العدالة الانتقالية في السياق السوري: آليات المساءلة وآفاق البناء

ملخص البحث

تشكل العدالة الانتقالية في الحالة السورية مدخلًا جوهريًا لكسر حلقة العنف المستمرة، والتعامل مع إرث الانتهاكات الجسيمة، وتهيئة الأرضية اللازمة لقيام دولة تقوم على الشرعية وسيادة القانون. فهي ليست مجرد أداة للتعامل مع الماضي، بل مسار سياسي واجتماعي شامل يرسم ملامح المستقبل. غير أن هذه العملية تظل سيفًا ذا حدين، إذ يمكن أن تفتح الطريق نحو بناء دولة ديمقراطية حديثة إذا صيغت بعناية وضمن إطار وطني جامع يشارك فيه الجميع، لكنها قد تتحول أيضًا إلى أداة شكلية توظفها السلطة لإعادة إنتاج الاستبداد وتكريس الهيمنة إذا اختُزلت أو استُغلت سياسيًا.

ومن أبرز التحديات التي تواجه العدالة الانتقالية في سورية هو إعادة الثقة المفقودة بين المواطن والدولة. فقد ترسخت صورة الدولة لعقود بوصفها جهازًا قمعيًا يفتقر إلى الكفاءة في مجالات الصحة والتعليم والعدالة، بينما كان فاعلًا فقط في مجال الترهيب والسيطرة الأمنية. وهذا ما دفع المواطنين إلى الارتماء في أحضان البنى التقليدية مثل الطائفة والقبيلة والعائلة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة توجيه موارد الدولة نحو الخدمات الأساسية، وإصلاح الجهاز القضائي، وتبني سياسات لامركزية تعالج التفاوتات العميقة بين المناطق المهمشة والمراكز الحضرية.

ولا يمكن تصور نجاح أي عملية انتقالية في ظل بقاء الأجهزة الأمنية على صورتها السابقة، القائمة على الترهيب والإذلال. إذ إن إعادة هيكلة هذه الأجهزة وضبط سلوك عناصرها وفق القانون بات ضرورة ملحة، بحيث يتحول الأمن إلى وسيلة لحماية المواطنين وصون حقوقهم، لا إلى أداة للقمع والسيطرة. ويوازي هذا الإصلاح مسار نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، حيث يشكل انتشار الميليشيات المسلحة أخطر تهديد للاستقرار. ويتطلب الأمر تنفيذ برنامج شامل يبدأ من العاصمة والمدن الكبرى لضمان استقرار المركز، ثم يمتد بالتدريج إلى الأرياف، مع حل الفصائل ودمج عناصرها بصورة فردية في الجيش أو الأجهزة الأمنية بعيدًا من مناطق نفوذهم الأصلية. كما أن ضبط مصادر التمويل الخارجي، والسيطرة على التحويلات المالية، وربط رواتب العناصر تدريجًا بوزارة الدفاع وفق آلية مركزية تنطلق من دمشق، يمثل خطوات أساسية لاحتواء مخاطر عودة الفصائل بمسميات جديدة.

إن الإخفاق في هذا المسار ستكون له عواقب وخيمة، إذ سيسمح بترسيخ سلطة أمراء الحرب وتحويل التنافس العسكري إلى صراع اقتصادي إجرامي. وحينها ستعود الشبكات المافيوية القديمة المرتبطة بالنظام السابق لتجد في الميليشيات الجديدة حلفاء طبيعيين، بما يعيد إنتاج اقتصاد موازٍ قائم على المخدرات والخطف وطلب الفدية والاتجار بالبشر. هذا التحول سيقوض أسس الدولة من الداخل ويفتح الباب أمام إعادة إنتاج مناخ الفساد والعنف الذي سعت العملية الانتقالية أصلًا إلى تجاوزه.

وعلى الرغم من أن الإعلان الدستوري الموقت الصادر في آذار/ مارس 2025 نصّ بوضوح على أن العدالة الانتقالية اختصاص حصري لهيئة وطنية مستقلة، وأن هذه الهيئة مُنحت صلاحيات التحقيق في الانتهاكات وكشف الحقيقة والمصالحة الوطنية وإصلاح المؤسسات، فإن تدخل وزارة العدل والنائب العام في ملفات حساسة من خلفها شكّل خرقًا واضحًا لمبدأ استقلالية العدالة الانتقالية. هذا التجاوز لا يمثل فقط مخالفة دستورية، بل يكشف أيضًا عن تخبط السلطة وعجزها عن إدراك طبيعة العدالة الانتقالية بوصفها عملية سياسية ومجتمعية شاملة وليست مجرد بعد جزائي محدود.

من هنا، فإن العدالة الانتقالية في سورية لا ينبغي أن تُختزل في المحاكمات أو العقوبات، بل يجب أن ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالانتقال السياسي وإعادة بناء مؤسسات الدولة وصياغة عقد اجتماعي جديد. فهي تتطلب قبل كل شيء وقف العنف والتحريض الطائفي، والانتقال إلى ثقافة الحوار وقبول الاختلاف والاحتكام إلى السياسة والقانون، فضلًا عن معالجة المخاوف التاريخية والراهنة والمستقبلية للمكوّنات السورية كلها. بذلك، تكون العدالة الانتقالية سبيلًا إلى بناء استقرار طويل الأمد وتحول ديمقراطي مستدام، ودون ذلك، ستتحول إلى مجرد أداة لتصفية حسابات وإعادة إنتاج الاستبداد.

مخطط البحث

مقدمة

المحور الأول: البعد الجنائي للعدالة الانتقالية

– المبحث الأول: الحالة السورية: نحو عفو مشروط ومدروس
– المبحث الثاني: البعد الاقتصادي والاجتماعي للسياسة الجنائية الانتقالية
– المبحث الثالث: ضرورة إشراك المجتمع السوري في مسار العدالة الانتقالية
– المبحث الرابع: أي آلية للعدالة الانتقالية في سورية المعاصرة
– المبحث الخامس: خصوصية السياق السوري وغياب نموذج جاهز

المحور الثاني: البعد المؤسسي للعدالة الانتقالية/ بناء الدولة

– المبحث الأول: حصر الملاحقة بالنواة الصلبة للنظام السابق ومرتكبي الجرائم الدولية والمشهودة
– المبحث الثاني: جبر الضرر والتعويض
– المبحث الثالث: العزل السياسي في سياق العدالة الانتقالية
– المبحث الرابع: إعادة بناء الهوية والذاكرة الوطنية
– المبحث الخامس: إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة
– المبحث السادس: نزع السلاح وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية

الخاتمة

المراجع

مقدمة

العدالة الانتقالية، نصّت المادة 49 من الإعلان الدستوري المؤقّت الصادر في 13 آذار/ مارس على اعتبارها اختصاصًا حصريًا للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية. وقد تم تشكيل هذه الهيئة بموجب مرسوم جمهوري في 17 أيار/ مايو 2025، بصفتها هيئة مستقلة عن جميع السلطات، بما في ذلك السلطة القضائية. ومنحت الهيئة صلاحيات واضحة تشمل النظر في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتحديد آليات المحاسبة والمصالحة الوطنية، وكشف الحقيقة، وإصلاح مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجهاز القضائي، بما يرسخ دورها المركزي في العملية الانتقالية[1].

ومع ذلك، أعلنت وزارة العدل السورية والنائب العام للجمهورية في نهاية تموز/ يوليو من العام نفسه عن بدء دراسة ملفات الموقوفين المتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في سورية، وبدء محاكمة عدد منهم، ومن بينهم عاطف نجيب، وأحمد بدر حسون، ومحمد الشعار، وإبراهيم الحويجة. وتشكل هذه الخطوة خرقًا واضحًا للإعلان الدستوري الموقت وتعديًا على صلاحيات الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية. غير أن هذا الإعلان لا يشكّل مخالفة دستورية صريحة فحسب، بل يمثل أيضًا تقويضًا لروح الانتقال السياسي، ويعكس مدى تخبط السلطة وعدم إدراكها لما يمثله مفهوم العدالة الانتقالية من أهمية في ضمان محاسبة عادلة ومهنية، وإرساء أسس وقيم العهد الجديد التي تمنع تكرار الماضي.

تُظهر جسامة الجرائم والانتهاكات الواسعة والممنهجة التي ارتُكبت بحق الشعب السوري منذ عام 2011، وما شكّلته من خرق صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني، الحاجة الماسّة إلى تبنّي مقاربة علمية رصينة تُعنى ببحث آليات العدالة الانتقالية وسبل تفعيلها. فالعدالة الانتقالية، في جوهرها، لا تقتصر على كونها إجراءات جنائية أو تدابير ظرفية، بل هي مشروع متكامل يرمي إلى معالجة إرث الماضي وتهيئة الأرضية لبناء مستقبل أكثر استقرارًا.

ومن ثم لا يمكن النظر إلى مسار العدالة الانتقالية بمعزل عن الإطار الأوسع للتحول السياسي، إذ يتوقف نجاحه على إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وفق أسس جديدة من الشرعية. كما أن العدالة الانتقالية تمثل مدخلًا محوريًا لإعادة تأسيس العقد الاجتماعي وتساهم في ترسيخ المصالحة الوطنية، وتعزيز السلم الأهلي، وإعادة بناء الثقة المجتمعية.

وعليه، فإن مقاربة العدالة الانتقالية لا يمكن اختزالها في البعد الجزائي وحده، الذي يشكل المحور الأول لهذا البحث، إذ إنها تمثل جزءًا من كل في عملية متكاملة ومترابطة بصورة عضوية بمسار الانتقال السياسي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وصياغة عقد اجتماعي جامع يضمن التوازن بين حقوق الأفراد ومتطلبات المجتمع ككل.

وبذلك، تتجاوز العدالة الانتقالية دورها في التعامل مع الماضي من خلال المحاسبة والملاحقة القانونية للانتهاكات، لتصبح أداة أساسية لضمان الاستقرار طويل الأمد، وتعزيز التحول الديمقراطي المستدام، وهو ما يشكّل المحور الثاني للبحث. فهي تتيح الفرصة لإرساء مؤسسات شفافة وفعالة، وتكريس سيادة القانون، وتعزيز الثقة بين المواطنين والدولة، بما يضع الأسس لبناء مجتمع موحد وقادر على مواجهة التحديات المستقبلية من دون العودة إلى دائرة العنف والتفكك الاجتماعي.

يقوم مفهوم العدالة الانتقالية على جملة من الآليات القضائية وغير القضائية، تُفعَّل في مرحلة ما بعد النزاع بهدف تحقيق السلم المجتمعي وترميم ما خلّفته الحروب من انقسامات. ووفقًا للباحثة القانونية الأميركية روتي تايتل، فإن العدالة الانتقالية تمثل استجابة ضرورية للانتهاكات التي ارتكبها نظام استبدادي، ولذلك فهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمسارات التحول السياسي[2].

ولا تقتصر العدالة الانتقالية على محاسبة الماضي، بل تمتد لتشمل إعادة بناء المجتمع المنهك ووضع أسس لعقد اجتماعي جديد يُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطنين. ومن هذا المنظور، تُفهم العدالة الانتقالية بوصفها منظومة من التدابير تهدف إلى معالجة إرث الانتهاكات وقطع الطريق أمام تكرار أسباب النزاع[3].

الغاية الأساسية لهذا المسار هي كسر حلقة العنف وتهيئة بيئة سياسية واجتماعية أكثر استقرارًا. فغياب العدالة الانتقالية يجعل أي عملية تحول عرضة للهشاشة، مهما بدا أنها تحقق استقرارًا موقتًا. الضمانة الحقيقية للسلم الأهلي تكمن في الجمع بين المساءلة والمصالحة، بحيث لا يكون السلام مجرد وقف لإطلاق النار أو استئناف عمل مؤسسات الدولة، بل سلامًا عادلًا ودائمًا يقرّ بحقوق الضحايا ويعترف بمعاناتهم[4].

وترتكز العدالة الانتقالية على مبدأ كشف الحقيقة: حقيقة الأسباب التي أدت إلى النزاع، والوقائع التي رافقته، والضحايا الذين سقطوا، والمسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة. بذلك، يجمع هذا المسار بين هدفين متكاملين: مكافحة الإفلات من العقاب عن الجرائم الماضية، والدفع نحو إصلاحات بنيوية تضمن عدم تكرارها في المستقبل.

يُعدّ الحق في معرفة الحقيقة، والحق في العدالة، والحق في جبر الضرر ركائز أساسية لأي مسعى لبناء سلم أهلي مستدام. وتمثل آليات العدالة الانتقالية الأداة العملية لترجمة هذه الحقوق من مجرد مبادئ نظرية إلى واقع ملموس. وفي غيابها، تبقى محاولات المصالحة الوطنية أو التهدئة الاجتماعية أو الانتقال الديمقراطي ناقصة، تفتقر إلى الأساس القانوني والأخلاقي الضروري لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

غير أنّ العدالة الانتقالية ليست نموذجًا جاهزًا؛ فهي تتطلب تكييفًا مع خصوصيات كل مجتمع. وفي الحالة السورية، فإن أي مشروع جاد يهدف إلى منع تكرار المآسي يجب أن يأخذ في الحسبان التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الداخلية منها والخارجية، التي تواجه البلاد. الاستفادة من التجارب الدولية السابقة قد توفر دروسًا مهمة، لكنها لا تغني عن بناء نموذج سوري خاص يستجيب لاعتبارات التاريخ والهوية والتنوع الاجتماعي والثقافي.

كما أن نجاح هذا المسار يفترض وجود توافق واسع بين الأطراف المعنية المختلفة، إلى جانب مشاركة فعالة من المجتمع المدني بوصفه فاعلًا رئيسًا في إعادة بناء الثقة. ويمكن في هذا السياق تصور إنشاء لجنة قيادية جامعة تتولى تصميم برنامج العدالة الانتقالية وتنفيذها، مع الاستفادة من الدعم الفني والخبراتي لهيئات دولية مثل مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أو المركز الدولي للعدالة الانتقالية.

يبقى التحدي الأكبر في تجنيب العدالة الانتقالية منطق الغلبة السياسية أو تحويلها إلى أداة بيد المنتصر، إذ إن ذلك سيقوض أهدافها ويحيلها إلى مجرد وسيلة شكلية لإضفاء الشرعية على سلطة قائمة. في المقابل، فإن إطلاق مسار جاد وشفاف للعدالة الانتقالية من شأنه أن يعيد تأهيل سورية على الساحة الدولية، ويشجع على تدفق الدعم الخارجي لجهد إعادة الإعمار، بما يساهم في ترسيخ انتقال سياسي حقيقي ومستدام.

توجد بالفعل بعض المرجعيات الدولية التي يمكن أن تشكّل إطارًا أوليًا لمسار العدالة الانتقالية في سورية. ويأتي في مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 2254 الصادر بالإجماع بتاريخ 18 كانون الأول/ ديسمبر 2015، والذي رسم الخطوط العريضة للانتقال الديمقراطي من خلال الدعوة إلى إصلاح منظومة الحكم، صياغة دستور جديد، وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة. وعلى الرغم من أن تنفيذ القرار ظلّ معطلًا، إلا أنه يبقى الوثيقة الدولية الوحيدة التي حظيت بإجماع مجلس الأمن، الأمر الذي يجعلها مرجعًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه عند تصور مستقبل سوري يتجاوز مآسي العقد الماضي[5].

وانطلاقًا من هذا الإطار، يمكن عدّ عملية الانتقال السياسي المنصوص عليها في القرار 2254 الحاضنة العامة التي تُبنى في داخلها آليات العدالة الانتقالية، بما ينسجم مع أهدافها التقليدية المتمثلة بملاحقة المسؤولين الرئيسيين عن الجرائم الجسيمة، وضمان حقوق الضحايا عبر منحهم صفة قانونية وتعويضات عادلة.

غير أنّ هذه الأهداف، على أهميتها، لا تختزل فلسفة العدالة الانتقالية في جوهرها. فالمسعى الأوسع يتمثل بإعادة تأسيس الأمة السورية على أسس شرعية جديدة، وصياغة سردية وطنية جامعة تُعيد اللحمة إلى المجتمع، وتفتح الطريق نحو مستقبل ديمقراطي سلمي. ولتحقيق ذلك، لا بد من تهيئة بيئة سياسية واجتماعية ملائمة عبر حزمة من الإجراءات المسبقة والمتزامنة مع انطلاق مسار العدالة الانتقالية، بحيث تُضمن الشروط الضرورية لنجاحه وتُعزَّز فرص استدامته.

المحور الأول: البعد الجنائي للعدالة الانتقالية

يمثل البعد الجنائي أحد الركائز الأساسية للعدالة الانتقالية، إذ يسعى لكسر حلقة الإفلات من العقاب التي طالما وفّرت الحماية لمرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، كما يهدف ضمنًا إلى تحقيق الردع العام ومنع تكرار الجرائم مستقبلًا. غير أنّ هذا المسار، على أهميته، يطرح إشكاليات عميقة تتعلق بكيفية الموازنة بين مطلب العدالة من جهة، وضرورات تحقيق السلم الأهلي والمصالحة الوطنية من جهة أخرى. ومن هنا يبرز التساؤل الجوهري: العفو أم الملاحقة؟ وأيّ هدف ينبغي أن تتوخاه العدالة الانتقالية؟

تعمل العدالة الانتقالية في بيئات استثنائية تختلف جذريًا عن الأوضاع الطبيعية التي تمارس فيها العدالة الجنائية التقليدية. فهي لا تنحصر في إنزال العقاب، بل تتوخى أهدافًا أشمل تتصل بإعادة بناء المجتمع، ترميم النسيج الاجتماعي، ترسيخ الديمقراطية، وإعادة صياغة الهوية الوطنية الجامعة. لذلك فهي، في جوهرها، عدالة ذات أبعاد سياسية بقدر ما هي قانونية، لأنها تتقاطع مع قضايا الذاكرة والشرعية وإعادة تأسيس العقد الاجتماعي[6].

ومن ثم ملاحقة جميع المتورطين في الانتهاكات، وعلى نحو شامل ومنهجي، تتعارض عمليًا مع الغاية الكبرى المتمثلة بإعادة السلم الاجتماعي. فالتجارب المقارنة تظهر أن العدالة الانتقالية غالبًا ما ترتبط بسياسات عفو جزئي أو مشروط، يُحدد نطاقها وحدودها بدقة، بما يسمح بمواءمة متطلبات العدالة مع ضرورات الاستقرار السياسي. ويُعزى ذلك إلى جملة من العوامل، منها محدودية القدرات البشرية والمالية للأنظمة القضائية في مرحلة ما بعد النزاع، فضلًا عن استمرار نفوذ بعض المسؤولين السابقين في الحياة السياسية، وهو ما يجعل من الصعب السير في محاكمات شاملة تطال جميع المتورطين[7].

المبحث الأول: الحالة السورية: نحو عفو مشروط ومدروس

في السياق السوري، يبدو من غير الممكن عمليًا محاكمة جميع المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات المرتكبة منذ عام 2011. فحجم الانتهاكات واتساع دائرة المتورطين، إضافة إلى ضعف القدرات القضائية في مرحلة ما بعد النزاع، يجعل من الضروري التفكير في مقاربة واقعية تقوم على العفو المشروط والمدروس. يقوم هذا الخيار على مبدأ التفريق بين المستويات المختلفة للمسؤولية: إذ تقتصر المحاكمات على القيادات العليا للنظام السابق والمتورطين الرئيسيين في الجرائم الدولية والجرائم المشهودة، إضافة إلى جرائم الفساد المالي والإداري، في حين يمكن إخضاع الفاعلين ذوي الرتب الأدنى لسياسة عفو مشروط.

يستند هذا الطرح إلى تجارب مقارنة، أبرزها تجربة جنوب أفريقيا، حيث ارتبط الانتقال السياسي بسياسة عفو مقابل الحقيقة، ما أتاح كشف الوقائع كاملة، مع اعتراف علني بالانتهاكات وطلب العفو من الضحايا. وبالقياس على الحالة السورية، يمكن تصميم آلية مشابهة، تُربط فيها أي استفادة من العفو باعتراف صريح بالجرائم، أو بطلب رسمي للعفو من الضحايا والمجتمع، شرط أن تكون الانتهاكات قد ارتُكبت في إطار مؤسسات الدولة لا خارجها[8].

المبحث الثاني: البعد الاقتصادي للعدالة الانتقالية

تُعَدّ العدالة الانتقالية عملية معقدة ومرتفعة التكلفة، تتطلب مستويات عالية من التوافق المجتمعي والسياسي، ولا سيما في السياقات ما بعد النزاعات المسلحة وما تخلفه من دمار واسع. ومن ثمّ، يصبح من الضروري التعامل معها بقدر كبير من الحذر عبر تحديد نطاقها بدقة، والموازنة بين متطلباتها وبين ما قد يترتب عليها من مخاطر محتملة، مثل احتمال هروب رؤوس الأموال في حال استهداف رجال الأعمال بصورة غير متوازنة، أو تعريض الأمن لاضطرابات تؤدي إلى تأخير الاستثمارات.

في الحصيلة، لا يمكن اختزال العدالة الانتقالية في بعدها الجنائي فحسب، إذ إنها تتداخل بالضرورة مع الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لمرحلة ما بعد الحرب. وفي الحالة السورية، وبعد أكثر من عقد من الصراع، يواجه البلد حالة دمار شامل مسّت المدن والقرى والبنى التحتية، وأفضت إلى تهجير ما يقارب نصف السكان بين لاجئين ونازحين، فضلًا عن الخسائر البشرية الضخمة من قتلى ومصابين وأيتام ومختفين قسرًا.

في مثل هذا السياق، يمكن لسياسة جنائية متوازنة – ترتكز على محاكمة كبار المسؤولين عن الجرائم من النواة الصلبة للنظام السابق، إلى جانب اعتماد عفو مشروط – أن تساهم في تخفيف الاحتقان المجتمعي، وتيسير إعادة بناء اللحمة الاجتماعية، وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا لاستقطاب الاستثمارات الخارجية ودعم جهد إعادة الإعمار، فضلًا عن الحد من مخاطر هروب رؤوس الأموال.

والغاية هنا ليست التفريط بالعدالة بذريعة متطلبات الإعمار، وإنما إدراك الحدود الواقعية للإمكانات المتاحة، والعمل على بلورة مقاربة توازن بين مطلب العدالة من جهة، ومتطلبات الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي من جهة أخرى. إذ إن الإفراط في تبني أهداف مثالية وغير قابلة للتحقق قد يقوّض صدقية مسار العدالة الانتقالية ويعرقل فرص نجاحه.

المبحث الثالث: ضرورة إشراك المجتمع السوري في مسار العدالة الانتقالية

يُعد إشراك المجتمع السوري في مسار العدالة الانتقالية شرطًا أساسيًا لنجاحه واستدامته. فلا يمكن أن يُفرض أي مشروع من هذا النوع من الأعلى من دون أن يحظى بشرعية شعبية حقيقية، إذ إن الفهم الواعي لمبدأ العدالة الانتقالية وحدوده، والاقتناع بأهدافه، يمثلان الركيزة الأولى لنجاعته.

في هذا الإطار، يبرز دور منظمات المجتمع المدني المحلي بوصفها الفاعل الأكثر التصاقًا بالضحايا والمجتمعات المحلية. فهي مطالبة بأن تُدمج بفاعلية في تصميم هذا المسار وتنفيذه، وأن تقود حملة وطنية للتوعية تستند إلى خطاب تربوي وتواصلي واضح يشرح ماهية العدالة الانتقالية. ينبغي أن تُقدَّم هذه العدالة على أنها ليست مجرد أداة لملاحقة الجناة، بل مقاربة شاملة تتضمن أيضًا سياسات عفو مدروسة، وتستهدف قبل كل شيء إعادة بناء الروابط الاجتماعية الممزقة وتعزيز ثقافة التسامح والمصالحة.

غياب هذا الانخراط المجتمعي من شأنه أن يفرغ العدالة الانتقالية من مضمونها، بل قد يحوّلها إلى مجرد آلية شكلية تُدار من الخارج أو تُستغل سياسيًا من الداخل. والأسوأ من ذلك، قد يفتح الباب أمام موجات انتقام فردية أو جماعية، بما يعيد إنتاج دوامة العنف ويُطيل أمد النزاع.

إن نجاح مسار العدالة الانتقالية في الحالة السورية مشروط بقدرته على إحداث قطيعة فعلية مع ممارسات الاستبداد والإفلات من العقاب التي ميّزت النظام السابق، وعلى تجسيد نموذج مختلف يقوم على المشاركة الشعبية، والاعتراف بالضحايا، والالتزام بمبادئ دولة القانون.

المبحث الرابع: أي آلية للعدالة الانتقالية في سورية المعاصرة

تُظهر التجارب الدولية أن آليات العدالة الانتقالية متعددة ومتنوعة، وتشمل: المحكمة الجنائية الدولية، المحاكم الدولية الخاصة، المحاكم الوطنية المختلطة ذات الطابع الدولي، إجراءات الاختصاص العالمي للقانون الجزائي لدى بعض الدول الأجنبية، إضافةً إلى لجان الحقيقة والمصالحة. غير أن اختيار الصيغة الملائمة للحالة السورية لا يمكن أن يتم بمعزل عن الظروف السياسية والمالية المحيطة بالانتقال السياسي. فالمسار الذي يُدار حصرًا بتمويل من الموازنة السورية وتحت سيطرة السلطة الحالية ستكون له مخرجات مختلفة جذريًا عن مسار يُبنى على شراكة مع المجتمع الدولي، ويُشارك فيه ممثلون عن المعارضة والمجتمع المدني[9].

الوضع الراهن يُبرز بوضوح عجز المؤسسات القضائية السورية عن القيام بهذا الدور، أكان بسبب ضعف الإمكانات المادية أم لغياب الاستقلالية وفقدان الشرعية لدى شرائح واسعة من المواطنين. كما أن إسناد هذا المسار إلى القضاء الوطني يطرح إشكاليات أعمق، بالنظر إلى دوره في الانتهاكات، ما يجعله غير مؤهل للاضطلاع بمهمة يُفترض أن تقوم على الحياد والنزاهة[10].

بناءً على ذلك، يبدو أن الحل الواقعي يكمن في اعتماد صيغة مختلطة، تستفيد من الخبرات والضمانات الدولية مع الحفاظ على بعد وطني يضمن انخراط السوريين أنفسهم في عملية المساءلة وصنع القرار. قد يتجسد ذلك في محكمة وطنية ذات طابع دولي، أو في لجنان الحقيقة والمصالحة المدعومة أمميًا، بحيث توازن بين مطلب المساءلة الجنائية وحاجة المجتمع إلى مصالحة تعيد بناء الثقة وتفتح الطريق أمام استقرار سياسي طويل الأمد.

المبحث الخامس: خصوصية السياق السوري وغياب نموذج جاهز

تُظهر التجارب الدولية أن العدالة الانتقالية ليست مسارًا موحّدًا، بل تتشكل وفقًا للخصوصيات التاريخية والسياسية والاجتماعية لكل بلد. فلا وجود لوصفة جاهزة يمكن نقلها من سياق إلى آخر. فقد اعتمدت رواندا، مثلًا، نموذجًا متعدد المستويات جمع بين العدالة المحلية عبر المحاكم التقليدية (الغاتشاكا) والعدالة الوطنية والدولية عبر المحكمة الجنائية الدولية لرواندا في أروشا[11]. وعلى النقيض، اختارت جنوب أفريقيا مقاربة مختلفة كليًا، ارتكزت على لجنة الحقيقة والمصالحة التي مثلت أداة رئيسة لتحقيق انتقال سلمي معقّد وطويل الأمد.

بناءً على ذلك، لا يمكن أن تكتفي سورية باستنساخ تجربة قائمة، بل يتعين عليها بلورة مسار خاص بها، يستفيد من الدروس المستخلصة من التجارب المقارنة، لكنه يظل متلائمًا مع بنيتها المجتمعية وتشابكاتها السياسية والاقتصادية. الأهم أن يكون هذا المسار نتاجًا لإرادة السوريين أنفسهم، عبر انخراط فعّال لمكونات المجتمع المدني والسياسي المختلفة، بما يضمن الشرعية والقدرة على التنفيذ.

تكشف التجارب الدولية أن مسارات العدالة الانتقالية ليست موحّدة، بل تتكيف مع الخصوصيات التاريخية والسياسية والمؤسساتية لكل بلد.

كمبوديا: تمخض اتفاق بين الحكومة والأمم المتحدة عن إنشاء الغرف الاستثنائية ضمن المحاكم الكمبودية (CETC)، وهي محاكم مختلطة يغلب عليها الطابع المحلي، هدفها محاكمة الجرائم التي ارتكبها نظام الخمير الحمر. وقد عكس هذا النموذج محاولة الجمع بين الشرعية الوطنية والدعم الدولي الفني والقضائي[12].

كوسوفو: اعتمدت نموذجًا هجينًا للمحاكم المختلطة، وهو خيار لجأت إليه دول عدة خرجت من حروب أهلية أدت إلى إضعاف أو تدمير مؤسساتها القضائية. وقد ساعد هذا النموذج في سد فجوة ضعف القدرات الوطنية عبر دمج قضاة ومدعين دوليين مع نظرائهم المحليين.

بوروندي: اختارت صيغة مزدوجة تمزج بين آلية غير قضائية تمثلت بلجنة الحقيقة ذات التشكيل المختلط، وآلية قضائية تمثلت بغرفة خاصة ضمن القضاء الوطني. كُلّفت لجنة الحقيقة بالتحقيق في الانتهاكات منذ الاستقلال، وتحديد الضحايا والجناة، ورفع توصيات حول المصالحة والعفو والتعويضات، إضافة إلى إعادة صياغة سردية تاريخية وطنية جامعة. كما اضطلعت، بالتنسيق مع الجمعية الوطنية، بمهمات البتّ في الجرائم السياسية ومنح العفو عند الحاجة[13].

تونس: تميزت تجربتها بطابع مؤسسي واضح، حيث أنشأت وزارة خاصة بحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية لتأطير المسار ضمن رؤية موحدة. وأسندت صلاحيات واسعة إلى هيئة الحقيقة والكرامة، التي تولت التحقيق في الانتهاكات منذ 1 حزيران/ يونيو 1955، وتوثيق شهادات الضحايا، وتحديد المسؤوليات، وفهم الأسباب البنيوية للانتهاكات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية. كما اقترحت الهيئة إصلاحات ديمقراطية لضمان عدم التكرار، وأشرفت على تعويض الضحايا، وحفظ الذاكرة الوطنية.

استمعت الهيئة إلى نحو 62 ألف ضحية، وأحالت 204 ملفات إلى الغرف الجنائية المتخصصة داخل محاكم الدرجة الأولى، المكلفة بالنظر في جرائم مثل الاغتصاب والعنف الجنسي، القتل العمد، التعذيب، الاختفاء القسري، الإعدام التعسفي، فضلًا عن جرائم الفساد وتزوير الانتخابات. وفي صيف 2020، أصدرت الهيئة تقريرها الختامي الذي مثل محطة مفصلية في مسار العدالة الانتقالية التونسية[14].

كما أُنشئت غرف متخصصة ضمن محاكم الدرجة الأولى، وهي متخصصة بالنظر في قضايا الاغتصاب وأشكال العنف الجنسي كافة، والقتل العمد، والتعذيب، والاختفاء القسري، والإعدام التعسفي، والتزوير الانتخابي، وإجبار الأفراد على المنفى، والجرائم الاقتصادية المرتكبة منذ 1 حزيران/ يونيو 1955. كما أُنشئ أيضًا صندوق للكرامة لضحايا الطغيان، ولجنة لتطهير الوظيفة العامة، ولجنة للتحكيم والمصالحة. ويمكن أن يشكل هذا المثال مصدر إلهام مهم عند التفكير في آليات العدالة الانتقالية الملائمة للتعامل مع الحالة السورية[15].

في ما يخص سورية، فعلى الرغم من أن البنية التحتية القضائية في سورية لم تُدمَّر بالكامل خلال الحرب إلا أنها عاجزة عن القيام بهذا الدور. فالمؤسسات القضائية الوطنية تعاني ضعفًا بنيويًا أكان هذا الضعف نتيجة لنزوح عدد من القضاة والمحامين والموظفين، أم بسبب تبعيتها للسلطة التنفيذية، وارتباطها بالسياسة، وغياب الحياد والصدقية. كما أن الطابع الطائفي والإثني للنزاع يزيد من تعقيد الوضع، ما سيثير شكوكًا حول قدرة القضاء المحلي على التعامل مع القضايا بحياد تام.

من هنا، يبدو أن تفضيل إقامة محكمة مختلطة، جزئيًا بإشراف هيئة دولية، يمثل خيارًا عمليًا لضمان عملية قضائية موثوقة تحترم الضمانات الإجرائية وحقوق الدفاع. غير أن هذا الخيار ليس خاليًا من الإشكاليات، إذ قد تعاني مثل هذه الهيئات من ضعف شرعية القضاة غير الوطنيين، أو صعوبة التنسيق بين قضاة ينتمون إلى ثقافات قانونية مختلفة، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على اتساق الإجراءات. وعليه، يجب أن تُؤخذ هذه التحديات في الحسبان عند تصميم أي آلية للعدالة الانتقالية في سورية، لضمان فعاليتها وموثوقيتها، مع الحفاظ على التوازن بين مساءلة الجناة وحماية حقوق المتهمين.

في المحصلة، الاستفادة من التجارب الدولية المختلفة لا تعني استنساخها، بل تكييف عناصرها بما يتلاءم مع خصوصية المجتمع السوري وحاجاته. فالعدالة الانتقالية في سورية لن تحقق غاياتها ما لم تُبنَ على أسس صلبة من المساءلة وسيادة القانون. فالدولة ما بعد النزاع تحتاج إلى قضاء مستقل، وإدارة عامة فعّالة، وأجهزة أمنية خاضعة للرقابة، حتى تتمكن العدالة الانتقالية من أداء وظيفتها بصفتها آلية لإحقاق الحق وبناء الثقة المجتمعية، لا أن تتحول إلى أداة انتقائية أو مسيّسة تعيد إنتاج الانقسام والصراع.

المحور الثاني: البعد المؤسسي للعدالة الانتقالية/ بناء الدولة

العدالة الانتقالية لا تقتصر على الجانب الجنائي الذي يهدف إلى معاقبة مرتكبي الجرائم وتعويض الضحايا، بل تمتد لتشمل أهدافًا أوسع مثل فهم جذور النزاع وأسبابه العميقة، وهو أمر أساسي لتثبيت السلام وتعزيز التحول الديمقراطي. إلا أنه، لا يمكن تحقيق هذه الأهداف إلا في بيئة مستقرة نسبيًا، حيث تكون قد اتُّخذت إجراءات عاجلة لتخفيف الاحتقان الاجتماعي والسياسي وتلبية بعض المطالب الأساسية لجميع الأطراف. وبناءً على ذلك، من الضروري تحديد هذه الشروط المسبقة التي تشكل الإطار الضروري لتفعيل العدالة الانتقالية واستثمار دورها الإصلاحي في إعادة بناء المجتمع واستعادة الثقة بين الدولة والمواطنين.

المبحث الأول: حصر الملاحقة بالنواة الصلبة للنظام السابق ومرتكبي الجرائم الدولية والمشهودة

من المعروف أن مجموعة صغيرة تشكل النواة الصلبة لنظام بشار الأسد كانت مسؤولة عن عدد كبير من انتهاكات حقوق الإنسان، وجرائم الحرب، وسوء استخدام الأموال العامة. ومن الضروري أن يُكشف بالكامل عن هذه الجرائم وهويات مرتكبيها. لذلك، يبدو من الضروري إنشاء لجنة تحقيق متخصصة من دون تأخير، تتخصص بالجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، والفساد المرتكب من هذه النواة. وتكون مهمتها تحديد مكان هؤلاء الأفراد وفتح إجراءات قضائية ضد المسؤولين السياسيين، وقادة الأجهزة الأمنية، ومرتكبي الجرائم الدولية إضافة إلى رجال الأعمال المتورطين في الجرائم المشهودة فقط.

كما يجب أن تتوافر لدى اللجنة صلاحيات القبض على المتهمين، ومصادرة ممتلكاتهم، واسترداد الأموال المنهوبة الموجودة خارج البلاد. وينبغي أن تُنفذ هذه العمليات بخطط دقيقة ومدروسة وأن تكون الملاحقة محددة لتجنب خلق مناخ عام من الشك يضر بعملية الانتقال السياسي، ولمنع هروب رؤوس الأموال إلى الخارج بما يفاقم الوضع الاقتصادي الهش أصلًا.

المبحث الثاني: جبر الضرر والتعويض

يشكل تعويض المعتقلين السياسيين ضرورة تاريخية تتطلب أن تجري في إطار قانوني منظم، نظرًا إلى أن نظام بشار الأسد لم يُفرّق بين المعارضين السياسيين والجنائيين أو المُصنَّفين إرهابيين، حيث جرت محاكمة كثير منهم أمام محكمة متخصصة في قضايا الإرهاب.

بعد عملية تحديد الأفراد واختيارهم من بين آلاف المحكوم عليهم طوال النزاع، يجب وضع سياسة تعويض واضحة ومدروسة. ومن أمثلة ذلك السماح للأشخاص المفرج عنهم بإعادة الاندماج في وظائفهم السابقة أو الحصول على تعويض مالي مناسب. ومن الفضل أن تُنشأ لجنة متخصصة بمنح التعويضات، تعمل ضمن إطار تشريعي محدد يحدد معايير واضحة لمنح صفة الضحية وتحديد آليات التعويض بناءً على حجم الضرر والمعاناة.

يجب أن تُصاغ هذه السياسة بصورة دقيقة لتجنب أي ارتجال، تفاديًا لما حدث في بعض التجارب الأخرى حيث مُنح الضحايا تعويضات واسعة قبل تحديدهم على نحو دقيق، الأمر الذي أثار شعورًا بالإحباط وعدم العدالة. كما ينبغي أن تكون آليات التعويض شفافة وعادلة، بحيث لا تتحول إلى أداة للامتياز السياسي لمصلحة حلفاء السلطة أو لأغراض حزبية أو طائفية.

وعلى وجه الخصوص، يجب ألا يكون في أي حال من الأحوال تولي الوظائف العامة شكلًا من أشكال التعويض، حيث يجب أن يكون الوصول إليها مبنيًا على معايير الجدارة والمساواة، وغير خاضع للانتماءات السياسية أو الأيديولوجية التي تسعى لاستغلال هذه الوظائف لمصلحة جماعات معينة. بذلك، يضمن المسار الانتقالي أن تكون حقوق الضحايا محمية على نحو عادل، وأن تُساهم هذه الإجراءات في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

المبحث الثالث: العزل السياسي في سياق العدالة الانتقالية

تعتمد أغلبية الدول التي تمر بمرحلة انتقالية إجراءات للعزل السياسي، والتي تهدف عادةً إلى استبعاد العناصر المرتبطة بالنظام السابق أو المتورطة في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، على نحو دائم أو موقت. وغالبًا ما يُبرر هذا الاستبعاد بضرورة حماية مسار الانتقال السياسي ومنع أي محاولات من النخب السابقة للعودة إلى السلطة.

إلا أن التشدد المفرط في إجراءات العزل السياسي قد يؤدي إلى توترات سياسية تُهدد السلم الأهلي ووحدة الدولة في مرحلة إعادة البناء. فالقوانين التي تستهدف جميع من استفادوا من النظام السابق أو عملوا ضمنه، مثل ما حدث في ليبيا والعراق، قد تؤدي إلى آثار سلبية على المؤسسات السياسية والإدارية.

فعلى سبيل المثال، في العراق، أضعف العزل السياسي بعد الغزو الأميركي عملية المصالحة الوطنية، إذ عُدّت شكلًا من أشكال الانتقام السياسي لمصلحة جماعات محددة، ما أضر بالمؤسسات القائمة. أما في ليبيا، فقد أوقف قانون العزل السياسي الصادر في 5 أيار/ مايو 2013 الانتقال السياسي[16]، وساهم في اندلاع الحرب الأهلية، وأدى إلى وجود برلمانين وحكومتين متوازيتين. هذا القانون منع أي شخص شغل مناصب عليا في الدولة بين 1969 و2011 من تولي أي منصب عام أو وظيفة في الإدارة، بغض النظر عن موقفه من الثورة أو دوره في إطاحة النظام عام 2011 [17].

ومن ثم، يظهر أن سياسات العزل السياسي بحاجة إلى توازن دقيق: فهي يجب أن تحمي الانتقال السياسي وتمنع نفوذ النظام السابق، من دون أن تتحول إلى أداة انتقامية تضعف مؤسسات الدولة وتزيد الانقسامات الاجتماعية والسياسية.

المبحث الرابع: إعادة بناء الهوية والذاكرة الوطنية

تشكل العدالة الانتقالية، في أي مجتمع يمر بمرحلة انتقالية بعد صراع طويل أو حكم استبدادي، لحظة مفصلية تتجاوز مجرد كونها آلية قانونية أو سياسية لمعالجة الماضي، لتصبح إطارًا لإعادة بناء الدولة وصياغة هوية وطنية جديدة جامعة. فهي، من جهة، أداة للتعامل مع إرث الانتهاكات والانقسامات، ومن جهة أخرى فرصة نادرة لإعادة تعريف علاقة الدولة بالمجتمع، ورسم أسس تعايش جديد بين مكوناته المختلفة. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى العدالة الانتقالية بوصفها جسرًا هشًّا بين ماضٍ مثقل بالعنف ومشحون بالذاكرة الجمعية، ومستقبل مأمول يتسم بالديمقراطية والعدالة والمواطنة المتساوية.

لقد أظهرت التجربة التونسية، على سبيل المثال، كيف يمكن أن يفتح مسار العدالة الانتقالية النقاش حول قضايا كبرى تمثل عمق الهوية الوطنية: علاقة الدولة بالدين، الذاكرة التاريخية الممتدة من الاستقلال حتى الثورة، ثم مسألة العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة. لكن ما اتضح أيضًا أن صياغة سردية وطنية جديدة ليست عملية تقنية محايدة، بل ساحة صراع حقيقية، تتنافس فيها القوى السياسية والفكرية لتثبيت موقعها في التاريخ وتبرير شرعيتها في الحاضر[18].

أما في سورية، فإن المشهد أكثر تعقيدًا وأشد خطورة. فالتسييس المحتمل لمسار العدالة الانتقالية قد يهدد بعرقلة الانتقال نفسه، بل ربما يقوض وحدة الدولة ويعرضها لخطر التفكك الجغرافي. فمن المتوقع أن تتصارع قوى متعددة ـذات مرجعيات إسلامية، أو طائفية، أو قومية وإثنيةـ على إعادة كتابة السردية الوطنية، كل منها يسعى لإبراز معاناة جماعته في مواجهة النظام، وتقديم نفسه بوصفه ضحية ومحرّكًا للنضال الوطني. مثل هذا التنافس يمكن أن يؤدي إلى إنتاج سرديات متوازية ومتصادمة، لا إلى سردية وطنية جامعة، وهو ما من شأنه تكريس الانقسام بدلًا من تجاوزه.

وتزداد خطورة هذا السيناريو إذا ما تمكنت بعض القوى من استغلال اللحظة الانتقالية لتعزيز شرعيتها داخليًا واكتساب اعتراف دولي على أساس تمثيلها لمظلومية تاريخية محددة. فالأحزاب الإسلامية قد تدفع نحو إعادة تعريف الهوية الدينية للدولة وربطها بالشريعة بوصفها المرجعية الفكرية للنظام السياسي المقبل، في حين قد تلجأ بعض القوى القومية أو الإثنية إلى استدعاء خطاب الضحية التاريخية لتبرير مطالب انفصالية أو لتثبيت حقوق جماعية خاصة، وهو ما قد يعمّق الانقسام الطائفي والإثني، ويهدد بفتح الباب أمام صراعات جديدة.

إن أي إخفاق في ضبط هذا المسار وإدارته بقدر عالٍ من الشمولية والتوازن سيجعل العدالة الانتقالية نفسها عاملًا إضافيًا في تفجير الصراع بدلًا من أن تكون أداة لإنهائه. فبدلًا من أن تصبح وسيلة لإرساء دولة المواطنة والقانون، قد تتحول إلى منصة لإعادة إنتاج الانقسامات ذاتها التي فجرت النزاع في البداية.

لذلك، من الضروري أن تُصمَّم العدالة الانتقالية في سورية ضمن إطار وطني جامع، قائم على حوار شامل تشارك فيه المكونات السياسية والدينية والإثنية المختلفة. وينبغي أن يكون هذا الحوار قاطعًا مع الخطاب الإقصائي للنظام السابق الذي استغل القومية غطاءً لسلطة عائلية وطائفية ضيقة. فالهوية الوطنية التي ستولد من هذه العملية يجب أن تُبنى على الاعتراف بالتعددية بوصفها حقيقة راسخة للمجتمع السوري، وأن تُترجم في نظام سياسي يكفل العدالة والمساواة ويحمي التنوع، بدلًا من أن يمنح امتيازًا لطرف على حساب آخر.

إن مستقبل سورية مرهون بقدرة العدالة الانتقالية على التحول من مجرد آلية لمعالجة الماضي إلى مشروع وطني لإعادة بناء الدولة والمجتمع. غير أن هذا المستقبل يظل محفوفًا بالمخاطر: خطر تفكك الدولة إذا هيمنت السرديات المتنافسة، خطر عودة الاستبداد إذا جرى توظيف العدالة الانتقالية أداة انتقام سياسي، وخطر استمرار الصراع الأهلي إذا لم تُبنَ العملية على أسس شاملة وشفافة. لكن في المقابل، إذا أُحسن استثمار هذه اللحظة، فقد تكون العدالة الانتقالية فرصة تاريخية لصياغة عقد اجتماعي جديد يضع حدًا لدائرة العنف ويفتح الباب أمام بناء سورية ديمقراطية تعددية حقيقية.

المبحث الخامس: إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة

يمثل استعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة أحد المداخل الأساسية لضمان نجاح العملية الانتقالية في سورية. فقد أدى تراكم عقود من الحكم الاستبدادي إلى ترسيخ صورة الدولة في المخيال الجمعي السوري كجهاز أمني سلطوي لا تُقاس فاعليته إلا بقدرته على ممارسة القمع، في حين ظل غائبًا أو عاجزًا عن أداء وظائفه الجوهرية في مجالات الصحة والتعليم والعدالة وتوفير فرص العمل. هذا الضعف المؤسسي دفع المواطنين إلى البحث عن بدائل حماية ومعاضدة داخل البنى التقليدية ـمن أسرة وعشيرة وطائفة وجماعة دينيةـ التي أصبحت تؤدي أدوارًا اجتماعية أساسية عوضًا من مؤسسات الدولة.

لقد أفضى حكم عائلة الأسد إلى تحويل الإطار القانوني والمؤسساتي للدولة إلى أداة لخدمة نخبة سياسية محدودة، على حساب المصلحة العامة. وبناءً عليه، فإن أي مسار للعدالة الانتقالية لا يمكن أن يقتصر على المحاسبة القانونية للانتهاكات، بل يتعين أن يقترن بإصلاح عميق للبنى المؤسسية، وبإعادة توجيه الموارد الوطنية من الإنفاق العسكري والأمني المفرط نحو الخدمات العامة الأساسية. إن توفير رعاية صحية، وتعليم ذي جودة، وشبكات حماية اجتماعية فعالة يشكل شرطًا ضروريًا لإضفاء معنى واقعي على العدالة، إذ تظل هذه الأخيرة شكلية وفاقدة للصدقية في ظل واقع يتسم بالفقر والحرمان وانتشار الأمراض وتفاقم آثار الصدمات الجسدية والنفسية الناتجة من الحرب.

وعلى المستوى القانوني، يفرض الانتقال السياسي المرتقب ضرورة انخراط سورية مجددًا في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان من خلال المصادقة على الاتفاقيات والمعاهدات ذات الصلة. أما داخليًا، فيتطلب الأمر برنامجًا إصلاحيًا شاملًا للسلطة القضائية يشمل إعادة تأهيل القضاة وتدريبهم، وتحصين القضاء من التدخلات السياسية، وتعزيز الضمانات الإجرائية بما يكفل استقلاليته ونزاهته. استعادة ثقة المواطنين بالقضاء تمثل خطوة مفصلية لإعادة بناء العقد الاجتماعي.

كما يشكل إصلاح الأجهزة الأمنية وضبط سلوك عناصرها تجاه المواطنين إحدى الأولويات الحاسمة في أي مسار للعدالة الانتقالية في سورية. فقد ارتبطت هذه الأجهزة، خلال عقود حكم الأسد، بثقافة الخوف والترهيب والإذلال، حيث لم يكن تعاملها مع الشعب قائمًا على منطق الخدمة العامة أو حماية الأمن الوطني، بل على ممارسات ممنهجة من القمع والتجسس والتنكيل. إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع تمر بالضرورة عبر إعادة تعريف دور المؤسسة الأمنية على أسس مهنية وقانونية، بحيث تصبح وظيفتها حماية المواطنين لا تهديدهم، وضمان سيادة القانون لا الالتفاف عليه.

ويتطلب ذلك وضع أطر قانونية واضحة لمحاسبة أي تجاوزات، وإخضاع الأجهزة الأمنية لرقابة مدنية فعالة من خلال البرلمان والهيئات القضائية المستقلة. كما يفرض إعادة هيكلة هذه الأجهزة بما يقلص من تداخلها مع السياسة ويضمن مهنيتها، فضلًا عن اعتماد برامج تدريبية متخصصة تركز على احترام حقوق الإنسان، وآليات فض النزاعات، وأساليب الحماية المدنية. إن إنهاء ثقافة الإذلال والعنف الممنهج التي وسمت علاقة الأمن بالمجتمع شرط أساسي لتبديد إرث الخوف، وترسيخ شعور جديد بالأمان قائم على الثقة المتبادلة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

أما على الصعيد الإدارة المحلية، فإن اعتماد سياسة لامركزية فعالة يشكل خيارًا استراتيجيًا لتلبية المطالب المحلية المشروعة وتفادي بروز نزعات انفصالية قد تقود إلى صراعات جديدة. ينبغي أن تركز هذه اللامركزية على إعادة إدماج المناطق المهمشة سياسيًا واقتصاديًا، بما يعزز العدالة المكانية والتوازن التنموي داخل الدولة.

كما تمثل معالجة أوضاع اللاجئين والنازحين تحديًا رئيسيًا للمرحلة المقبلة. فإعادة إدماج هؤلاء في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لا تُعد فقط استجابةً لواجب إنساني، بل هي أيضًا ركيزة لبناء استقرار مستدام. إذ ينبغي النظر إلى هذه الفئات لا بوصفها ضحية سلبية فحسب، بل بوصفها قوة فاعلة قادرة على المساهمة في إعادة الإعمار وإحياء النسيج الوطني.

خلاصة القول، إن ترميم الثقة بين المواطن والدولة في سورية يتطلب عدالة انتقالية شاملة تقترن بإصلاحات قانونية ومؤسسية عميقة، وبإعادة توجيه للموارد نحو احتياجات المواطنين الأساسية. وحدها دولة تستمد شرعيتها من قدرتها على خدمة مواطنيها، لا من أدوات القمع، يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة يتجسد فيها مفهوم المواطنة المتساوية والدولة الجامعة.

المبحث السادس: نزع السلاح وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية

إطلاق برنامج وطني شامل لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج يمثل أحد الشروط الحاسمة لإنجاح أي عملية انتقالية في سورية. إذ لا يمكن أن تُمارس العدالة في ظل استمرار العنف المسلح أو بقاء قوى موازية للدولة تعمل خارج إطار الشرعية. لقد أنتج النزاع السوري خريطة معقدة من الميليشيات والجماعات المسلحة التي اكتسبت نفوذًا عسكريًا واجتماعيًا، وجيشًا رسميًا منهكًا ومشوَّه الصورة بفعل الانتهاكات وغياب الهرمية. ومن ثمّ، فإن التحدي المركزي يكمن في إعادة ضبط المجال العسكري عبر ثلاث خطوات متكاملة: نزع سلاح الميليشيات، إعادة دمج مقاتليها في الحياة المدنية أو المؤسسات النظامية، وإعادة بناء جيش وطني موحّد قادر على حماية الحدود وضمان وحدة البلاد.

يتطلب ذلك اعتماد مقاربة تدريجية مدروسة تبدأ أولًا بنزع السلاح في المناطق ذات الكثافة السكانية الكبرى والمراكز السياسية الحساسة، وفي مقدمتها العاصمة دمشق، بوصفها القلب الإداري والسياسي للدولة. تلي ذلك المدن الكبرى والحواضر الأساسية التي تمثل ركائز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، قبل الانتقال تدريجًا إلى الأرياف والمناطق الطرفية التي غالبًا ما شكّلت بيئة خصبة للميليشيات خلال النزاع. مثل هذا التدرج لا يضمن فقط إعادة بسط سلطة الدولة وفق أولويات استراتيجية، بل يبعث أيضًا برسالة رمزية قوية للمواطنين مفادها أن الدولة استعادت سيادتها واحتكارها الشرعي لاستخدام القوة.

على المستوى المؤسسي، يتعين إنشاء هيئة وطنية متخصصة تشرف على جمع السلاح وتضع برامج لإعادة إدماج المقاتلين. هذه البرامج يمكن أن تتنوع بين دمج انتقائي لبعض العناصر في القوات المسلحة وأجهزة الشرطة، وتأهيل آخرين للاندماج في الحياة المدنية عبر التدريب المهني وخلق فرص عمل. غير أن نجاح هذه العملية يستلزم أيضًا ربطها بالمساءلة، من خلال إعداد جرد دقيق للفصائل المختلفة وتحديد مسؤولياتها عن الانتهاكات، بما يحول دون الإفلات من العقاب.

تُظهر التجارب المقارنة أن الإخفاق في هذا المجال قد تكون نتائجه كارثية. ففي ليبيا[19]، أدى دمج الميليشيات والفصائل في المؤسسات الرسمية من دون تحضير كافٍ إلى تعزيز استقلاليتها وتحوّلها إلى فاعل سياسي وعسكري نافذ أربك عملية الانتقال. وفي العراق، كان تفكيك الجيش الوطني بعد 2003 المدخل الرئيس لصعود ميليشيات طائفية مرتبطة بأجندات خارجية، ما قوض وحدة الدولة وساهم في ارتكاب جرائم واسعة[20].

من هنا، تتضح الأهمية الاستراتيجية لبدء عملية نزع السلاح الثقيل للفصائل الثورية اولًا وقبل كل شيء، يليها حل هذه الفصائل بالتدريج وإعادة دمج عناصرها في صفوف الجيش أو الأجهزة الأمنية على أساس فردي، بعيدًا من مناطق تأثيرها الجغرافية الأصلية. يهدف هذا النهج إلى كسر هيمنة الفصائل المحلية على مناطقها ومنع استمرار نفوذها العسكري والسياسي الذي قد يعوق جهد توحيد المؤسسة العسكرية وضمان احتكار الدولة للقوة بصورة مشروعة. كما يتيح الدمج الفردي إعادة تأهيل المقاتلين وإدماجهم في أجهزة الدولة وفق القوانين والمعايير الوطنية والدولية، بدلًا من أن يبقوا أداة للصراع أو النفوذ الخاص.

يشمل هذا الإطار أيضًا ضرورة منع تشكيل أي فصائل جديدة، ووقف التمويل الخارجي للفصائل القائمة، إضافة إلى السيطرة الصارمة على التحويلات المالية المرتبطة بها. كما يجب حصر رواتب جميع العناصر تدريجًا بإشراف وزارة الدفاع لضمان المساءلة والشفافية، ومنع أي تحويل للولاء من المؤسسة الرسمية نحو فصائل موازية. ويُفضل أن تنطلق آلية الدمج والتحكم دائمًا من المركز نحو الأطراف، بدءًا بالعاصمة دمشق بوصفها أولوية استراتيجية.

في هذا السياق، يبرز الدور الحاسم للمجتمع الدولي، أكان هذا الدور عبر تقديم الدعم المالي واللوجستي لضمان استمرارية البرنامج، أم من خلال توفير الخبرات التقنية والتدريبية لضمان تطبيقه بكفاءة وشفافية. كما ينبغي أن تضطلع المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، بدور الوسيط الضامن لمتابعة الالتزامات ومنع أي طرف من استغلال العملية سياسيًا أو محاولة عرقلة تنفيذها، بما يعزز صدقية البرنامج وثقة الأطراف المحلية والدولية فيه.

بهذا التكامل بين الجهد الوطني المنظم والدعم الدولي، يمكن تحويل عملية نزع السلاح وإعادة الإدماج من مجرد إجراء تقني إلى خطوة استراتيجية أساسية لتعزيز الاستقرار، وإعادة بناء دولة قوية تحافظ على أمنها ووحدة أراضيها، وتكفل انتقالًا ديمقراطيًا سلميًا بعيدًا من نفوذ الفصائل المسلحة أو مصادر تمويلها الخارجية.

الإخفاق في تنفيذ برنامج نزع السلاح وإعادة الإدماج ستترتب عليه تداعيات جسيمة على استقرار سورية ومستقبلها السياسي والاجتماعي. إذ سيعزز هيمنة الميليشيات وزعمائها، الذين قد يتحولون بالتدريج من قادة عسكريين إلى أمراء حرب يعملون تحت ستار الدولة الشكلية، مستفيدين من شرعنة وجودهم عبر اختراق المؤسسات الرسمية. ومع الوقت، سينتقل الصراع من ميدان المواجهة العسكرية والسياسية المباشرة إلى فضاء اقتصادي وإجرامي، حيث يصبح السلاح والنفوذ أدوات للسيطرة على الأسواق غير الشرعية.

في هذا السياق، من المرجح أن تعود الشبكات القديمة المرتبطة بنظام الأسد إلى النشاط، مستفيدة من خبرتها السابقة في إدارة نشاط اقتصادي غير قانوني. وعند تلاقي مصالح هذه الشبكات مع مصالح الميليشيات الجديدة، قد يتشكل اقتصاد موازٍ قائم على الاتجار بالمخدرات، وعمليات الخطف وطلب الفدية، والاتجار بالبشر. وهكذا، تتحول الميليشيات من فاعلين عسكريين إلى شبكات مافيوية متجذرة، ما يؤدي إلى تقويض أسس الدولة من خلال تأكّل بنيتها الاقتصادية والمؤسساتية، وإعادة إنتاج مناخ الفساد والعنف الذي كانت العدالة الانتقالية تهدف إلى تجاوزه.

هذا السيناريو لا يهدد فقط جهد إعادة بناء الدولة، بل يعمّق فقدان الثقة الشعبية ويغذي النزعات الانفصالية، ويجعل تحقيق الاستقرار الشامل أمرًا شبه مستحيل. لذلك، يصبح نجاح برنامج نزع السلاح وإعادة الإدماج أمرًا استراتيجيًا وحيويًا، ليس خيارًا ثانويًا، فهو الخط الفاصل بين تأسيس دولة حديثة قادرة على إدارة شؤونها وفق القانون، وبين الانزلاق إلى واقع من الفوضى المؤسسية واقتصاد الجريمة المنظم.

الخاتمة

العدالة الانتقالية تُعد آلية محورية لكسر دائرة العنف ومنع تكرار الانتهاكات والجرائم، من خلال تحويل صراعات المظلوميات المتراكمة إلى ذاكرة وطنية جامعة تساهم في توحيد المجتمع السوري على أساس العدالة والمواطنة. ولتحقيق هذا الهدف، يشترط أولًا وقبل كل شيء وضع حد فوري لممارسات القتل والتحريض الطائفي، إذ لا يمكن الحديث عن عدالة حقيقية في ظل استمرار قرع طبول الحرب أو التهديد باستخدام القوة. ويستلزم ذلك الانتقال تدريجًا نحو ثقافة الحوار، وقبول الاختلاف، والاحتكام إلى آليات السياسة والقانون، مع معالجة المخاوف والتخوفات الحالية والتاريخية والمستقبلية لكل فئة وجماعة وطائفة وإثنية في المجتمع.

فالعدالة الانتقالية تمثل خطوة جوهرية نحو ترسيخ دولة القانون ومؤسساتها، لكنها قد تتحول إلى أداة بيد السلطة المسيطرة لتكريس الاستبداد والتعسف إذا لم تُدار بحذر. فهي حين تُخطط بعناية ويشارك فيها جميع القوى السياسية والمجتمعية، وتنال دعمًا دوليًا، مثل الأمم المتحدة، ويصاحبها دعم شعبي واسع، يمكنها أن تمهد الطريق لمستقبل مستقر ومزدهر يقوم على العدالة والمساواة. أما إذا جرى التعامل معها على نحو مستعجل أو شكلي، أو وُظّفت سياسيًا لشرعنة السلطة القائمة، أو تُركت تحت قيادة نخبة محدودة كما هي الحال اليوم، فإنها ستفتح مجددًا أبواب العنف، وتغذي الصراعات الكامنة، وتعوق جهد بناء الدولة.

المراجع

– Avocats sans frontières, “Tunisie : le rapport de l’Instance Vérité et Dignité (IVD) disponible en anglais!”, mis en ligne le 24 juillet 2020; URL: https://asf.be/fr/blog/2020/07/24/tunisia-the-truth-and-dignity-commission-reportavailable-in-english/ (consulté le 19 septembre 2021).
– B. Barthe, “En Libye, la radicalité de la loi d’épuration menace de déstabiliser le pays”, Le Monde, 30 mai 2013K. Andrieu, La Justice transitionnelle : de l’Afrique du Sud au Rwanda, Paris, Folio, 2012, p. 27.
C. Hmed, “Au-delà de l’exception tunisienne : les failles et les risques du processus révolutionnaire”, Pouvoirs- vol. 1, n° 156, 2016, p. 137-147.
– e.a. “Cambodge: les “chambres extraordinaires” vues de l’intérieur. Entretien avec Maître François Roux”, Mouvements, n° 53, 2008/1, p. 158-165.
– International Center for Transitional Justice, “Le processus de justice de transition au Burundi. Défis et perspectives”, ICJT Briefing, 18 avril 2011, en ligne; URL: https://www.ictj.org/sites/default/files/ICTJ BurundiProcessus-de-Justice-2011-French.pdf (consulté le 19 septembre 2021).
– K. Kasher, “Justice transitionnelle, de quoi s’agit-il ? Sa remarquable qualité réside en son caractère !”, in PNUD, La Constitution de la Tunisie. Processus, principes et perspectives, 2016, en ligne; URL: https://www.tn.undp.org/.
– K. Andrieu, “La politique de la justice transitionnelle: concurrence victimaire et fragmentation du processus en- Tunisie”, Les Cahiers de la justice, n° 3, 2015, p. 354.
– L. A. Ammour, “La Libye en fragments”, Annuaire français des relations internationales, vol. XIV, 2013, p. 653-678.
– N. Benghellab, “From Myths to the Realities of Transitional Justice. Therapeutic Catharsis, Nation (Re)Building and Political Legitimation”, Champ pénal/Penal Field, vol. XIII, 2016, mis en ligne le 12 février 2016; URL: http://journals.openedition.org/champpenal/9235 (consulté le 12 février 2023).
– Nations unies, Conseil de sécurité, Rétablissement de l’état de droit et administration de la justice pendant la période de transition dans les sociétés en proie à un conflit ou sortant d’un conflit – Rapport du Secrétaire général, 2016, § 8 S/2004/616.
– O. Rovetta, “Une justice transitionnelle en chantier : le cas du Rwanda”, Crime, Histoire & Société, vol. 21, n° 2, 2017, p. 143-153.
R. G. Teitel, “Transitional Justice Genealogy”, Harvard Human Rights Journal, vol. 16, 2003, p. 69-94.
– S. Haddad, “Les impasses dangereuses de la transition libyenne”, Annuaire IEMed de la Méditerranée, 2014, p. 219- 221.
– S. Haddad, “Insécurité, exclusion et blocage politiques dans une Libye fragmentée”, L’Année du Maghreb, 11, 2014, p. 231-249.
– S. Sendiane, “L’intervention de l’OTAN en Libye”, in Actes du Colloque international, Monde arabe et Amérique latine: confluence des dynamiques sociétales, Paris, L’Harmattan, 2019, p. 161-192.
– S. Sendiane, S. Degee, “Comprendre la crise syrienne: lecture d’une tragédie”, in S. Degee, A. Mancon (dir.), une décennie d’exil syrien: présences et inclusion en Europe, Paris, L’Harmattan, 2021, p. 23-41.
– S. Lefranc, “La justice transitionnelle, une justice pour les temps nouveaux ?”, in É. Gobe (dir.), Des justices en transition dans le monde arabe? Contributions à une réflexion sur les rapports en justice et politique, Rabat, Éditeur Jacques-Berque, 2016, p. 211-234.


1-
ميشيل شماس، قضاء غير مؤهّل يتصدّر مشهد العدالة في سورية، العربي الجديد، (21 آب/ أغسطس 2025).
2- Voyez R. G. Teitel, «Transitional Justice Genealogy», Harvard Human Rights Journal, vol. 16, 2003, p. 69-94.
3- Nations unies, Conseil de sécurité, Rétablissement de l’état de droit et administration de la justice pendant la période de transition dans les sociétés en proie à un conflit ou sortant d’un conflit – Rapport du Secrétaire général, 2016, § 8, S/2004/616
4- K. Andrieu, La Justice transitionnelle : de l’Afrique du Sud au Rwanda, Paris, Folio, 2012, p. 27
5- Nations unies, Conseil de sécurité, Communiqué de presse, «Syrie: pour la première fois depuis le début du conflit, le Conseil de sécurité fait preuve d’unité en adoptant une feuille de route pour la paix», 18 décembre 2015, CS/12171.
6- K. Kasher, «Justice transitionnelle, de quoi s’agit-il? Sa remarquable qualité réside en son caractère!», in PNUD, La Constitution de la Tunisie. Processus, principes et perspectives, 2016, en ligne; URL: https://www.tn.undp.org/.
7- K. Andrieu, «La politique de la justice transitionnelle: concurrence victimaire et fragmentation du processus en Tunisie», Les Cahiers de la justice, n° 3, 2015, p. 354.
8- S. Lefranc, «La justice transitionnelle, une justice pour les temps nouveaux?», in É. Gobe (dir.), Des justices en transition dans le monde arabe? Contributions à une réflexion sur les rapports en justice et politique, Rabat, Éditeur Jacques-Berque, 2016, p. 211-234.
9- S. Sendiane, «L’intervention de l’OTAN en Libye», in Actes du Colloque international, Monde arabe et Amérique latine: confluence des dynamiques sociétales, Paris, L’Harmattan, 2019, p. 161-192.
10- S. Sendiane, S. Degee, «Comprendre la crise syrienne: lecture d’une tragédie», in S. Degee, A. Mancon (dir.), Une décennie d’exil syrien: présences et inclusion en Europe, Paris, L’Harmattan, 2021, p. 23-41.
11- O. Rovetta, «Une justice transitionnelle en chantier: le cas du Rwanda», Crime, Histoire & Société, vol. 21, n° 2, 2017, p. 143-153.
12- Voyez e.a. «Cambodge: les “chambres extraordinaires” vues de l’intérieur. Entretien avec Maître François Roux», Mouvements, n° 53, 2008/1, p. 158-165.
13- International Center for Transitional Justice, «Le processus de justice de transition au Burundi. Défis et perspectives», ICJT Briefing, 18 avril 2011, en ligne; URL: https://www.ictj.org/sites/default/files/ICTJ BurundiProcessus-de-Justice-2011-French.pdf (consulté le 19 septembre 2021).
14- Avocats sans frontières, «Tunisie: le rapport de l’Instance Vérité et Dignité (IVD) disponible en anglais!», mis en ligne le 24 juillet 2020; URL: https://asf.be/fr/blog/2020/07/24/tunisia-the-truth-and-dignity-commission-reportavailable-in-english/ (consulté le 19 septembre 2021).
15- C. Hmed, «Au-delà de l’exception tunisienne: les failles et les risques du processus révolutionnaire», Pouvoirs, vol. 1, n° 156, 2016, p. 137-147.
16- Voyez B. Barthe, «En Libye, la radicalité de la loi d’épuration menace de déstabiliser le pays», Le Monde, 30 mai 2013.
17- S. Haddad, «Insécurité, exclusion et blocage politiques dans une Libye fragmentée», L’Année du Maghreb, 11, 2014, p. 231-249.
18- N. Benghellab, «From Myths to the Realities of Transitional Justice. Therapeutic Catharsis, Nation (Re)Building and Political Legitimation», Champ pénal/Penal Field, vol. XIII, 2016, mis en ligne le 12 février 2016; URL: http:// journals.openedition.org/champpenal/9235 (consulté le 12 février 2023).
19- S. Haddad, «Les impasses dangereuses de la transition libyenne», Annuaire IEMed de la Méditerranée, 2014, p. 219- 221.
20- L. A. Ammour, «La Libye en fragments», Annuaire français des relations internationales, vol. XIV, 2013, p. 653-678.

  • دكتوراه في القانون الدولي العام من جامعة السوربون، أستاذ مساعد بكلية الحقوق، جامعة الأصالة، السعودية (2023). باحث في قسم القانون العام، جامعة بروكسل الحرة (2018–2022). من مؤلفاته ومنشوراته: أطروحة دكتوراه: دمقرطة العالم العربي: المثال الليبي؛ كتاب القانون العام بعد القنابل – مشاريع الإصلاح الدستوري والتشريعي لسوريا ديمقراطية، جامعة بروكسل، 29 حزيران/ يونيو؛ مقالة بحثية: فهم الأزمة السورية: قراءة مأساة، ضمن كتاب عقد من المنفى: الوجود السوري والاندماج في أوروبا، هارمتان، لييج/باريس، 2021؛ مقالة بحثية: من المؤتمر السوري العام 1919 إلى المؤتمر الوطني 2025: دروس الماضي ومخاطر الحاضر والمستقبل، شبكة سوريا المستقبل؛ مقالة بحثية: قراءة في الإعلان الدستوري السوري: رؤية نقدية، شبكة سوريا المستقبل.

مشاركة المقال: