الإعلان الدستوري السوري والمرحلة الانتقالية: قراءة قانونية سياسية مقارنة

ملخص

تقدم هذه الدراسة قراءة قانونية–سياسية للإعلان الدستوري السوري الصادر في شباط/ فبراير 2025 في عقب سقوط النظام السابق، بوصفه الإطار المنظم للمرحلة الانتقالية. وتركز على تحليل مدى التزام الإعلان بمبادئ سيادة القانون والشرعية والمشروعية، بوصفها الركائز الأساسية لضمان انتقال سلمي نحو دستور دائم ودولة مؤسسات.

تعتمد الدراسة منهجًا تحليليًا مقارنًا، إذ تتناول بنية الإعلان ومقدمته وأحكامه العامة، وتفحص تنظيم السلطات الثلاث وآليات توزيع الصلاحيات بينها، ثم تقيس مدى انسجامه مع المرجعيات الدولية، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 2254 والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. كما تقارن التجربة السورية بنماذج انتقالية أخرى، لاستخلاص الدروس الكفيلة بتعزيز البناء الدستوري المؤقت.

وتخلص النتائج إلى أن الإعلان، على الرغم مما يتضمنه من نقاط إيجابية مثل تأكيد وحدة الدولة ومكافحة الفساد وإدماج بعض المرجعيات الدولية، يعاني من ثغرات خطرة، أبرزها ازدواجية المرجعية بين الفقه الإسلامي والاتفاقيات الدولية، وتركيز السلطة التنفيذية في يد الرئيس المؤقت على حساب استقلال السلطتين التشريعية والقضائية، وتجاهل الإطار الأممي المنظم للعملية الانتقالية.

وتقترح الدراسة جملة من التوصيات العملية لمعالجة هذه التناقضات، من بينها إعادة ضبط المرجعية القانونية، وتعزيز الفصل بين السلطات، وتقييد صلاحيات الرئيس، وضمان استقلال القضاء، وربط الإعلان بالقرار 2254. وبذلك تسعى الدراسة إلى المساهمة في وضع أساس قانوني أكثر صلابة للمرحلة الانتقالية، بما يحقق الشرعية الداخلية ويكفل الاعتراف الدولي.

مخطط البحث

مقدمة

القسم الأول
الفصل الأول: الإطار العام للإعلان الدستوري ومبادئ سيادة القانون
المبحث الأول: مفهوم الإعلان الدستوري ووظيفته في المراحل الانتقالية
المبحث الثاني: مبادئ سيادة القانون والشرعية والمشروعية

الفصل الثاني: البنية القانونية والسياسية للإعلان الدستوري السوري
المبحث الأول: مقدمة عامة
المبحث الثاني: بنية الإعلان
المبحث الثالث: تحليل المبادئ الأساسية

الفصل الثالث: تحليل السلطات في الإعلان الدستوري السوري
المبحث الأول: السلطة التشريعية
المبحث الثاني: السلطة التنفيذية
المبحث الثالث: السلطة القضائية
المبحث الرابع: التناقض بين النص الدستوري والتطبيق العملي

خلاصة القسم الأول

القسم الثاني
الفصل الأول: موقع القرار الأممي 2254 في العملية الدستورية السورية
المبحث الأول: خلفية القرار وأهميته
المبحث الثاني: موقع الإعلان الدستوري من القرار 2254
المبحث الثالث: أوجه التعارض بين الإعلان الدستوري والقرار 2254

الفصل الثاني: قراءة مقارنة في مصادر التشريع الدستوري
المبحث الأول: التجربة المصرية (مبادئ الشريعة كمصدر رئيسي)
المبحث الثاني: التجربتان التونسية والمغربية (الفصل النسبي بين الدين والقانون)
المبحث الثالث: النماذج التي اعتمدت الفقه أو الشريعة وأثرها في الحقوق والحريات

خلاصة القسم الثاني
الخاتمة واستخلاص النتائج
التوصيات العملية للمرحلة الانتقالية

مقدمة

يثور سؤال جوهري عند قراءة الإعلان الدستوري السوري الصادر في شباط/ فبراير 2025: هل يمكن لوثيقة تصدر عن سلطة انتقالية قائمة بحكم الأمر الواقع، وفي ظل اضطراب سياسي وأمني عميق، أن تؤسس فعلًا لمرحلة انتقالية نحو دولة القانون؟ أم إنها تنطوي على خطر تكريس السلطة الفردية وإعادة إنتاج أنماط حكم غير ديمقراطية بوسائل جديدة؟

فبينما تؤكد مقدمة الإعلان قيم الوحدة والحرية والعدالة، تكشف مواده عن تناقضات بنيوية عميقة، من أبرزها ازدواجية المرجعية بين الفقه الإسلامي والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وتركيز غير مبرر للصلاحيات بيد الرئيس المؤقت، وتجاهل المرجعية الأممية المتمثلة بقرار مجلس الأمن رقم 2254. هذه التناقضات تثير إشكالية إضافية: هل نحن أمام وثيقة تأسيسية تهدف إلى ضبط السلطة وبناء مؤسسات، أم أمام نص سياسي يعكس موازين القوى الآنية أكثر مما يعكس رؤية دستورية جامعة؟

إن فعالية أي إعلان دستوري في مرحلة انتقالية كهذه تتوقف على مدى انسجام نصوصه مع مبادئ سيادة القانون، ووضوح أسس الشرعية، وارتباطه الوثيق بالمشروعية التي تقتضي خضوع جميع السلطات للقانون وعدم جواز اتخاذ أي إجراء خارج إطاره. ومن هنا، تحاول هذه الدراسة معالجة هذه الإشكاليات والإجابة عن الأسئلة المطروحة، من خلال تحليل نصوص الإعلان الدستوري السوري في ضوء المرجعيات الدستورية والمقارنات الدولية، وصولًا إلى تقويم مدى قدرته على أن يكون جسرًا نحو دولة القانون والمؤسسات، لا مجرد غطاء لإعادة إنتاج السلطة.

القسم الأول
الفصل الأول: الإطار العام للإعلان الدستوري ومبادئ سيادة القانون
المبحث الأول: مفهوم الإعلان الدستوري ووظيفته في المراحل الانتقالية

يُعدّ الإعلان الدستوري وثيقة مؤقتة تصدر في ظروف استثنائية تمر بها الدولة، عادةً عقب تحوّل سياسي كبير أو انهيار النظام الدستوري القائم. وهو يهدف إلى تنظيم عمل السلطات العامة وضمان الحقوق والحريات إلى حين وضع دستور دائم يعبّر عن الإرادة الشعبية. وتستمد هذه الوثيقة مشروعيتها من طبيعة المرحلة الانتقالية نفسها، لا من الآليات التقليدية لوضع الدساتير التي تفترض استقرارًا سياسيًا ومؤسسيًا غير متوافر في مثل هذه اللحظات[1].

ويمثل الإعلان الدستوري في جوهره أداة لضمان استمرارية الدولة وعدم سقوط مؤسساتها في الفراغ، خصوصًا عندما يكون الدستور السابق معلّقًا أو غير صالح لإدارة الواقع الجديد. ولذلك تعمل الوثيقة الانتقالية على تحديد قواعد ممارسة السلطة، وضبط العلاقة بين مؤسسات الحكم، وتأمين الحد الأدنى من الحقوق والحريات، إلى أن تُنجز عملية صياغة دستور دائم أكثر استقرارًا وشمولًا[2].

من الناحية القانونية، يتميز الإعلان الدستوري عن الدستور الدائم في ثلاثة جوانب رئيسة:

الطبيعة المؤقتة: فهو يسري لفترة انتقالية محددة، قد تُضبط بمدة زمنية أو بحدث سياسي معين (مثل إقرار دستور جديد).
المضمون المرن: يتضمن قواعد أساسية لتنظيم السلطات وضمان الحقوق، من دون الدخول في تفاصيل تشريعية موسعة.
مصدر الشرعية: غالبًا ما يستمد شرعيته من السلطة القائمة بحكم الأمر الواقع، أو من اتفاق سياسي، أو من اعتراف داخلي ودولي بالسلطة التي تصدره، وليس من استفتاء شعبي مباشر كما هي الحال في الدستور الدائم.

وقد عرف التاريخ السياسي الحديث نماذج متعددة للإعلانات الدستورية، مثل الإعلان الدستوري المصري لعام 2011 الذي صدر في عقب ثورة 25 كانون الثاني/ يناير، والإعلان الدستوري الليبي لعام 2011، وكلاهما جاء ليملأ فراغًا دستوريًا ويضبط المرحلة الانتقالية، مع تفاوت في مدى التزامهما بمبادئ الديمقراطية وسيادة القانون. وفي هذه النماذج كلها، يُعد الإعلان الدستوري حجر الأساس للشرعية خلال الفترة الانتقالية، إذ يحدد شكل الحكم، ويوزع السلطات، ويضع الحدود التي تمنع تغوّل أي سلطة على أخرى.

المبحث الثاني: مبادئ سيادة القانون والشرعية والمشروعية

تُعد مبادئ سيادة القانون والشرعية والمشروعية من الركائز الجوهرية لأي نظام دستوري، وتتضاعف أهميتها في الفترات الانتقالية التي تلي سقوط أنظمة استبدادية أو نشوب نزاعات مسلحة، إذ تشكّل هذه المبادئ الضمانة الأساسية لمنع عودة الاستبداد، وضبط ممارسة السلطة، وضمان حماية الحقوق والحريات[3].

وإلى جانبها، يقوم البناء الدستوري المتماسك على ركائز أخرى مثل الفصل بين السلطات والتوازن المؤسسي، استقلال القضاء والرقابة الدستورية، حماية الحقوق والحريات الأساسية، المساءلة والشفافية، المشاركة الشعبية في صياغة النصوص الدستورية، وسمو الدستور وعلوه على القوانين العادية.

ومع ذلك، سيركّز هذا البحث على العناصر الثلاثة الأولى (سيادة القانون، الشرعية، المشروعية) بوصفها المدخل النظري الأكثر ارتباطًا بإشكاليات الإعلان الدستوري السوري، في حين ستُناقَش الركائز الأخرى ضمنًا في ثنايا الدراسة عند تحليل النصوص المتعلقة بالسلطات والحقوق والحريات.

أولًا: سيادة القانون

يقوم مبدأ سيادة القانون على خضوع جميع سلطات الدولة – التشريعية والتنفيذية والقضائية – للقواعد القانونية الأعلى مرتبة، بحيث تمارس كلّ سلطة اختصاصاتها ضمن الحدود التي يضعها الدستور أو الإعلان الدستوري. غير أنّ التجارب الدستورية المقارنة والفقه الدستوري يكادان يجمعان على أنّ النصّ على هذا المبدأ لا يكفي وحده لتحقيقه ما لم تُدعمه ضمانات مؤسسية فعلية، وفي مقدّمتها استقلال القضاء، وعدّ حقّ التقاضي حقًا أصيلًا مكفولًا للجميع، إضافة إلى وجود آليات رقابية فعّالة تكبح تغوّل السلطة التنفيذية وتمنعها من تجاوز اختصاصاتها.

وتشير الدراسات الدستورية العربية والغربية على السواء إلى أنّ الدولة لا تُعدّ دولة قانون لمجرّد وجود نصّ يعلن ذلك، بل حين تلتزم السلطات العمل بهذا المبدأ التزامًا عمليًا[4]. فالعبرة ليست بالصياغة الدستورية، بل بوجود مؤسسات مستقلة تُطبّق القانون على الجميع بلا استثناء، حكّامًا ومحكومين، وبوجود ضمانات تمنع أي سلطة من إعفاء نفسها من رقابة القانون[5].

ويؤكد اجتهاد المحكمة الإدارية العليا في مصر – في العديد من أحكامها خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي – هذا الفهم حين قررت أن الدولة القانونية لا تتحقق إلا بالخضوع التام لأحكام الدستور والقانون، سواء في تنظيم العلاقة بين السلطات أو في تعاملها مع الأفراد، وأن أي خروج على هذه الحدود يحوّل السلطة من سلطة دستورية مقيدة إلى «سلطة فعلية» قائمة على الغلبة لا على المشروعية[6].

ثانيًا: الشرعية (Legality)

يقصد بالشرعية، في المفهوم القانوني، خضوع القرارات والأعمال الصادرة عن السلطات العامة للقاعدة القانونية الأعلى مرتبة، أكانت دستورًا، أم إعلانًا دستوريًا، أم قانونًا صادرًا عن الجهة المختصة. وتتحقق الشرعية عندما تُمارس السلطة صلاحياتها ضمن الحدود التي رسمها لها النص الأعلى، بحيث يكون كلّ تصرف عام قائمًا على سند قانوني صحيح ومطابقًا للغرض الذي حدده المشرّع.

ولا تُعدّ الشرعية مجرد التزام شكلي بوجود نص، بل هي أساس جوهري لقيام الدولة القانونية وضمان خضوع الإدارة للقانون. ويؤكد الفقه الإداري أن السلطة العامة لا يجوز لها اتخاذ أي إجراء إلا إذا كان القانون قد منحها هذا الاختصاص أصلًا، وأن استعمال هذا الاختصاص يجب أن يلتزم الغاية التي شرع من أجلها، وإلا عُدّ خروجًا على مبدأ الشرعية وانحرافًا بالسلطة[7].

ثالثًا: المشروعية (Legitimacy)

تتجاوز المشروعية المفهوم القانوني الضيّق للشرعية، إذ لا تقتصر على مطابقة القرار أو الإجراء للنصوص القانونية النافذة، بل ترتبط بمدى اتساق ممارسة السلطة مع القيم والمبادئ التي تمنحها قبولًا اجتماعيًا وسياسيًا. فالمشروعية تعبّر عن البعد القيمي والأخلاقي في ممارسة السلطة؛ ذلك البعد الذي يجعل المواطنين يمتثلون لها طوعًا، ويمنح المؤسسات العامة قدرًا من الاحترام والثقة، ويحول دون انزلاقها إلى مجرد ممارسة قسرية للقوة حتى وإن استندت إلى نصوص قانونية[8].

ويقدّم علم الاجتماع السياسي، ولا سيما في أعمال ماكس فيبر، فهمًا ثلاثيًا لأنماط المشروعية يقوم على:

  1. المشروعية التقليدية: المرتبطة بالعادات والتقاليد والسلطة الموروثة.
  2. المشروعية الكاريزمية: القائمة على الصفات الشخصية أو القيادة الاستثنائية للفرد.
  3. المشروعية القانونية – العقلانية: التي تستند إلى قواعد عامة مجرّدة، وتُعد النموذج المميز للدولة الحديثة التي تستمد فيها السلطة العامة قوتها من احترام القانون.

ومن هذا المنظور، فالسلطة قد تكون شرعية لأنها تستند إلى نص قانوني صحيح، لكنها تظل غير مشروعة إذا فقدت القبول العام، أو إذا مورست بطريقة تتعارض مع العدالة والمساواة وحقوق الإنسان. ولهذا تؤكد الأدبيات الدستورية أن المشروعية تمثل البعد الاجتماعي للشرعية: أي رضا الناس عن أسلوب الحكم، وقناعتهم بعدالة النظام، واستعدادهم للامتثال له دون قسر[9].

وفي المراحل الانتقالية على وجه الخصوص، لا يكفي أن يصدر القرار داخل الإطار القانوني المرسوم؛ بل يجب أن يُبنى على توافق وطني، وأن يستجيب لحاجات العدالة الانتقالية، ويحترم المشاركة السياسية. فالقرارات التي تفتقر لهذا البعد، حتى لو كانت “شرعية” من حيث الشكل، تظل منقوصة المشروعية سياسيًا وأخلاقيًا، لأنها لا تعبّر عن روح القانون ولا عن التوقعات الأخلاقية والاجتماعية للمواطنين[10].

رابعًا: التلازم بين الشرعية والمشروعية

رغم التمييز النظري بين الشرعية والمشروعية، فإن العلاقة بينهما علاقة تكامل لا انفصال. فالشرعية تعبّر عن الجانب القانوني الإجرائي لممارسة السلطة، أي مدى توافق القرار أو الفعل مع النصوص القانونية النافذة. أما المشروعية فتمثل البعد القيمي والسياسي، باعتبارها تعبيرًا عن قبول المجتمع لأسلوب ممارسة السلطة، وما إذا كان منسجمًا مع مبادئ العدالة والحرية والرضا العام[11].

وتذهب الأدبيات الدستورية والسياسية إلى أنّ السلطة قد تكون شرعية لأنها تستند إلى نص قانوني صحيح، لكنها تظل بلا مشروعية إذا فقدت ثقة المجتمع أو مارست صلاحياتها بطريقة تتعارض مع قيم العدالة أو تهدد الحريات. فالمشروعية لا تتوقف عند حدود الالتزام الحرفي بالقانون، بل تقوم على درجة الانسجام بين ممارسة السلطة والمعايير الأخلاقية والاجتماعية التي تمنحها قبولًا واستقرارًا[12].

وبذلك، تشكّل الشرعية الأساس القانوني لممارسة السلطة، بينما تمثل المشروعية مصدر القبول والاعتراف الاجتماعي بها. ويؤدي غياب أحدهما إلى خلل مباشر في بناء الدولة: فسلطة شرعية بلا مشروعية تصبح سلطة شكلية تفتقر إلى الاحترام العام، في حين أن سلطة مشروعة بلا شرعية قانونية تتحول إلى نفوذ واقعي بلا سند دستوري.

كما تؤكد الدراسات المعاصرة أن سيادة القانون لا تتحقق بمجرد وجود نصوص نافذة، بل بمدى احترام هذه النصوص لمعايير الشرعية والمشروعية معًا: فالشرعية تعكس الانضباط للنظام القانوني، أما المشروعية فتعبّر عن انسجام هذا النظام مع مبادئ العدالة والقيم الأخلاقية. ومن ثمّ، لا يستقر النظام السياسي إلا عندما يجتمع الأساسان معًا[13].

وعلى مستوى المراحل الانتقالية، تصبح العلاقة بين الشرعية والمشروعية أكثر حساسية، إذ إن الشرعية القانونية للإعلانات الدستورية تبقى ناقصة ما لم ترافقها مشروعية سياسية قائمة على تمثيل فعلي للقوى الوطنية، وتوازن مؤسسي يمنع انفراد السلطة التنفيذية بالقرار. وأي انفصال بين المفهومين – سواء بقرارات تتجاوز حدود الصلاحيات القانونية أو بتوجهات تفتقر إلى التوافق المجتمعي – يشكّل تهديدًا مباشرًا لمسار الانتقال الديمقراطي، ويحوّل الإعلان الدستوري من ضمانة لتقييد السلطة إلى غطاء لإعادة إنتاجها[14].

خامسًا: المشروعية التأسيسية للدساتير الانتقالية

تؤكد الأدبيات الدستورية الحديثة أنّ الدساتير المؤقتة لا تستمد قوتها من سلطة توقيعها فحسب، بل مما يسمى المشروعية التأسيسية، أي قدرتها على التعبير عن الإرادة الجمعية في لحظة تاريخية مفصلية. ووفق هذا المفهوم، لا يُعدّ الإعلان الدستوري مجرد نص تنظيمي، بل وثيقة تُفترض فيها القدرة على استعادة الشرعية السياسية للدولة بعد انهيار النظام السابق، عبر إشراك مختلف القوى الوطنية في صياغتها أو في مسار اعتمادها. ومن ثمّ، فإن أي إعلان يصدر في غياب هذا التمثيل الواسع يبقى محدود المشروعية، حتى وإن كان صحيحًا من الناحية الشكلية، لأنه لا يعكس الإرادة التأسيسية المشتركة التي تُعدّ الأساس الفعلي لبناء نظام دستوري دائم ومستقر[15].

الفصل الثاني: البنية القانونية والسياسية للإعلان الدستوري السوري
المبحث الأول: مقدمة عامة
أولًا: الظروف السياسية التي صدر فيها الإعلان

صدر الإعلان الدستوري السوري بوصفه محاولة لملء الفراغ الدستوري الذي أعقب سقوط النظام السابق وتعطّل العمل بدستور 2012. وقد جاء بوصفه نصًا موقتًا لتنظيم المرحلة الانتقالية وتهيئة الطريق نحو مؤتمر تأسيسي ودستور دائم. غير أنّ ظروف صدوره اتسمت باضطراب سياسي وأمني واقتصادي عميق، ومن دون توافق وطني راسخ أو دعم دولي مكتمل، الأمر الذي جعل مشروعيته موضع جدل واسع، على الرغم من تمتّعه بقدر من الشرعية القانونية بوصفه الإطار الوحيد الناظم لمؤسسات الدولة بعد الانهيار.

وتكشف التجربة السورية عن خصوصية واضحة: فالإعلان استمد شرعيته أساسًا من واقع سيطرة السلطة الانتقالية على مؤسسات الدولة ومن الاعتراف الدولي الجزئي بها، لكنه لم يُنتج عبر عملية تشاركية شاملة أو مرجعية وطنية جامعة. وبذلك، يمكن القول إن شرعيته قائمة لكنها محدودة النطاق، إذ تفتقر إلى عنصر التمثيل الشعبي الواسع الذي يمنح الوثيقة الانتقالية قوة سياسية وأخلاقية تضمن استقرارها.

وهذا ما تؤكده الأدبيات الدستورية المقارنة التي ترى أنّ الدساتير المؤقتة لا يكفي أن تصدرها سلطة قائمة بحكم الأمر الواقع، بل ينبغي أن تستمد قوتها من مشروعية أوسع تقوم على المشاركة الشعبية والتوافق الوطني؛ وإلا تحوّلت إلى مجرد أداة لتكريس السلطة الانتقالية نفسها بدل أن تكون جسرًا فعليًا نحو نظام ديمقراطي مستقر[16].

وعليه، يبرز التساؤل حول مدى التزام الإعلان الدستوري السوري بمبادئ سيادة القانون والشرعية والمشروعية، ومدى اتساقه مع خارطة الطريق الأممية المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن 2254[17] الذي يشدد على العملية السياسية التشاركية وعلى ضرورة صياغة دستور جديد عبر مسار وطني شامل يضمن التمثيل الحقيقي لجميع السوريين.

ثانيًا: المرجعيات المعلنة لصياغة الإعلان

أشارت مقدمة الإعلان إلى مبادئ عامة مثل وحدة البلاد واحترام حقوق الإنسان، كما نصت المقدمة على أن الإعلان يستند إلى القيم الوطنية والإنسانية الراسخة، وإلى روح الدساتير السورية السابقة، ولا سيما دستور عام 1950، وإلى مخرجات “مؤتمر الحوار الوطني” المنعقد في 25 شباط/ فبراير 2025. وأشارت إلى أن هذه المخرجات مثّلت حالة وفاق وطني حول قضايا كبرى، مثل وحدة البلاد، وتحقيق العدالة الانتقالية، وضمان التعايش والسلم الأهلي، وتنظيم شؤون المرحلة الانتقالية على أسس الحكم الرشيد. لكن مقدمة الإعلان الدستوري تجاهلت المرجعية الدولية الأبرز المتمثلة بقرار مجلس الأمن 2254 (2015). ويُعد هذا التجاهل ثغرة واضحة، إذ حرم النص من ربطه بالإطار الدولي الوحيد المعترف به لتنظيم الانتقال السياسي في سورية، الأمر الذي أضعف وزنه القانوني والسياسي على الصعيدين الداخلي والخارجي، وهذا ما سنأتي على تفصيله لاحقًا.

المبحث الثاني: بنية الإعلان

يتكون الإعلان الدستوري السوري من مقدمة وأربعة أبواب، تتوزع على: الأحكام العامة، والحقوق والحريات، ونظام الحكم خلال المرحلة الانتقالية، ثم الأحكام الختامية. ويمثل هذا البناء الهيكلي الصيغة المعتادة في الوثائق الدستورية الانتقالية.

أولًا: مقدمة الإعلان وأسباب صدوره

تُعد مقدمة الإعلان الدستوري وثيقة سياسية وقانونية في آن واحد، إذ تضع الإطار المرجعي والتاريخي الذي انطلق منه النص، وتحدد الغايات التي يسعى لتحقيقها خلال المرحلة الانتقالية. فقد ربطت المقدمة صدور الإعلان بلحظة “النصر” و”التحرير” في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، بعد مسار ثوري امتد قرابة أربعة عشر عامًا، وانتهى بسقوط النظام السابق. وأكدت على حماية هذا “الانتصار” وضمان عدم تكرار الاستبداد، وترسيخ أسس العدالة، وتحقيق العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا، وبناء دولة المواطنة والحرية وسيادة القانون.

وعلى الرغم من أن النص لم يتضمن بابًا خاصًا بعنوان “الأسباب الموجبة”، إلا أن هذه الأسباب يمكن استخلاصها من المقدمة، وتشمل:

تنظيم المرحلة الانتقالية وضبط العلاقة بين السلطات.
حماية وحدة الأراضي السورية ومنع التقسيم أو الانفصال.
ضمان الحقوق والحريات وفق المعايير الدولية.
منع عودة الاستبداد أو إعادة إنتاجه بصيغ جديدة.
تحقيق العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا.

ثانيًا: التحليل النقدي لبنية الإعلان

جاء الإعلان الدستوري الصادر في شباط/ فبراير 2025 ليحلّ محل دستور 2012 الموروث عن النظام السابق، ويوفر الإطار الدستوري للمرحلة التي تلت سقوط السلطة القائمة آنذاك. وقد كان يُفترض أن يؤدي وظيفتين رئيسيتين:

  1. تنظيم المرحلة الانتقالية بما يضمن الفصل بين السلطات وحماية الحقوق والحريات.
  2. تهيئة البيئة السياسية والقانونية لصياغة دستور دائم عبر عملية سياسية شاملة ومتفق عليها.

إلا أنّ مقدمة الإعلان اختارت لغة تعبويّة، مستخدمة مصطلحات مثل “النصر” و”التحرير”. وعلى الرغم من قيمتها الرمزية في الخطاب السياسي، فإن إدراجها في نص دستوري يثير ثلاث إشكاليات أساسية:

  1. الحياد والجامعية: الوثيقة الدستورية يجب أن تصاغ بلغة محايدة، لأنها موجّهة إلى مجتمع منقسم يحتاج إلى قواعد جامعة لا تعكس شعور “طرف منتصر” مقابل “طرف مهزوم”. فاللغة الأيديولوجية تُضعف من قابلية النص ليكون أساسًا للتوافق الوطني.
  2. السياق التاريخي للمصطلحات: مفردات “التحرير والنصر” تُستخدم عادة في سياق مقاومة الاحتلال الأجنبي، بينما الحالة السورية كانت نزاعًا داخليًا أعقب ثورة على نظام استبدادي، لا حرب استقلال وطنية.
  3. انفصال الخطاب عن الواقع: التمسّك بالخطاب الثوري بعد تحوّل النزاع إلى صراع ذي أبعاد مناطقية وطائفية يعكس إنكارًا للواقع، ويعيد إنتاج لغة فصائلية بدل أن يقدّم خطابًا تأسيسيًا وطنيًا مشتركًا.

ولا يمكن النظر إلى هذا الخيار اللغوي بوصفه تفصيلًا ثانويًا؛ فهو يعكس اتجاهًا سياسيًا يتكرر لاحقًا في أحكام الإعلان، حيث تميل النصوص إلى تثبيت شرعية السلطة الانتقالية على أساس السيطرة الفعلية، لا على أساس التوافق الوطني. وهذا النهج يتعارض مع فلسفة المراحل الانتقالية التي تستوجب –بالضرورة– لغة جامعة وقواعد محايدة، خصوصًا عندما يكون المجتمع في حالة انقسام عميق.

كما أن ما تذكره المقدمة عن انعقاد “مؤتمر حوار وطني” لا يطابق الواقع؛ إذ لم يكن المؤتمر إلا تجمعًا شكليًا، بتمثيل محدود اختارته السلطة الانتقالية بصورة منفردة، وبصفة شخصية لا جماعية، وبمدة زمنية قصيرة لم تسمح بمناقشة القضايا الوطنية الأساسية. وهكذا، لم يتحوّل المؤتمر إلى منصة لإنتاج توافقات حقيقية، بل ظل حدثًا رمزيًا بلا أثر فعلي في صياغة الإعلان.

وعلى الرغم من أن المقدمة أعلنت مبادئ سامية تتعلق بالحقوق والعدالة، فإن كثيرًا من الأحكام اللاحقة لم يأتِ منسجمًا معها، أكان من حيث تركيز الصلاحيات الواسعة في يد الرئيس المؤقت، أم من حيث إدراج نصوص متناقضة في المرجعية القانونية والدينية، كما سيأتي تفصيله في الفصول التالية. هذا الانفصال بين ما هو مُعلن وما هو مُطبّق يثير تساؤلات حول جدية الالتزام بروح النص التأسيسي، ويعزّز الانطباع بأن الاعتبارات السياسية الآنية غلبت مقتضيات الصياغة الدستورية الرصينة.

وتشير الأدبيات الدستورية المقارنة إلى أن الوثائق الدستورية المؤقتة يجب أن تُصاغ بلغة محايدة وواضحة، لأنها تستهدف مجتمعًا يمر بمرحلة إعادة بناء، وأي نزعة أيديولوجية داخل النص تفتح الباب لتفسيرات متعارضة وتقوّض الاستقرار القانوني[18]. كما أنّ المشروعية لا تتحقق بالنصوص وحدها، بل بمدى قدرتها على التعبير عن قيم العدالة والقبول الاجتماعي؛ وهو ما يشترط لغة مؤسسة للجماعة السياسية كلها، لا لغة تُقصي جزءًا منها[19].

المبحث الثالث: تحليل المبادئ الأساسية

يفتتح الإعلان الدستوري السوري ببابه الأول المعنون بـ “المبادئ العامة”، ويضم مجموعة من القواعد التي يُفترض أن تمثل الإطار القيمي والقانوني الناظم للمرحلة الانتقالية، مثل:

الحفاظ على وحدة البلاد.
احترام حقوق الإنسان.
ضمان المساواة بين المواطنين.
تحديد هوية الدولة ومصادر التشريع.

وعلى الرغم من أن هذه المبادئ تبدو في ظاهرها متسقة مع المعايير الدولية ذات الصلة ببناء الدول في المراحل الانتقالية، إلا أن القراءة التحليلية المتأنية تكشف عن تناقضات بنيوية تهدد انسجام النص. ومن أبرزها ما ورد في المادة (3) التي تجعل الإسلام المصدر الرئيسي للتشريع، مع إقرارها في الوقت نفسه بحرية الاعتقاد، في حين تؤكد المادة (12) التزام الدولة بالاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان.

هذه الصياغة المزدوجة تفتح الباب أمام اجتهادات قضائية متعارضة، وتسمح بتفسيرات متباينة قد تُوظَّف سياسيًا أو أيديولوجيًا، بما يهدد استقرار النظام القانوني ويضعف اليقين التشريعي. ويظهر التوتر جليًا بين ثلاث مرجعيات متنافسة:

الشريعة الإسلامية.
حرية الاعتقاد.
الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان.

إن الجمع بين هذه المرجعيات المتباينة في نص واحد من دون وضع آلية واضحة للترجيح أو التوفيق بينها، ينذر بصعوبات كبيرة في التطبيق، خصوصًا في المجالات ذات الحساسية العالية مثل:

الأحوال الشخصية.
حرية التعبير.
حقوق المرأة.
حقوق الأقليات الدينية.

ويؤدي هذا التناقض إلى غياب الانسجام القيمي في النص الدستوري، الأمر الذي يفتح المجال أمام السلطات المختلفة لاستخدام النصوص بانتقائية، تبعًا لموازين القوى السياسية أو لضغوط اجتماعية ودينية، بدل أن تكون هذه النصوص قاعدة موحدة حاكمة تؤسس لسيادة القانون والمواطنة المتساوية.

وفي سياق المراحل الانتقالية، فإن غياب الانسجام في المبادئ الأساسية يُضعف القدرة على بناء توافق وطني جامع، ويزيد من احتمالات النزاع حول تفسير النصوص وتطبيقها، ما قد يفضي إلى إعادة إنتاج الانقسامات المجتمعية والسياسية بدل تجاوزها[20].

الفصل الثالث: تحليل السلطات في الإعلان الدستوري السوري

المبحث الأول: السلطة التشريعية في الإعلان الدستوري

أولًا: الإطار العام للسلطة التشريعية

ينظم الإعلان الدستوري السوري في مواده (24–30) السلطة التشريعية، التي أناط بها مهمة سن القوانين ومراقبة أداء الحكومة خلال المرحلة الانتقالية. ويحمل هذا المجلس اسم “مجلس الشعب”، على غرار ما كان قائمًا في الدساتير السابقة، مع بعض التعديلات في آلية تشكيله وصلاحياته.

ثانيًا: آلية التشكيل

تنص المادة (24) على أن يتألف المجلس من عدد محدد من الأعضاء، يُعيَّن ثلثهم من الرئيس المؤقت مباشرة، بينما يُنتخب الثلثان الباقيان عبر لجنة يشكّلها الرئيس نفسه. هذه الصيغة تمنح الرئيس سلطة التحكم في اختيار جميع الأعضاء، أكان بصورة مباشرة أم غير مباشرة، ما يضعف استقلالية المجلس ويجعل تبعيته للسلطة التنفيذية أمرًا واقعًا.

هذا الترتيب يتناقض مع مبدأ الفصل بين السلطات، إذ يُفترض في السلطة التشريعية أن تمثل الإرادة الشعبية بقدر من الاستقلال، لا أن تتحول إلى أداة تصديق على قرارات الرئيس.

ثالثًا: الصلاحيات المحدودة

على الرغم من أن الإعلان يمنح المجلس سلطة مناقشة وإقرار القوانين، فإن هذه الصلاحية مقيّدة بغياب أي آليات دستورية تتيح للمجلس مساءلة الرئيس أو تقييد سلطته في التعيين أو الإقالة. هذه القيود تجعل الوظيفة التشريعية للمجلس أقرب إلى دور استشاري شكلي منها إلى سلطة تشريعية مكتملة الصلاحيات.

رابعًا: التعارض مع المعايير الدولية

إن صيغة تشكيل المجلس وصلاحياته في الإعلان الدستوري تخالف المعايير الدولية للمراحل الانتقالية التي تشترط وجود سلطة تشريعية مستقلة تمثل أوسع قاعدة اجتماعية ممكنة، وتتمتع بضمانات مؤسسية تمنع تدخل السلطة التنفيذية في عملها. فنجاح أي انتقال ديمقراطي لا يقوم على الانتخابات أو التعددية الحزبية وحدهما، بل على بناء مؤسسات تشريعية فعّالة قادرة على تمثيل المواطنين، وتفعيل قنوات المشاركة، وممارسة الرقابة والمحاسبة السياسية على السلطة التنفيذية. ومن دون برلمان مستقل يمتلك هذه الأدوات، تصبح العملية السياسية شكلية وتفقد قدرتها على إنتاج توازن حقيقي داخل النظام الانتقالي[21].

كما أن هذا الترتيب لا ينسجم مع روح قرار مجلس الأمن رقم 2254 الذي يشدد على “عملية انتقالية شاملة” تضمن التعددية السياسية، وتوسّع قاعدة التمثيل داخل المؤسسات التشريعية، وتكفل مشاركة مختلف الأطياف الوطنية في صياغة قوانين المرحلة الانتقالية. إن إضعاف السلطة التشريعية، أو تشكيلها بآليات لا تحقق التمثيل الفعلي، يناقض جوهر هذا القرار، ويحدّ من قدرة الإعلان الدستوري على أن يكون إطارًا جامعًا لبناء نظام ديمقراطي مستقر.

خامسًا: الأثر على العملية الانتقالية

يؤدي ضعف استقلال السلطة التشريعية إلى نتائج سلبية مباشرة على مسار الانتقال، من أبرزها:

إضعاف الرقابة البرلمانية على أداء الحكومة.
تعطيل إمكانية مراجعة أو تعديل السياسات التشريعية المخالفة للمصلحة العامة.
فقدان ثقة المواطنين بالمؤسسات الجديدة، بوصفها امتدادًا لمنطق الحكم الفردي بصيغة دستورية شكلية.

وبذلك، فإن الترتيب الحالي للسلطة التشريعية في الإعلان الدستوري يعكس اختلالًا جوهريًا في توازن السلطات، ويهدد بتحويل العملية الانتقالية إلى إعادة إنتاج لهيمنة السلطة التنفيذية على كامل البنية المؤسسية.

المبحث الثاني: السلطة التنفيذية في الإعلان الدستوري

أولًا: الإطار العام وصلاحيات السلطة التنفيذية

ينظّم الإعلان الدستوري السوري في مواده (31–42) السلطة التنفيذية، محددًا موقع رئيس الجمهورية المؤقت في قمة الهرم التنفيذي، ودوره المركزي في إدارة شؤون الدولة خلال المرحلة الانتقالية. وتشمل صلاحياته:

تولي منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة.
تعيين وإقالة الوزراء ونواب الرئيس وكبار الموظفين المدنيين والعسكريين.
تمثيل الدولة في المحافل الدولية والتوقيع على المعاهدات والتصديق عليها.
إصدار اللوائح التنفيذية والتنظيمية.
اقتراح القوانين، والمصادقة عليها بعد إقرارها من مجلس الشعب، أو الاعتراض عليها وإعادتها للمجلس.
منح العفو الخاص.
إعلان حالة الطوارئ بعد موافقة مجلس الأمن القومي.

هذه الصياغة، إضافة إلى ما تنص عليه المواد المتعلقة بالسلطتين التشريعية والقضائية، من صلاحيات خطرة لمصلحة السلطة التنفيذية، تمنح الرئيس المؤقت نطاقًا واسعًا من الصلاحيات التنفيذية والسياسية، وهو ما يجعل منصبه المحور الأساسي في إدارة المرحلة الانتقالية.

ثانيًا: غلبة الطابع الرئاسي وتركيز السلطة

على الرغم من أن فلسفة المرحلة الانتقالية تقتضي توزيع الصلاحيات لضمان التوازن المؤسسي، فإن صياغة المواد في الباب الثالث “نظام الحكم خلال المرحلة الانتقالية”، تكرّس نموذجًا رئاسيًا مركزيًا، حيث تُمنح معظم الصلاحيات التنفيذية للرئيس من دون ضوابط رقابية فعّالة.

فتشكيل مجلس الشعب والمحكمة الدستورية، والتعيينات الوزارية والسياسية، وإدارة السياسة الخارجية والدفاع، وإصدار اللوائح، جميعها تتم بقرار منفرد من الرئيس، من دون اشتراط موافقة أو مشاركة من هيئات تشريعية أو رقابية مستقلة، ما يفتح الباب أمام انفراد السلطة التنفيذية بالقرار.

ثالثًا: ضعف الضمانات المؤسسية للرقابة

يكشف الإعلان الدستوري عن قصور في آليات الرقابة على الرئيس المؤقت، إذ:

لا توجد آلية صريحة لمساءلته أو حجب الثقة عنه من جانب مجلس الشعب.
يغيب تحديد إجراءات واضحة لعزله أو تقييد سلطاته في حال الانحراف عن مهمات المرحلة الانتقالية.

هذا الفراغ الرقابي يتناقض مع مبادئ الحوكمة التي تشدد على المساءلة السياسية والقضائية[22]. وحتى مع تبرير هذه الإجراءات بدواعي الإصلاح أو الكفاءة، فإنها تكشف عن ميل واضح لتركيز الصلاحيات التنفيذية على حساب دور المؤسسات الأخرى.

رابعًا: الأثر على الشرعية والمشروعية

إن استمرار هذا النمط من تركيز السلطة التنفيذية، مع غياب آليات رقابية فعّالة، يؤدي إلى:

إضعاف الشرعية القانونية إذا تجاوزت القرارات الصلاحيات المقررة نصيًا.
فقدان المشروعية السياسية في حال غياب التوافق الوطني على القرارات.
تهديد مبدأ الفصل بين السلطات بإتاحة تأثير مفرط للسلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية.

هذه النتائج تتناقض مع أهداف المرحلة الانتقالية في بناء دولة القانون والمؤسسات، وقد تؤدي إلى إعادة إنتاج أنماط الحكم المركزي التي كانت أحد أسباب النزاع.

المبحث الثالث: السلطة القضائية في الإعلان الدستوري

أولًا: الإطار العام للسلطة القضائية

ينظم الإعلان الدستوري السلطة القضائية في مواده (49–58)، ويؤكد في مادته (49) أن:

“السلطة القضائية مستقلة، ويضمن رئيس الجمهورية هذا الاستقلال، ويعاونه في ذلك مجلس القضاء الأعلى”.

كما ينص على أن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأي سلطة التدخل في شؤون العدالة أو القضايا المنظورة أمام المحاكم.

ثانيًا: الهيكل المؤسسي للسلطة القضائية

وفق الإعلان الدستوري، يتكون النظام القضائي من:
مجلس القضاء الأعلى: الهيئة الإدارية العليا المسؤولة عن شؤون القضاة من تعيين وترقية وتأديب.
المحكمة الدستورية العليا: تتخصص بالرقابة على دستورية القوانين والمراسيم.
النيابة العامة والمحاكم بمختلف درجاتها وأنواعها.

ثالثًا: مواطن الخلل في ضمان الاستقلال

هيمنة السلطة التنفيذية على التعيين: يمنح الإعلان الرئيس المؤقت سلطة تعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية العليا، من دون معايير استقلال أو ضمانات حياد، ما يضعف الرقابة الدستورية ويخلّ بمبدأ الفصل بين السلطات.
التأثير عبر السلطة التشريعية: آلية تشكيل مجلس الشعب تمكّن الرئيس من التحكم في تركيبته، ومن ثم بالتشريعات المنظمة للقضاء، مثل قانون السلطة القضائية ومجلس القضاء الأعلى، بما يفتح الباب أمام التدخل السياسي.
غياب الحماية من العزل التعسفي: لم يضع الإعلان نصوصًا تحصّن القضاة من العزل أو النقل غير المبرر، ما يجعلهم عرضة لضغوط سياسية تمس استقلالهم الوظيفي.

رابعًا: أثر ذلك في سيادة القانون

إن غياب الضمانات المؤسسية لاستقلال القضاء يقوّض مبدأ سيادة القانون، ويحوّل القضاء من سلطة رقابية مستقلة إلى أداة بيد السلطة التنفيذية. وفي السياق الانتقالي، يصبح الخطر أكبر، إذ تحتاج البلاد إلى جهاز قضائي محايد لضمان الحقوق ومحاسبة الانتهاكات.

خامسًا: التناقض مع المعايير الدولية

تنص المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استقلال السلطة القضائية (1985) على أن اختيار القضاة وترقيتهم يجب أن يتم على أساس الكفاءة والنزاهة، من خلال هيئة مستقلة أو بآلية متوازنة بين السلطات. أما الصيغة السورية الحالية، فتبقي يد السلطة التنفيذية العليا في التعيين والإعفاء، ما يتعارض مع تلك المعايير[23].

سادسًا: الانعكاسات على العدالة الانتقالية

في أي عملية انتقالية، يمثل القضاء المستقل حجر الزاوية في تنفيذ برامج العدالة الانتقالية، مثل:

كشف الحقيقة.
جبر الضرر.
محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة.

إلا أن استمرار تحكم السلطة التنفيذية في مفاصل القضاء يهدد بتحويله إلى سلطة شكلية، غير قادرة على التصدي للقضايا الحساسة أو محاسبة النافذين.

المبحث الرابع: التناقض بين النص الدستوري والتطبيق العملي

يُفترض بالإعلان الدستوري الصادر في شباط/ فبراير 2025 أن يشكّل المرجعية العليا الناظمة للمرحلة الانتقالية، بحيث يمثّل الخروج على أحكامه انتهاكًا مباشرًا لمبدأ سيادة القانون. غير أن التجربة السورية كشفت عن جملة من الخروقات التي طالت جوهر المبادئ المعلنة، أكانت في مجال الحقوق والحريات، أم في توزيع الصلاحيات، أم في آليات صناعة القرار.

أولًا: خرق مبدأ سيادة القانون

على الرغم من أن المادة (18) من الإعلان الدستوري نصّت صراحة على حظر التعذيب والاحتجاز التعسفي، إلا أن الممارسات الموثقة، بتقارير حقوقية عن وفاة معتقلين تحت التعذيب[24]، تكشف تناقضًا مباشرًا بين النص والتطبيق، وهو ما يقوّض مبدأ سيادة القانون.

ثانيًا: خرق مبدأ الشرعية

تنص المواد (24–30) من الإعلان على أن سلطة التشريع تعود لمجلس الشعب، غير أن السلطة التنفيذية تجاوزت اختصاصها المحدد دستوريًا بإصدار مرسوم تعديل قانون الاستثمار (14 تموز/ يوليو 2025)، وهو إجراء تشريعي صرف. كما أن إعلان تبعية مؤسسة الطيران المدني مباشرة للرئاسة من دون نص منشور يتعارض مع متطلبات الشفافية ويفتقر إلى السند الدستوري. هذه الممارسات تكشف خرقًا مباشرًا لمبدأ الشرعية، إذ تجاوزت السلطة التنفيذية الصلاحيات المنصوص عليها في الإعلان.

ثالثًا: خرق مبدأ المشروعية

حتى في الحالات التي استندت فيها السلطة إلى نصوص قانونية شكلية، فإن التطبيق جاء مشوبًا بغياب العدالة أو المشاركة الشعبية. فالفصل التعسفي للموظفين استند إلى نصوص فضفاضة استُخدمت لإقصاء جماعي من دون ضمانات قضائية، وهو ما أفرغ القانون من روحه وحوّله إلى أداة إقصاء.

أمّا الحالة الأبرز في خرق مبادئ سيادة القانون والشرعية والمشروعية، فتتمثّل بقرار وزير الخارجية بإنشاء «الأمانة العامة للشؤون السياسية» في آذار/ مارس 2025. ويكشف هذا القرار عن خلل جوهري لسببين رئيسيين:

  1. إن إنشاء جهة عامة جديدة ذات اختصاصات وموارد عامة هو عمل تشريعي بطبيعته، ويجب أن يصدر بقانون عن مجلس الشعب وفقًا للمواد (24–30) التي تحصر سلطة سنّ القوانين بالمجلس وحده. ومن ثم، فإن إصدار هذا القرار بمرسوم وزاري يمثّل تجاوزًا مباشرًا لمبدأ الاختصاص وتقويضًا لوظيفة السلطة التشريعية.
  2. حتى في إطار «التنظيم الداخلي» للوزارة، فإن منح وحدة إدارية صلاحيات سياسية تتجاوز نطاق العمل الوزاري، أو تمكينها من التصرف في أصول عامة أو إدارة ملفات سياسية عليا، لا يدخل ضمن صلاحيات الوزير، ويتعارض مع مبدأ التدرج في القواعد القانونية الذي يمنع أي سلطة فرعية من إنشاء اختصاصات لم يمنحها لها القانون.

ويبرز هذا الخرق بصورة أوضح عند النظر إلى أن قوة النصوص الدستورية والمرحلية لا تستمدّ مشروعيتها من مجرد صدورها عن سلطة انتقالية، بل من مدى تعبيرها عن الإرادة العامة واحترامها لقيم العدالة والقبول الاجتماعي. فكما يشير عدد من فقهاء القانون الدستوري[25]، فإن المشروعية هي البعد القيمي للشرعية، وغياب هذا البعد يحوّل النصوص – مهما كانت صياغتها – إلى أدوات قسر تفتقر إلى الاعتراف الشعبي والأخلاقي. وعليه، فإن قرارًا وزاريًا يتجاوز الحدود القانونية من دون سند من البرلمان، وفي غياب توافق عام، يجسد نموذجًا واضحًا لسلطة شرعية شكليًا لكنها غير مشروعة من حيث المضمون والأثر.

رابعًا: إشكالية التعديل الدستوري

تنص المادة (50) من الإعلان الدستوري على أن تعديل نصوصه لا يتم إلا بموافقة ثلثي أعضاء مجلس الشعب، وبناءً على اقتراح رئيس الجمهورية. وعلى الرغم من أن هذا الشرط يعكس في ظاهره رغبة في إضفاء قدر من الاستقرار على النصوص الدستورية الانتقالية، إلا أن بنيته تكشف عن خلل جوهري يؤثر في مبدأ الفصل بين السلطات. فمن جهة أولى، يخضع تشكيل مجلس الشعب لهيمنة الرئيس الذي يعين ثلث أعضائه ويشكل اللجنة العليا المسؤولة عن اختيار الهيئات الناخبة لبقية الأعضاء (المادة 24)، الأمر الذي يحدّ من استقلالية المجلس ويجعل موافقته على التعديلات انعكاسًا لإرادة السلطة التنفيذية. ومن جهة ثانية، قصر حق اقتراح التعديل على رئيس الجمهورية وحده يحول دون مشاركة بقية السلطات أو القوى السياسية والمجتمعية في تطوير النصوص، ويجعل عملية الإصلاح الدستوري مرهونة بقرار السلطة التنفيذية.

وبذلك، فإن المادة (50) تؤدي عمليًا إلى تقييد إمكانات إدخال تعديلات من شأنها تعزيز استقلال السلطات التشريعية والقضائية، أو الحد من صلاحيات السلطة التنفيذية، ما يضعف فرص إعادة التوازن المؤسسي خلال المرحلة الانتقالية.

تكشف هذه الاختلالات عن مفارقة أساسية، فالإعلان الدستوري الذي يفترض أن يكون حاميًا لسيادة القانون وضامنًا للشرعية والمشروعية، تحول في بعض جوانبه إلى أداة لتعزيز مركزية السلطة التنفيذية.

خلاصة القسم الأول

يكشف تحليل الإعلان الدستوري السوري الصادر في شباط/ فبراير 2025 أن الوثيقة، على الرغم من إعلانها التمسك بمبادئ سيادة القانون والشرعية والمشروعية، جاءت مشوبة بثغرات بنيوية وسياسية. فمن جهة، اتبعت البنية الشكلية المألوفة للوثائق الانتقالية، لكنها لم تُترجم جوهر المبادئ المعلنة في المقدمة، إذ برز انفصال واضح بين الشعارات والآليات العملية.

وعلى المستوى المؤسسي، أظهرت الدراسة أن النصوص المنظمة للسلطات الثلاث كرّست تركيزًا مفرطًا للسلطة التنفيذية على حساب مبدأ الفصل بين السلطات. فالسلطة التشريعية حُرمت من استقلالها عبر آليات تعيين غير ديمقراطية، بينما مُنحت السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة من دون ضوابط رقابية فعالة، في حين ظل استقلال القضاء مقيدًا عمليًا بسيطرة السلطة التنفيذية على تعيين القضاة وإدارة شؤونهم.

وتؤكد هذه النتائج أن البنية الحالية للإعلان الدستوري لا تحقق شروط الانتقال الديمقراطي المستقر، بل تهدد بإعادة إنتاج الحكم الفردي. إن نجاح أي إطار دستوري انتقالي يتطلب، إلى جانب النصوص الواضحة، إرادة سياسية جادة لاحترام المبادئ الدستورية، وتوفير ضمانات مؤسسية فاعلة، والالتزام التام بالمرجعيات الدولية، ليكون الانتقال جسرًا نحو دولة القانون والمؤسسات، لا مجرد غطاء لاستمرار السلطة المركزية.

القسم الثاني
الفصل الأول: موقع القرار الأممي 2254 في العملية الدستورية السورية
المبحث الأول: خلفية القرار وأهميته
صدر قرار مجلس الأمن رقم 2254 بالإجماع في 18 كانون الأول/ ديسمبر 2015، ليضع خريطة طريق دولية ملزمة لحل النزاع في سورية. ويُعد هذا القرار المرجعية الأممية الأساسية للعملية السياسية السورية، حيث نص على:

بدء مفاوضات رسمية بين الحكومة والمعارضة برعاية الأمم المتحدة.
وقف إطلاق النار في جميع أنحاء البلاد، مع استمرار محاربة التنظيمات المصنفة إرهابية.
تشكيل هيئة حكم انتقالي ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، تضم ممثلين عن الحكومة والمعارضة، على أساس التوافق المتبادل.
صياغة دستور جديد خلال 18 شهرًا، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة بإشراف الأمم المتحدة.
ضمان وصول المساعدات الإنسانية، والإفراج عن المعتقلين، وتوفير بيئة آمنة ومحايدة لعودة اللاجئين.

المبحث الثاني: موقع الإعلان الدستوري من القرار 2254
جاء الإعلان الدستوري السوري الصادر في شباط/ فبراير 2025 في عقب أحداث سياسية وعسكرية أنهت حكم النظام السابق، وفي ظل استمرار الإشارة إلى القرار 2254 كإطار سياسي وقانوني ملزم. وبالنظر إلى ما نص عليه القرار، كان من المتوقع أن يعكس الإعلان المبادئ الجوهرية الواردة فيه، خصوصًا:

توزيع السلطة التنفيذية بين مكونات المرحلة الانتقالية عبر هيئة حكم موسعة.
إشراك جميع الأطراف في صياغة القواعد الدستورية المؤقتة.
تهيئة بيئة سياسية وقانونية ملائمة لانتخابات حرة بإشراف أممي.

غير أن مراجعة نص الإعلان تكشف عن فجوة واضحة بين مقتضيات القرار ومضمون الوثيقة، خاصة في باب نظام الحكم، حيث منحت مواد الإعلان الدستوري الرئيس المؤقت صلاحيات تنفيذية واسعة، على خلاف فلسفة القرار التي تقوم على تقاسم السلطة وتوازنها.

المبحث الثالث: أوجه التعارض بين الإعلان الدستوري والقرار 2254
تتجلى أوجه التعارض بين الإعلان الدستوري وقرار مجلس الأمن 2254 في بعدين رئيسيين.

  1. البعد الشكلي–المؤسسي، ويتمثل بغياب هيئة حكم انتقالي جامعة كما نصّ القرار، إذ استعيض عنها برئاسة مؤقتة تُجمع لديها الصلاحيات من دون وجود آلية توافقية لاختيار شاغل المنصب. كما أن المادة (24) منحت الرئيس سلطة تسمية ثلث أعضاء مجلس الشعب وتشكيل اللجنة العليا التي تختار الهيئات الناخبة المسؤولة عن انتخاب الثلثين المتبقّيين، وهو ما يتناقض مباشرة مع مبدأ التمثيل الواسع الذي يشكّل جوهر العملية الانتقالية وفق القرار الأممي.
  2. البعد الجوهري–السياسي، ويتعلق بإقصاء بعض المكونات السياسية والاجتماعية. فالإعلان لم يتضمن نصوصًا تكفل إشراك جميع القوى الوطنية في مؤسسات المرحلة الانتقالية، بل جاء بصيغة تُمكّن السلطة التنفيذية القائمة من التحكم في بنية مؤسسات الدولة، خلافًا لفكرة الشمولية والتوافق التي يقوم عليها القرار 2254.

وتجدر الإشارة إلى أن القول بعدم جواز الاستناد إلى نص أو مرجعية دولية في وثيقة دستورية يجانب الحقيقة؛ فالإعلان نفسه ينص في مادته (12) على الالتزام بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ما يثبت عدم وجود مانع قانوني أو فقهي من الإشارة الصريحة إلى القرار 2254. ومن ثم، فإن تجاهل هذه المرجعية الأممية لم يكن نتيجة مقتضيات دستورية، بل خيار سياسي ضيّق أثّر سلبيًا في مكانة الإعلان على المستويين الداخلي والدولي.

وتؤكد الأدبيات الدستورية الحديثة أن الدساتير المؤقتة كثيرًا ما تحتاج إلى اعتراف دولي حتى تكتسب فاعليتها، إذ لا تستمد قوتها من «السلطة القائمة» وحدها، بل من مدى قبول المجتمع الدولي لها وارتباطها بالاتفاقيات والمرجعيات ذات الصلة. ومن هذا المنظور، فإن الابتعاد عن القرار 2254 لم يُضعف فقط موقع الإعلان سياسيًا، بل أدى أيضًا إلى تراجع الشرعية الدولية للسلطة الانتقالية[26].

ولا تقتصر آثار هذه الانحرافات على الجوانب القانونية، بل تمتد لتشمل الثقة الداخلية بين المكوّنات السورية، إذ يساهم تغييب التمثيل الواسع في تغذية النزعات الانقسامية. كما ينعكس ذلك على العملية السياسية الأممية، التي قد تُدفَع نحو مسار موازٍ يتجاوز فكرة التوافق، ويحوّل المرحلة الانتقالية من فرصة لإصلاح السلطة إلى أداة لإعادة إنتاجها بصورة جديدة.

الفصل الثاني: قراءة مقارنة في مصادر التشريع الدستوري

تهدف هذه القراءة المقارنة إلى دراسة موقع المرجعية الدينية في النصوص الدستورية الانتقالية والحديثة، وتحليل انعكاسها على منظومة الحقوق والحريات وسيادة القانون. إذ يُثير إدراج الفقه أو الشريعة الإسلامية بوصفها مصدرًا رئيسًا للتشريع إشكاليات متكررة في التجارب الدستورية العربية والإسلامية، خصوصًا في المراحل الانتقالية، حيث يتقاطع البعد الديني مع متطلبات الشرعية الدولية ومبدأ المساواة.

من خلال مقارنة الإعلان الدستوري السوري مع تجارب دول أخرى (مثل مصر، تونس، المغرب، السودان، إيران، باكستان، وماليزيا)، تسعى هذه الدراسة إلى استجلاء حدود التوافق أو التعارض بين المرجعية الدينية والمرجعيات الحقوقية، واستخلاص الدروس التي قد تساعد في تطوير الصياغة الدستورية السورية بما يضمن الانسجام الداخلي والقبول الدولي.

المبحث الأول: التجربة المصرية (مبادئ الشريعة كمصدر رئيسي)

أدخل تعديل دستور 1971 في مصر عام 1980 عبارة: “مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”، وبقي النص حاضرًا في الدساتير اللاحقة، بما فيها دستور 2012 ودستور 2014، ما جعله أحد أهم مواضع الجدل حول العلاقة بين المرجعية الدينية والالتزامات القانونية الوضعية.

في حكم شهير صدر عام 1985، فسّرت المحكمة الدستورية العليا عبارة “مبادئ الشريعة” بأنها الأحكام قطعية الثبوت والدلالة فقط، أي التي وردت نصوصها في القرآن أو السنة الصحيحة بوضوح لا يحتمل التأويل. أما المسائل الظنية أو المختلف فيها، فتركت للمشرّع حرية تنظيمها وفق المصلحة العامة[27]. بهذا التفسير، حُدّد نطاق الإلزام الدستوري، ما أتاح استمرار القوانين المدنية والتجارية القائمة، مع إدخال تعديلات محدودة فقط لضمان توافقها مع الأحكام القطعية، ويمنع التوظيف الأيديولوجي للنص الديني.

في المقابل، تنص: المادة 3 من الإعلان السوري على أن “الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع”، وهي صيغة أكثر اتساعًا لأنها تحيل إلى اجتهادات بشرية متعددة المذاهب من دون تحديد، ما يفتح الباب أمام تطبيقات متناقضة. كما يفتقر الإعلان السوري إلى آلية تفسير قضائية تضبط هذا النص. النتيجة المحتملة هي تعارض مباشر مع مبدأ المساواة ومع الالتزامات الدولية لحقوق الإنسان.

ومن ثم فإن إدراج مرجعية دينية يحتاج إلى صياغة دقيقة وآلية قضائية مستقلة تحدد نطاقها، وهو ما لم يتحقق في الحالة السورية.

المبحث الثاني: التجربتان التونسية والمغربية (الفصل النسبي بين الدين والقانون)

أولًا: التجربة التونسية

نص الدستور على أن “تونس دولة حرة، الإسلام دينها، والعربية لغتها”، لكنه لم يجعل الشريعة مصدرًا ملزمًا للتشريع. بذلك ثبت الهوية الدينية للدولة في إطار قيمي، مع ترك المجال التشريعي قائمًا على القوانين الوضعية، وإرساء منظومة واسعة من الحقوق والحريات، بما فيها المساواة بين الجنسين وحرية الضمير. هذا الوضوح ساعد في تمرير إصلاحات مدنية مثيرة للجدل (مثل مشروع المساواة في الميراث) من دون تعارض دستوري مباشر.

ثانيًا: التجربة المغربية

نص الدستور على أن “الإسلام دين الدولة”، مع ضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية، وأكد في ديباجته التزام المملكة بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميًا. اعتمد المغرب الشريعة أساسًا في مدونة الأسرة فقط، بينما أبقى بقية الفروع القانونية ضمن الإطار الوضعي. وقد ساعد هذا الترتيب في الحفاظ على الشرعية الرمزية للدين مع تجنب تعارض واسع مع القوانين الدولية.

ثالثًا: المقارنة مع الإعلان الدستوري السوري

بينما تبنت تونس والمغرب صيغة فصل نسبي بين الدين والقانون، فإن النص السوري في مادته (3) جاء عامًا وشاملًا، من دون تحديد لمجالات التطبيق أو آلية لحل التعارض مع الالتزامات الدولية (المادة 12).

بالنتيجة، فإن الهوية الدينية للدولة يمكن تثبيتها بصيغ رمزية أو مقيدة، من دون تحويل الفقه إلى مرجعية شاملة تقيّد النظام القانوني وتضعف الشرعية الدستورية.

المبحث الثالث: النماذج التي اعتمدت الفقه أو الشريعة وأثرها في الحقوق والحريات

أولًا: النماذج التي اعتمدت الشريعة كمصدر شامل للتشريع

السودان (قبل 2019): تطبيق الشريعة بوصفها مصدرًا شاملًا للقوانين أدى إلى تضييق واسع على الحقوق والحريات، وخلق عزلة سياسية وقانونية.
إيران: اعتماد المذهب الجعفري بوصفه أساسًا كاملًا للتشريع مع نظام “ولاية الفقيه” أدى إلى سيطرة رجال الدين على المؤسسات، وتقييد الحريات، وصدام مستمر مع معايير حقوق الإنسان.

ثانيًا: النماذج التي اعتمدت الفقه أو الشريعة في مجالات محددة

ماليزيا: تطبق الشريعة على المسلمين في مسائل الأحوال الشخصية فقط، بينما تخضع باقي القوانين للنظام الوضعي.
باكستان: على الرغم من النص على وجوب توافق القوانين مع القرآن والسنة، فإن التطبيق العملي يترك مجالات واسعة للتشريع الوضعي، ما أدى إلى ازدواجية قانونية.

ثالثًا: المقارنة مع الإعلان الدستوري السوري

المادة (3) لم تحدد نطاق تطبيق الفقه، ما يجعل النص أقرب إلى النماذج الشاملة، مع ما تحمله من مخاطر على الحريات والمساواة. تشير التجارب سابقة الذكر، إلى أن النماذج الشاملة تؤدي غالبًا إلى تقويض الحقوق والحريات، بينما النماذج المقيدة تقلل من حدة التوتر مع الالتزامات الدولية، شرط وجود ضمانات قضائية ودستورية واضحة.

خلاصة القسم الثاني

يشكل القرار 2254 إطارًا قانونيًا دوليًا ملزمًا لجميع الأطراف السورية، وليس مجرد وثيقة سياسية إرشادية. وأي نص دستوري انتقالي يتجاهل مقتضياته أو يفرغه من مضمونه يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع المرجعية الأممية، ويقوض مبدأي الشرعية والمشروعية اللذين يفترض أن يشكلا أساس الحكم في المرحلة الانتقالية. إن الالتزام الجاد بالقرار 2254 لا يمثل فقط شرطًا للقبول الدولي، بل ضمانة أساسية لانتقال سياسي سلمي ومستدام.

كما تُظهر المقارنة أن إدراج مرجعية دينية في نصوص دستورية انتقالية مسألة بالغة الحساسية. نجاحها أو إخفاقها لا يتوقف فقط على الصياغة، بل على وجود مؤسسات قضائية وسياسية قادرة على ضبط التفسير وضمان التوازن بين الهوية الدينية والالتزامات الدولية. وفي الحالة السورية، فإن الصياغة الحالية للمادة (3) بصيغتها الفضفاضة، وغياب آليات تفسير قضائية مستقلة، تجعل الإعلان أقرب إلى النماذج التي أضعفت الشرعية الدستورية بدل أن تعززها.

وتؤكد التجارب الدولية أن وضوح النصوص، والفصل المتوازن بين السلطات، وضمان استقلال القضاء، وإدماج المرجعية الدولية – كما نص عليها القرار الأممي 2254 – هي معايير أساسية لأي انتقال ناجح. ومن دون هذه العناصر، يبقى الإعلان عرضة للتأويل الانتقائي ويصعب أن يشكل قاعدة صلبة للاستقرار الدستوري.

الخاتمة واستخلاص النتائج

خلصت هذه الدراسة إلى أن الإعلان الدستوري السوري الصادر في شباط/ فبراير 2025 لم يرتقِ إلى مستوى التحديات التي يفترض أن تعالجها وثيقة تأسيسية في مرحلة انتقالية. فبينما حمل في مقدمته شعارات الوحدة والحرية والعدالة، جاءت نصوصه العملية محمّلة بتناقضات بنيوية، أكان ذلك في المرجعية القانونية بين الفقه الإسلامي والالتزامات الدولية، أم في التوازن بين السلطات الذي مال بوضوح لمصلحة السلطة التنفيذية. كما أن غياب الإشارة الصريحة إلى القرار الأممي 2254 أضعف من موقع الإعلان على الصعيد الدولي، وقلل من قدرته على أن يشكّل أساسًا شرعيًا ومشروعًا للانتقال السياسي.

تبيّن المقارنة مع التجارب الدولية (جنوب أفريقيا، تونس، تشيلي، المغرب، وغيرها) أن نجاح المراحل الانتقالية يستند إلى وضوح النصوص، وضمان استقلال القضاء، والتوزيع المتوازن للسلطات، ودمج المرجعية الدولية ضمن البنية الدستورية، وهي عناصر لم تتوافر بالقدر الكافي في الحالة السورية.

انطلاقًا مما سبق، يمكن تلخيص النتائج الأساسية في ما يأتي:

  1. غياب التوازن بين الشرعية والمشروعية، إذ استند الإعلان إلى منطق الأمر الواقع أكثر من التوافق الوطني أو القبول الدولي.
  2. تركيز الصلاحيات في يد الرئيس المؤقت، ما أضعف السلطتين التشريعية والقضائية.
  3. تقييد استقلالية مجلس الشعب والقضاء، وتحويلهما إلى أدوات تابعة للسلطة التنفيذية.
  4. ازدواجية المرجعية بين الفقه الإسلامي والاتفاقيات الدولية، بما يفتح الباب أمام تأويلات متناقضة.
  5. تجاهل القرار الأممي 2254، ما قلل من الشرعية الدولية للإعلان وجعله أقرب إلى وثيقة سياسية داخلية.
  6. المادة (50) كرّست تحكم السلطة التنفيذية في آلية تعديل الإعلان، فقيّدت إمكانات إصلاحه وضمنت استمرار اختلال توازن السلطات.

التوصيات العملية للمرحلة الانتقالية

استنادًا إلى التحليل السابق، تُقترح الخطوات الآتية بمنزلة خريطة طريق لضمان توافق الإعلان الدستوري مع متطلبات المرحلة الانتقالية وفقًا لمبادئ سيادة القانون وأهداف القرار الأممي 2254، وبما يعزز الشرعية والمشروعية ويحمي الحقوق والحريات:

أولًا: ترسيخ المرجعية القانونية والدولية

إعادة صياغة المادة (3) بصياغة قيمية عامة أو تقييدها بآلية تفسير قضائية مستقلة.
ربط الإعلان الدستوري صراحة بالقرار الأممي 2254 بوصفه المرجعية الدولية الملزمة.
تأكيد التزامات حقوق الإنسان وسمو المعايير الدولية عند التعارض مع التشريعات الوطنية.

ثانيًا: تعزيز مبدأ الفصل بين السلطات

تعديل المادة (50) لإتاحة مبادرة التعديل من جهات متعددة (السلطة التشريعية، المجتمع المدني، الاستفتاء الشعبي)، ومنع احتكار الرئيس لهذه الصلاحية.
ضمان استقلال السلطتين التشريعية والقضائية عبر آليات انتخابية وقضائية محصّنة من تدخل السلطة التنفيذية.
بناء مؤسسات رقابية ومشاركة شعبية.

ثالثًا: تقليص صلاحيات الرئيس وربطها برقابة برلمانية وقضائية فعالة
إنشاء محكمة دستورية انتقالية مستقلة للفصل في النزاعات وضبط التناقضات الدستورية.
إشراك المجتمع وقواه المدنية في أي عملية تعديل أو تطوير للنصوص، بما يعزز المشروعية الوطنية ويمنع احتكار القرار.

ختامًا، إن التعامل مع النصوص القانونية، أكانت دستورية أم تشريعية عادية، يقتضي الالتزام الشامل بما ترسخه من حقوق وضمانات، وليس الاكتفاء بما يخدم تحقيق مصلحة ما. فالصياغة القانونية تقوم على وحدة القيم وتكاملها، بحيث تراعي منظومة المبادئ العامة في سيادة القانون والعدالة والمساواة وصون الكرامة الإنسانية. وعندما تُصاغ النصوص بهذا الاتساق، تكتسب مشروعيتها الحقيقية وتتحول إلى مرجع لصيانة الدولة وضمان وحدتها واستقرارها.

قائمة المراجع

أولًا: المراجع العربية

• أبو خطوة. أحمد، مبدأ المشروعية وسيادة القانون. القاهرة: دار النهضة العربية، 1990.
• الطماوي. سليمان، الوسيط في القانون الدستوري. القاهرة: دار الفكر العربي، 1985.
• عبد الله. عبد الغني بسيوني، النظرية العامة للقانون الإداري. القاهرة: دار النهضة العربية، 1996.

ثانيًا: المراجع الأجنبية والمترجمة

• International IDEA.، الدساتير المؤقتة: أدوات لحفظ السلام وبناء الديمقراطية، ترجمة عربية، ستوكهولم: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، 2021.
• UNSC. Resolution 2254 (2015). ، نيويورك: مجلس الأمن، 2015.
• الإعلان الدستوري وتحديات التحول السوري، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أيار/ مايو 2025.
• UN. Rule of Law Indicators. ، نيويورك: الأمم المتحدة، 2011.
• الأمم المتحدة، مكتب حقوق الإنسان، المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، نيويورك: 1985.
• برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الحوكمة.
• Peter, Fabian. “Political Legitimacy.” In: The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2020 Edition), Edward N. Zalta (ed.).
ترجمة: موقع حكمة، تاريخ الاطلاع: 19/08/2025.

ثالثًا: الأحكام القضائية
• حكم محكمة القضاء الإداري (الدائرة الأولى)، الدعوى رقم 9418 لسنة 11 قضائية، جلسة 14/1/2012.
• المحكمة الدستورية العليا، الدعوى رقم 8 لسنة 17 قضائية. جامعة مينيسوتا، مكتبة حقوق الإنسان.

1- جوني عاصي، “مفهوم ‘الدساتير المؤقتة’ قراءة في التحول الدستوري في فلسطين”، 2020، ص 15.
2- “الإعلان الدستوري أو الدستور المؤقت هو وثيقة ذات طبيعة انتقالية تصدر في أعقاب تغيّر سياسي جذري أو سقوط نظام حكم، وتهدف إلى تنظيم السلطات العامة وضمان الحقوق والحريات ريثما يتم وضع دستور دائم. وتستمد هذه الوثيقة مشروعيتها من طبيعة المرحلة الاستثنائية التي تمر بها الدولة، أكثر مما تستمدها من الآليات التقليدية لإصدار الدساتير.
3- علياء زكريا، “الإشكاليات الدستورية للفترات الانتقالية”، 2018، ص 22.
4- “الغاية الأساسية من الإعلان الدستوري هي توفير إطار مؤقت يضمن استمرار الدولة ومؤسساتها خلال المرحلة الانتقالية، عبر تنظيم السلطات العامة وضبط ممارستها، وضمان الحقوق والحريات، إلى حين التوصل إلى دستور دائم يعكس الإرادة الشعبية”.
5- أحمد أبو خطوة، مبدأ المشروعية وسيادة القانون، (القاهرة: دار النهضة العربية، 1990)، ص 15–18.
6- “إن الدولة لا تعدّ دولة قانون إلا إذا خضعت سلطاتها كافة لقاعدة قانونية تعلو عليها جميعًا، بحيث لا تملك سلطة من سلطاتها ممارسة اختصاص لم يقرره القانون، ولا يجوز لها الانحراف به عن الغاية التي شرع من أجلها. وسيادة القانون هي الضمانة الأولى لحماية الحقوق والحريات، وهي الحاجز الذي يمنع عودة الاستبداد في أي نظام سياسي.”
7- سليمان الطماوي، الوسيط في القانون الدستوري، (1985)، ص 112.
8- أبو خطوة، ص 25.
9- حكم محكمة القضاء الإداري (الدائرة الأولى)، في الدعوى رقم 9418 لسنة 11 قضائية (جلسة 14/1/4112).
10- “إن مبدأ سيادة القانون يقتضي أن تكون تصرفات الإدارة جميعها محكومة بالقانون، وألا تخرج في مباشرتها لاختصاصاتها عن حدود ما رسمه لها، فإن هي جاوزت تلك الحدود كان عملها مشوبًا بعيب الانحراف بالسلطة، خليقًا بالبطلان”.
11- عبد الغني بسيوني عبد الله، النظرية العامة للقانون الإداري، (القاهرة: دار النهضة العربية، 1996)، ص 112.
12- فابيان بيتر، الشرعية السياسية، 2020، موقع حكمة (مترجم)، عن: The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2020 Edition)، بإشراف إدوارد زالتا (Edward N. Zalta)، تاريخ الاطلاع: 19 آب/ أغسطس 2025.
13- سليمان الطماوي، الوجيز في القانون الإداري، (القاهرة: دار الفكر العربي، 1996)، ص 89.
14- مجدي عبد الحافظ صالح، “الشرعية والمشروعية بين الفلسفة السياسية، وفلسفة القانون، والأخلاق”، مجلة تبين، المجلد 13، العدد 49 (صيف 2024)، ص 78.
15- السلطة القانونية العقلانية، هي أحد الأشكال الثلاثة للسلطة التي حدّدها عالم الاجتماع ماكس فيبر، انظر معجم ديوان اللغة العربية موقع ديوان العرب. https://www.diwanalarabia.com/، تاريخ الاطلاع: 19 آب/ أغسطس 2015.
16- مجدي عبد الحافظ صالح، مرجع سابق، ص 75.
17- الطماوي، الوجيز، ص 90.
18- علياء زكريا، “الإشكاليات الدستورية للفترات الانتقالية، الإشكاليات الدستورية للفترات الانتقالية: دراسة مقارنة”، مجلة روح القوانين، العدد 100، (تشرين الأول/ أكتوبر 2022)، ص 200–201.
19- المرجع نفسه، ص 47.
20- “إن نجاح الفترات الانتقالية لا يتوقف على وجود نصوص دستورية مؤقتة بقدر ما يتوقف على مدى تمتّع هذه النصوص بمشروعية سياسية واسعة، نابعة من المشاركة الحقيقية لمختلف القوى الوطنية في صياغتها واعتمادها. فالدستور الانتقالي، لكي يؤدي وظيفته، يجب أن يعكس إرادة جماعية تتجاوز السلطة القائمة بحكم الأمر الواقع”.
21- “ورقة الدساتير المؤقتة: أدوات لحفظ السلام وبناء الديمقراطية”، Constitution Net، 2021، ترجمة عربية، المركز الدولي للديمقراطية والانتخابات (International IDEA)، 2021، ص 14–15.
22- “الوثائق الدستورية المؤقتة يجب أن تُصاغ بلغة واضحة وحيادية، لأنها موجّهة إلى مجتمعات منقسمة تسعى إلى بناء توافق”
23- قرار مجلس الأمن 2254 عام 2015:
24- “المادة 4: يؤكد من جديد أن الشعب السوري هو من يقرر مستقبل سوريا، ويطالب بأن تُتاح لجميع السوريين، وخصوصًا النساء، المشاركة الكاملة في العملية السياسية.”
25- “المادة 5: يدعم إنشاء حكم ذي مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية، خلال فترة انتقالية، ويشدد على أن هذا هو مفتاح إنهاء النزاع في سوريا”.
26- علياء زكريا، “الإشكاليات الدستورية”، 2022، ص 197: “الوثائق الدستورية المؤقتة يجب أن تُصاغ بلغة واضحة وحيادية، لأنها موجهة إلى مجتمع منقسم يسعى إلى بناء توافق، وأي نزعة أيديولوجية في النص تُضعف من جماعيتها وتفتح الباب لاجتهادات متعارضة تُهدد الاستقرار القانوني”.
27- مجدي عبد الحفيظ صالح، ص 76: “المشروعية لا تتحقق بالنصوص وحدها، بل بمدى تعبيرها عن قيم العدالة والقبول الاجتماعي، وهو ما يقتضي أن تصاغ القواعد الدستورية بلغة منفتحة على الجميع، لا بلغة إقصائية أو أيديولوجية”.
28- الإعلان الدستوري وتحديات التحول السوري، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أيار/ مايو 2025، ص 14.
29- “والجدير بالذكر أن المادة 12 تعتبر جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها سوريا جزءًا لا يتجزأ من الإعلان، مما يستلزم نظريًا دمج هذه الاتفاقيات في النظام القانوني السوري كمرجع ملزم. من ناحية أخرى، لا ينص الإعلان على أي آلية إنفاذ ولا يتضمن أي إشارة إلى دور القضاء في تفعيل هذه الحقوق والحريات ضمن النظام الدستوري والقانوني المؤقت. ورغم التقدم الظاهري في تأكيد التزام الدولة بالاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، فإن الواقع التشريعي المعقد يحول دون التنفيذ الفعلي أو التلقائي. علاوة على ذلك، صادقت سوريا على هذه الاتفاقيات مع تحفظات، مما يستلزم مراجعة لتحديد مدى توافقها مع مبادئ الشريعة الإسلامية، كما هو منصوص عليه في مواد أخرى من الإعلان. إن الجهد التشريعي الشاق الذي يتطلبه هذا يجعل التنفيذ الفوري للنص غير محتمل”.
30- ماضي عبد الفتاح، “من أجل برلمانات عربية فعّالة”. الجزيرة نت، 24 نيسان/ أبريل 2013.
31- الحوكمة، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
32- الأمم المتحدة، مكتب حقوق الإنسان، المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية.
33- الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تقرير شهر تموز/ يوليو 2025.
34- مجدي عبد الحافظ صالح، ص 78.
35- “الدساتير المؤقتة: أدوات لحفظ السلام وبناء الديمقراطية”، ترجمة عربية، المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات (International IDEA)، 2021، ص 22–23.
36- جامعة منيسوتا، مكتبة حقوق الإنسان، الدعوى رقم 8 لسنة 17 قضائية المحكمة الدستورية العليا.
“إن خضوع الدولة للقانون هو حجر الأساس في بنيان الدولة القانونية، فلا يجوز لسلطة من سلطاتها أن تنفلت من الضوابط التي فرضها الدستور، ولا أن تستقل بمباشرة اختصاص لم يجزه لها، وإلا انهارت الشرعية الدستورية وقامت محلها سلطة الأمر الواقع”.

  • ناشط حقوقي سوري في مجال حقوق الإنسان والمنظمات المدنية غير الحكومية، محامٍ متخصِّص بقانون الأحوال المدنية وقضايا مكتومي القيد، وعديمي الجنسية، والزواج المختلط. لديه بحث في واقعة الولادة في القانون السوري لنيل لقب أستاذ في المحاماة ٢٠١٠، معاون مدير الأحوال المدنية في وزارة الداخلية ٢٠٠١ - ٢٠٠٨، عضو مؤسِّس في تجمع المحامين الديمقراطيين عام ٢٠١١، منسِّق مشروع الشبكة السورية لبناء السلام ٢٠١٢ - ٢٠١٣، مدير العمليات في منظمة ايتانا للتوثيق ٢٠١٤ - ٢٠١٥، عضو مجلس إدارة تجمع منظمات حقوق الإنسان في مدينة انجيه في فرنسا منذ العام ٢٠١٥، ناشط في منظمة فرنسا أرض اللجوء منذ العام ٢٠١٨.

مشاركة المقال: