ملخص
تُعنى هذه الورقة بدراسة تحدّيات المرحلة الانتقالية في سورية بعد الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، مركّزة على عدد من التحديات البنيوية التي تعترض بناء الدولة الجديدة. إذ لم تؤدِّ إطاحة النظام الشمولي لأسرة آل الأسد إلى استقرار تلقائي، بل كشفت عن هشاشة عميقة في البنى السياسية والاقتصادية والأمنية. وتتجه هذه الورقة إلى النظر في ثلاثة مسارات رئيسة: أوّلها، المسار الأمني والعسكري، المتّصل أساسًا بإعادة هيكلة الجيش على أسس جمهورية غير طائفية، وضبط السلاح، ومواجهة النزعات الانفصالية، وتأمين الحدود. وثانيها، المسار الاقتصادي، بوصفه قوام المال والأعمال ويستوجب معالجة انهيار القطاعات الإنتاجية، وانتشار الاقتصاد الموازي، والتكيّف مع السوق العالمية. أما ثالثها، فهو مسار العدالة الانتقالية، بوصفه ركيزة أساسية لتفكيك منظومات العنف، وضمان المساءلة، وجبر ضرر الضحايا، وترسيخ المصالحة الوطنية عبر عقد اجتماعي/ مدني جديد.
تمهيد
كابد السوريون طويلًا من أجل الإطاحة بنظام دكتاتوري جثم على قلوبهم عقودًا، وانتهك حرّياتهم العامّة والخاصّة، واستولى على السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية واحتكر المجال العام، وحكم الناس بالحديد والنار، وقوّة البروباغندا والآلة القامعة، وبسطوة الأسرة والعصبية الطائفية والحزب الواحد. وتراقى النظام البعثي المطلق بالأسد ـ الرئيس إلى مقام المقدّس، وأدمن التنكيل بمعارضيه فتحوّل البلد إلى جمهورية خوف بامتياز[1]. وبدت الانتخابات بمثابة أحداث صورية، تتعاود بشكل نمطي، نتائجها التسعينية معلومة سلفًا، وهي مجرّد إعلان بيْعة للحاكم بأمره وحزبه المتنفّذ. لكنّ دوام الحال من المُحال، فقد ولّد الكبت الانفجار، وانتفض السوريون ضدّ بشّار الأسد، وخاضوا ثورة ملحمية على نظامه الشمولي الأحادي. ثورة عمّدوها بالآلام والتضحيات الجسام[2]. وبدلًا من أن يتفهّم حاكم دمشق مطالب المنتفضين وأشواقهم إلى الحرية والكرامة والعدالة، استقوى عليهم بالخارج، وواجههم بأزيز الرصاص، وزمجرة الدبابات ورماهم بالبراميل المتفجرة، ووزّعهم بين السجون والقبور، والملاجئ والمنافي.
ومثّل سقوط منظومة حكم الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 لحظة تحوّل تاريخي فارقة في سورية. فقد تحرّر الناس بعد عقود من إسار الخوف ومن وطأة نظام قمعي، استبدادي، ضاق معه العيش والأمل. وفي لحظة فرح عارمة، نزل الناس على اختلاف خلفياتهم الدينية، والعرقية، والطبقية، والأيديولوجية إلى الشوارع ليمارسوا حقّهم في التظاهروالاحتفال برحيل الدكتاتور وزمرته، رافعين شعارات من قبيل: “حرّيات…حرّيات للأبد غصبًا عنك يا أسد”، “واحد…واحد…الشعب السوري واحد”، “سورية حرّة أبيّة”، وهشّموا تماثيل وصور الأسد الأب والابن، ومزّقوا ششعارات حزب البعث المنحلّ تعبيرًا عن قطيعة شعبية مع زمن كلياني، غاشم، وشوقًا لبناء سورية جديدة ينعم فيها الناس بالحرية، والكرامة، والعدالة، والرفاه والسيادة ووحدة الصف .ومع أهمّية هذا التحوّل من دولة الاستبداد إلى دولة الثورة، فإنّه يحمل في طيّه تحدّيات عدّة.
نروم في هذه الورقة الوقوف عند ثلاثة تحديات مصيرية تواجه سيرورة سورية الجديدة. وهي تأمين البلاد وتحقيق الانتقال الاقتصادي، والعدالة الانتقالية. فكسب هذه التحدّيات المصيرية ضروري لضمان استقرار الدولة الجديدة وتثبيت سيادتها على الأرض وتحقيق الرفاه العام، والشروع في إنصاف المظلومين ومحاسبة من علقت بهم تهم ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
1 ـ التحدّي الأوّل: تأمين البلاد والحفاظ على وحدتها الجغرافية
يقتضي مفهوم الدولة وجود إقليم جغرافي محدد، وسكان دائمين، وسلطة حاكمة ذات سيادة تمارس نفوذها على الإقليم ومواطنيه، وتنظم شؤونهم وتوفّر لهم الخدمات الحياتية الضرورية وتُصدر القوانين التي تحكمهم. ولا يُمكن الحديث عن كيْنونة الدولة واستمرارها ما لم تكن قادرة على ضبط حدودها، وحماية سكانها وخدمتهم من خلال مرافقها الإدارية والمؤسّسية. ويستدعي مشروع تأمين سورية الجديدة إعادة بناء الجيش على أساس جمهوري، وحصر السلاح بيد الدولة، والحفاظ على الوحدة الجغرافية للبلاد ومكافحة النزعات الانفصالية، والتصدّي للتهديدات الإسرائيلية.
أ- إعادة بناء الجيش على أساس جمهوري
تمثل التركيبة الطائفية للجيش السوري وعقيدة الولاء للنظام القديم أحد أبرز العوائق أمام إعادة بناء مؤسسة عسكرية موحدة وموثوقة بعد سقوط نظام آل الأسد/ الدكتاتوري. فقد ارتكزت السياسات العسكرية لمنظومة حافظ الأسد وابنه مِن بعْده على تفضيل عناصر من الطائفة العلوية في المناصب القيادية الحساسة، في حين اكتفى بقوات من الطوائف الأخرى بأدوار قتالية أو ثانوية، وهو ما أفضى إلى ظهور هيكل عسكري طائفي يفتقر إلى روح الانتماء الوطني الموحد. هذه التركيبة أنتجت عقيدة ولاء للنظام الشمولي وليس للدولة، فقد كان يُنظر إلى الجيش بوصفه أداة “كولونيالية داخلية”[3] لحماية السلطة الحاكمة أكثر من كونه صمام أمان للمجتمع أو للدستور. نتيجة لذلك، كانت ثقة السكان المدنيين بالجيش باهتة، خصوصًا في المناطق ذات الغالبية السنية أو الكردية، وعُدّ الجنود والمقاتلون غالبًا رموزًا للقمع أو الانحياز الطائفي، ما عزز حالة الانقسام الاجتماعي والتنافي الداخلي. هذا الواقع يفرض على الدولة الجديدة تحديًا مزدوجًا: أولًا، إعادة هيكلة الجيش ليصبح مؤسسة جمهورية، وطنية، شاملة غير طائفية، وغير فصائلية[4]، تنبني على الولاء للوطن لا على الولاء للزعيم أو النظام الحاكم، وثانيًا، العمل على إعادة بناء الثقة بين الجيش والمجتمع المدني، عبر برامج شفافية، ومساءلة، وتواصل مع المجتمعات المحلية، إضافة إلى تدريب القوات المسلّحة على حماية المدنيين واحترام حقوق الإنسان. من دون معالجة هذه الأزمة الطائفية والثقافية، سيظل الجيش الجديد عرضة للتفكك الداخلي، ولن يتمكن من أداء دوره المركزي في تأمين الدولة وحماية مواطنيها.
وتتطلب عمليّة إعادة الهيكلة العسكرية اعتماد استراتيجيات شاملة تهدف إلى تحقيق وحدة المؤسسة العسكرية، وضمان إخضاع جميع القوى المسلحة لمبدأ السلطة المدنية والقانونية، بعيدًا من الانقسامات العرقية أو الطائفية أو الإقليمية. يشمل ذلك تحديد معايير واضحة للانضمام إلى الجيش الجديد، بما في ذلك التدريب المهني، وتقويم الخلفيات الأمنية للمقاتلين السابقين، وضمان ولائهم للدولة وليس لأجندات حزبية أو محلية. فمن المهم “أن يكون الجيش السوري المستقبلي جيشًا وطنيًا سوريًا لا يتدخل في العملية السياسية، وفتح باب الانتساب إليه أمام جميع السوريين استنادًا إلى معايير وطنية، ودعوة الضباط المنشقين للمشاركة في بناء الجيش [5]“ودمج المقاتلين السابقين في مؤسسات الدولة المدنية على نحو يُساهم في تفكيك الشبكات المسلحة ويحدّ من احتمالات النزاع المسلح المحلي. وتعدّ هذه العملية خطوة مركزية لتحقيق الأمن والاستقرار، وتستلزم حصر السلاح بيد الدولة ودعمًا دوليًا مرافقًا، وبرامج مراقبة ومساءلة دقيقة لضمان أن تتحول القوى المسلحة السابقة من أدوات حرب إلى عناصر فاعلة في بناء دولة مدنية جديدة.
يشكّل تحدّي حصر السلاح في سورية أحد أكثر العقبات الأمنية تعقيدًا في المرحلة الانتقالية، نظرًا إلى تعدد القوى المسلحة وتباين ولاءاتها السياسية والطائفية والإيديولوجية. فعلى الرغم من إعلان وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة عن مسار لتوحيد الأجهزة الأمنية وتشكيل جيش وطني جديد، ودعوة أحمد الشرع مرارًا إلى ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، لا تزال البلاد تعجّ بترسانات السلاح الخفيف والثقيل المنتشرة بين أيدي الفصائل المعارضة السابقة، والميليشيات المحلية، وبقايا وحدات النظام المنهار، إضافة إلى قوات سورية الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ ببنيتها العسكرية المستقلة في الشمال الشرقي. ويفاقم المشكلة وجود جماعات جهادية متطرّفة كـ”داعش” التي تحاول إعادة تموقعها في المشهد السوري الجديد، مع احتفاظها بقدرات قتالية وتنظيمية لا تخضع لرقابة الدولة. كما أن الولاءات المناطقية والعشائرية تجعل عملية جمع السلاح محفوفة بخطر اندلاع مواجهات مسلحة، خاصة في مناطق كالساحل والسويداء، حيث ترتبط بعض المجموعات بعلاقات مع قوى إقليمية أو دولية، ما يعقّد فرض سلطة الدولة. لذلك، فإن نجاح مشروع حصر السلاح يتطلب استراتيجية متعددة المحاور، تشمل حوافز اقتصادية وأمنية لدمج المقاتلين السابقين، وضمانات قانونية لحقوق المكوّنات المحلية، بالتوازي مع إجراءات حازمة لتجفيف مصادر التسلح والتهريب عبر الحدود.
ج- الحفاظ على الوحدة الجغرافية لسورية ومكافحة النزعات الانفصالية
يُعدّ تأمين الوحدة الجغرافية لسورية أحد أكثر التحديات تعقيدًا في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، نظرًا إلى تعدد القوى المحلية والإقليمية والدولية المتنافسة على الأرض السورية. فقد أدت سنوات النزاع المسلح بين عامي (2011 و2024)، إلى انقسامات فعلية على مستوى المحافظات والمناطق، حيث استغلّت جماعات مسلحة محلية وفصائل انفصالية الفراغ الأمني لتثبيت سلطتها، كما تدخلت دول إقليمية لدعم مجموعات محددة لأغراض استراتيجية، وهو ما أنتج خريطة معقدة من النفوذ غير المتجانس. ومن ثم، تواجه الدولة الجديدة صعوبة في إعادة فرض سيادتها على جميع الأراضي[6]، بدءًا من المناطق الحدودية الشمالية مع تركيا والمناطق الشرقية الغنية بالموارد، مرورًا بالمناطق الجنوبية القريبة من الحدود مع فلسطين والأردن، ووصولًا إلى المدن الساحلية والريفية التي شهدت تحولات سكانية وحركة نزوح داخلي واسعة. ولا يقتصر تأمين الوحدة الجغرافية على الحضور العسكري فقط، بل يشمل أيضًا استعادة البنية الإدارية والخدماتية، وإعادة تثبيت القانون والمؤسسات، وضمان توزيع عادل للموارد، و”يستلزم بناء دولة قوية لكل السوريين”[7] بما يحدّ من تفاقم الانقسامات المجتمعية. كما يتطلب هذا التحدي استراتيجية شاملة للتفاوض مع القوى المحلية، ودمجها في إطار الدولة، إلى جانب آليات مراقبة وحماية الحدود، ورفع قدرات الجيش والأجهزة الأمنية لضمان الحضور الفعلي للدولة في كل شبر من الأراضي السورية. فغياب هذه السياسات قد يؤدي إلى تفكك الدولة عمليًا، وتحويل سورية إلى فسيفساء من مناطق النفوذ المتنازع عليها، ما يهدد الأمن والاستقرار على المدى الطويل.
وتُعدّ النزعات الانفصالية في سورية أحد أخطر التحديات التي تواجه مرحلة ما بعد سقوط النظام، إذ تهدد مباشرة وحدة الدولة واستقرارها على المدى البعيد. وقد برزت هذه النزعات نتيجة عوامل متعددة، منها الانقسامات الطائفية والقومية، وغياب الثقة بين مكوّنات المجتمع السوري، وسياسات التهميش والإقصاء التي مارسها النظام السابق، إضافة إلى التدخلات الخارجية التي غذّت طموحات بعض المكوّنات المحلية في الحكم الذاتي أو الانفصال. تتجلى هذه النزعات خاصة في بعض المناطق ذات الأغلبية الكردية في الشمال الشرقي، أو في مناطق أخرى شهدت تحولات ديموغرافية حادة خلال الحرب، حيث أصبحت الهوية المحلية أو القومية أو الطائفية (الكردية أو الدرزية أو العلوية أو السنية أو غيرها) تغلب أحيانًا على الهوية الوطنية الجامعة. ويؤدي استمرار هذه التوجهات إلى خلق بيئة خصبة للصراعات الداخلية، ويفتح الباب أمام تقسيم فعلي للبلاد إلى كيانات متنازعة، بما يضعف القدرة على بناء دولة مركزية قوية. لمواجهة هذا التحدي، تحتاج الدولة الجديدة إلى صياغة عقد اجتماعي جديد يضمن المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المكوّنات، وتبني نظام سياسي يتيح قدرًا من اللامركزية الإدارية من دون المساس بوحدة الدولة، إلى جانب إطلاق مشاريع تنموية وخدمية متوازنة تقلّص الشعور بالتهميش، وتعزيز الثقافة الوطنية المشتركة من خلال التعليم والإعلام. فمعالجة النزعات الانفصالية تتطلب مزيجًا من الإصلاح السياسي العميق والتنمية المتوازنة، مدعومين بإرادة سياسية حقيقية لبناء سورية موحّدة وقادرة على تجاوز أسباب الانقسام والصراع.
د- وضع حد للانتهاكات الإسرائيلية
يتعرّض المجال السيادي السوري عمومًا، والحدود الجنوبية للبلاد خصوصًا لاختراقات إسرائيلية متكررة، أكانت هذه الاختراقات من خلال الغارات الجوية أم التمدّد في بعض القرى السورية برًّا، أم من خلال السيطرة على بعض المواقع الاستراتيجية (جبل الشيخ مثالًا)[8] ودعم بعض الجماعات الموالية لدولة الاحتلال (أتباع حكمت الهجري من طائفة الموحدين الدروز مثالًا)، وتروم دولة الاحتلال من خلال ممارسة تلك الانتهاكات المتكرّرة “أن تكون سيدة جنوب سوريا، وأن تجعل استيلاءها على هضبة الجولان خارج أي مشروع تفاوض. كما تهدف إلى إنشاء منطقة منزوعة السلاح داخل هذا البلد، لا بل جعل كل سوريا منزوعة السلاح وبلا جيش”[9]. ما يفرض على السلطات الانتقالية في سورية تطوير قدرات رصد ومراقبة متقدمة، وإنشاء منظومة دفاعية متكاملة تشمل الاستخبارات والمراقبة الجوية والبرية، إضافة إلى التنسيق مع حلفاء استراتيجيين (تركيا، الولايات المتحدة، السعودية مثالًا) لتعزيز إمكانيات الردع قصد التصدّي للانتهاكات الإسرائيلية. ويستلزم هذا التحدي بناء جيش وطني قوي ومتوازن، قادر على الردع الفعّال، مع وضع سياسات استباقية لإحباط محاولات التسلل والهجمات المفاجئة. ومن المهمّ، أن يرافق هذا الجهد باستعادة السيطرة على النقاط الحدودية الرسمية، وإعادة تأهيل البنى التحتية للمراقبة والحواجز، إلى جانب برامج تثقيفية للمجتمعات المحلية لتعزيز التعاون مع الأجهزة الأمنية. في غياب هذه الإجراءات، يظل تهديد إسرائيل والمجموعات المسلحة غير النظامية عنصرًا فاعلًا في زعزعة الاستقرار، ويعرقل جهد الدولة السورية في استعادة سيادتها الكاملة وضمان الأمن الداخلي.
2 ـ تحدّي تحقيق الانتقال الاقتصادي
يمثّل الانتقال الاقتصادي في سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد، وفي ظل قيادة انتقالية جديدة برئاسة أحمد الشرع، أحد أعقد مسارات التحول الوطني. فالمشهد الاقتصادي السوري يواجه تراكمات عقود من السياسات الريعية، والفساد، وتدمير البنية التحتية خلال الحرب، ما يجعل عملية الانتقال نحو اقتصاد أكثر استقرارًا وإنتاجية مشوبة بجملة من التحديات البنيوية.
أـ مؤشرات اقتصادية سورية مؤرقة
بعد الثامن من كانون الأول/ ديسمبر، وعلى الرغم من الانفراجات السياسية النسبية ورفع بعض العقوبات من جانب الولايات المتحدة الأميركية[10] والاتحاد الأوروبي[11]، بقيت المؤشرات الاقتصادية في سورية تشير إلى وضع مأزوم. فقد ألحق الصراع المسلَّح الذي امتد 14 عامًا أضرارًا بالغة بالاقتصاد السوري، فبحسب تقارير صادرة عن البنك الدولي، تقلّص إجمالي الناتج المحلي على نحو تراكمي بأكثر من 50 في المئة منذ عام 2010، وتراجع نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي إلى 830 دولارًا أميركيًا فقط عام 2024، أي أقل كثيرًا من الحد الدولي للبلدان منخفضة الدخل[12]. ويطال الفقر المدقع حاليًا واحدًا من كل أربعة سوريين، في حين يعيش ثلثا السوريين تحت خط الفقر[13] في الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل. ومنذ بدء مرحلة الانتقال السياسي، تواجه سورية أزمة سيولة حادة بسبب نقص الأوراق النقدية الورقية واضطرابات واسعة في التجارة والاستثمار.
وعلى الرغم من تحسن محدود في سعر صرف الليرة السورية بنسبة تقارب 16 في المئة بعد رفع العقوبات، إلا أن ذلك لم ينعكس آليًا على معيشة المواطنين، إذ بلغ معدل التضخم السنوي نحو 15 إلى 16 في المئة، الأمر الذي أبقى أسعار المواد الغذائية والوقود في مستويات تفوق قدرة معظم الأسر. وتعيش البلاد أسوأ موجة جفاف منذ 36 عامًا، ما أدّى إلى تراجع إنتاج القمح بنسبة 40 في المئة، وهو ما يهدد الأمن الغذائي لنحو 14.5 مليون شخص، يعانون بدرجات متفاوتة انعدام الأمن الغذائي[14]. كما تسجل معدلات البطالة مستويات مرتفعة، خاصة بين فئة الشباب، بسبب توقف المشاريع الإنتاجية وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، على الرغم من الحديث عن اتفاقيات استثمارية جديدة، واعدة.
أفاد تقرير جديد للبنك الدولي أنه من المتوقع أن يشهد إجمالي الناتج المحلي في سورية نموًا متواضعًا بنسبة 1 في المئة عام 2025، بعد انكماشه بنسبة 1.5 في المئة عام 2024، وذلك في ظل استمرار التحديات الأمنية، ونقص السيولة، وتعليق المساعدات الخارجية[15]. وفيما يتيح تخفيف العقوبات بعض الإمكانيات الإيجابية للنمو، إلا أن التحسن يبقى محدودًا، حيث إن تجميد الأصول الخارجية وتقييد الوصول إلى الخدمات المصرفية الدولية لا يزالان يعوقان إمدادات الطاقة، والمساعدات الخارجية، والدعم الإنساني، فضلًا عن نشاط التجارة والاستثمار[16]. وتُخبر هذه المؤشرات باقتصاد هش، يعاني اختلالات عميقة، تتطلب إصلاحات جذرية تتجاوز الإجراءات الشكلية، وتقتضي التكيّف مع الاقتصاد العالمي، وإصلاح السياسات المالية والنقدية، وحوكمة الموارد الطبيعية، وتطوير القطاعات الإنتاجية، ومكافحة الاقتصاد غير الرسمي، وإعادة الإعمار.
ب- حتمية التكيّف مع الاقتصاد العالمي
تمثل حتمية التكيّف مع الاقتصاد العالمي أحد أعمدة استراتيجية إعادة بناء اقتصاد سورية الجديدة، إذ لا يمكن أن يحقق أي اقتصاد محلي معزول تنمية مستدامة بعد عقود من النزاع والانغلاق. فالاندماج في النظام الاقتصادي الدولي يوفّر لسورية الفرصة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية، والوصول إلى الأسواق العالمية لتصدير المنتجات المحلية، والاستفادة من التكنولوجيا والخبرة في القطاعات الإنتاجية والخدماتية. ومع ذلك، يواجه هذا التكيّف تحديات مهمة، أبرزها استعادة ثقة المستثمرين الدوليين بعد سنوات الحرب، وضمان بيئة قانونية وتنظيمية شفافة تتيح حماية حقوق الملكية وحرية التجارة، إلى جانب التزام المعايير الدولية في التجارة، الطاقة، والبيئة. كما أن تفعيل الشراكة الإقليمية والدولية يتطلب سياسات اقتصادية ودبلوماسية متكاملة، تشمل توقيع اتفاقيات تجارية واستثمارية، والانخراط في مشاريع إقليمية مشتركة في النقل والطاقة والمياه، إلى جانب التعاون مع المؤسسات المالية الدولية لتأمين التمويل وإعادة هيكلة الديون. ونجاح سورية الجديدة في هذا المسار سيساهم في تحويل التحديات إلى فرص لتعزيز النمو، وخلق وظائف، وتحديث القطاعات الإنتاجية، ويدعم إعادة إدماج البلاد في الاقتصاد الإقليمي والدولي بعد سنوات طويلة من العزلة والحروب.
وفي السياق نفسه، صرّح الرئيس السوري أحمد الشرع أنّ” سوريا تنتقل من ثقافة اقتصادية شرقية إلى ثقافة اقتصادية هجينة”[17]، مشيرًا إلى أنّ “النظام الاشتراكي حمل العديد من السلبيات التي أثرت على السوريين”[18]، مخبرًا بأن “تبني السوق الحرة وتسهيل الاستثمار سيساهمان في خلق فرص عمل كثيرة”[19]. ويتطلّب التحوّل إلى السوق الحر في سورية الجديدة جملة من الإصلاحات الهيكلية العميقة والضوابط المؤسسية التي تضمن الانتقال من اقتصاد موجَّه ومشوَّه بفعل عقود الاستبداد والحرب، إلى اقتصاد تنافسي قادر على استيعاب الاستثمارات وإعادة بناء الثقة. فالتحوّل إلى السوق الحر لا يعني رفع الدولة يدها عن المجال الاقتصادي، بل يقتضي إعادة تعريف دورها بوصفها منظِّمًا وضامنًا للشفافية والمنافسة العادلة، وحاميًا للفئات الضعيفة من الارتدادات الاجتماعية للانفتاح الاقتصادي. ومن أبرز شروط هذا التحوّل: إعادة هيكلة البنية التشريعية لتواكب قوانين الملكية والاستثمار والمصارف والمعاملات التجارية الحديثة؛ بناء مؤسسات رقابية فعّالة تكافح الاحتكار والفساد وتمنع استحواذ شبكات الحرب على مفاصل الاقتصاد؛ ووضع سياسات نقدية ومالية مستقرة تشجّع على جذب الرساميل المحلية والخارجية؛ وتأسيس بيئة أعمال آمنة تتيح لقطاع خاص ناشئ أن يقود النمو ويوفّر فرص العمل. كما أنّ التحوّل إلى السوق الحر في سورية الجديدة لن يكتمل من دون تعزيز العدالة الاجتماعية عبر سياسات إعادة توزيع الدخل، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير نظم التعليم والتدريب المهني بما يلائم حاجات السوق. بذلك يمكن تحويل تحدّي الانفتاح الاقتصادي من مصدر اضطراب وعدم مساواة إلى رافعة تنمية مستدامة تعيد دمج سورية في الاقتصاد الإقليمي والعالمي.
ج- إصلاح السياسات المالية والإدارية وحوكمة الموارد الطبيعية
لا يمكن أن ينجح أي مسار تنموي أو انتقال اقتصادي من دون استقرار مالي ونقدي. فالثابت أنّ الاقتصاد السوري عانى خلال سنوات الحرب من انهيار الليرة، ومن تضخم مفرط، وغياب ثقة بالنظام المصرفي، إضافة إلى تفاقم العجز في الموازنة العامة نتيجة تضخم النفقات العسكرية وتراجع الإيرادات الضريبية. ويتطلّب إصلاح السياسة النقدية أولًا إعادة بناء استقلالية البنك المركزي السوري وضمان قدرته على ضبط الكتلة النقدية والتحكم في معدلات التضخم عبر أدوات فاعلة مثل أسعار الفائدة والاحتياطي الإلزامي. أمّا السياسة المالية، فتتطلب إصلاح النظام الضريبي بما يعزز العدالة والقدرة الجبائية، وتوسيع قاعدة دافعي الضرائب بعيدًا من اقتصاد الظل وشبكات الفساد، إلى جانب ترشيد الإنفاق العام وتوجيهه نحو البنى التحتية والخدمات الأساسية بدلًا من الامتيازات الريعية. كما يفرض هذا التحدي إيجاد توازن دقيق بين متطلبات الاستقرار الكلي من جهة، وضرورة حفز النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات من جهة أخرى، بما يمنع الوقوع في فخ الانكماش أو التضخم. ويرتبط النجاح في هذا المجال بقدرة الدولة الجديدة على بناء مؤسسات مالية مستقلة وشفافة، قادرة على استعادة ثقة المواطنين والقطاع الخاص والمجتمع الدولي في آن واحد.
ويشكّل الانقسام الإداري والسياسي في سورية عقبة جوهرية أمام أي مسار لإعادة بناء الاقتصاد الوطني في مرحلة ما بعد الحرب. فقد أفرزت سنوات الصراع واقعًا مجزًا تسيطر فيه سلطات محلية ومراكز نفوذ مختلفة على مناطق البلاد، لكل منها مؤسساتها المالية والإدارية وأنظمتها القانونية الخاصة، وهو ما أدى إلى غياب سلطة مركزية قادرة على وضع سياسات اقتصادية موحّدة. هذا التشرذم انعكس مباشرة على حركة التجارة الداخلية، إذ تعطّلت شبكات النقل والإمداد بين المحافظات، وفرضت سلطات الأمر الواقع ضرائب ورسوم عبور غير رسمية، ما زاد من تكلفة السلع وأضعف تنافسية الاقتصاد. كما تسبّب الانقسام بازدواجية العملة وتضارب السياسات النقدية، حيث ظهرت مناطق تعتمد على الليرة السورية وأخرى على عملات أجنبية أو محلية بديلة، ما عمّق أزمة الثقة في النظام المالي وأفقده أي قدرة على ضبط التضخم أو إدارة السوق. أما على الصعيد الاستثماري، فقد شكّل غياب الاستقرار السياسي والإداري بيئة طاردة لرأس المال الوطني والأجنبي، وكرّس اقتصاديات الحرب القائمة على التهريب والريع والاحتكار. إن استمرار هذا الانقسام في سورية الجديدة يعني تكريس اقتصاد موازٍ غير رسمي يبتلع موارد الدولة ويعوق خطط التنمية، بينما تجاوز هذه المعضلة يستلزم إعادة بناء مؤسسات وطنية جامعة قادرة على توحيد القرار الاقتصادي وتوزيع الموارد على نحو عادل يرسّخ الثقة بين الدولة والمجتمع.
كما يُعدّ سوء إدارة الموارد الطبيعية مثل الكهرباء والنفط والغاز[20] في سورية الجديدة أحد التحديات البنيوية التي قد تعوق مسار إعادة الإعمار والتنمية إذا لم يُعالَج جذريًا. إذ إن الإرث الثقيل من عقود الاستبداد والحرب خلّف قطاعًا طاقيًا متأكلًا تحكمه شبكات ريعية وولاءات سياسية أكثر من اعتبارات الكفاءة والشفافية. فقد أدّت ممارسات الفساد والنهب إلى حرمان الخزينة العامة من عوائد ضخمة، بينما وُجّه جزء مهم من الإنتاج النفطي والغازي لمصلحة تمويل الحرب أو إرضاء قوى محلية وخارجية على حساب المصلحة العامة. أما قطاع الكهرباء فقد عانى غياب التخطيط الاستراتيجي وسوء الصيانة[21]، الأمر الذي نتج منه اهتراء الشبكات وحصول انقطاعات متكررة عرقلت النشاط الاقتصادي وأثقلت كاهل المواطنين. في ظل هذه الأوضاع، يتحول سوء الإدارة إلى حلقة مفرغة: ضعف الحوكمة يولّد عجزًا في الإيرادات، والعجز يدفع إلى الاعتماد على الدعم الخارجي أو التهريب، وهو ما يعزز بدوره اقتصاديات الحرب والفساد. يتطلب تجاوز هذا الوضع إرادة سياسية لبناء مؤسسات رقابية مستقلة، واعتماد سياسات قائمة على الشفافية في التعاقد والتوزيع، مع إدخال الطاقات المتجددة في نسيج الطاقة الوطني لتقليل الضغط على الموارد التقليدية وضمان استدامة النمو.
د- مكافحة الاقتصاد غير الرسمي
أدى النزاع الطويل في سورية إلى بروز شبكات واسعة من تهريب السلع والطاقة والأسلحة، فضلًا عن انتشار الاحتكار والفساد والوساطات الريعية، ما أفرز اقتصادًا موازيًا يتهرب من الضرائب ويستنزف الموارد العامة. هذا الاقتصاد غير الرسمي لا يقتصر أثره على فقدان الدولة عائدات مالية ضخمة، بل يضعف قدرة المؤسسات العمومية على تقديم الخدمات الأساسية، ويُنتج بيئة تنافسية غير عادلة تضر بالقطاع الخاص المنظم وتشجع على استدامة الفوضى الاقتصادية. علاوة على ذلك، يشكّل اقتصاد الحرب الموروث عن الحقبة السابقة تهديدًا للأمن العام والاستقرار السياسي، إذ يربط مصالح جماعات مسلحة بشبكات مالية واقتصادية، ما يجعل أي محاولة للإصلاح أو فرض القانون محفوفة بالمخاطر. ولمواجهة هذا التحدي، تحتاج سورية الجديدة إلى سياسات متكاملة تتضمن تعزيز الشفافية والرقابة، تطوير قدرات مؤسسات الجباية والمحاسبة، وضبط الحدود لمنع التهريب، إلى جانب دمج العاملين في الاقتصاد غير الرسمي ضمن سوق قانونية عبر حوافز تشجيعية وتنظيمية، على نحو يُساهم في إنتاج دورة اقتصادية تنافسية ومستدامة.
ه- تراجع القطاعات الإنتاجية
يُعدّ أحد أبرز التحديات التي تعترض مسار التنمية الاقتصادية في سورية الجديدة. فقد خلّفت الحرب تدميرًا واسع النطاق للزراعة والصناعة والخدمات الأساسية، بما في ذلك المصانع والمنشآت الإنتاجية والمزارع والبنية التحتية اللوجستية، فضلًا عن فقدان الكفاءات البشرية نتيجة النزوح أو الهجرة أو الاستهداف المباشر للعاملين. هذا التراجع أدى إلى انخفاض كبير في الناتج المحلي، وتراجع الصادرات، وزيادة الاعتماد على الواردات لتلبية الحاجات الأساسية، وهو ما فاقم أزمة السيولة وفرض ضغوطًا إضافية على الموازنة العامة. ويزداد تحدّي إعادة بناء هذه القطاعات تعقيدًا بسبب الحاجة إلى استثمارات ضخمة، وتحديث التقنيات المستخدمة، وتأهيل القوى العاملة، وإعادة تنظيم سلاسل التوريد الداخلية والخارجية، إلى جانب ضمان بيئة استثمارية مستقرة وجاذبة للرساميل المحلية والأجنبية. كما أن إعادة بناء القطاعات الإنتاجية يرتبط على نحو وثيق بخلق فرص عمل، وإعادة دمج اللاجئين والنازحين في الاقتصاد، وتعزيز الأمن الغذائي والطاقة. وبناء عليه، فإنّ نجاح سورية الجديدة في هذا المجال يتطلب استراتيجية شاملة تجمع بين التخطيط الصناعي والزراعي، ودعم الابتكار والتكنولوجيا، وترسيخ الحوكمة الرشيدة لضمان استدامة الإنتاج وتحقيق الانتعاش الاقتصادي المستدام.
و- إعادة الإعمار
مثّل الدمار الذي خلّفته الحرب في سورية أحد أكبر التحديات التي ستواجهها البلاد في مرحلة ما بعد النزاع، إذ لم يقتصر على البنية التحتية المادية فحسب، بل امتد ليشمل النسيج الاجتماعي والمؤسسات الاقتصادية والخدمية. فقد قُدِّرت الخسائر المادية بمئات المليارات من الدولارات، شملت تدمير المدن الكبرى مثل حلب وحمص والرقة وريف دمشق، وانهيار شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، إضافة إلى تضرر أكثر من نصف المدارس والمستشفيات، وتراجع القدرات الإنتاجية في قطاعات الزراعة والصناعة والنفط. لذلك أفادت تقارير متواترة بأنّ تكلفة إعادة إعمار سورية تُقدّر بين 250 و400 مليار دولار[22]. وترافق الدمار المادي مع نزيف بشري هائل، فقد دفعت الحرب كثيرين إلى الهجرة أو النزوح، ما أدى إلى فقدان اليد العاملة الماهرة وتعطيل عجلة الاقتصاد. في ظل هذا المشهد، أصبح تحدّي إعادة الإعمار أكثر تعقيدًا من كونه مجرد مشروع عمراني، بل هو عملية سياسية- اقتصادية- اجتماعية متكاملة تستلزم أولًا استعادة الاستقرار الأمني والسياسي، ثم تعبئة موارد مالية ضخمة عبر دعم دولي واستثمارات خاصة، إلى جانب وضع خطط شفافة تضمن العدالة في توزيع المخصّصات المالية والمسؤوليات لتفادي إعادة إنتاج شبكات الفساد والمحسوبيات التي كانت من بين أسباب انهيار البلد. ونجاح سورية الجديدة في هذا التحدي سيكون معيارًا حاسمًا لمدى قدرتها على تجاوز إرث الحرب والانطلاق نحو مسار تنمية مستدامة يعيد مدّ جسور الثقة بين الدولة والمجتمع.
إنّ تحديات الانتقال الاقتصادي في سورية زمن أحمد الشرع ليست مجرد قضايا تقنية تتعلق بالإعمار أو التمويل، بل هي في جوهرها قضايا سياسية واجتماعية ترتبط بطبيعة العقد الجديد الذي يُبنى بين الدولة والمجتمع. فنجاح الانتقال الاقتصادي يتوقف على توفر مؤسسات شفافة وشرعية، وقدرة على ضبط الفساد والاقتصاد غير الرسمي، واستراتيجية تنموية تراعي العدالة الاجتماعية والجغرافية.
وفي المحصّلة، يمكن القول إن المسار الاقتصادي هو الاختبار الأعمق لأي انتقال سياسي في سورية، إذ من دونه لن يكون هناك استقرار دائم أو إمكانية لبناء دولة وطنية جامعة. فمستقبل سورية سيُقاس بمدى قدرتها على تحويل معاناة الحرب إلى فرصة لإعادة بناء اقتصاد منتج وعادل، يقطع مع إرث الاستبداد والفساد، ويفتح أفقًا جديدًا أمام الأجيال الصّاعدة.
يمثّل ملف العدالة الانتقالية أحد أعقد التحديات التي تواجه سورية بعد تحوّل الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2025، تاريخ سقوط النظام الاستبدادي وبداية المرحلة الانتقالية. فسنوات الصراع الطويلة أدْمت جُلّ السوريين، وتخلّلتها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت القتل الجماعي، الاعتقال التعسفي، الاختفاء القسري، التعذيب، التهجير القسري، ونهب الممتلكات، ارتكبتها أطراف متعددة من النظام السابق والفصائل المسلحة والتنظيمات المتطرفة. وفي ظل هذا الإرث المثقل بالدمار والجرائم، يبرز سؤال العدالة الانتقالية بوصفه مدخلًا أساسيًا لتفكيك منظومات العنف، وترميم الثقة بين الدولة والمجتمع، ووضع أسس عقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة وحقوق الإنسان.
وقد أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، مرسومًا بتشكيل هيئة للعدالة الانتقالية، تتولى الكشف عن الحقائق بشأن انتهاكات النظام البائد، ومحاسبة المسؤولين عنها، وجبر الضرر الواقع على الضحايا. وذكر المرسوم أن تشكيل هذه الهيئة، «يأتي إيمانًا بضرورة تحقيق العدالة الانتقالية بوصفه ركيزة أساسية لبناء دولة القانون، وضمانًا لحقوق الضحايا، وتحقيقًا للمصالحة الوطنية الشاملة».[23] ويغطي مسار العدالة الانتقالية في سورية، الفترة ما قبل 8 ديسمبر/ كانون الأول، وليس بعدها، وفق المرسوم الرئاسي.
ويواجه مسار العدالة الانتقالية في سورية صعوبات عدّة هي في مقام التحدّيات، لعلّ أهمّها، الإرث الثقيل للانتهاكات في سورية، وانهيار مؤسسات الدولة القضائية والأمنية، وغياب أرشيف موثّق وموثوق لانتهاكات الدولة القامعة، ووجود استقطاب مجتمعي حادّ بشأن العدالة الانتقالية، فضلًا عن محدودية مصادر تمويلها.
أ- إرث الانتهاكات الثقيل في سورية
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، تراكمت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ارتكبتها أطراف متعددة، بدءًا من النظام وأجهزته الأمنية والعسكرية التي مارست الاعتقال التعسفي، التعذيب الممنهج، الإعدامات الميدانية، والتهجير القسري، وصولًا إلى فصائل المعارضة المسلحة التي تورط بعضها في جرائم خطف وانتهاكات ضد المدنيين، ثم التنظيمات المتطرفة مثل “داعش” وغيرها من التنظيمات الجهادية المتشدّدة التي ارتكبت أعمال عنف، وكذا الميليشيات المحلية والقوى الأجنبية التي انخرطت في النزاع بمصالح متشابكة. هذا التعدد الكثيف للفاعلين ولّد شبكة متداخلة من المسؤوليات والانتهاكات، يصعب تفكيكها قضائيًا وسياسيًا، وأدى إلى تنوّع هائل في الضحايا والفئات المتضررة. وبذلك، فإن العدالة الانتقالية في سورية تواجه تحديًا مزدوجًا: من جهة، ثقل الانتهاكات الممتدة زمنيًا والمترامية جغرافيًا بما يفوق قدرة أي آلية تقليدية على الإحاطة بها وبحيثياتها كلّها، ومن جهة ثانية، التوزع الأفقي للفاعلين الذي يعرقل بناء سردية موحّدة للحقيقة ويهدّد بتحويل ملف العدالة إلى ساحة صراع سياسي جديد. يتطلب التعامل مع هذا الإرث[24] استراتيجية متدرجة، تجمع بين آليات المساءلة القضائية ولجان الحقيقة والتعويضات الرمزية، لضمان شمولية العدالة من دون أن تتحول إلى أداة انتقامية أو إلى مسار انتقائي يقتصر على محاسبة طرف واحد دون غيره.
ب- هشاشة المؤسسات القضائية والأمنية
ورثت المنظومة الانتقالية الحاكمة في سورية مؤسسات قضائية وأمنية هشّة، خضعت طويلًا للتسييس والتوظيف السلطوي زمن سطوة أسرة آل الأسد، حيث تحوّل القضاء إلى أداة بيد السلطة التنفيذية، وانحرفت الأجهزة الأمنية عن وظيفتها في حماية المواطنين لتصبح أداة قمع ومراقبة، ما أفقدها الشرعية والمشروعية الاجتماعية. ومع اندلاع النزاع وتفكك الدولة، تعرّضت هذه المؤسسات لمزيد من الانهيار بفعل الانقسام الجغرافي، وسيطرة فصائل مختلفة على مناطق متعددة، وتدخل قوى خارجية في إعادة تشكيل بنيتها. هذه الهشاشة البنيوية تجعل من الصعب الاعتماد على الهيئات القضائية والأجهزة الأمنية القديمة في إنفاذ العدالة الانتقالية، إذ تفتقد إلى الكفاءة والنزاهة، والاستقلالية، والثقة المجتمعية الضرورية اللازمة لنجاح أي مسار. كما أنّ ضعف هذه المؤسسات يفتح المجال أمام تضارب الآليات بين محاكم محلية غير موحّدة، ولجان تقصي حقائق محدودة القدرة، ودعم دولي قد يتحول إلى وصاية خارجية. وبذلك، فإن إعادة بناء مؤسسات قضائية وأمنية جديدة، قائمة على المهنية والشفافية والعقيدة الجمهورية، تمثّل شرطًا أوليًا لإنجاح العدالة الانتقالية في سورية وضمان استدامتها، لأن غياب هذه المؤسسات المستقلة سيؤدي إلى تكريس الإفلات من العقاب وإعادة إنتاج دورات العنف.
غياب سجلات دقيقة ومنهجية للانتهاكات المرتكبة منذ عام 2011، بما في ذلك قوائم المفقودين، حالات الاعتقال التعسفي، وشهادات الناجين، يجعل من الصعب على أي آلية قضائية أو لجنة حقيقة الوصول إلى أدلة قوية قابلة للتحقيق والمحاكمة. علاوة على ذلك، أدى الانقسام الجغرافي والسياسي إلى تعدد روايات متضاربة للحوادث، ما زاد من صعوبة تكوين سردية موحّدة للتاريخ السوري الحديث. هذا النقص في الذاكرة الموثّقة يضعف صدقية العدالة الانتقالية أمام الضحايا والمجتمع الدولي، ويعرقل جهد المصالحة الوطنية، إذ إن إعادة الثقة تتطلب إثبات الحقائق بصورة ملموسة وشفافة. كما أنّه يفتح الباب أمام محاولات التلاعب بالحقائق أو إنكار الانتهاكات، ويحدّ من قدرة الدولة على وضع سياسات تعويض عادلة وشاملة. ومن ثم، فإن بناء ذاكرة موثّقة وموثوقة، من خلال أرشفة الشهادات، توثيق الأدلة، وإشراك المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية، يُعدّ ركنًا أساسيًا لإنجاح العدالة الانتقالية، ويُمكّن من محاسبة المسؤولين ومنع تكرار الانتهاكات في المستقبل.
يشكّل أحد أهم العوائق أمام مسار العدالة الانتقالية في سورية، إذ إن الحرب المستمرة والانتهاكات المتعددة لم تترك المجتمع السوري موحّدًا، بل خلقت انقسامات حادة على أساس طائفي، مناطقي، وإثني[25]. هذه الانقسامات تؤثر مباشرة في قدرة أي آلية للعدالة الانتقالية على العمل بصورة فعّالة، إذ يصعب تحقيق توافق وطني حول من تجب محاسبته، وما هي الجرائم التي ينبغي التركيز عليها، وكيفية توزيع التعويضات. كما أن الاستقطاب يضعف ثقة المواطنين في المؤسسات القضائية والأمنية، حيث ينظر كل طرف إلى تلك المؤسسات من زاوية مصالحه، ما يزيد من احتمالات الطعن في قرارات المحاكم ولجان الحقيقة. علاوة على ذلك، يمكن أن يُستغلّ الاستقطاب سياسيًا لتعطيل مسار العدالة أو لتبرير انتقام جماعي، ما يحوّل العدالة من أداة للإنصاف إلى ساحة نزاع جديدة. ومن ثمّ، فإن معالجة الاستقطاب المجتمعي عبر حوار وطني شفاف، وإشراك الفئات كافة في تصميم آليات العدالة وتنفيذها، يعدّ شرطًا أساسيًا لضمان صدقية العدالة الانتقالية، ومنع الانقسامات من أن تُقوّض جهد المصالحة وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة.
تُعدّ أحد أبرز التحديات العملية أمام تنفيذ العدالة الانتقالية في سورية، إذ إن الحرب الطويلة وتدهور الاقتصاد الوطني تركا الدولة الجديدة منهكة من حيث الإمكانات المالية والبنية التحتية. فإعادة بناء مؤسسات قضائية وأمنية مستقلة، وتشكيل لجان حقيقة، وتقديم التعويضات المالية والاجتماعية للضحايا، يتطلب ميزانيات كبيرة لا تتوافر في السياق السوري الراهن. كما أن محدودية الموارد تجعل من الصعب توفير التدريب اللازم للكادر القضائي والأمني، أو إنشاء برامج دعم نفسي واجتماعي للضحايا، أو بناء أرشيف موثّق للانتهاكات. هذا النقص المالي يؤدي إلى بطء الإجراءات، وتجزئة آليات العدالة، وتأخّر الإنصاف بين المناطق والفئات الاجتماعية، وهو ما يؤثّر سلبًا في سيرورة العدالة الانتقالية ويزيد من إحباط الضحايا والمجتمع المدني. علاوة على ذلك، يمكن أن يفتح نقص التمويل الباب أمام تدخلات خارجية مشروطة، ما يحوّل العدالة الانتقالية إلى أداة للصراعات الجيوسياسية بدلًا من أن تكون مسارًا وطنيًا شاملًا للإنصاف والمصالحة. ومن ثم، فإن التخطيط المالي الدقيق، والاعتماد على الشفافية في توزيع الموارد، واستثمار الدعم الدولي بفعالية، يمثل ضرورة قصوى لضمان استدامة العدالة الانتقالية في سورية، حتى في ظل ضيق الموارد المتاحة.
إنّ نجاح سورية في مواجهة تحدّي العدالة الانتقالية بعد الثامن من كانون الأول/ ديسمبر لن يتحدد فقط بقدرتها على إنشاء محاكمات أو لجان حقيقة، بل بمدى قدرتها على صياغة مقاربة متكاملة توازن بين المساءلة الجنائية والمصالحة الوطنية، وتمنع تكرار الانتهاكات عبر إصلاح مؤسسات الأمن والقضاء، وتعويض الضحايا ماديًا ورمزيًا، وحفظ الذاكرة الجماعية. فالعدالة هنا ليست مجرّد آلية قانونية، بل هي رهان سياسي ومجتمعي على إمكانية الخروج من دوامة العنف وبناء دولة جديدة تقوم على سيادة القانون واحترام كرامة المواطن السوري.
خاتمة
يكشف مسار الانتقال في سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد عن مشهد بالغ التعقيد، تتقاطع فيه التحديات الأمنية والاقتصادية والعدلية. “وتحتاج كل هذه التحديات وغيرها توافقات وطنية سورية بشأنها، ومن دونها لا يمكن أن تقوم دولة، لا في صفاتها، ولا في وظائفها، ولا في مؤسّساتها”[26]. فقد أظهرت التجربة أنّ إسقاط الاستبداد لا يعني بالضرورة أنّ الطريق سالك لبناء دولة عتيدة، عادلة، جديدة، بل يفتح أفقًا مليئًا بالرهانات الصعبة التي يقتضي كسبها إدارة البلاد بطريقة تشاركية وبرؤية استراتيجية، واقعية، متكاملة. فمن المهمّ، “أن يشارك السوريون في تقرير مصير بلدهم من خلال المشاركة في ـ بناء مؤسسات مدنية جديدة ـ ومن ثم استخدام الآليات الديمقراطية المعروفة عالميًا في اتخاذ القرار ومراقبة السلطة التنفيذية”[27]. ومعلوم أن تحقيق الانتقال إلى دولة تقدّمية، آمنة، عادلة، تعدّدية، ومتطوّرة اقتصاديًا، يقتضي ترسيخ الحريات العامّة والخاصّة، ونشر ثقافة الحوكمة والمساءلة، “والعمل مع الشعب وللشعب، أي تمكينه من المشاركة في السلطة لا فرض إرادة نخبة أو فئة معيّنة عليه”[28].