أحمد الشرع بزمام السلطة؟ عن أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي تنفخ في قِرب مقطوعة”، بحث فيها عن جواب فصيح صريح في الأفق المرئي لهذا السؤال، من خلال تجربته العملية مع اليسار -أكثر من أربعين عامًا مع الحزب الشيوعي السوري- والذي خبر مطبخه جيدًا وما يُطبخ فيه. وكتب إياد شربجي مقالة بعنوان “رؤية إصلاحية لإعلام وطني جديد: وزارة الإعلام السورية؛ من بوق للسلطة، إلى جريدة للوطن”، رأى فيها ضرورة أن تعيد وزارة الإعلام تعريف مهمتها، والانتقال من كونها مجرد أداة دعاية سلطوية تمثل الدولة، وجهة مخوّلة بتقرير حدود الخطاب العام ومحتواه، إلى جهة تنظيمية للفضاء الإعلامي الوطني، تساعده ولا تعرقله، وتعزز أجواء حرية التعبير والإعلام التعددي في البلاد، تمهيدًا لتتحول في نهاية المرحلة الانتقالية إلى هيئة عليا مستقلة وفق أسس جديدة ومختلفة، أسوة بالنماذج المشابهة في الدول الديمقراطية الحرة.
وفي باب الدراسات الثقافية كتب أحمد الرمح دراسة بعنوان “نقد نظرية السلطة في الإسلام السياسي؛ سورية مثالًا”، رأى فيها أن “حالة الاستعلاء الديني التي يمثلها تيار الإسلام السياسي بمدارسه المختلفة والمتخالفة في الحالة السورية بخاصة، وشرقنا البائس عامةً، تشكل عقبة كأداء في مخاض ولادة دولة المستقبل الحديثة بعد صراع طويل مع الأنظمة الحاكمة عمومًا، وفي العشرية السوداء من الربيع العربي خصوصًا. فالدولة الحديثة هي دولة المواطنة بمعناها العميق القائمة على ثلاثية إنسانية مقدسة؛ تتمثل بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لأبناء الوطن كلهم من دون تمييز ديني أو طائفي أو عرقي أو جندري”. وأشار إلى أنه عندما يقدِّم نقده لنظرية السلطة والحُكم عند الإسلام السياسي، فإنه “يدعوهم إلى مراجعات جادة لإعادة صياغة نظرية السلطة عندهم وفق الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة، ومبادئ المواطنة التي تحقق الاستقرار ثم التنمية لسورية المستقبل”.
وكتب حسام الدين درويش دراسة بعنوان “الهويات المجروحة وامتحان المسؤولية والنقد“، تهدف إلى تناول مسألة الاعتراف وسؤال المسؤولية والنقد، في سياق (التفاعل مع) الهويات المجروحة. وتضمَّنت الدراسة، إضافةً إلى قسمي المقدمة والخاتمة، “أربعة أقسامٍ رئيسةٍ: قسمٌ أولٌ يبيِّن معاناة النساء والنسوية، بوصفها تعبر أحيانًا عن الهويات المجروحة، من الأصولية (الدينية/ الإسلامية)؛ وقسمٌ ثانٍ يتناول الانتقال النظري، في الفلسفة وخارجها، من الكوجيتو الديكارتي إلى الكوجيتو الريكوري المجروح والهوية المجروحة، وقسمٌ ثالثٌ يتناول مسألة (إنكار) مسؤولية الذات المجروحة أو المهزومة، وقسمٌ رابعٌ يتناول النقد الذي يمكن توجيهه للذوات المجروحة والتفاعل النمطي السائد بين تلك الذوات تجاه ذلك النقد؛ وقسمٌ خامسٌ يبيِّن المفارقات التي تتسم بها الذات العربية السياسية “المجروحة”.
وكتب مازن أكثم سليمان دراسة بعنوان “مِخيال الهوية الانعزالية السورية بين الأنساق النقلية المُضمَرة والأنساق الاغترابية الظاهرة (من نقد العقل النقلي المقلوب إلى نقض الاغتراب الانعكاسي)”، طرح فيها مجموعة من المزاعم والأسئلة المهمة المتعلقة بالهويات والنزاع في المجتمع السوري، محاولًا تقديم إجابات عقلانية عنها من خلال تفسير جوانب من الواقع السوري بعد الثامن من ديسمبر، وخلص إلى “أنَّ مُستوىً عيانيًَّا سياسيًَّا من الأبَد قد سقطَ، في حين ما زالَ مُستوىً كُلِّيٌّ قائمًا نفسيًَّا وثقافيًَّا ووقائعيًَّا، بحيث نضعُ بين قوسين الزَّعمَ بأنَّ فعلَ الهدم قد أُنجِزَ على نحوٍ موثوق وفعليّ، وأنَّ فعلَ البناء قد بدأ على نحوٍ راسخ أو مُمنهج”.
وفي باب الترجمات نشرنا دراسة بعنوان “الطبقة، السلطة السياسية، والقومية في سورية: سوسيولوجيا تاريخية لعلاقات الدولة والمجتمع”، من تأليف جوناثان فيغر، وهو أستاذ في قسم العلوم السياسية، جامعة يورك-كندا تركز أبحاثه على السوسيولوجيا التاريخية للعلاقات الدولية في الشرق الأوسط بعد العهد العثماني، وترجمها إلى العربية عبد الإله فرح، وتربط هذه الدراسة صعود المشروع التنموي القومي بتسييس “الطبقات الوسطى” التي احتلت دورًا محوريًا في جهاز الدولة، ومثلت القوة الدافعة الرئيسة وراء توسيع حدود السلطة السياسية وعملية بناء الأمة.
وفي باب مراجعات الكتب قدَّم ضرغام عارف السعيد قراءة في كتاب الحكاية الروسيَّة، من تأليف فلاديمير بروب، وترجمة غسان مرتضى، الذي صدر عن مؤسَّسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر في أيلول/ سبتمبر 2025، عرض فيها بنية الحكاية الروسية وأنواعها وخصائصها في ضوء مقاربة فلاديمير بروب. وأُضيفت إلى العدد في باب الوثائق الإعلان الدستوري السوري الذي صدر في 13 آذار/ مارس 2025.
هيئة التحرير