مقدمة
عرفت السنوات الأخيرة بروز العدالة الانتقالية بوصفها آلية فعالة لدعم مسار الانتقال الديمقراطي وتسيير مرحلة ما بعد سقوط الأنظمة الدكتاتورية، أي المرحلة الانتقالية، إذ لجأت إليها كثير من الدول من جميع أنحاء العالم، وذلك بهدف معاجلة انتهاكات الماضي وآثار الحقبة الدكتاتورية معاجلة عادلة، ومنع تجدد تلك الانتهاكات مستقبلًا، لذلك فإن مسار العدالة الانتقالية لا يُعدّ مجرد إجراء قانوني أو إداري، بل هو عملية تحويلية تهدف إلى إعادة بناء الثقة في المؤسسات، وإرساء أسس عقد اجتماعي جديد، ومن ثم تلوح في الأفق مهمّة أساسية أمام سورية للتعامل مع إرث طويل من القمع وانتهاكات حقوق الإنسان، ويفترض في الحالة السورية، ومع إجراءات العدالة الانتقالية أن تأخذ في الحسبان تعدد الفاعلين الذين انخرطوا داخل الصراع السوري، كونه يضفي خصوصية وتعقيدًا على الأوضاع.
فما بين جبهة النصرة وقوات سورية الديمقراطية تدخلت قوات خارجية مباشرة في الوضع، منها حزب الله اللبناني مدعومًا من إيران، إضافة إلى تركيا وفي بعض الأحيان الولايات المتحدة الأميركية، وكل من تلك القوى الإقليمية والدولية دعم فصيلًا بعينه؛ فبالنسبة إلى حزب الله اللبناني ناصر الأسد ومده بالسلاح والعتاد، في حين دعمت أنقرة قوات المعارضة لتحجيم الأكراد أو قوات سورية الديمقراطية “قسد” والتي سيطرت على معظم المناطق في شمال سورية على الحدود مع تركيا، أما الولايات المتحدة الأميركية فقد قدمت دعمًا مباشرًا لقوات سورية الديمقراطية للتخلص من داعش التي أفل نجمها بعد ذلك.
إن هذا التعدد يجعل من الصعب السير على نهج إجراءات العدالة الانتقالية في دول أخرى من دون مراعاة هذه الخصوصية، بل يجعل من مهمة التصالح مع الماضي أمرًا شائكًا لا بد فيه من الحذر الشديد حتى لا ينقلب على الشعب في سورية ويزيد من تأجج الأوضاع، ومن ثم وفقًا لسياق الفترات الانتقالية المختلفة وطبيعة الفاعلين في الأنظمة الجديدة، فضلًا عن طبيعة الانتهاكات والتجاوزات التي مارستها الأنظمة السابقة، فإن كل دولة تختار نموذجها الخاص لتطبيق العدالة الانتقالية؛ بهدف الانتقال من نظام إلى آخر والتعامل مع آثار تجاوزات النظام السابق، وذلك يتطلب البحث في بعض نماذج العدالة الانتقالية في العالم، والتي تتنوع إجراءاتها بما يتلاءم مع ظروف كل دولة، فما بين المصالحة والمحاكمة ولجان تقصي الحقائق والإصلاح، تختار كل دولة مجموعة الإجراءات التي تحقق مصلحة مواطنيها وتمهد الطريق للإصلاح.
بناء على ذلك، تحاول هذه الدراسة مناقشة أكثر آليات العدالة الانتقالية التي تلائم الحالة السورية، وأهم التحديات التي تصاحب إجراءات تطبيقها، وتركز على دراسة التجارب العربية والإقليمية والدولية، بهدف استقراء الدروس المستفادة منها، ولا سيما أنها جاءت في سياقات أقرب ما تكون إلى الحالة السورية، مع تفرّد الحالة السورية بأكثر الأنظمة إجرامًا ودموية، وعلى إثر ثورات الربيع العربي التي تُعد موجة رابعة كبرى للتغير السياسي في العالم.
إشكالية الدراسة: من خلال ما سبق يمكن طرح الإشكالية المركزية الآتية: “ما هي التدابير التي من الممكن من خلالها تطبيق مفهوم العدالة الانتقالية، بما يجعلها متلائمة مع الظروف والخصوصيات السياسية والاجتماعية والأمنية في سورية؟”.
أهداف الدراسة: تهدف الدراسة إلى رصد التجارب التطبيقية العربية والإقليمية والدولية؛ بما يسمح بزيادة الوعي العام، والانطلاق في الحالة السورية بأكبر قدر ممكن من الوعي بالفجوات والتحديات والمآلات الناتجة من المسارات المطبقة.
منهج الدراسة: تعتمد الدراسة على منهجية البحث المكتبي الذي يعتمد على البيانات الثانوية، وبالاستناد إلى أساليب التحليل النقدي لمراجعة الأدبيات وتقديم خلاصات تحليلية مُبسَّطة، كما تعمد عبر التحليل النقدي والمنهج الاستقرائي والمقارن إلى تحليل سياق هذه التجارب والوقوف على كيفية تطبيق آليات العدالة الانتقالية ومنجزاتها من جهة، والفجوات والإخفاقات من جهة أخرى، بهدف الوصول إلى أبرز الدروس المستفادة وإسقاطها على الحالة السورية.
بناءً عليه تنقسم الدراسة إلى مقدمة وخاتمة وأربعة محاور رئيسة؛ يستعرض المحور الأول الإطار النظري والمفاهيمي للعدالة الانتقالية، ويناقش المحور الثاني الواقع الحالي للعدالة الانتقالية في سورية، في حين يقدّم المحور الثالث تحديات وعواقب تنفيذ العدالة الانتقالية في سورية، ويحاول المحور الرابع تفكيك التحديات السورية واستشراف الآليات من خلال التجارب العربية والإقليمية والدولية، وتقدم الخاتمة النتائج العامة للدراسة، ومن ثم تقترح الدراسة توصيات تعتمد على نهج للتفكير في مزيد من الحلول للسير قدمًا في طريق العدالة، وهو “تكييف للعدالة” على النحو الذي يلائم مجتمعات تخوض مرحلة التحولات.
أولًا: الإطار النظري والمفاهيمي للعدالة الانتقالية
ظهر مصطلح العدالة الانتقالية بعد الحرب العالمية الثانية، بعد أن عاش العالم ويلات الحروب وذاقت الشعوب ظروفًا قاسية على كافة المستويات، ورغم ذلك لم يبدأ تطبيق العدالة الانتقالية بشكل مكثف إلا في عقد السبعينيات من القرن الماضي، حيث تم تطبيقها على ما يقارب ثلاثين حالة منذ ذلك الحين في كل من التشيلي والأرجنتين والبيرو والسلفادور ورواندا وسيراليون وجنوب أفريقيا وتيمور الشرقية، وصربيا، واليونان، وغيرهم([1]).
ويثير الحديث حول مفهوم “العدالة الانتقالية” عددًا من علامات الاستفهام حول ماهيتها والفارق بينها وبين العدالة التقليدية من حيث أهدافها وآليات تطبيقها وتطوراتها المختلفة، وتعود تسمية العدالة إلى التحولات السياسية والتي أراد ناشطو حقوق الإنسان إدراج الانتهاكات التي تمت من قبل الأنظمة السياسية دون المخاطرة بتلك التحولات، وبما أن هذه التحولات كانت تعرف باسم “الانتقال إلى الديمقراطية transitions to democracy” وأضيفت إليها “العدالة justice”، فبدأ يطلق عليها العدالة الانتقالية “transitional justice”([2]). ومن ثم، يربط مفهوم العدالة الانتقالية بين مفهومين هما العدالة والانتقال، ولكن المعنى الدلالي الأدق للمفهوم يعني: تحقيق العدالة أثناء المرحلة الانتقالية التي تمر بها دولة من الدول، وتهدف هذه العدالة إلى التعامل مع إرث الانتهاكات بطريقة واسعة وشاملة تتضمن العدالة الجنائية، وعدالة إصلاح الضرر، والعدالة الاجتماعية، والعدالة الاقتصادية، وهي إضافة إلى ذلك ترتكز على اعتقاد مفاده أن السياسة القضائية والعدالة يجب أن تتضمن تدابير تتوخى هدفًا مزدوجًا؛ وهو المحاسبة على جرائم الماضي ومنع الجرائم الجديدة في المستقبل، مع الأخذ في الحسبان الصفة الجماعية لبعض أشكال الانتهاكات، ومراعاة السلم الأهلي في أن معا([3]).
وتعد العدالة: هي الاستقامة والمساواة أمام القانون، والإنصاف في الحقوق، وثمة إجماع بين الباحثين في موضوع العدالة على أنها “مجموعة القيم التي تراعى فيها حقوق الإنسان وترتبط العدالة بالحرية والإنصاف وتكافؤ الفرص، وهي القيم التي تجيب على قضايا الديمقراطية والإصلاح([4])، أما الانتقالية: فتعني من الناحية الاصطلاحية، تحول المجتمعات من نمط معين إلى نمط آخر([5])، وهنا لا بد من توضيح أن العدالة الانتقالية تختلف عن العدالة التقليدية في كونها تعنى بالفترات الانتقالية، مثل: الانتقال من حالة نزاع داخلي مسلح إلى حالة السلم، أو الانتقال من حكم سياسي تسلطي إلى حالة الحكم الديمقراطي، أو التحرر من احتلال أجنبي بتأسيس حكم محلي باتباع إجراءات إصلاحية معينة([6]).
وتعرف العدالة الانتقالية بأنها “مجموعة من الأساليب والآليات التي يستخدمها مجتمع ما لتحقيق العدالة في فترة انتقالية في تاريخه، وتنشأ هذه الفترة غالبًا بعد اندلاع ثورة أو انتهاء حرب ويترتب عليها انتهاء حقبة من الحكم الاستبدادي داخل البلاد والمرور بمرحلة انتقالية نحو تحول ديمقراطي، خلال هذه المرحلة تواجه المجتمع إشكالية هامة جدا وهي التعامل مع قضايا انتهاكات حقوق الإنسان سواء كانت حقوق جسدية أو قضايا سياسية أو اقتصادية([7]).
وتعرفها الأمم المتحدة باعتبارها مفهومًا يتعلق بالعمليات والآليات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع لتفهم تركة من تجاوزات الماضي واسعة النطاق وذلك بغية كفالة المساءلة، وإقامة العدالة وتحقيق المصالحة، وقد تشمل هذه الأمور الآليات القضائية وغير القضائية على السواء مع مستويات المشاركة الدولية (أو عدم وجودها مطلقًا) ومحاكمات الأفراد، والتعويض وتقصي الحقائق، والإصلاح الدستوري والمؤسسي([8]).
أما مبادئ شيكاغو ما بعد النزاعات([9])، فتشير إلى مفهوم العدالة الانتقالية من خلال سبعة مبادئ هي: محاكمة المرتكبين لانتهاكات حقوق الإنسان، احترام الحق في الحقيقة، والاعتراف بالوضع الخاص للضحايا، اعتماد سياسة التنحية (العزل)، ودعم البرامج الرسمية والمبادرات الشعبية لتخليد ذكرى الضحايا، بالإضافة لدعم الإجراءات والوسائل التقليدية والأهلية والدينية في التعاطي مع الانتهاكات السابقة، والمشاركة بالإصلاح المؤسسي لدعم سيادة القانون والحقوق الأساسية والحكم الرشيد([10])، وترتكز أهم العناصر الأساسية لعدالة ما بعد النزاعات على الحقوق الإنسانية المشروعة والاعتماد على القانون الدولي الإنساني لمنع الإفلات من العقاب، وذلك باعتماد المساءلة والمحاسبة على الانتهاكات والاستناد إلى مبادئ السلام والديمقراطية وأخذ حقوق الضحايا في الحسبان لجبر الضرر والإنصاف، وتصميم استراتيجيات تستند إلى التطور الاجتماعي والثقافي والتاريخي السياسي المحلي، والتأكيد أن هذا البناء هو جزء من عملية معقدة ومتعددة الأوجه تحتاج إلى رؤية واحترام طويل الأمد.
العدالة الانتقالية هي مفهوم متداول على نحو واسع، وفي حين تعتبر أنها آلية تتيح تحولًا – انتقالًا – من جهاز استبدادي لا يوجد فيه حكم للقانون إلى نظام ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان، إلا أنها ملتبسة جدًا سواء من ناحية الفلسفة التي تقوم عليها أو الأساليب التي تستخدمها، والأهداف المعلنة للعدالة الانتقالية هي، في آنٍ معًا، إعادة الكرامة للضحايا، وبناء الثقة بين الجماعات المتحاربة، وتعزيز التغيرات على مستوى المؤسسات التي يقتضيها تحقيق علاقة جديدة بين السكان، من أجل مواكبة حكم القانون، ودون إقرار الممارسات التي ترقى إلى الإفلات الكلي أو الجزئي من العقاب([11]).
وتضم الإجراءات المتعددة التي تشكل العدالة الانتقالية في العادة إجراءات “شافية” لعدالة تصالحية (لجان الحقيقة والمصالحة) مع نظام مواز لعدالة جزائية (على الأخص بالنسبة لأولئك المسؤولين بشكل رئيس عن الجرائم الأكثر جسامة، وأولئك الذين ارتكبوها)([12])، وفضلًا عن ذلك، فإن ترتيبات العدالة الانتقالية تقضي بإصلاح المؤسسات، وذلك بإعادة العبرة لسيادة القانون والتأكد من أن الهيئات القضائية جاهزة للقيام بدورها مستقبلًا، وفي الوقت عينه العمل على ضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم المرتكبة خلال العهد السابق من العقاب، لذلك، فالعدالة الانتقالية تسعى لتحقيق أهداف متعددة في أوضاع ما بعد النزاعات التي يواجه فيها من هم في الحكومة احتياجات أخرى ملحة، كنزع سلاح القوات المقاتلة، وتحسين أمن المدنيين، وتعويض الضحايا، وإنعاش اقتصاد مجتمع مدمر([13]).
ومن ثم، فإن مفهوم العدالة الانتقالية يعني التعامل مع هذه الانتهاكات بهدف تحقيق الاعترافات الواجبة بما كابده الضحايا من انتهاكات، وتعزيز إمكانيات تحقيق السلام والمصالحة والديمقراطية، ومن ثم هي العدالة التي تنتقل بالمجتمعات من حالات الصراع إلى حالات التوافق والسلام وصولًا إلى نظام ديمقراطي يمنع تجدد الصراعات، أي إن مجال العدالة الانتقالية يهتم بتنمية مجموعة واسعة من الاستراتيجيات المتنوعة لمواجهة إرث انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي وتحليلها وتطبيقها عمليًا بهدف خلق مستقبل أكثر عدالة وديمقراطية.
إجمالًا يمكن القول، إن العدالة الانتقالية هي المفهوم أو الجسر الواصل بين مفهومين هما العدالة والانتقال، بحيث يعني ببساطة شديدة تحقيق العدالة في أثناء المرحلة الانتقالية التي تمر بها دولة ما، أي إن العدالة الانتقالية ليست نوعًا خاصًا من العدالة إنما مقاربة لتحقيق العدالة في فترات الانتقال، وهي بهذا المعنى أوسع نطاقًا من العدالة الجنائية بالمعنى التقليدي فهي تتعامل مع إرث الانتهاكات بطريقة واسعة وشاملة وتتضمن تحقيق العدالة الجنائية التقليدية، إلى جانب عدالة إصلاح الضرر والعدالة الاجتماعية.
ثانيًا: واقع العدالة الانتقالية في سورية
تتجاوز العدالة الانتقالية في السياق السوري حدود كونها إجراءً قضائيًا أو فعلًا رمزيًا يكرم الضحايا، لتصبح سؤالًا مركزيًا حول هوية الدولة المنشودة بعد الثورة؛ فإما أن تكون العدالة حجر الزاوية في بناء جمهورية جديدة على أساس المواطنة، أو أن تتحول إلى أداة انتقائية تعيد إنتاج منطق الغلبة، ما يعني فشل الانتقال، واستمرار الاستبداد في هيئة جديدة، فالعدالة الانتقالية هي منظومة متكاملة من الآليات القضائية وغير القضائية التي تهدف إلى تفكيك بنية العنف وضمان المساءلة، ومنع التكرار، بهذا المعنى لا يمكن أن تُختزل العدالة الانتقالية في سورية إلى محاسبة فردية أو تصفية حسابات سياسية، بل يجب أن تؤسس لعقد اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وينقل السوريين من موقع (الرعية) إلى موقع (المواطنة).
إن التحولات التي شهدتها سورية بعد سقوط النظام سلطت الضوء على أزمة مركبة، إذ لدى السلطة الانتقالية وتحالفها العسكري المنوط بهم تطبيق العدالة إرث من الانتهاكات يضعف من شرعيتها الأخلاقية الأمر الذي يدعو إلى الخشية من تحويل العدالة إلى أداة انتقام، خصوصًا مع اقتصار الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية التي أنشئت في مايو 2025 على ملاحقة مجرمي النظام السابق فقط([14])، متجاهلة الانتهاكات التي ارتكبتها بعض الفصائل المعارضة الحاكمة، على الرغم من خضوع بعض قياداتها لعقوبات غربية، هذا التوجه لا يهدد صدقية العدالة فقط بل يعيد إنتاج ثقافة الإفلات من العقاب ولو بصور أخرى، وكيف لهذه السّلطة والتي هي مُتّهمة أيضًا بارتكابها جرائم حرب، أن تعمل على تطبيق العدالة الانتقاليّة، والتي ستطالها بطبيعة الحال، ويُفترض أن تُطبّق على الجميع ودون تمييز([15]).
إن المقارنة بين التجارب تؤكد أن العدالة الانتقالية حين تختزل في إجراءات قانونية مفرغة من دورها التأسيسي تصبح طقسًا إداريًا فارغًا، لا ينجح في صياغة المعنى السياسي الجديد للدولة، وأنها لا يمكنها تأدية وظيفتها إذا لم تكن مندمجة في عملية دستورية سياسية شاملة، قادرة على التأسيس لشرعية ديمقراطية متجددة، فالعدالة الانتقالية هي الوسيط الذي يُعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، لا عبر المساءلة فقط بل عبر بناء سردية وطنية جديدة تُعبّر عن القيم التي حملتها الثورة، وتترجمها إلى مؤسسات وقوانين قابلة للبقاء.
ومن خلال منظور السلطة الجديدة لدور العدالة الانتقالية، يتحدد ما إذا كانت الثورة ستفضي إلى دولة، أم ستفرغ من مضمونها في دورة جديدة من العنف أو النكوص السلطوي.
وعليه، تشكل الحالة السورية أقصى اختبار ممكن لأي مقاربة عدلية، إذ تنهار فيها شروط (الانتقال) التقليدية، ويغيب الحد الأدنى من التوافق السياسي أو المؤسسي أو السردي بينما تنتج الهشاشة القانونية والاجتماعية بيئة يصعب فيها تفعيل النماذج الانتقالية الكلاسيكية، ويمكن الوقوف على ذلك عبر النقاط الآتية:
- التشظي القانوني والمؤسسي: يتوزع النظام القضائي في سورية بين سلطات متنازعة؛ الحكومة الانتقالية، الإدارة الذاتية الكردية، قوى محلية لا يجمع بينها أي إطار شرعي موحد، ولا يقتصر هذا التفكك على انعدام التنسيق، بل يؤسس لمنظومات متباينة المعايير والمعايير المضادة، ما ينتج أزمة شرعية متبادلة([16])، إن أي حديث عن عدالة انتقالية يفترض جهازًا (قضائيًا محايدًا) وهو افتراض غير ممكن في سياق تحكمه شظايا قضائية.
- انهيار السردية الجمعية: لا توجد في سورية سردية شاملة متفق عليها حول من الضحية ومن الجلاد، حيث تنتج كل جماعة (طائفية مناطقية أيديولوجية) روايتها الخاصة، ويقع التضاد بين (الناجين)، لا بين (الضحايا والجلادين) فقط([17])، تحتاج العدالة إلى سردية مشتركة لا مقدمة للإنصاف فحسب، بل أساسًا للمعنى الأخلاقي ذاته.
- انعدام الثقة المؤسسية: لم يكن القضاء السوري يومًا محايدًا، بل كان أداة للسلطة، ما يجعل أي بناء عدلي مستقبلي يعاني عجزًا تراثيًا في الثقة، فالمؤسسات الجديدة -إن وجدت- إما ارتجالية، أو مؤدلجة، ما يجعل الناس يديرون ظهرهم للقانون بوصفه أداة إنصاف([18]).
- التمزق الجغرافي والشتات: أكثر من نصف سكان سورية موزع بين نزوح داخلي ولجوء خارجي([19])، ولا يسمح هذا التمزق الجغرافي بخلق فضاء عدلي جامع، أو تطبيق أي آلية موحدة للإنصاف والعدالة بوصفها فعلًا اجتماعيًا لا تُمارس عن بعد، ولا تُبنى على أطلال الحضور الجمعي المنهار.
- غياب التسوية السياسية: لا توجد سلطة انتقالية متفق عليها، ولا عملية سياسية جادة ما يجعل الآليات المؤسسية المقترحة كلها فاقدة للغطاء السيادي والتنفيذي([20]).
ومن خلال هذا الواقع السوري المعقد تظهر الحاجة إلى خريطة للعدالة الانتقالية تراعي طبيعة الصراع، وحجم الانتهاكات والوضع الاقتصادي المتردي، والتهديدات الأمنية، وعدم الاستقرار النسبي، وضرورات المصالحة الوطنية والسلم الأهلي، من دون التفريط بالمحاسبة وحقوق الضحايا، هذا التوازن المطلوب بين ضرورة عدم تأخير عملية العدالة الانتقالية بمساراتها كلها، والأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية التي قد تحد من قدرة تنفيذ بعض المسارات تنفيذًا شاملًا، مثل العدالة الجنائية والتعويضية للضحايا.
ثالثًا: تحديات تنفيذ العدالة الانتقالية في سورية
يواجه التنفيذ العملي لمستويات العدالة الانتقالية في سورية مجموعة من التحديات والإشكاليات المعقدة التي لا يمكن أن تُحل أو تتجاوز بأدوات أو منهجيات لا تتلاءم مع خصوصية الحالة السورية، ولا سيما أن سياق هذه الحالة يتميز بانهيار شبه تام للمؤسسات، والتنافر بين المكونات الاجتماعية والقوى السياسية، وتفكك الروابط الاجتماعية، الأمر الذي يُساهم في غياب الإرادة الوطنية الموحدة ويمكن تصنيف التحديات الأساس أمام تنفيذ مستويات المسار التمهيدي وفق ما يأتي:
- التحديات المتعلقة بالبيئة السياسية: يُشير تقويم البيئة السياسية في سورية بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 إلى حال من التشتت والفوضى، وتفكك القرار الوطني حول طبيعة نظام الحكم السياسي، وشكله، وقد ترافق هذا الأمر بانعزال بعض القوى السياسية والمكونات الاجتماعية عن العملية السياسية الانتقالية نتيجة عدد من الخلافات المرتبطة بالسلطة السياسية، والاستحقاقات السياسية والدستورية التي حدثت خلال المدة الماضية، في ظل وضع إقليمي معقد ينعكس في الاستقرار السياسي في سورية([21])، هذا الأمر يُشكل تحديًا أمام وجود قرار وطني موحد بإمكانه تجسيد إرادة السوريين لإعادة بناء هيكلية الدولة المنهارة، ويعزز تيارات منفصل بعضها عن بعض بما يؤثر سلبًا في البدء بمسار شامل للعدالة الانتقالية.
- التحديات المتعلقة بالعلاقات الاجتماعية: لا يزال واقع العلاقات الاجتماعية في سورية هشًّا إلى درجة كبيرة، وهو مرتبط بالخلافات السياسية التي أدت إلى خلق محاور اجتماعية مرتبطة بالتنوع الطائفي، ما ساهم في ازدياد الخطاب الطائفي والتحريضي، وانتشار ثقافة الانتقام([22])، وأعاد سورية إلى مرحلة النزاع المسلح متعدد الأطراف بناء على الهويات الطائفية المتعددة، ويعد ذلك أحد أبرز التحديات أمام العمل الاستراتيجي الهادف إلى تعزيز استجابة اجتماعية موحدة تجاه برنامج شامل للعدالة الانتقالية في ظل عدم وجود نمط سياسي واجتماعي جديد يلبي تطلعات توافق وطني على ضرورة الانتقال إلى استقرار السوريين بصورة كاملة.
- التحديات المتعلقة بالأطر والتشريعات القانونية: إن الأطر التشريعية السورية المعمول بها حتى الوقت الحالي لا تزال تجسد أداة للسيطرة الاستبدادية على العمل المؤسساتي، وتشمل المئات من القوانين واللوائح التنفيذية والمراسيم التشريعية التي تعرقل التأسيس لبنية تشريعية جديدة قادرة على تسهيل العمل بخصوص العدالة الانتقالية بما يشمل إنشاء لجان الحقيقة وهيئات التحقيق، وآليات لجبر الضرر، وآليات للمحاسبة القضائية.
يشكل ما سبق ذكره من تحديات عوائق حقيقية أمام انتقال سورية إلى واقع جديد من الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وترتبط هذه التحديات بالتفاعل الدولي مع الحالة السورية، فالدعم الدولي لاستقرار سورية مرتبط بإرادة وطنية موحدة لدى السوريين، وخاصة أن البدء بمشروع وطني لعدالة انتقالية لتحقيق الاستقرار السياسي مرتبط برفع العقوبات الدولية المفروضة على سورية بصورة كلية، وتجسيد عملية سياسية تشاركية([23]).
فقد كان من المفترض أن تسير العدالة الانتقالية في سورية بعد سقوط النظام، في مسار يربط بين مقتضيات الإنصاف والمساءلة من جهة، وضرورات الاستقرار وإعادة بناء الدولة من جهة أخرى، ويرتكز هذا النهج على أربعة أعمدة رئيسة:
- البدء بالمساءلة الجنائية على مستوى القيادة لتكون العليا (Top-down accountability) ذات طابع رمزي ومبدئي من دون تفجير التوازنات الهشة للمرحلة الانتقالية، وعدم التهاون في ذلك لمصلحة ما تعده الحكومة السورية (سلمًا أهليًا)، وهنا نكون أقرب إلى نموذج رواندا بعد الإبادة الجماعية([24]).
- جبر الضرر المجتمعي بدلًا من التعويضات الفردية نتيجة ضخامة حجم الانتهاكات وأعداد الضحايا في ظل الظرف الاقتصادي المتردي في سورية، ويتم هذا النوع من جبر الضرر عبر توجيه الموارد لإعادة تأهيل البنى التحتية، والخدمات الصحية والتعليمية في المناطق المتضررة([25]).
- إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية بإزالة البنية القمعية تدريجًا، مع المحافظة على الحد الأدنى من الكفاءة الإدارية والأمنية، على غرار ما اتبعته تشيلي بعد دكتاتورية (بينوشيه).
- مأسسة سردية وطنية تعددية عبر لجان حقيقة مستقلة، تضمن إشراك الأطراف والمناطق المختلفة من دون فرض خطاب رسمي أحادي بما يساعد في ترميم الهوية الوطنية المتشظية.
ويستلهم مثل هذا النهج وأي خريطة للعدالة الانتقالية من وقائع وتجارب سابقة إقليمية ودولية، ويُبنى على آليات قابلة للتطبيق ضمن البيئة السورية الراهنة، ولا يُعد تنظيرًا سياسيًا أو حقوقيًا بل مخرجًا لإعادة ضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع، ولحظة تأسيس حقيقية للدولة، إذا ما توافرت الإرادة السياسية والضغط المدني الكافي، ومع ذلك يظل تنفيذه رهنًا بعوامل محلية ودولية متشابكة، تتطلب اشتباكًا واعيًا من النخب السورية، وتحالفًا بين المجتمع المدني والدول الداعمة للانتقال الديمقراطي، والضحايا أنفسهم بوصفهم أصحاب المصلحة الأسمى.
ولذلك لا بد أن تعي السلطة الانتقالية الحالية جيدًا خطر إرجاء العدالة أو التهاون بها كما جرى في استحقاقات وطنية سابقة، وأن التعامل معها بوصفها أداة دعائية يحمل مخاطر بنيوية، فكما تشير الأدبيات المقارنة، إن المجتمعات التي تتجاوز ماضيها من دون مساءلة تهدد بإعادة إنتاج العنف بصور جديدة، وعليه فإن العدالة في الحالة السورية ليست مطلبًا للضحايا فقط بل هي شرط موضوعي لتأسيس دولة حقيقية تحترم مواطنيها، وبهذا المعنى، لا تكون العدالة الانتقالية فصلًا أخيرًا في الثورة بل لحظة ولادة الدولة، دولة لا تكتفي بإزاحة رأس النظام بل تعيد تعريف شرعيتها من خلال الحق، والقانون، والإنصاف.
رابعًا: تفكيك التحديات السورية واستشراف الآليات من خلال التجارب العربية والإقليمية والدولية
يواجه مسار العدالة الانتقالية في سورية جملة من التحديات منها التقلبات المستمرة في المشهدين السياسي والأمني، والتصدّع العميق الذي أصاب النسيج الاجتماعي إلى جانب ضعف القدرات المؤسسية والفنية اللازمة لتصميم وتنفيذ آليات فعّالة ومستدامة للعدالة الانتقالية، وتشمل التحديات كذلك ضعف الثقة بالمؤسسات العامة، واستمرار بعض الانتهاكات، إضافة إلى الحاجة الملحة لضمان مشاركة فاعلة وشاملة للمجتمعات المتضررة في مراحل هذا المسار كافة.
تنطوي هذه الرؤية على أن مجرد اعتماد آليات متفرقة لا يكفي لتحقيق مسار العدالة الانتقالية؛ بل لا بد من أن تعمل تلك الآليات على نحو متكامل ومنسجم، ضمن مقاربة شاملة للعدالة الانتقالية، ويتطلب هذا المسار مشاركة فاعلة لمجموعة واسعة من الفاعلين تشمل مؤسسات الدولة، والسلطة القضائية، ومنظمات المجتمع المدني وروابط الضحايا والناجين، والجهات السياسية والدينية، فضلًا عن المبادرات المجتمعية المحلية([26]).
ومن ثم، يمكن وضع الآليات التي يجب العمل عليها لتحقيق مسار للعدالة الانتقالية في سورية، على خلفية التجارب العربية والإقليمية والدولية، عبر تفكيك التحديات المتعلقة بالشأن السوري، على النحو الآتي:
• التحديات المتعلقة بالإطار القانوني للعدالة الانتقالية: تتمثل إحدى التحديات الرئيسة بإصلاح الأسس القانونية لتتوافق مع أولويات المرحلة الانتقالية السياسية، وتأسيس قاعدة قانونية متينة لمسار العدالة الانتقالية، حيث يُعد الإعلان الدستوري الحالي غير كافٍ لتلبية متطلبات المرحلة، وخاصةً أنه أعدّ من لجنة معينة من دون إجراء مشاورات شعبية موسعة.
ومن ثم، إن إصدار قانون يؤسس لإطار قانوني ونظامي متكامل للعدالة الانتقالية في سورية، لضمان أن تكون آليات العدالة الانتقالية منظمة ومنسجمة، لا مجزأة أو عشوائية، ويشكل هذا القانون الركيزة الأساسية التي تستند إليها آليات العدالة الانتقالية المختلفة، وتقدم تونس مثالًا ذا صلة بهذا السياق، حيث جرى إصدار القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 كانون الأول/ ديسمبر 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها([27])، وقبل الشروع بتطبيق تدابير العدالة الانتقالية، وقد حدّد هذا القانون إطارًا واضحًا لتلك التدابير، وسبقت إصدار هذا القانون عملية تشاور وطنية شاملة قادتها وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية بالتعاون مع مجموعة من منظمات المجتمع المدني([28])، بمشاركة طيف واسع من المجتمع، بما في ذلك الضحايا، والمجتمعات المحلية، والمحامون، والمنظمات والأحزاب السياسية، ولم تقتصر مشاورات هذا الحوار الوطني حول العدالة الانتقالية على فهم وتحديد حاجات واستحقاقات وأولويات العدالة الانتقالية، بل ساهمت أيضًا في بلورة مشروع القانون، ما مهد لاحقًا لتأسيس هيئة الحقيقة والكرامة.
إن تأسيس التشريعات الخاصة بالعدالة الانتقالية عبر حوار مجتمعي شامل يُعزز الملكية المحلية للمسار، ويضفي شرعية أكبر، ويضمن توافق الاستجابات المؤسسية لحاجات وتطلعات الضحايا والمجتمعات المتضررة.
• التحديات المرتبطة بتباين أولويات العدالة الانتقالية: تشكل سورية مشهدًا معقدًا ومجزأً في ما يتعلق بالعدالة الانتقالية، نتيجة لتباين آثار النزاع وتعدد الأطراف المنخرطة فيه، واختلاف الديناميات المحلية من حيث السيطرة والعنف والاضطرابات المجتمعية التي شهدتها المناطق المختلفة خلال فترة النزاع، كل مدينة ومنطقة عاشت تجربة مختلفة للنزاع ما أسفر عن تنوع أشكال الانتهاكات واختلاف أولويات العدالة الانتقالية.
وفي ضوء هذا التعقيد، تتناول المادة (49) من الإعلان الدستوري ضرورة اعتماد عملية عدالة انتقالية شاملة وتشاركية، وتنص المادة على أن تقوم الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية باعتماد آليات تشاورية تركز على الضحايا، وإذا ما نُفّذ هذا البند عمليًا، فإنه يمكن أن يشكل مدخلًا أساسيًا لضمان أن تستند العملية إلى تجارب وأولويات وتوقعات الضحايا والمجتمعات المتضررة في مختلف أنحاء سورية، ويمكن أن تنشئ الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية آليات تشاورية تضمن مشاركة فعالة للمجتمع المدني السوري، والضحايا والناجين، وأسرهم، والحقوقيين من المناطق المختلفة.
وتعد هذه الآليات ضرورية ليس فقط لأنها تعكس التنوع في حاجات العدالة الانتقالية الناشئة عن الصراع بل لأنها تعزز ثقة المجتمع بالعملية، وتمنع عدّ العدالة الانتقالية عملية مركزية تفتقر إلى المشاركة المجتمعية. إن تبني نهج تشاوري يركز على الضحايا يعزز شرعية العدالة الانتقالية وملاءمتها للسياقات المحلية في سورية، وتتماشى هذه المقاربة مع مذكرة إرشادات الأمين العام للأمم المتحدة بشأن نهج الأمم المتحدة تجاه العدالة الانتقالية، والتي تؤكد أن “المشاورات الوطنية تشكل عنصرًا أساسيًا في النهج القائم على حقوق الإنسان للعدالة الانتقالية، والمبني على مبدأ أن برامج العدالة الانتقالية الناجحة تتطلب مشاركة عامة هادفة”([29]).
ولا تقتصر هذه المشاورات على كونها أداة أساسية لتصميم آليات عدالة انتقالية متلائمة مع خصوصيات السياق المحلي فحسب، بل تؤدي أيضًا دورًا جوهريًا في تعزيز الملكية المحلية، ولا سيما لدى الضحايا والمجتمع المدني([30])، وتعد تجربة بوروندي مثالًا في هذا الصدد، إذ أجريت بين عامي 2009 و2011 مشاورات وطنية شملت المحافظات كافة في بوروندي، بهدف جمع آراء المواطنين حول تصميم آليات العدالة الانتقالية المستقبلية، وقد نفذت هذه المشاورات بدعم من الأمم المتحدة وبالتنسيق عبر هيكل ثلاثي الأطراف يضم الحكومة، ومنظمات المجتمع المدني، والفاعلين الدوليين، حيث شارك فيها الضحايا وقادات مجتمعية، وأهلية ومجموعات النساء والشباب([31]). وعلى الرغم من أن تنفيذ هذا المسار تعرض لانتقادات فإن عملية التشاور نفسها ساهمت في صياغة التوقعات الوطنية وأكدت أهمية المشاركة المبكرة والشاملة للمجتمع في بناء إطار العدالة الانتقالية([32]).
ولتعزيز الملكية المحلية لعملية العدالة الانتقالية بصورة فعّالة، وإلى جانب إجراء مشاورات واسعة، يمكن للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية إنشاء فروع محلية أو تشكيل فرق متنقلة، إذ تساهم هذه الخطوة في تعزيز التواصل المباشر والمستمر مع المجتمعات في المناطق المختلفة، ما يضمن استجابة مستمرة لحاجات المجتمع، وتتيح قنوات مستمرة للحوار والمشاركة وتقديم الاقتراحات، وتجدر الإشارة هنا إلى تجربة كولومبيا، حيث اعتمدت لجنة الحقيقة نهج الاستماع ثنائي المسار([33])، المسار الأول تضمن جلسات استماع فردية مع الضحايا، أما المسار الثاني فكان حوارًا اجتماعيًا عامًا يهدف إلى إشراك فئات أوسع من المجتمع، لتنفيذ هذا النهج، أنشأت اللجنة “بيوت الحقيقة” في أنحاء البلاد وخارجها، ساهم هذا النموذج في تعزيز مشاركة المجتمع وضمان أن تستند نتائج اللجنة إلى تنوع واسع من وجهات النظر المحلية والاجتماعية.
في الوقت ذاته، يمكن أن تستفيد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية من الأدوات الرقمية لتوسيع قاعدة المشاركة المجتمعية، خصوصًا في المناطق التي يصعب الوصول إليها وبين الجاليات السورية في الخارج، على سبيل المثال، يمكن إنشاء موقع إلكتروني رسمي يحتوي على صندوق مراسلة آمن أو منصة لتلقي الآراء والملاحظات، تسمح للأفراد بالتعبير عن آرائهم أو طرح قضاياهم بصورة سرية أو علنية، كما يمكن الاستفادة من قنوات التواصل الاجتماعي، مثل خاصية المراسلة عبر الصفحة الرسمية للهيئة على فيسبوك، لتوفير وسائل تواصل سهلة ومباشرة خاصة للشباب والناشطين على الإنترنت.
•التحدي المتعلق بتعقيد وتعدد أشكال الانتهاكات: أفرز الصراع السوري طيفًا واسعًا من انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني، وتتجاوز هذه الانتهاكات التصنيفات التقليدية مثل التعذيب والاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري، لتشمل انتهاكات موضوعية متنوعة مثل انتهاكات حقوق السكن والأراضي والممتلكات، واستخدام الأسلحة الكيماوية، وانتهاكات الحقوق الثقافية واللغوية، والانتهاكات ضد النساء، والأضرار البيئية، والانتهاكات التي تستهدف الأطفال.
ونظرًا إلى تعقيد هذه المسألة، يُوصى بأن تعتمد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية هيكلًا منظمًا بحسب الموضوعات والمهمات، إضافة إلى اللجان الأساسية مثل:
- لجنة للتحقيق وتقصي الحقائق.
- لجنة للتعويضات.
- لجنة للإصلاح المؤسسي.
- لجنة للشؤون القانونية للتنسيق مع مجلس الشعب.
- وحدة تنسيق للتواصل مع الهيئة الوطنية للمفقودين.
- يمكن للجنة إنشاء لجان أو مجموعات عمل متخصصة بحسب الموضوعات المعالجة لفئات معينة من الانتهاكات، مثل:
• لجنة لمعالجة انتهاكات حقوق السكن والأراضي والممتلكات.
• لجنة لمعالجة الانتهاكات ضد النساء.
• لجنة لمعالجة الانتهاكات التي استهدفت الأطفال.
• لجنة لمعالجة انتهاكات الحقوق الثقافية.
• لجنة فرعية لمعالجة انتهاكات الحقوق البيئية.
يمكن أن يمكّن هذا الإطار الهيئة من معالجة حاجات العدالة الانتقالية المتنوعة والخاصة بكل منطقة في سورية على نحو أكثر فعالية، ما يضمن عدم استبعاد أي فئة متضررة أو أي نوع من الانتهاكات من مسار العدالة الانتقالية، ويُعدّ من المبادئ الجوهرية في أي عملية عدالة انتقالية ذات صدقية التعامل مع الانتهاكات كافة من دون استثناء، لذلك، يجب على اللجنة أن تضمن شمول آلياتها لأنواع الانتهاكات كافة المرتكبة من جميع الأطراف المعنية، بهدف تحقيق العدل وتعزيز السلام الدائم.
علاوة على ذلك، لتعزيز المشاركة العامة والمساهمة الفعالة، من الضروري أن تشرح الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ولايتها بوضوح، وتعمل على التواصل المستمر حول تقدم عملها، وتعزيز الوعي بشأن مهماتها بين الضحايا والناجين ومنظمات المجتمع المدني والمجتمع عامة، هذا من شأنه أن يشجع المجتمعات المتضررة على المشاركة والانخراط في المسار، كما يمكن أن تُجرى حملة توعية وتواصل عامة مستفيدة من منصات متعددة مثل: البرامج التلفزيونية وقنوات التواصل الاجتماعي والإذاعة والفاعليات المجتمعية لجعل عمل اللجنة أكثر وضوحًا.
• التحديات المتعلقة بالتوثيق وحفظ الأدلة: في عقب سقوط نظام الأسد والإفراج عن المعتقلين، تعرّض عديد من الأرشيفات والوثائق للتدمير أو التشتت، أكان ذلك بفعل أفعال متعمدة أم نتيجة الظروف العفوية، وعلى الرغم من أن تلك اللحظة العاطفية عبرت عن حاجة ملحة وعميقة للكشف عن الحقائق، إلا أنها أدت في الوقت ذاته إلى حالة من الفوضى، إضافة إلى وقوع حالات متعمدة من تدمير الأدلة وتشويهها.
تتطلب المرحلة الراهنة جهدًا عاجلًا ومنهجيًا لحفظ الأدلة والوثائق وتأمينها وتصنيفها، لضمان قابلية استخدامها في مسارات العدالة المستقبلية، ومن الضروري وضع بروتوكولات واضحة وشاملة لجمع الوثائق والتحقق منها وأرشفتها، إذ يمكن الاستفادة من تجربة ألمانيا، حيث قامت السلطات لاحقًا بالحفاظ على أرشيف الشرطة السرية شتازي (وزارة جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقًا) على الرغم من الفوضى ومحاولات إتلاف الوثائق، حيث اقتحم المواطنون منذ الأيام الأولى مكاتب شتازي لمنع إتلاف الوثائق، وقد أُسست مؤسسة أرشيف شتازي بموجب تشريع عام 1991، مع منحها صلاحيات قانونية واضحة لحفظ الأرشيف وتنظيمه، ونجح التقنيون في إعادة تركيب الوثائق الممزقة باستخدام أساليب متطورة، وقد أتاح فتح هذه الأرشيفات للجمهور الاطلاع على ملفاتهم الشخصية، وساهم في تعزيز الاعتراف المجتمعي بالانتهاكات تعزيز المساءلة التاريخية ودعم الإصلاح المؤسسي([34]).
يمكن أن تستفيد سورية من هذه التجربة عبر تأسيس نظام مؤسسي لتأطير جهد التوثيق والحفظ المبكر، حيث يضمن حماية الأرشيفات الحساسة من الإتلاف، ويكرس مبدأ الشفافية وحق الضحايا في الوصول للمعلومات عبر أطر قانونية ومؤسسية واضحة، كما أن تطوير القدرات الفنية المتخصصة في حفظ الأرشيف واستعادة الملفات التالفة، إلى جانب إشراك خبراء المجتمع المدني في هذه العملية، يعدّ عاملًا أساسيًا لتعزيز صدقية جهد التوثيق وفعاليته، إضافة إلى الحفظ الفيزيائي، كما يُوصى برقمنة الوثائق لضمان حمايتها على المدى الطويل وتيسير الوصول إليها، ويمكن استثمار مجموعة مختارة من هذه المواد في مبادرات الذاكرة الجماعية، مثل إنشاء متحف رقمي لتخليد ذكرى الضحايا، وحفظ الذاكرة الجماعية، وتعزيز الحوار المجتمعي حول الماضي.
• التحديات المتعلقة باكتشاف المقابر الجماعية: عُثر على عديد من المقابر الجماعية في مناطق مختلفة من سورية، وفي كثير من الحالات، زار صحافيون ومدنيون هذه المواقع بحثًا عن أثر أو متعلقات تعود للضحايا، وعلى الرغم من أن ذلك يعكس الحاجة الملحة لدى المجتمع إلى البحث عن الحقيقة، إلا أن هذا الوصول غير المنظم قد يؤدي إلى الإضرار بالأدلة الجنائية ويقوض الجهد المستقبلي للتعرف على الضحايا.
ومن ثم، هناك حاجة ملحة لحماية هذه المواقع وتأمينها، وضمان أن تُجرى أي تدخلات بتنسيق مع خبراء مؤهلين في الطب الشرعي وتحليل الحمض النووي. إن إتباع منهج تقني سليم أمر ضروري لضمان كرامة الضحايا، وحق أسرهم في معرفة الحقيقة حول مصير أحبائهم، ولتعزيز هذا الجهد، يمكن أن تتعاون الجهات المحلية مع منظمات دولية ذات خبرة تقنية مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، واللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP)، والآلية الدولية المستقلة والمحايدة (IIIM).
•التحديات المتعلقة بعملية المحاسبة: على الرغم من تواصل عمليات الاعتقال وفحص القضاة، إلا أن ضمان محاكمات عادلة وشفافة وذات صدقية يتطلب أكثر من مجرد مقاضاة المتورطين.
لذلك، يتطلب تحقيق عملية محاسبة فعّالة إصلاحات قضائية ومؤسسية شاملة، تشمل تدريبًا متخصصًا للقضاة والمدعين العامين والمحامين في القضايا المتعلقة بالعدالة الانتقالية خصوصًا، فجرائم العدالة الانتقالية مثل الإخفاء القسري والتعذيب وجرائم ضد الإنسانية، تختلف جوهريًا عن القضايا المدنية أو الجنائية العادية من حيث الحجم والتعقيد القانوني، وللتعامل معها بفعالية، لا بد من توافر خبرات متخصصة في مجال العدالة الانتقالية، تشمل الإلمام بالقانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الجنائي، والمقاربات التي تضع الضحايا في مركز العملية.
وتعد التجربة التونسية مثالًا على ذلك، حيث تم من جهة إنشاء دوائر قضائية متخصصة للنظر في قضايا العدالة الانتقالية([35])، ومن جهة أخرى، وُفّر تدريب شامل للقضاة والقانونيين حول المعايير الدولية ومبادئ العدالة الانتقالية، وكان الهدف من هذا النهج المزدوج تطوير وتعزيز البنية القضائية والخبرة القانونية اللازمة للتعامل مع انتهاكات العدالة الانتقالية بفعالية.
ستتطلب عمليات المحاسبة والمساءلة المستقبلية في سورية بناء قدرات مخصصة للقضاة والقانونيين المشاركين في المحاكمات المتعلقة بالعدالة الانتقالية، إلى جانب إصلاحات أساسية تهدف إلى ترسيخ استقلالية القضاء وتعزيز الثقة المؤسسية. ومن الضروري إنشاء آليات متخصصة قادرة على التعامل مع تعقيدات الجرائم المرتبطة بالنزاع وما قبله، مع تعزيز استقلالية الجهاز القضائي، لما لذلك من أثر حاسم في نجاح جهد العدالة الانتقالية في سورية.
• تحديات التنسيق مع المؤسسات الحكومية: يتطلب تنفيذ عملية العدالة الانتقالية الشاملة تنسيقًا فعالًا بين عديد من الهيئات والوزارات الحكومية التي تتعلق صلاحياتها ومهماتها بجوانب مختلفة من هذه العملية، وتمتلك وزارات عديدة صلاحيات تتقاطع مع جوانب مختلفة من عملية العدالة الانتقالية، ما يتيح لها المساهمة في تصميم وتنفيذ مكوناتها، على سبيل المثال، يمكن أن تؤدي وزارة التربية دورًا مهمًا في إصلاح المناهج الدراسية لتضمين مفهومات الحقائق التاريخية، كما يمكن أن تساهم وزارة الصحة في تقديم خدمات طبية ونفسية للناجين وأسر الضحايا في إطار جهد التعويضات، وتعد وزارة العدل جهة محورية في الإصلاح القضائي وضمان توافق مؤسسات العدالة مع مبادئ العدالة الانتقالية، إضافة إلى ذلك، قد تكون لوزارات أخرى مثل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ووزارة الداخلية ووزارة الإدارة المحلية مساهمات مهمة بحسب نطاق الانتهاكات التي يجري التعامل معها.
ولضمان التنسيق والفعالية، من المهم تأسيس آليات تنسيق واضحة بين الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وهذه الجهات الحكومية، ويمكن أن يشمل ذلك إنشاء فرق عمل وزارية مشتركة أو تعيين نقاط تواصل في كل وزارة لتسهيل التعاون وضمان توافق جهد العدالة الانتقالية مع برامج الإصلاح الوطنية الأوسع، إن تعزيز التنسيق المؤسسي بهذا الشكل سيساهم في تعزيز تناسق السياسات وتيسير التنفيذ.
وفي المحصلة، تشكل الآليات الواردة أعلاه، مقترحات لرسم خارطة طريق من شأنها دفع مسار العدالة الانتقالية في سورية قدمًا، غير أن التقلبات السياسية، والتحديات المؤسساتية والعوامل الإقليمية قد تشكل عوائق أمام تطوير عملية عدالة انتقالية شاملة، ومن المهم في هذا السياق التذكير بأن “العدالة الانتقالية تُعد بداية المسار طويل الأمد من التحول”([36])، لذلك، يعدّ التسلسل المنهجي والمنظم للخطوات أمرًا حيويًا، وتشمل الأولويات المبكرة اعتماد إطار قانوني تأسيسي، وضمان حفظ وحماية الوثائق والأدلة، إلى جانب إطلاق مشاورات وطنية شاملة، وتمكن هذه الخطوات من وضع الأسس القانونية والمؤسسية والاجتماعية اللازمة لتنفيذ إجراءات أكثر تعقيدًا مستقبلًا، مثل المساءلة الجنائية، والتعويضات، والإصلاح المؤسسي.
وتبرز تحديات رئيسة أخرى تتعلق بتوفير التمويل الكافي والمستدام، إذ تتطلب العدالة الانتقالية دعمًا ماليًا وتقنيًا طويل الأمد، ولتأمين هذه الموارد، ولا سيما في ظل تنافس الأولويات المرتبطة بمرحلة إعادة الإعمار ما بعد الصراع، يمثل التنسيق الفعال بين الفاعلين السوريين والشركاء الدوليين عاملًا مهمًا لضمان النجاح، وفي الوقت ذاته، يبقى الاستثمار في عملية عدالة انتقالية تشاركية، تأخذ في الحسبان خصوصية السياق، أمرًا ضروريًا، إذ تمثل فرصة حيوية لإعادة بناء الثقة ووضع الأسس لسلام أهلي مستدام وشامل.
خامسًا: الخاتمة والنتائج والتوصيات
لا تبدو السلطة الحالية قادرة على تجاوز العدالة الانتقالية في سورية؛ ففظاعة الانتهاكات على مدار سنوات من جهة، وضغط المجتمع السوري من جهة أُخرى أبقى الملف حاضرًا، إلا أنه من المتوقع إقدام السلطة على اختزال الملف ببضعة تحركات هنا وهناك، ففضلًا عن تورطها في الانتهاكات، أعطت بعض التعهدات بعدم التعرّض لشخصيات معينة، وهو ما أظهرته تصرفاتها في التسويات وتصريحات الرئيس المؤقت أكثر من مرّة بشأن أسبقية قضايا عدّة على العدالة.
إن البون الشاسع بين السوريين نتيجة الحرب يفرض وجود مسار للعدالة يضع في طليعة أهدافه بلورة سرديّة وطنية تعترف بالانتهاكات بحق السوريين جميعًا من الأطراف المختلفة، وهو ما يدفعنا إلى البحث في سبل مختلفة للسير في ملف العدالة على الرغم مما يحيط بسورية من تعقيدات من خارجها، فضلًا عن عمق الأزمة السورية، فالسلطة السورية قدّمت إجابتها حول ملف العدالة من خلال تصريحات وأفعال مختلفة منذ اليوم الأول، وهي بذلك تضع الكرة في ملعب الحقوقيين السوريين لإيجاد مَنفذ يضمن استمرار العدالة.
يُظهر الواقع الجديد في سورية صعوبة السير بمسار للعدالة الانتقالية، ويوجب ابتكار طراز سوري يتلاءم مع الظروف السياسية والأمنية الداخلية والمحيطة بسورية؛ ليتسنّى تطبيقه، كما يجب أن يراوح هذا الطراز بين المرونة والاشتباك. إن نهج التكيّف للعدالة يتقاطع في جوهره مع عديد من التجارب الدولية التي نفذت برامج للعدالة تتلاءم مع الظروف المحلية بعد الانتقال السياسي، بعضها نجح في الانتقال وبعضها الآخر لم يحقق المرجو منه، لكن المؤكّد أن تجاهل الملف تمامًا هو الأخطر على الإطلاق في الحالات المختلفة ومن بينها الحالة السورية، إلا أن هذا النهج معرّض للفشل في حال عدم شعور الضحايا والمجتمعات المحليّة بالرضا، وهو ما قد ينجم عن فرض مسارات بعينها من دون مشاورات محليّة معمّقة من ناحية، وتجاهل مسارات ضرورية أُخرى كالمحاسبة الجنائية من ناحية أخرى، وفي هذا السياق يستدعي نهج التكيّف مؤتمرًا وطنيًّا سوريًّا حول العدالة يتفرّع عنه اجتماعات محلية على مستوى المحافظات، مع إطار زمني كافٍ يتيح للقائمين على المؤتمر المُقترح استطلاع آراء المجتمعات السورية كافة.
إن الوصول إلى سلام مستدام في سورية يستلزم التفكير في احتواء الوضع الحالي في سورية، والدفع نحو نهج عدالة سوري يلائم تعقيدات الحالة السورية، وهذا الدور يُناط بالمجتمع المدني صاحب الخبرة الكافية بالعدالة، والذي يتمتّع بموارد بشرية كبيرة وثقة على المستويين المحلي والدولي.
- النتائج والخلاصات
أفضى التحليل إلى مجموعة من النتائج التي تجيب عن الأسئلة البحثية، وهي على النحو الآتي:
- يتبين من تحليل الحالة السورية أن العدالة الانتقالية تستخدم في حقل سياسي مضطرب لإعادة تعريف مركز السيادة، ومن ثم، فإن موقعها يختلف باختلاف رؤية الفاعل السياسي للثورة والدولة وفي هذا السياق، تغدو العدالة معيارًا لقياس مدى اكتمال مشروع الانتقال السياسي من منظور الثورة، وأقرب إلى بند لاحق على جدول إعادة الاستقرار بالنسبة إلى الحكومة الانتقالية.
- تظهر الدراسة من خلال الربط بالفكر السياسي الكلاسيكي أن السلطة السورية الناشئة تتبنى موقفًا أقرب إلى المدرسة المحافظة في تصورها لعلاقة الثورة بالدولة، فتعامل العدالة بوصفها خطرًا محتملًا على التماسك الأمني والسياسي، وهو ما يتناقض مع النزعة الثورية التي تفترض القطيعة مع بنية الحكم السابقة.
- يمكن القول إن الوعي الثوري الشعبي يتجاوز السلطة في تصوره لفكرة العدالة، فجمهور الثورة عبر الوقفات الاحتجاجية لأسر الضحايا والحملات الرقمية والمواقف الرافضة لتسويات السلطة مع رموز النظام السابق (مجرمين فنانين إعلاميين رجال أعمال) ينتج نمطًا من الوعي النقدي الذي يتطابق مع مفهوم (الهيمنة الثقافية)، ويسعى لتحقيقها، فالشارع الثوري لم يعد متلقيًا لخطاب العدالة الرسمي فقط، بل يمارس ضغطًا رمزيًا ومعنويًا لتعديل أولويات الدولة الانتقالية.
- إن إعلان انتهاء الثورة كما ورد في الخطاب الرسمي يتناقض مع استمرار غياب المساءلة، وتهميش الضحايا، والتعامل الانتقائي مع ملف العدالة، ومن ثم فإن إعلان نهاية الثورة لا يصمد أخلاقيًا ولا وظيفيًا من دون تحقيق عدالة شاملة تحاسب الفاعلين المنتهكين جميعهم، أكانوا من النظام السابق، أم من القوى الحالية.
- تتعدد في سورية ما بعد الأسد الروايات حول من يجب أن يُحاسب، ومن هو الضحية، ومن يمثل (الثورة) أصلًا، هذا التعدد لا يعكس تعقيد الوقائع فقط، بل يشير إلى فشل سياسي في بناء سردية وطنية جامعة تكون العدالة إحدى أعمدتها، ما يهدد ببقاء العدالة رهينة لروايات متضادة تمثل مصالح فئوية أو طائفية أو أيديولوجية.
- التجارب المقارنة التي ناقشتها الدراسة تؤكد أن العدالة لا تأتي بعد بناء الدولة، بل تؤسس لها، فغياب العدالة في لحظة التأسيس يؤدي إما إلى انهيار الدولة، أو إلى إعادة إنتاج بنى الاستبداد، وبالمقابل فإن دمج العدالة في اللحظة التأسيسية مثلما حدث في التجارب الناجحة سمح بخلق ذاكرة وطنية جماعية تشكل شرطًا للتماسك السياسي والاجتماعي.
- على الرغم من حاجة سورية إلى نهج متدرج وواقعي للعدالة الانتقالية، يُمثل إطارًا عمليًا للتعامل مع الانقسام السياسي وضعف المؤسسات، فإن هذا الخيار يظل محفوفًا بخطر الاختزال، إذا لم يرفق بخطاب واضح حول المساءلة المتدرجة ورفض الإفلات الكامل من العقاب، وتمكين فعلي للضحايا من التأثير في تصميم الآليات.
- إنشاء هيئة العدالة الانتقالية التي أعلن عنها بمرسوم رئاسي في غياب حوار وطني واسع وغموض موقع روابط الضحايا ومنظمات المجتمع المدني في هيكلها الذي تأخر إعلانه، وبالنتيجة في آليات العمل، قد يُشير إلى ميل نحو اختزال العدالة في مؤسسة بيروقراطية، وإنتاج عدالة رمزية شكلية لا تحدث تحولًا حقيقيًا في بنية السلطة أو في ثقة المواطنين.
- من خلال المتابعة، يمكن القول إن الحكومة الانتقالية تعاني الانفصال بين الخطاب والسياسات، فبينما تعلن عن التزامها بالعدالة تظهر ممارسات تناقض هذا الالتزام بمثل التسويات مع فاعلين متورطين في الجرائم، وتهميش القوى المدنية، وصياغة الاستحقاقات الوطنية المرتبطة بها ضمن منظورها وحدها، هذا التناقض يفقد العدالة معناها بوصفها عملية سياسية قائمة على التفاوض الجمعي، وتحصرها في مسار شكلي قابل للتعليق في أي لحظة.
التوصيات
لا يملك أي طرف ممّن انخرطوا في النزاع السوري المصلحة في تحقيق عدالة شاملة؛ فجميع الأطراف تورطت في الحرب الداخلية السورية وتُوَجه لقياداتها اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، وهو ما يفسّر تصريحات وأفعال قيادات الحكومة الحالية تجاه ملف العدالة، وكذلك عدم خوض القوى الأُخرى المسيطرة على بعض المساحات السورية في هذا الملف، وقد عبّر الرئيس أحمد الشرع عن هذا التوجه من خلال المرسوم الرئاسي الخاص بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، والذي حصر مهام الهيئة في الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق فقط، متجاهلًا باقي الأطراف([37]). وهو ما وصفته منظمة “هيومن رايتس ووتش” بأن “محدودية صلاحيات هيئة العدالة الانتقالية السورية “تقوض مصداقية هيئة العدالة الانتقالية السورية”([38]).
الواقع السياسي والميداني السوري، فضلًا عن الواقع السياسي الجديد في الشرق الأوسط يدفعنا إلى التفكير في مزيد من الحلول للسير قدمًا في طريق العدالة، وتقتضي الضرورة تجنب طرح حلول متشنّجة وجامدة والانفتاح على حلول أكثر مرونة وقابلية للتطبيق، وفي هذا الصدد، نقترح رؤية العدالة في سورية من منظار الممكن، ما يعني تكيّف آليات العدالة مع السياق السوري للحفاظ على الفرصة التي سنحت لتحقيق العدالة بعد عقود من الانتهاكات، يتيح هذا التكيّف إمكانيّة الاستفادة من المساحة التي لا تزال متاحة للمجتمع المدني داخل سورية، والعمل من خلالها على تأسيس بعض مسارات العدالة وتوفير الدعم السياسي والمالي واللوجستي لها من جهة، ومن جهة أخرى لا ينتقص من إمكانيّة الاشتباك مع الحكام الحاليين، وجميع القوى الرافضة لمسار العدالة، في مسارات العدالة المعقّدة حاليًّا كالمحاسبة والملاحقات القضائية، والتي نفترض أن الحكومة الحالية ستقاومها أو على الأقل لن تنخرط بها بالشكل الملائم، وذلك من خلال البناء على ما جرى إحرازه خلال السنوات السابقة على المستوى الدولي.
ينطلق النهج المقترح من أن العدالة الانتقالية ليست “عنصرًا واحدًا أو عملية واحدة”، ولا هي صيغة فريدة جامدة تؤول إلى استنساخ المؤسسات، وإنما هي أشبه بخريطة وشبكة طرق تقربك من وجهتك: ألا وهي مجتمع أكثر سلامًا وعدلًا وشمولًا للجميع، صفّى حساباته مع ماضيه العنيف وأحقّ العدالة للضحايا، لكن ما من طريق واحد يُتّبع؛ “فلكل مجتمع طرق شتّى يسلكها، تحددها طبيعة الفظائع المرتكبة وطبيعة المجتمع نفسه، بما في ذلك ثقافته وتاريخه وبنياه القانونية والسياسية وقدراته بالإضافة إلى انتمائه الإثني ودينه وتكوينه الاجتماعي والاقتصادي”([39])، وهي كذلك تكييف للعدالة على النحو الذي يلائم مجتمعات تخوض مرحلة التحولات في أعقاب حقبة من تفشي انتهاكات حقوق الإنسان([40]).
وانطلاقًا مما سبق، يمكن طرح التوصيات الآتية:
- يفترض نهج التكيّف، ومن خلال التحركات الحالية للمنظمات المدنية وروابط الضحايا، إمكانية الانخراط في مسارين من مسارات العدالة الانتقالية وهما: جبر الضرر وإصلاح المؤسسات، إذ يمكن من خلالهما التعامل مع طيف واسع من إرث الماضي، وفي هذا السياق أقترح فكرة التخصيص والتي تشكل جوهر نهج التكيّف، وتعني التفاعل مع المجتمعات المحلية السورية إلى جانب الضحايا؛ لبحث أولوياتها في الجبر وإصلاح المؤسسات، ويتيح التعرّف على الاستحقاقات التي تحقق الرضا لتلك المجتمعات والضحايا، وعكسها في آلية وطنية لجبر الضرر والإصلاح المؤسسي، مع أهميّة استمرار التوثيق والتنسيق بين المنظمات الحقوقية ومجموعات الضحايا لتسخير جهودهم في هذين المسارين، كما أن التخصيص يسهم في تعزيز الشعور المحلي بالمشاركة في العدالة وعدم فرضها على المستحقين، إضافة إلى إسهام التخصيص في زيادة المعرفة المستنيرة للمجتمعات المحلية بمعنى وضرورة العدالة الانتقالية، وهو نهج عملي يسهم في تجنب إعراض السكان المحليين عن المشاركة، ويقلّل من التحديات التي تواجه مسارات العدالة الانتقالية خلال فترة الانتقال السياسي، مع التشديد على أن يكون تشكيل آلية لجبر الضرر والإصلاح المؤسساتي ليس عمليّة فرض من السلطة على المجتمع السوري، وإنما نتيجة حوار موسع يعكس طلبات واحتياجات الناس([41]).
- إن مواءمة آليات العدالة الانتقالية مع السياقات المحلية ليس بجديد، فعديد من التجارب الدولية تشهد على ذلك، في جنوب أفريقيا بعد مرحلة نظام الفصل العنصري، كان الأساس هو دعم الوحدة الوطنية والمصالحة من خلال تشكيل “لجنة الحقيقة والمصالحة”، وحذت المغرب حذو جنوب أفريقيا في التعامل مع سنوات حكم الملك الحسن الثاني، وذلك بتشكيل “هيئة الإنصاف والمصالحة”، فيما نفذت ألمانيا، بعد سقوط جدار برلين عام 1989، محاكمات محدودة واعتمدت على المصارحة وجبر الضرر، بينما على النقيض، قرّرت إسبانيا عدم مواجهة الماضي الدموي لفترة حكم فرانسيسكو فرانكو خشية تأثير ذلك على الانتقال الديمقراطي، ومضت في إصلاح المؤسسات لضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلًا([42]).
- لم تعتمد التجارب المذكورة نموذجًا واحدًا ولا متشابهًا تمامًا حتى في حالتي جنوب أفريقيا والمغرب، بل رسمت مساراتها وفق مبدأين وهما: الحاجة إلى العدالة، والقدرة على التطبيق، كما بيّنت التجارب الدور المحوري للمجتمع المدني في تطوير آليات العدالة الانتقالية وحمايتها ومراقبتها.
- في صلب نهج التكيّف، لا بد من أن تكون قضايا إعادة الإعمار، وعودة المهجرين، واسترداد الحقوق، ورد الاعتبار، وإعادة التأهيل، وضمان منع تكرار الانتهاكات، وإصلاح مؤسسات إنفاذ القانون، وغيرها جزءًا لا يتجزّأ من العدالة الانتقالية وليست بمعزل عنها؛ ليتسنّى تسخير ما يتوافر من الموارد الماليّة والبشريّة لدعم طريق العدالة، ومن الأهمية بمكان تجنّب الخوض في التعويضات المالية الفردية لما يمكن أن تسببه من منافسة حادّة بين المستحقين الحقيقيين وغيرهم ممن قد يستغلّون هشاشة الجهاز الإداري في سورية للاستفادة من التعويضات.
- لا يتعارض هذا الانخراط مع وجوب التماس الطرائق كافة نحو المحاسبة والملاحقة القضائية للمتهمين بالانتهاكات، ومن بينهم قيادات الصف الأول من أطراف الصراع أكانوا من المنتمين للنظام السابق أم الحالي أم الجماعات المسلّحة الأُخرى، ومن الضروري هنا مواصلة الاستفادة من الولاية القضائية الدولية في ما يتعلق بالمحاكمات القائمة وضرورة عدم نقلها إلى المحاكم السورية التي لا تمتلك إمكانية إجراء محاكمات عادلة نظرًا إلى الإجراءات الحكومية الحالية الخاصة بقطاع القضاء([43])، وكذا السعي لرفع دعاوى جديدة.
- من الأهمية بمكان كذلك مواصلة التنسيق مع الآلية الدولية للتحقيق في سورية والآلية الخاصة بالمفقودين، إلى جانب ضرورة العمل على تقويم للواقع السياسي المستجد وتجديد المساعي الرامية إلى إحالة ملف سورية إلى المحكمة الجنائية الدولية أو إنشاء محاكم خاصة بموجب قرار من مجلس الأمن الدولي؛ فالفيتو الروسي–الصيني الذي منع الإحالة سابقًا لم يعد مبرّرًا، فضلًا عن التغيرات في خارطة التحالفات بعد السابع من أكتوبر وانتخاب الرئيس ترامب، وهو ما أشار له البيان الصادر عن مجلس الأمن الدولي بخصوص سوريا والذي قدمته البعثتان الروسية والأمريكية، وهو وضع لم نشهده سابقًا يوحي بنشوء مناخ سياسي جديد يستوجب مواكبته واختباره من خلال مجلس الأمن، والنظر في إمكانية تبنيه موقفًا مغايرًا لملف العدالة في سوريا([44]).
- في ما يتعلق بمسار المحاسبة والملاحقات القضائية؛ فإن الاشتباك مع السلطة الحالية وبقية المجموعات المسلّحة ينبغي ألّا يكون من باب الانتقام والتشفّي أو تقويض السلطة والانتقال السياسي، وإنما يتعين أن يأخذ الخطاب المُطالب بالمحاسبة في الحسبان الحساسيّات المحليّة للمجتمعات السوريّة، وأن يستهدف تحقيق العدالة الشاملة للسوريين جميعًا بوصفها سبيلًا للوصول لسلم أهلي يفيد في انخراط المواطنين السوريين في بناء دولتهم الجديدة التي تقطع تمامًا مع السلطوية.