1- إشكاليّة الدولة الوطنيّة والأيديولوجيات الشموليّة في سورية
خرجت سورية في نهاية الحرب العالمية الأولى من كنف الدولة العثمانية بإرثٍ ثقيل من التخلّف والانقسامات المذهبيّة والعرقيّة، فضلًا عن التقسيم الذي فُرض على المنطقة باسم اتفاقية سايكس بيكو التي وضعت حدودًا وأنشأت كيانات ودولًا لم يلبث أغلبها أن دلف إلى مرحلة الاستعمار الغربي المباشر، والذي استمرّ إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، مع ذلك قُيّضَ لسورية أن تعرف في تلك الفترة بعض المؤشرات المتعلّقة بالهويّة الوطنية بلغت ذروتها في المؤتمر السوري الأول ودستور 1920، والتي استمرّت بصيغٍ مُتباينة في مواجهة الاحتلال الفرنسي، عبر تشكيل الأحزاب وبعض التشكيلات الأهليّة والمدنيّة التي تتكئ كلها على حرية الإعلام والصحافة، واستمرّت متقطعة بعد الاستقلال في 17 نيسان/ أبريل 1946، إلّا أن الانقلابات العسكرية قد اغتالت هذا الاستقلال مُبكرًا، لتدخل سورية في نهايتها نفق سلطة الحزب الواحد تحت راية “حزب البعث العربي الاشتراكي” الذي صادر الحياة العامّة وحرية التعبير وموارد الدولة أيضًا لمصلحته، وفي مرحلة متقدمة انتهى دور الحزب مع بقائه أداة للتحشيد ولتنفيذ وظيفة أمنيّة أو مهمّة دستورية تتمثل بترشيح الرئيس من أجل دورات الاستفتاء المتتالية، وإضفاء الشرعيّة على رئيس المصادفة الأسد الصغير حيث أصبح الأمين القطري لحزب “البعث العربي الاشتراكي”.
وكي لا نتجنّى كثيرًا، دعونا نعترف بأنّ إشكاليّة الهويّة الوطنيّة لسورية بوصفها دولة لم تكن مطروحة على جدول أعمال أيّ من القوى السياسية الفاعلة في تلك المرحلة، والتي توزّعت بين الشموليات الأيديولوجيّة الإسلاميّة والشيوعية والقومية، بغضّ النظر عن تعيُّناتها التنظيمية أو تسمياتها المُتباينة، وعن موقعها في السلطة أو المعارضة، إذ كانت كلها تصبو إلى ما هو خارج حدود الدولة، فالإسلاميون يطمحون إلى “أمّة إسلاميّة”، والقوميون وهم في مثالنا “حزب البعث” نادوا بـ”أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”، يشاركهم هذا التوجّه ويتفوّق عليهم فيه جمال عبد الناصر في زمن الوحدة إضافة إلى الأحزاب القومية كلها التي ولدت لاحقًا. فيما انصبّ جهد الشيوعيين على بناء دكتاتورية البروليتاريا، ويسجل لهم سبق الاعتراف بالدكتاتورية التي تسم جميع الشموليات الأيديولوجية التي أشرنا إليها، وما بين دكتاتورية إسلامية وأخرى بروليتارية وثالثة قومية نستطيع التأكيد أن الحياة السياسية في بلادنا لم تعرف الديمقراطية إلا في فترات متقطعة من سيطرة البرجوازية السورية.
وإن كان التاريخ يُعلّمنا أنّ أغلب دول القارة الأوروبية رُسّمَتْ حدود دولها القومية بعد “صلح وستفاليا” الذي أنهى تاريخًا من الحروب الدموية الطويلة، ومنح الدولة القومية السلطة المطلقة في مواجهة الكنيسة والبابا الذي شكّل لقرون مصدر الشرعيّة لأيّ سلطة أو سلالة حاكمة، وهو المسار ذاته الذي حكم أغلب دول العالم ومنها بلادنا، مع فارق مهم أنّ الحروب التي صنعت خرائط منطقتنا لم تكن في يوم حروبنا نحن بالأساس، بل كنّا مجرد أدوات فيها وساحات للصراع عليها، وهو ما سمح بولادة تناقض بين تلك الدول المُتشكّلة حديثًا من دون إرثٍ تاريخي سابق لأغلبها، وبين طموحات وأوهام النخب الأيديولوجية وخاصة من وصل منها إلى السلطة.
إشكاليّة حزب البعث في سورية الذي أُسس في نيسان/ أبريل عام 1947، أنّه عدّ في المادة الأولى من مبادئه الأساسيّة أنّ “الوطن العربي وحدة سياسية اقتصادية لا تتجزّأ، ولا يمكن لأيّ قطر من الأقطار العربية أن يستكمل شروط حياته مُنعزلًا عن الآخر”[1] الأمر الذي وضعته في تناقضٍ صارخ مع خريطة الجغرافيا والمجتمع التي نشأ في كنفهما، وتناقض مع باقي الدول العربية المجاورة له، ووصل هذا التناقض إلى ذروته بعدما شارك أعضاء اللجنة العسكرية البعثية[2] في انقلاب 8 آذار/ مارس 1963، وكانوا الضباط الأقل عددًا والأدنى رتبًا من أعضاء باقي المجموعات التي شاركت في الانقلاب، لكنهم استطاعوا خلال أربعة أشهر ونصف فقط من يوم الانقلاب أن يُبعدوا أو يصفّوا جميع شركائهم الأساسيين في ذلك الانقلاب، بدءًا من اللواء زياد الحريري رئيس الأركان ووزير الدفاع، ومجموعة كبيرة من الضباط الاحترافيين المحسوبين عليه، ثم العقيد جاسم علوان ومعه المئات من الضباط الناصريين إثر محاولة انقلاب فاشلة في 18 تموز، وثالثهم كان رئيس الجمهورية ورئيس مجلس قيادة الثورة الفريق لؤي الأتاسي الذي رفض تصديق أمر إعدام الضباط الناصريين، ومن ثم قدم استقالته في 27 تموز وانسحب من الحياة العامة احتجاجًا على جولتي إعدام للعشرات منهم في محاكمة صورية رَأَسَها العقيد صلاح الضّلي[3].
خرائط سايكس بيكو التي أعادت رسم جغرافيا المنطقة أسّست لتناقض حاد بين تلك الكيانات السياسية الوليدة من دون إرثٍ مؤسساتي مسبق، وبين نخب سياسية صاعدة وجدت أنّ تلك الخرائط والمساحات الجغرافية المُتاحة لسلطتها أقل كثيرًا من طموحاتها الأيديولوجية، ومن ثم لم تولد لديها أيّ دوافع لاحترام سيادة الدولة أو حدودها، كما لجم ذلك إلى حدٍّ كبير إحدى وظائف الدولة -وخاصة في مرحلة التأسيس- ألا وهي صناعة الهويّة الوطنية وتنميتها وتثبيتها بالمعنى الثقافي والقانوني المؤسساتي، فالسطلة أو الحكومة في تلك المرحلة معنيّة بتأكيد واحترام رموز هذه الدولة من العَلمْ والشعار والنشيد الوطني وصولًا إلى الحدود والسيادة.
فيما نكتشف أن الشعور القومي في سورية كان يطغى على أيّ شعور وطني، وحلم الوحدة العربية الذي شكل أولى ثلاثيّة أهداف حزب البعث “وحدة حرية اشتراكية” يطغى على أيّ حلم آخر، مع تأكيد أنّ مفهوم الوحدة تطوّر كثيرًا من مفهوم بلاد الشام أو سوريا الكبرى، إلى “الوحدة الهاشمية” عند جلال السيد[4]، وحركة القوميين العرب[5] بدايةً، إلى “الوحدة العربية” إثر صعود نجم عبد الناصر وتأميم قناة السويس، من دون أن يُدرك أصحاب هذه المشاريع تعارض تلك الطموحات مع شرعيّة ودستوريّة السلطة في كثير من دول المنطقة التي نشطوا في فضائها السياسي وكانوا مُمثلين لها. بل في بعض الحالات أنكرت تلك القوى حدود سيادتها الجغرافية وحاربت أو أضعفت الهويّة الوطنية بوصفها شعورًا وانتماءً للدولة الوطن لمصلحة أوهامها الأيديولوجية.
نتحدث عن أوهام أيديولوجية لأنّ من يقرأ تاريخ حزب البعث سيكتشف أنّ الأيديولوجيا القوميّة شكّلت مظلّة لنمو دكتاتورية الحزب الواحد، أسوة بجميع حركات التحرر في العالم التي التحقت بطريقة أو أخرى بالمعسكر السوفياتي في مرحلة القطبية الثنائيّة، وهيمنة الأيديولوجيات الثوريّة، لكنّ تلك الدكتاتورية سارعت إلى التحوّل من دكتاتوريّة الحزب الواحد باتجاه دكتاتوريّة الأب القائد التي عَرّفت سورية بإضافتها إليه فأصبحت “سورية الأسد”، وكأنّها جزء من إرثه الشخصي أو العائلي، الأمر الذي يُتيح له أن يُورّث تلك الدولة أو البلد في سلالته من دون أدنى مراعاة لنص الدستور الذي وضعه هو، أو لأهليّة الوارث لإدارة تلك الدولة.
2- سقوط الأبد الأسدي وفقدان اليقين
شكّل سقوط نظام الأسد الصغير بتاريخ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 لحظة فارقة بين زمنين بالنسبة إلى سورية وأغلب السوريين، إنها لحظة الخلاص من كابوس الأبد الأسدي الذي استطال أكثر من 54 سنة، من أصل قرابة 62 عامًا من سلطة الحزب الواحد المُستبدّة التي قمعت جميع القوى السياسيّة والتشكيلات المدنيّة في سورية، وفتّتَت الجغرافيا وطيّفت المجتمع لمصلحة وَهمْ الحفاظ على كرسي الوارث الذي هرب بعد أن دمّر البلاد خلال أربعة عشر عامًا من عمر انتفاضة السوريين/ ثورتهم، أو المقتلة السورية التي أودت بجميع الأحلام الطموحة لمستقبل أفضل.
في تلك اللحظة نزل السوريون بأغلبيتهم إلى الشوارع في سورية، وحتى في دول الاغتراب والمنافي، يستعيدون بعضًا من أهازيج انتفاضتهم/ ثورتهم وشعاراتها الأولى، وبعضًا من أغاني الساروت الذي لم يسعفه العمر ليعيش هذه اللحظة، فغاب عنها كما غاب مئات الآلاف من شابات وشبان الثورة الذين قضوا تحت البراميل، أو برصاص حماة الديار، أو في سجون الموت، أو كمدًا وحزنًا، وبعضهم جوعًا وبردًا، وهؤلاء الضحايا جميعًا هم من عبّدوا الطريق لإسقاط النظام.
ربما هو مكر التاريخ أن يتم ذلك السقوط على يد فصائل المعارضة المسلحة من درعا وريف دمشق، وتاليًا فصائل ردع العدوان القادمة من إدلب إلى القصر الجمهوري في دمشق، ليبدأ لاحقًا مؤتمر النصر بمبايعة قادة 18 فصيلًا عسكريًا للسيد أحمد الشرع رئيسًا لسورية، حيث فاجأت سلطة الأمر الواقع الجميع باختصار جميع الإجراءات الممكنة لاستعادة الدولة المفككة والمنهارة اقتصاديًا واجتماعيًا ومؤسساتيًا، حين أعلنت أنّ الثورة قد انتصرت وانتهى زمن الثورة ليبدأ زمن البناء، لكن ما تلى ذلك كله يصب في الخانة ذاتها، إذ لم يحظَ مؤتمر الحوار الوطني بترتيبات أفضل تلائم صفة الوطني التي أضيفت إليه، وبالطريقة ذاتها من الارتجال جاء الإعلان الدستوري، ومن ثم تأليف الحكومة المتجانسة.
هذه الإجراءات المتسرعة كلها تشير إلى تجاهل مجاميع السوريين الذين ضحّوا من أجل هذه اللحظة، كما تتجاهل لهفة السوريين لممارسة حقهم الانتخابي في اختيار ممثليهم بطريقة حضارية، يُمكِنُها أن تمنح سلطة الأمر الواقع شرعية ما زالت محل استفهام، وخاصة بعد المجازر الأخيرة التي امتدت من الساحل السوري وريف حمص إلى ريف دمشق والسويداء، والتي وضعت أغلب السوريين في حالة عدم يقين في ما يتعلق باللحظة التالية للحظة سقوط النظام، أو بخصوص مسار المرحلة الانتقالية التي بدأتها سلطة الشرع، من دون تحديد واضح لمدتها القابلة للتمديد، ومن دون أن تبدي تلك السلطة إلى الآن أيّ جهد لطمأنة المختلفين معها، أو من يرون أنها تذهب بهم إلى استعادة دولة اللون الواحد التي أثبتت فشلها زمن البعث المنقرض، حيث خلّف لنا دولة فاشلة ومُجتمعًا مُفككًّا واقتصادًا مُنهارًا، ورُكامًا من الهويّات الصغرى والكبرى تسيطر في المخيال المَكلوم لأصحاب المظلوميّات وأصحاب الطموحات في الوقت ذاته، وهذا يَفترض بنا استعادة بعض الأسئلة القديمة والجديدة حول الدولة والهويّات ودور المواطنة والشعب في صنع المستقبل.
هل ستبني سلطة الأمر الواقع دولة القانون والمواطنة، أم ستبقى تتغنّى بقوة الغلبة العسكرية التي عبرت عنها بأكثر من طريقة مشفوعة بمعزوفة “من يحرر يقرر”؟
هذه المعزوفة المأخوذة من سياقات مختلفة تعود إلى حقبة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية وما بعدهما في ظلال الحرب الباردة، حيث كانت فصائل حروب التحرير الشعبية المسلحة من فيتنام إلى الكونغو والجزائر، ومن حركة التوباماروس في الأرغواي إلى الجيش الأحمر الياباني، تخوض معاركها ضد الاستعمار الخارجي والنظام الإمبريالي بقيادة أميركا وأدواته المحلية في تلك الفترة، لنكتشف لاحقًا كيف فقدت أغلب تلك الفصائل التحريرية بوصلتها الوطنية، حين لجأت إلى العمليات الإرهابية والانقلابات العسكرية المتتالية والتي أنتجت في النهاية أنظمة مستبدة، ودكتاتوريات تعتمد على غلبة الحزب الواحد، وفي كثير من الأحيان توقفت الغلبة مع جناح صغير من هذا الحزب الواحد كما حصل في سورية والجزائر وأغلب تلك التجارب السابقة.
ومن ثم مفهوم التحرير كان ولا يزال مرتبطًا بالعامل الخارجي أكثر منه بالصراعات الداخلية وما نعرفه من انقلابات سياسية، وحتى لو تجاوزنا هذه المسألة فإن الغلبة بالقوة لن تمنح أي فصيل الشرعية السياسية حتى لو كانت مصحوبة باعتراف العالم كله، إن لم تستطع سلطة الأمر الواقع أن تتحول إلى غلبة ديمقراطية في صناديق الاقتراع والتي تعكس ثقة المجتمع والشعب بقيادته السياسية. وليس سقوط الأبد الأسدي إلا مؤشرًا لخلل الاتكاء على غلبة القوة في مواجهة الشعب أو المواطنين، فالديمقراطية هي الطريق الوحيد لبناء دولة القانون والمواطنة المتساوية، والتي لم تعرفها سورية في حقبة البعث السابقة كلها، على الرغم من أنها كانت معززة بقوة أمنية وعسكرية في مواجهة رعيّة من السكان حُرِموا خلال أجيال شرف المواطنة، وأن يكونوا شعبًا في دولة تحترم مواطنيتهم وحقوقهم، ما يدفع أغلب السوريين إلى السؤال الآن وبعد مضي تسعة أشهر ونيف على رحيل الأسد الصغير: أين نحن الآن من تلك الشعارات والأحلام؟ وأي مستقبل ينتظرنا؟
يبدو أننا نعيش حالة خلط كبيرة في مستوى المفهومات النظريّة بين الدولة والحكومة وبين الدولة والسلطة، وهو خلط كان ولا يزال مقصودًا منذ زمن الأسد بهدف إلغاء وتجريم أيّ مُعارضة سياسية لإجراءات الحكومة بصفتها خيانة للدولة، ونتذكر أنّ النظام الأسدي أحال جميع منتسبي أحزاب المعارضة اليسارية والإسلامية، وحتى الأجنحة المنشقة من حزب البعث، وبعض الناصريين، وكذلك مجموعات حقوق الإنسان والمنظمات الأهلية المستقلة إلى “محكمة أمن الدولة العليا”[6] التي أُسست بالمرسوم التشريعي رقم 47 تاريخ 28 آذار/ مارس 1968، بتهمة معاداة أهداف الثورة، والتي تصل عقوبتها في حال التشديد إلى الإعدام!
ومع أنّ السلطة الراهنة لم تعمد حتى الآن إلى تجريم انتقاد إجراءاتها، إلا أن مُؤيّدي هذه السلطة وذبابها الإلكتروني لم يترددوا وبكل أسف عن التعبير عن رفضهم الشديد لأيّ انتقاد لسياسات هذه السلطة بوصفه نقدًا يمسُّ الدولة الوليدة، وليس نقدًا مُوجّهًا لإجراءات خاطئة لهذه الجهة أو تلك من السلطة التنفيذية أي الحكومة، بدءًا من نقاش الإعلان الدستوري وآليّة فرضه، واستمرارًا بنقد تأليف الحكومة وجميع أجهزة الدولة المستحدثة بآلية التجانس التي أقصت الآخرين، ليس من مؤيدي النظام السابق فقط أو مَنْ يسمونهم “الفلول”، بل حتى من أهل الثورة مهما اختلفت انتماءاتهم وهوياتهم الصغرى أو الكبرى، ولم يتوقف الأمر على الرفض بل جاء مشفوعًا باتهامات تصل إلى حدّ التخوين في بعض الحالات، أو الاتهامات المبطنة عندما يلجؤون إلى صيغة مُبطنة من الاتهام: أين كنتم قبل سقوط النظام؟ أو لماذا لم نسمع صوتكم سابقًا؟ وهي اتهامات مغرضة بحق أشخاص ضحوا كثيرًا من أجل مستقبل أفضل لسورية وللسوريين.
وبالعودة إلى فكرة التجانس، نؤكد أنه لا توجد في هذا العالم الراهن أيّ دولة أو مجتمع متجانس، بل يغلب طابع التعدديّة في الانتماءات والهويّات الصغرى والكبرى على أغلب الدول ومجتمعاتها المعروفة قديمًا وحديثًا، ويمكن أن نتذكر كيف شكّلت النازية التي انطلقت من فكرة نقاء العرق الآري أكبر الكوارث الإنسانيّة التي عاشتها البشرية في الحرب العالمية الثانية، وربما شيئًا مُشابهًا عاشته البشرية على الضفة الأخرى في ظلّ دكتاتورية ستالين التي قامت باسم الطبقة العاملة، أو دكتاتورية بول بوت الفلّاحية لاحقًا.
وفي منطقتنا التي تشكل موزاييكًا غنيًا بالتعدديّات القوميّة والإثنيّة والدينيّة والمذهبيّة والطائفيّة، وصولًا إلى هويّات أصغر كثيرًا قبليّة وعشائريّة، وحتى الهويّات المناطقيّة والجهويّة، حيث يُصبح أي حديث عن التجانس في هذه الحالة إشكاليّة تهدّد كيان الدولة والمجتمع معًا وتعوّق تطورهما، لذلك حاولت المُجتمعات الحديثة الاستفادة من تلك التعدديّات في ما يُعرف بإدارة التنوع، بحيث يُصبح التعدد ميزة إيجابيّة للمجتمع والدولة، فيما تشكل الدعوة إلى التجانس إنذارًا بصراعات لا تنتهي، ولن تكون على المدى البعيد في مصلحة أيّ من أطراف هذا الصراع، بل إن غياب فهم واضح لهذه المسألة ومخاطرها قد يودي باستقرار المجتمع والدولة معًا ويضعفهما كثيرًا.
دعونا نلاحظ أنّ استخدام مصطلح التجانس بدأ في الحالة السورية بمنزلة إشارة إلى حكومة الإنقاذ في إدلب والتي نُقلت بكل مهاراتها وخبراتها الأكاديمية والشرعية إلى العاصمة دمشق لتصبح حكومة سورية الانتقالية، لكن سرعان ما انتقل الحديث عن التجانس بعد مجازر الساحل وريف حمص وجرمانا وأشرفية صحنايا، ثم محافظة السويداء وكثير من الخروقات الفردية الأخرى إلى دلالة أشمل وأخطر، تعني تحديدًا التجانس الطائفي والقومي أيضًا، خاصة بعدما جرى الاستقواء بفزعة العشائر، فهل يمكن للتجانس الطائفي حتى لو كان محمولًا على مظلوميات طائفية أن يبني دولة؟
3- الدولة والهويات
لنتفق أنّ الهوية تعبير عن انتماء شخصي وذاتي، وكل شخص بيننا يتمتع بعديد من الهويات في آن معًا، وليس بالضرورة أن تتناقض مع بعضها بعضًا، بدءًا من الهوية الشخصية والعائلية إلى الهوية المهنية إلى الهوية أو الانتماءات في الحي أو البلدة أو النادي، وصولًا إلى هويات أكبر قليلًا، فبعضنا لديه انتماء عشائري أو قبلي أو إثني أو قومي، وصولًا إلى الانتماءات الدينية وما دونها من تفرعات مذهبية وطائفية، وهذه الهويات قد يتبناها الشخص ويفتخر بها، وقد يرفضها في بعض الحالات أو يرفض جزءًا منها، لكنها عمومًا تمثل هويّاته من وجهة نظر الآخر، إلّا الهويات السياسية فهي تعبير عن قناعات فكرية وشخصية، وغالبًا ما تقترن بالانتماء التنظيمي.
على سبيل المثال في سورية توجد خمسة مذاهب إسلامية معترف بها من وزارة الأوقاف وهي: المذهب الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي والجعفري، كما توجد فيها أكثر من عشر طرائق صوفية أبرزها النقشبنديّة والقادرية والشاذلية وغيرها، أما الطوائف المنبثقة من الإسلام فهي السنة، العلويون، الدروز، الشيعة، والإسماعيليون بشقيهم أيضًا، أما الطوائف المسيحية فأبرزهم في سورية الروم الأرثوذكس، والسريان الأرثوذكس، والروم الكاثوليك، والسريان الكاثوليك، والموارنة، والأرمن الكاثوليك، والكلدان الكاثوليك، إضافة إلى الآشوريين والبروتستانت الإنجيليين، أما الهويات القومية: عرب، كرد، تركمان، سريان، شركس، أرمن، أرناؤوط، كلدان، إيزيديين، ومجموعات عرقية أقل كالغجر وغيرهم، فهل نتحدث عن تجانس أم عن تصفيات عرقية ودينية باسم التجانس؟
في دراسة ظاهرة الطوائف نجد أنها معطى تاريخي وتنتشر في المجتمعات كلها وعبر الأديان كلها أيضًا، حتى إنه من منظور الدولة الحديثة في الغرب يُعدّ مُجرّد إنكار ظاهرة الطوائف شيئًا عنصريًا ينتقص من حق الآخرين بالإيمان وحريّة الاعتقاد اللذين تكفلهما الدولة، ويمكن لها، بل يُفترض أن تحاسب عليه، فيما يُحاجج البعض أنّ ألمانيا مثلًا يقودها الآن الحزب الديمقراطي المسيحي CDU، وفي أميركا وكثير من الدول الغربية يوجد شيء مشابه يتمظهر في الطقوس أو مراسم تسلم السلطة أو قسم الولاء.
لكننا لو دققنا في حقيقة الأمر لوجدنا أنّ حزب CDU الذي شُكّل بعد الحرب العالمية الثانية كان يهدف إلى إعادة بناء ألمانيا المُدمّرة في الحرب بطريقة ديمقراطية، مع الحفاظ على القيم المسيحية الروحية، وهي قيم لا تتجلى بوصفها دينًا رسميًا للدولة التي تعلن صراحة احترام التعدديّة الدينيّة وصولًا إلى عدم التديّن، كونها مُحايدة دينيًا، وتؤكد أن التديّن مسألة إيمانية أو عقدية شخصية لا يمكن أن يفرضها أحد على الآخرين، ولا تسعى الدولة لفرض المسيحية في القوانين العامة للمجتمع أو المؤسسات، مقابل تأكيد الأحزاب المسيحية في الغرب على تجلّي القيم المسيحية باحترام كرامة الإنسان، والتكافل الاجتماعي، واحترام الأسرة، وصيانة العدالة. وهذا نجده في إيطاليا وفي فرنسا أيضًا، وحتى في أميركا يمنع الدستور إعلان دين رسمي للدولة، حيث تنص المادة السادسة من الدستور الأميركي على أنه: “لا يجوز اشتراط أيّ اختبار ديني شرطًا لتولي أيّ منصب أو وظيفة عامّة في الولايات المتحدة”، كما نص التعديل الأوّل لعام 1971 على أنه: “يمنع الحكومة من سن القوانين التي تنظم تأسيس الدين، أو التي تَحظر الممارسة الحرة للدين، أو تنتقص من حرية التعبير، وحرية الصحافة، وحرية التجمع، أو الحق في تقديم التماس للحكومة لإنصاف المظالم. وتم اعتماده في 15 ديسمبر 1971، كواحد من التعديلات العشرة التي تشكل وثيقة الحقوق”.[7]
فالمشكلة لا تكمن في وجود الأديان أو الطوائف أو تعدّدها، ولا بأعداد منتسبيها كثرة أو قلة، المشكلة تكمن في الطائفيّة بوصفها موقفًا وثقافة، حين يُعدّ أشخاص من أتباع مذهب أو طائفة ما أنّهم الأفضل أو الأشرف من الآخرين، أو أنهم الجماعة الناجية الوحيدة، ومن ثمّ تبدأ كرة الثلج تتدحرج عند التكفيريين الذين “يُحلّون دم وعرض ومال” المكفَّرين من وجهة نظرهم.
فيما تبقى الدولة هي أداة توحيد المجتمع ليس بالغلبة العسكرية وإنما عبر إشراك الجميع في تقرير مصير بلدهم، ويبدو أنّ محاولات النظام الراهن لإخضاع جميع المختلفين معه عبر وسائل القوة والغلبة العسكرية، جعلته يستنجد بفزعة العشائر ليستقوي بهم على محافظة السويداء التي ظلت لعامين خارج سيطرة النظام البائد، من دون أن يجرؤ على اقتحامها بالقوة أو العنف، وهو كان قادرًا على ذلك أكثر من سلطة الشرع الراهنة، لكن فزعة العشائر أفقدت سلطة دمشق صدقيتها بوصفها دولة تريد توحيد المجتمع لا تمزيقه، من دون أن تستوعب شيئًا من دروس العراق أو صراعات الطواف والقبائل في أفغانستان، أو أزمة إيران الماثلة أمامهم حتى الآن، قبل أن نصل إلى أمثلة متفرقة كالسودان وأثيوبيا والصومال، وكيف حُوّلت تلك الدول إلى هياكل فاشلة وهشة ومدمَّرة اجتماعيًا ومهددة بالمجاعات والفقر والبؤس.
4- ما بين الدولة الوطنية والدولة الدينية المستحيلة
كتب د. برهان غليون كلامًا مهمًا يشرح فيه كيف ألغى النظام السابق السياسة من المجتمع حين عدّ المعارضة خيانة والوطنية انتحارًا، وكيف حوّل الدولة إلى عصبة بل عصابة، واستمر هذا المنطق زمن المقتلة السورية في صراع الفصائل العسكرية مع النظام وفي صراعاتها البينية، مؤكدًا ضرورة الانتقال إلى منطقة الدولة: “كي تنجح (عصبة الدولة) في إخضاع الفصائل المتمرّدة ينبغي أن تَخرُج هي أولًا من منطق العصبية والحرب، وتطوّر في وعيها وسلوكها إلى جانب إدارة القوة، وأكثر فأكثر بدلًا منه، منطق الدولة والسياسة الذي يساعد وحده على الجمع بين تشكيلات وجماعات مختلفة ومتآلفة..”[8].
مضيفًا اشتراطات عدّة مهمة لإنجاح منطق الدولة، سأتوقف الآن مع نقطة وحيدة منها فقط يطالب عبرها سلطة الأمر الواقع: “ألّا ينظروا إلى الجمهور بحسب انتماءاته الدينية أو القومية أو الجنسية، ولا نسبته إلى أقلية أو أكثرية، إنما شعبًا. والشعب مجموع الأفراد الذين يكوّنون في مواجهة الدولة كيانًا أو هُويَّة سياسية مستقلّة هي مصدر السلطة الشرعية، وسابقة عليها، وظيفتها مراقبة السلطة التي تمثلها ومساءلتها، وإذا اضطر الأمر سحب التأييد لها. لا يكون الجمهور شعبًا إلا عندما يكون هو (ورمزيًا كلّ فرد) مصدر السيادة والشرعية للقانون”[9].
والسؤال الآن: إلى أي درجة يمكن أن يتحول منطق العصبة التي تنطلق وتتبنى الأصولية الإسلامية إلى منطق الدولة، وتحديدًا في دولة كسورية غنية بتعدّدياتها الإثنية والقومية والدينية والمذهبية وصولًا إلى هويات صغرى قبلية أو عشائرية وحتى الهويات الجهوية والمناطقية، وصولًا إلى خلافات المدينة والريف المحمولة على كثير من الهويات السابقة؟
يحدد الباحث ياسين الحاج صالح أس الفشل الوطني في المرحلة الانتقالية وقبلها نظام البعث البائد معًا بقوله: “هناك فشل كبير في البناء الوطني، أساسه الفشل في بناء الدولة، ويتمثل جذره العميق في التكوين الطائفي الاستبعادي للسلطة القائمة، غير الوطني بالتالي”[10].
وقد سبق للدكتور وائل بشارة حلاق أن نفى في مقدمة كتابه “الدولة المستحيلة” إمكانية بناء دولة وطنية بمحركات إسلامية مؤكدًا بساطة أطروحة كتابه: “مفهوم الدولة الإسلامية مستحيل التحقق وينطوي على تناقضٍ داخلي، وذلك بحسب أي تعريف سائد لما تمثله الدولة الحديثة”[11].
ويتابع الكاتب في مقدمته “بأن الأشكال الحديثة من العولمة ووضع الدولة في هذه الأشكال المتعاظمة القوة، يكفيان لجعل أي صورة من الحكم الإسلامي إما أمرًا مستحيل التحقق وإما غير قابل للاستمرار على المدى البعيد، هذا إذا أمكن قيامه أصلًا”[12].
ويتابع المؤلف في الفصل الأول من كتابه كيف حافظت النخبة القومية ما بعد الاستعمار على هياكل القوة التي ورثتها من التجربة الاستعمارية، إلا أنه: “لم تكن التكوينات الاجتماعية القائمة قد تهيأت لها على الشكل المناسب، فالمفهوم النموذجي للمواطن الذي لا تقدر دولة على الاستمرار من دونه، ظهر بشكل بطيء، كما أن الفراغات السياسية الباقية بعد انهيار البنى التقليدية لم تملأ بشكل مناسب، لذلك فإن الدولة القومية لم تستقر في العالم الإسلامي، كما يدل على ذلك قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، حيث أخضع جهاز الدولة مبادئ حكم الشريعة وشوّهها، ما أدى إلى فشل الحكم الإسلامي والدولة الحديثة كمشروعين سياسيين، ولم يكن الوضع أفضل في دول إسلامية أخرى، ذلك لأن التنظيم السياسي الذي سارت هذه الدول على نهجه منذ عهد الاستعمار وبعده كان ولا يزال سلطويًا وقمعيًا… وكما اقترحت في موضع آخر فقد ثبت أن الشريعة التي تظهر دائمًا في دساتيرهم بوصفها أحد مصادر التشريع أو مصدره الرئيس، ميتة مؤسسيًا ومُساءَةُ الاستخدام سياسيًا”[13].
هذا التأكيد ينسجم مع إشارة ريتشارد مينشن في كتابه الأقدم زمنيًا “الأمة والمواطنة في عصر العولمة/ من روابط وهويات قومية إلى أخرى متحولة” إذ يقول في مقدمته: “تخضع الروابط المدنية إلى تغييرات هائلة في عصر العولمة المستجد على الساحة الدولية، فقد جاءت الحداثة بالدولة الأمة بوصفها الوحدة الاجتماعية التي توحد الناس أساسًا بواسطة روابط مدنية قائمة على الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية للمواطنة. وبدورها هذا أوجدت دولة الأمة تجانسًا من نوع ما بين الاختلافات القائمة على أساس طبقي أو عرقي أو ثقافي أو ديني أو إقليمي. ففي أفضل الحالات خلّفت عملية التجانس هذه مساواة في تشاطر حقوق المواطنة، وفي أسوئها قلصت هذه الاختلافات من خلال الاستعمار الداخلي”[14].
وقد يبدو مصطلح “الاستعمار الداخلي” إشكاليًا بعض الشيء، وخاصة أنّ الكاتب استخدمه لتبيان صعوبات عملية تحوّل المواطنة بالنسبة إلى الدولة القومية الأوروبية، وتحديات التعددية الداخلية والدمج الذي يتخطى الحدود القومية، لكنّه بوصفه مصطلحًا يشير في الوقت ذاته إلى مفهومات أساسية لعلاقة الحداثة بالدولة القومية ومن ثم بالهويات ما دون الدولة الوطنية، والتي أشار إليها الكاتب رئيف خوري بعبارة استنكارية “العالم، في رأي فوكوياما قسمان “تاريخي وما بعد تاريخي، ولكن ماذا عن عالم ما قبل تاريخي؟”[15].
بهذا المستوى يصبح مفهوم “الاستعمار الداخلي” مهمًا لفهم العلاقة بين الدولة الوطنية والانتماءات السابقة لها بالمعنى الزمني والسياسي كالانتماءات العرقية والإثنية والدينية والطائفية، خاصة في مجتمع لم يفلح بعد في تأسيس دولته القومية أو الوطنية المرتبطة تحديدًا بعصر الحداثة، حيث أخفق نظام البعث البائد في الاستفادة من تلك الاختلافات الهوياتية لمصلحة تشاطر حقوق المواطنة، لكنه نجح في تقليص ولجم الاختلافات بين تلك الهويات عن طريق كبتها مجتمعة ومنع الحديث عنها، وهو أسوأ ما يمكن أن تنتجه عملية فرض تقليص الاختلافات على طريقة “الاستعمار الداخلي” وفق إصلاح ريتشارد مينشن.
وأعتقد أن تعبير “الاستعمار الداخلي” يشير إلى قطبة مهمة معرفيًا واجتماعيًا بوصفه أحد مداخل تفسير العلاقة بين تلك السلطات التي تستقوي بهويات صغرى أو كبرى لا وطنية وبين نزوعها الاستبدادي، وهو ينسجم مع إشارة الباحث ياسين الحاج صالح في بداية نصّه المشار إليه سابقًا: “انطرح على سورية بعد انطواء الحقبة الأسدية تحدٍّ مشابه لما يواجه بلدًا تحرر لتوه من الاستعمار: البناء الوطني، وفي القلب منه بناء الدولة. لا يلزم عن ذلك أن الحكم الأسدي كان استعمارًا (كان أسوأ من أوجه عديدة)”[16]، ففي أحيان كثيرة يكون الاستبداد بوصفه استعمارًا داخليًا أسوأ كثيرًا من الاستعمار الخارجي، ولنا في تجارب بول بوت في كمبوديا والبعث في سورية وكثير من أنظمة العالم الفاشية أو اليسارية المتطرفة شواهد على النتائج الكارثية لأنظمة التوحش تلك، وأهمها على المدى البعيد إعاقة قيام دولة وطنية وتغييب مفهوم المواطنة عن الشعب أصلًا.
عادت بي هذه الفكرة إلى أكثر من عشر سنوات مضت، حيث كتب الروائي إلياس خوري في القدس العربي بتاريخ 25 أيار/ مايو 2015، بعنوان “الأفول وحرب البربريات” بنبوءة العراف قبيل رحيله يقول: “نجاح الأسد في مشروع إحراق سورية ليس وليد عبقرية عصابة المافيا المخابراتية التي تتحكم بسورية منذ عقود، بل هو نتيجة ظرف تاريخي تمفصل على الصراع الطائفي السني – الشيعي الذي أشعله الغزو الأمريكي للعراق،… وتحويل المواجهة من صراع بين الشعب والسلطة إلى صراع إقليمي شامل تشترك فيه اليوم جميع القوى الإقليمية في المنطقة. كما سُمح لنظام الاستبداد بالصمود نتيجة دعم حليفه الإيراني وميليشياته اللبنانية والعراقية”[17].
ويتابع في هذا النص الرائع قائلًا: “نهاية الدولة الاستبدادية – العسكرية، تحمل جميع سمات نهاية المراحل التاريخية: عنف ودمار وتهجير وجنون. وهي لا تذكرنا سوى بنهاية الدولة العثمانية. مؤرخو المرحلة القومية توقفوا طويلًا عند هزيمة مشروع الدولة الفيصلية في سورية، باعتباره مؤامرة استعمارية. لكنهم نسوا أو تناسوا المآسي الكبرى التي عاشتها بلادنا خلال احتضار الدولة العثمانية، من الجراد إلى المجاعة الرهيبة التي أودت بحياة ثلث سكان لبنان ودفعت ثلثًا آخر إلى الهجرة، والإبادة الأرمنية ومعها مذابح السريان…. فالدولة الاستبدادية – العسكرية- القومية، تأبى أن تمضي إلى نهايتها الحتمية إلا بعد قيامها بتدمير كل شيء، وتسليم البلاد إلى قوى تشبهها في البربرية والوحشية وتستولي على أيديولوجية «بعث» الماضي، ولكن بعدما أعطت هذا البعث مضمونًا دينيًا طائفيًا، وأفرغته من بقايا مضمونه القومي. زمن كامل يتجرجر على جثثنا، ويقتات من فتات الدين، ولا يرتوي من الدم. هذا هو سيناريو سقوط الأسد، وهذا ما سعت إليه المافيا منذ انفجار سورية بحثًا عن حريتها”[18].