النصر السوري والانطلاق نحو بناء الدولة

كان لافتًا لكل ذي بصيرة ما تحقق يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر، حيث سقط الحلف الذي روّع السوريين لسنين طويلة، وأمعن في البطش والقتل والتدمير، متفنّنًا في ممارسة كل ما يخطر في بال الظالمين من أساليب الشيطنة في ممارسة الحكم والقوة، والهدف هو إخضاع الشعب لمشيئة الحاكم الظالم الذي لا يعنيه في النهاية إلا استمرار حكمه وتنفيذ أوامره وتكبيل الأمة وإذلالها، وتحويل الخير إلى شر وحياة الناس إلى عبث ونكايات، واستلاب لجميع مقومات الأمه والدولة والشعب. استمرت هذه الحال في سورية لعقود طويلة، حيث كانت سياسة الدولة تقوم على الشعارات الفارغة، إلى جانب الفقر والإفقار، وتصحير الحياة، حتى غدت الدولة والمجتمع مزرعة يتصرف فيها المستبدون كما يشاؤون، بعيدين عن جوهر مسؤولية الدولة في رعاية الأمة وتحسس مصالحها، والسهر على خدمتها، وهكذا غابت البديهيات التي يقوم عليها أي نظام حديث: الدستور، القوانين، ورعاية الناس، وهي شروط لا غنى عنها لقيام دولة حقيقية.

وإذا كان ما تحقق يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر وما بعده إنجازًا، فلا بد أن يكون هذا الإنجاز ملموسًا قدر المستطاع، وفي المقدمة تأتي قضية الأمن والاستقرار؛ فهي الشرط الأول والأساسي لكي تنهض الدولة وتقوم بمهماتها القانونية “الدستورية” وتنطلق نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ووفقًا لذلك لا بد أن يكون موضوع الأمن والاستقرار في مقدمة أولوياتها، ويتمثل ذلك بسيطرة الدولة من خلال قواتها الأمنية على الوضع العام في البلاد، بما يتيح للمواطن أن يستشعر وجود الأمن في بيته، وفي حيّه، وفي الشارع، وفي أثناء تنقله من مكان إلى آخر، وأن يكون مطمئنًا على حياته قبل كل شيء، وعلى ماله وممتلكاته، ويستطيع أن يمارس نشاطه التجاري والزراعي والخدمي بكل يسر وسهولة، حيث تعدّ قضية الأمن المطلب الأساس للمواطنين جميعًا، وينبغي أن تكون الغاية الأساسية هي السهر على تحقيقه، وهنا نذكر المثل الذي يقول: “أم القتيل تنام، أما أم المهدد لا تنام” لقد اختصرت هذه المقولة قضية الأمن والاستقرار، ومن هنا تبدأ وظيفة الدولة، فما هي الدولة؟ هي البناء الفوقي للمجتمع، وقد اتفق على أنها المسؤولة عن إدارة شؤون البلاد والعباد، وضمان سلامة حياتهم وحمايتها من أي عدوان خارجي أو داخلي.

قد تحقق النصر بخروج رأس النظام وبعض أتباعه، فهذه قضية حسمت، لكن التحدي الأكبر وهو تحقيق الأمن والاستقرار لم يُحسم بعد، هذا الأمر يشكّل جزءًا طبيعيًا من مرحلة ما بعد نجاح أي ثورة إذ إن العامل الحاسم في نجاح الثورة لا يقتصر فقط على الاستيلاء على الحكم، وتدمير ما كان، والإعلان عن الانتصار، بل إن التحدي الأهم يكمن في كيفية الحفاظ على هذا النصر وتعزيزه بآليات عملية تُقنع الناس وتطمئنهم. فالسوريون الذين عانوا طويلًا من فقدان الأمن وما رافقه من خوف دائم على حياتهم ومعيشتهم، يرغبون في حياة تتجاوز تلك المرحلة المروعة. سنوات طويلة عاش فيها الناس وهم مشغولون بأسئلة يومية بسيطة ومصيرية: كيف يتنقلون بأمان؟ كيف يبيعون ويشترون من دون خوف؟ كيف يقفلون أبواب بيوتهم وينامون بسلام؟ وكان ذلك كله في ظل القنابل والبراميل المتفجرة والصواريخ التي تمر فوق رؤوسهم، مخلّفة حالة من الفزع الممتد الذي توارثته الأجيال. ولذلك عندما انبلج فجر النصر كان الفرح يرتسم على وجوه السوريين، إذ شعروا أنهم تخلصوا من الماضي الأسود وأن المستقبل سيكون عنوانه الأمن والكرامة. انطلقت الاحتفالات بصورة عفوية نتيجة هذا الإحساس الجديد بأن القادم سيكون مُغايرًا، بأن الأيام المقبلة ستحمل معها حياة خالية من الخوف والقلق. وعلى الرغم من هذه الفرحة، فإن السوريين يخشون العودة إلى ما كانوا عليه، ويبحثون عن الضمانات لاستمرارية الأمن والأمان. فهم يتطلعون بكل شغف إلى حياة خالية من القتل والخطف والاعتداءات، يريدون تجاوز ذكريات مؤلمة خيّمت على حياتهم طويلًا، ذكريات لا يرغبون حتى في استعادتها، فكيف يمكن أن يعيد البعض تكرارها ضدهم.

وما إن نجحت الثورة حتى أُعلن أن الثورة قد انتهت، وأنه لا بد من الانتقال إلى مرحلة بناء الدولة، فالثورة في حد ذاتها فعل عاطفي غير متزن يعكس تمردًا على الأعراف القائمة، وقد تمارَس فيها تصرفات صائبة أو خاطئة، طبيعة الثورة تقوم على ردات الفعل والتجاوزات، بهدف مواجهة الظلم والطغيان والتخلف، لذلك تحمل قوانينها الخاصة وغير التقليدية التي قد تكون ضرورية في تلك اللحظات الحرجة. لكن في المقابل، فإن بناء الدولة يتطلب إطارًا منظّمًا ومنهجًا قانونيًا واضحًا يضمن استمرارية مؤسساتها ويحميها من الفوضى. من هذا المنطلق، كانت لدى المواطن تطلعات كبيرة تجاه المرحلة المقبلة في عقب التغيير. ومع ذلك، فإن بناء الدولة لا يتحقق من خلال الشعارات أو اجتهاد فئة بعينها؛ فالدولة بحاجة إلى أسس وقوانين واضحة، مستمدة من الدستور ولا تخالف مبادئه. كما يتطلب النجاح توسيع قاعدة صنع القرار بما يخدم عملية بناء الدولة وصيانتها، مع إقناع الناس بمنهجيتها من خلال الوضوح والشفافية بوصفهما أساس الشعور بالأمان لدى المواطنين، خاصة أولئك الذين دعموا التغيير وعملوا من أجله. على الرغم من ذلك، شهدت المرحلة الانتقالية تحديات جمّة، فقد بادرت السلطة الجديدة بإعلان فترة انتقالية لمدة ثلاثة أشهر لتهيئة الأوضاع وترتيب الأولويات، لكن بعد مضي تلك الفترة وعقد المؤتمر الوطني، جاءت النتائج دون المأمول؛ لم تكن هناك مخرجات ملموسة أو قرارات تفصيلية تشرح ملامح المستقبل. فالاجتماعات التي عُقدت ظهرت عليها سمات العمومية والغموض، ولم يجرِ إشراك المواطنين بوضوح في ما جرى، ما أثار تساؤلات حول مفهوم الشفافية الذي نُردد الحديث عنه من دون تطبيق فعلي. الإعلان الدستوري الذي صدر لاحقًا وُصف بأنه يرسم مسار الدولة وقوانينها ومؤسساتها، ومع ذلك لم يُقدّم الإعلان على نحو مدروس ومحترف؛ إذ غابت وسائل الإعلام عن دورها في تفسيره وتوضيح رؤيته للمجتمع. حيث انبرى بعض الإعلاميين ليمدحوا هذا الإعلان الدستوري من دون الخوض في تفاصيله ومحتواه ومبتغاه، وبعضهم الآخر أظهر التذمر عن طريق إطلاق توجيه الاتهامات والنقد السلبي غير البناء، وهذا ينم عن قصور في الفهم، غافلين عن أن هذا الإعلان جاء لتسيير أمور الدولة فلم يكن دستورًا موقتًا ولا دستورًا دائمًا. وانبرى المتصيدون في الماء العكر لمزيد من الطلبات، وراحوا يتساءلون عن الديمقراطية، ويعبرون عن خوفهم من الدولة الدينية، ويتساءلون عن دولة المواطنة، ووجود الأحزاب، وعن الرأي والرأي الآخر. ذلك كله أدى إلى حدوث الأخطاء التي تناولها مثقفو الكنبة، الجالسون أمام شاشات هواتفهم، منتظرين أن يتصل بهم رئيس الجمهورية ليشرح لهم ارتباك الموقف وحاجته إلى أمثالهم لتسيير أمور الدولة، وأن يطلب إليهم تقديم عصير أفكارهم النيّرة، ويعبر عن استعداده للتعاون معهم بما يحملونه من آراء واتجاهات وتوجهات، ولكن بعد مضي شهر أو اثنين طال انتظارهم وفرغ صبرهم فقرروا إطلاق السهام صوب هذه الدولة التي بالكاد أبصرت النور. وفي ظل عدم تفهّم تعقيدات إدارة الدولة تعالت الأصوات متساءلة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والأحزاب، وازدادت المطالب الشعبية حول الكهرباء والماء والوقود والعملة النقدية إلخ. لكن على الرغم من تعاظم الشكاوى والتحديات الداخلية، حاولت القيادة تجاوز الواقع بمقاربات أخرى والمضي في منهاجها ولو كان غير معلن، فتوجهت نحو العالم العربي لإعادة بناء الثقة عبر تعزيز العلاقات مع دول كالسعودية وقطر والإمارات والأردن ومصر ولبنان، كما قُدمت مبادرات لتحسين العلاقات مع الجارة تركيا بالنظر إلى المصالح المشتركة. وعلى الصعيد الدولي، أُعيد توطيد العلاقات مع فرنسا نظرًا إلى دورها المهم في المنطقة. يبدو أن الدولة ما زالت تسعى لتحقيق إنجازات فعلية على أرض الواقع بعيدًا من الضجيج الخطابي والنقد المستمر، ولكن التحدي الأكبر يبقى في كيفية تحقيق التوازن بين تطلعات العامة واستراتيجيات القيادة للحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي خلال المرحلة الحالية والمستقبلية.

أفضت المقابلة مع الرئيس ترامب بوساطة الأمير محمد بن سلمان إلى رفع العقوبات المفروضة على سورية منذ العام 1979، باستثناء عقوبات قانون قيصر التي لا يزال الكونغرس يتحكم فيها، مع رفع هذه العقوبات تمكّن البنك المركزي السوري والبنوك المحلية من تحويل الأموال واستقبالها إضافة إلى تطبيق نظام السويفت الأمر الذي ساهم في تعزيز حرية الاستيراد والتصدير، إذ كانت هذه التحولات إيجابية في جميع المعايير. ألفت القيادة حكومة تعتمد على الكفاءات المعروفة في جميع الوزارات، بعيدًا من المناطقية والجهوية، ما أتاح تشكيل مجلس وزراء من أصحاب الاختصاص، بعضهم يعمل بكامل صلاحياته ووزراء آخرون لم يطالبوا بضم جميع الصلاحيات لوزاراتهم نظرًا إلى أنها موزعة على هيئات لضرورة العمل، وهو ما يمثل خطأً كبيرًا يتحمل هؤلاء الوزراء مسؤوليته. وسيكون هناك مجلس نيابي جديد بحسب الوضع العام عن طريق المجمعات الانتخابية في المحافظات، قد تلاقي هذه الطريقة استحسانًا عند البعض بينما قد تثير تحفظات لدى الآخرين. تنتخب هذه المجمعات 210 نواب، فيما يعيّن الرئيس 70 نائبًا من ذوي الخبرات. كان من الأفضل أن يجري اختيار أعضاء المجلس النيابي من النقابات المهنية والقطاعات الاقتصادية والقانونية، كما حدث في عهد الرئيس أمين الحافظ الذي أنشأ “المجلس الوطني” المؤلف من 130 عضوًا برئاسة الراحل منصور الأطرش. وبعد استلام حافظ الأسد السلطة إثر انقلاب عام 1970، شُكل مجلس مكون من 130 عضوًا ينتمون للنقابات المهنية المختلفة مثل نقابات المعلمين والعمال والفلاحين والأطباء والمحامين وأصحاب الأعمال، وترأسه السيد فهمي اليوسفي وأطلق عليه اسم “مجلس الشعب”. وفي عام 1973 انتُخب المجلس بطريقة جديدة مع وضع دستور تضمنت مادته الثامنة سيئة الذكر منح حزب البعث السيطرة الكاملة بوصفه القائد للدولة والمجتمع، بمعنى أن حافظ الأسد هو القائد للدولة والمجتمع، ما يدل بوضوح على احتكار السلطة آنذاك.

عندما تجري هذه العملية الجديدة لاختيار المجلس النيابي، يكون من مهماته تولي السلطة التشريعية، ومن ثم يُعفى الرئيس المؤقت من مسؤولية ممارسة التشريع.

جميع ما سبق الإشارة إليه كان بمنزلة خطوات لا بأس بها لدولة ناشئة، لكن الحوادث غير المتوقعة قلبت الأوضاع رأسًا على عقب. بدأت الاعتداءات الإسرائيلية بتاريخ 9 كانون الأول/ ديسمبر 2024، مستهدفة بنحو ألف غارة جوية جميع أنواع الأسلحة السورية في البحر والبر، بما فيها الدبابات والصواريخ، كما سيطرت على مناطق واسعة بالقرب من مواقع قوات الإندوف، مخالفة بذلك اتفاقية فض الاشتباك التي جرت عام 1974 بين الرئيس حافظ الأسد وإسرائيل بوساطة وزير الخارجية الأميركي آنذاك هنري كيسنجر، حيث نُشرت قوات دولية للفصل بين الأطراف على الخط الأزرق. لم تكتفِ إسرائيل بذلك، إذ امتدت اعتداءاتها إلى منطقة جبل الشيخ وأقامت قاعدة عسكرية تجسسية هناك، وبدأت بتشجيع بعض الفئات الدرزية على التمرد ضد الدولة السورية. كذلك استهدفت القوات السورية وشجعت على نحو عملي على انفصال أجزاء من محافظة السويداء عن الدولة، معلنة دعمها لهذه الفئات وقصفها لمواقع حكومية حساسة مثل القصر الجمهوري ومبنى الأركان العامة بهدف زعزعة استقرار الدولة السورية الناشئة. وفي إطار مساعيها لتقويض أمن المنطقة، دعت إسرائيل لنزع سلاح المحافظات الجنوبية (القنيطرة، درعا، السويداء) بل طالبت بإنشاء ممر آمن للوصول إلى السويداء ودعم بعض الجماعات المنشقة عن الدولة. وفي الوقت ذاته، شهدت المناطق الساحلية اضطرابات تسببت بها فلول النظام السابق، حيث حاولوا السيطرة على الميناء، وإنشاء قواعد لهم، وشن هجمات ضد القوات السورية الجديدة وقوات الأمن العام. أعقبت ذلك اشتباكات عنيفة وتجاوزات من بعض أطراف القوات السورية، ما زاد الوضع تعقيدًا. هذا خلق تحدييَن رئيسين للدولة: الأول في الساحل السوري والثاني في السويداء، إضافة إلى التحدي الأبرز في المنطقة الشرقية من البلاد حيث تسيطر قوات سورية الديمقراطية (قسد) على محافظات الرقة ودير الزور والحسكة التي تضم موارد بترولية وزراعية مهمة.

هذه التحديات كلها وضعت الدولة أمام وضع داخلي يتطلب معالجته بحكمة. وقد أدى هذا الوضع إلى زعزعة الاستقرار الداخلي، وقيام بعض أطراف الدولة والتابعة لها بأعمال فوضوية، أكان في الساحل أم في السويداء، وتعمل الدولة حاليًا على معالجة هذه القضايا بأسلوب متزن يهدف إلى الحفاظ على الأمن وضبط القوى المؤيدة لها، أكانت من العشائر أم من داخل مؤسساتها. فالدم يولد مزيدًا من الدم، والثأر لن يكون حلًا للمشكلة. ومن أجل تعزيز الاستقرار وتثبيت الأمن، تتخذ الدولة السورية جملة من الإجراءات التي تهدف إلى تحقيق ذلك، من أبرزها اتفاق آذار/ مارس 2025 مع قسد، والذي حدد نهاية العام لاستكمال تطبيق بنوده، والملاحظ أن (قسد) تحاول الخروج من بعض بنود هذا الاتفاق وخاصة في ما يخص موضوع الجيش، حيث تطالب بأن تكون قواتها كتلة موحدة داخل منظومة الجيش السوري، وهو طلب غير متفق عليه ويُعد عاملًا مؤثرًا في تماسك القوات المسلحة. تطالب الدولة بحل قوات (قسد) التي يبلغ تعدادها أكثر من 100 ألف مقاتل، يشكل المكوّن العشائري العربي نسبة 70 في المئة منهم ، بينما تظل القيادة بيد الكرد، وهو أمر يثير مخاوف بشأن تماسك الجيش الوطني. وفي هذا السياق، ترى الدولة ضرورة توزيع أفراد (قسد) الراغبين ضمن الوحدات والكتائب العسكرية على نحو فردي ومتكامل مع باقي المحافظات السورية، لمنع أي تجمع أو كيان مستقل داخل المؤسسات العسكرية. كما تولي الدولة أهمية كبرى لإدارة المناطق والمحافظات الثلاث التي تسيطر عليها (قسد) بصورة مباشرة، بحيث تجري الاستفادة من خبرات عناصرها في إطار الإدارات المحلية لتلك المناطق من دون أن تحظى بأي امتيازات على حساب المحافظات الأخرى. وتشدد السلطات على دمج المكون الكردي ضمن المجتمع السوري تحت مظلة القوانين والدستور الذي يُطبق على الجميع من دون استثناء. وفي ظل المواقف الدولية المؤيدة لوحدة الأراضي السورية، وعلى رأسها الولايات المتحدة والتحالف الدولي، والتي طالبت (قسد) بالاندماج ضمن الدولة السورية وحل الخلافات كافة معها، تبدو هذه الخطوات قابلة للتحقيق. وهكذا، إن نجحت هذه المساعي، ستضع سورية نفسها على المسار الصحيح نحو إعادة بناء مجتمعها وتلبية تطلعاته، ما يجعل نزعات الانفصال والتفرد شيئًا من الماضي.

وفي إطار جهد الإعمار والإنماء الوطني، تمتلك الجزيرة السورية إمكانيات كبيرة، حيث تساهم موارد النفط والغاز والمحاصيل الزراعية الغنية لهذه المنطقة، والتي تشكل نحو 30 في المئة من الأراضي السورية، في دعم هذا المسار. وهذا يماثل الواقع في محافظة السويداء، حيث تتوجه أنظار معظم السوريين، بغض النظر عن انتماءاتهم، إلى هذه المنطقة التي تمثل مصدر اهتمام كبير، وسط اعتقاد واسع بأن المشكلات المتعلقة بقسد والسويداء ترتبط بالعوامل الخارجية بصورة كبيرة. وتسعى القيادة السورية للتعامل مع هذه الملفات عبر مد جسور التفاهم مع الجهات ذات النفوذ والقدرة على حل هذه القضايا. أما قضية الساحل وحمص وريفها تحتاج إلى تدخل فعال من الدولة لضبط الوضع واحتواء التوترات القائمة مع السكان، حيث إن بعض الجهات أظهرت سلوكيات غير منضبطة أثارت حساسية السكان، وذلك من خلال التصريحات غير المسؤولة والتحريض والتصرفات المسيئة، وعدم الالتزام بتعليمات الدولة ما يؤثر في سير خططها نحو تحقيق الأمن والاستقرار على المستوى الوطني. في الوقت نفسه، يظهر أن القيادة السورية تعتمد سياسة النفس الطويل وتوظف علاقاتها المتنوعة مع الدول العربية وتركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تعزيز التواصل مع موسكو وتوسيع التعاون مع الصين. هذه الاستراتيجيات تهدف في النهاية إلى تحقيق الاستقرار ودعم التنمية المستدامة في البلاد.

موضوع إعادة البناء والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في سورية لا يزال يشهد بطئًا واضحًا وفعالية محدودة، ويعود ذلك إلى عوامل ذاتية وأخرى موضوعية. فعلى الصعيد الذاتي، تبقى الدولة تبحث عن خطوات التنمية بالاعتماد على تدفق المستثمرين من الدول العربية والأجنبية من دون وجود رؤية واضحة وخطط استراتيجية محددة. معظم المستثمرين القادمين من دول الخليج على سبيل المثال يركزون على مشاريع قصيرة الأمد ذات ربحية سريعة ومضمونة، مثل الاستثمار في قطاعات الفنادق والمطاعم والأبراج والمكاتب، تساهم هذه المشاريع في تقديم واجهة معمارية تجميلية لبعض المدن لكنها لا تحقق تنمية شاملة ومتكاملة، ولا تساهم في خفض نسب البطالة بصورة مؤثرة، كونها تعتمد على الخبرات الأجنبية التي تتقاضى رواتب عالية تعود غالبًا إلى دولها الأصلية، ما يحد من الفائدة الاقتصادية الوطنية. إضافةً إلى ذلك، فإن التسهيلات والإعفاءات الكبيرة التي تمنحها الدولة لهذه النوعية من المشاريع تُستهلك في أغلبها لدعم النشاط الخدمي بدلًا من الإنتاجي، وكثيرًا ما أُثيرت الحاجة إلى إعداد خارطة استثمارية مدروسة يديرها خبراء متخصصون لاستيعاب متطلبات الاقتصاد الوطني، مع التركيز على قطاعات حيوية كالزراعة والصناعة الإنتاجية. يجب أن تكون هذه الخارطة واضحة ومرفقة بدراسات جدوى اقتصادية تنظم عملية الاستثمار وتحسّن العودة الاقتصادية للدولة والمستثمر معًا. على سبيل المثال، يمكن البدء باستثمار منظم في الزراعة وتربية الحيوانات وربط هذا النشاط بالصناعات الزراعية مثل التعليب وإنتاج العصائر وغيرها، بما يحقق تكاملاً إنتاجيًا يصب في السوق المحلية والتصدير، وذلك من خلال تخطيط واضح يستند إلى دراسات جدوى اقتصادية دقيقة. هذه الدراسات تهدف إلى تحديد العناصر التي تسعى وراءها الجهات الاستثمارية، مثل فترة استرداد رأس المال، نسبة الخصم، العائد على الاستثمار، تتبع عمليات الإنتاج والتصدير وصولًا إلى المستهلك النهائي، وتحقيق الأهداف المرجوة من هذه المشاريع بما يضمن تكاملها. يمكن استلهام التجارب الناجحة مثلًا مع السعودية ودول الخليج وتركيا، مع تفادي تشتيت الاستثمارات وفق أهواء المستثمرين. وعند تقديم الفرصة الاستثمارية، يجب على الدولة أن تعرضها بوضوح وشفافية، بناءً على أسس علمية تمكّن المستثمر من الدخول على نحو مدروس وآمن بعيدًا من احتمالات الفشل التي قد تؤدي إلى خسارة تؤثر سلبًا في الاقتصاد العام.

أما بالنسبة إلى الصناعة، فمن الضروري إعداد خرائط استثمارية لهذا القطاع أيضًا، إذ إن سورية تمتلك عددًا من المؤسسات الصناعية العامة التي يمكن إعادة هيكلتها وتطويرها لتُصبح أكثر إنتاجية وكفاءة. هذه المؤسسات تشمل قطاعات مهمة مثل الصناعات النسيجية المرتبطة بزراعة القطن والصوف، والصناعات الغذائية المعتمدة على المحاصيل الزراعية )الحبوب مثل القمح، الزيتون، الفواكه مثل العنب والمشمش، البندورة، السكّر)، والصناعات الكيميائية) المنظفات والمطاط والمبيدات الحشرية)، والصناعات الهندسية )الثلاجات والغسالات والكابلات الكهربائية)، إضافة إلى قطاع الإسمنت. يجب على الكوادر الفنية والاختصاصيين العاملين في هذه المؤسسات إجراء دراسات شاملة للجدوى وتطوير خطط الموارد البشرية بما يخدم الجهد التنموي المستدام. وفي ما يتعلق بالقطاع النفطي والغاز الطبيعي، فإنه بحاجة ماسة إلى تطوير الحقول العاملة واستكشاف مواقع جديدة في الأراضي السورية والجرف القاري والمياه الإقليمية. يجب إعداد دراسات جيولوجية دقيقة وتخصيص بلوكات جاهزة للتعاقد مع شركات ذات خبرة في استخراج النفط والغاز وفق صيغ تعاقدية واضحة ومحددة، كما يمكن الاستفادة من الخبرات المتميزة لبعض الشركات العربية الكبرى مثل “أرامكو السعودية”، و”أدنوك الإماراتية”، والشركة القطرية المتخصصة في هذا المجال. إنّ وضع الخطط المدروسة، واعتماد الشفافية مع المستثمرين، وتقديم فرص واضحة بناءً على دراسات جدوى علمية سيساهم في خلق بيئة جاذبة للاستثمار، ويمنع الوقوع في الخسائر المؤثرة سلبًا في الاقتصاد الوطني.

يمكن إعادة تفعيل اتفاقيه خطوط نقل النفط العراقي التي تمر عبر سورية وصولًا إلى ميناء بانياس السوري وميناء طرابلس اللبناني، ودراسة إمكانية إعادة تشغيل خط نقل النفط السعودي عبر أراضي الأردن وسورية إلى ميناء الزهراني في لبنان، مع مراعاة ضرورة تحييد منطقة الجولان المحتلة أو التفاوض بشأنها لضمان التشغيل المنتظم.

يتميز خط كركوك العراقي بإمكاناته لتلبية حاجات مصفاة حمص التي صُممت أساسًا للعمل بنفط كركوك (A.b.I 36)، ما يتيح فرصة تشغيل المصفاة جنبًا إلى جنب مع مصفاة بانياس عبر شراء النفط العراقي. هذا التنسيق بين رسوم عبور النفط وتكاليفه سيؤدي إلى مردود مجزٍ، إذ إن رسوم المرور المتحصلة على طول الخطوط من كركوك إلى مرفأي بانياس وطرابلس تُعد ذات قيمة عالية. كما أن إعادة تشغيل مصفاتي حمص وبانياس باستخدام نفط الحقول السورية الخفيف، مثل حقلي “تيم” و”عمر”، إضافة إلى النفط العراقي، سيُمكّن من تشغيلهما بكامل طاقتهما الإنتاجية بعد إجراء بعض الإصلاحات اللازمة للوحدات والمنشآت، وهذا من شأنه أن يمكّن المصفاتين من تكرير نحو 600 ألف برميل يوميًا بطاقة إنتاجية قصوى، الأمر الذي يقلص الحاجة إلى استيراد المنتجات النفطية المكلفة. إلى جانب ذلك، يفتح المجال لتصدير الفائض من النفط السوري وبعض المشتقات إلى الخارج، مع تحقيق وفورات مالية كبيرة. كما يجب دراسة إنشاء مصفاة جديدة للنفط في منطقة الرقة لتلبية الحاجات المتزايدة في المنطقة الشرقية، وهي منطقة غنية بإنتاج المحاصيل الزراعية. ويمكن تحسين إنتاجية هذه المنطقة من حيث الكم والنوع عبر زيادة عمليات الري والمساحات المزروعة بالقطن، على الرغم من التكلفة العالية لهذه الزراعة التي تتطلب كميات كبيرة من المياه. حيث يُعد نقص المياه من التحديات الرئيسة التي تواجه الزراعة في سورية، إذ تقتصر مصادر المياه على كميات محدودة أبرزها نهر الفرات الذي تبلغ حصة سورية من مياهه نحو 15 مليار م³ سنويًا. وبهدف الحدّ من مشكلة نقص المياه، خاصة في المناطق مثل القلمون التي تعاني من شح مياه الشرب، يمكن التوجه إلى مشاريع لحجز المياه المتدفقة نحو البحر إلى جانب السدود الحالية. ووفقًا لدراسات قامت بها شركة أميركية، تبين وجود حوض مائي عذب جنوب طرطوس وطرابلس في لبنان، يمكن استثمار هذا المورد المائي بالتعاون مع الجانب اللبناني لضمان تزويد مناطق تعاني من شح المياه مثل القلمون وحتى دمشق. أما بالنسبة إلى البادية السورية، فلم تُجرَ حتى الآن أي أبحاث جيولوجية جادة للتنقيب عن الموارد المائية في هذه المناطق الممتدة من جنوب الرقة مرورًا بمحافظتي حماة وحمص، وحتى التنف عند الحدود بين سورية والعراق والأردن.

تتطلب هيكلة الاقتصاد الوطني السوري وضع خطة تطبيقية تمتد لمدة تراوح بين ثلاث وخمس سنوات، وهو ما تلجأ إليه الدولة عادةً بعد نجاح الثورات، وتُعرف بخطة هيكلة الاقتصاد الوطني. تهدف هذه الخطة إلى دراسة الأولويات الاقتصادية وإعادة تنظيمها، حيث تشير إعادة الهيكلة إلى تغييرات أساسية في مكونات الاقتصاد بوجه عام. في الدول الغربية، ترتبط هذه العملية بتحول المناطق الحضرية من نمط اقتصادي يعتمد على التصنيع إلى قطاع الخدمات، ما يؤثر بعمق في الإنتاجية والتنافسية للمدن والمناطق، إضافة إلى تأثيرات واضحة على التركيبة السكانية، مثل توزيع الدخل، أوجه التوظيف، التسلسل الهرمي الاجتماعي، والترتيبات المؤسسية. عملية إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني تشمل تنمية كيانات اقتصادية جديدة مثل مجمعات الشركات المتخصصة، وزيادة حركة رأس المال والاقتصاد غير الرسمي، مع تعزيز العمل غير التقليدي وتحسين الإنفاق العام، كما تعكس أهمية التباعد الجغرافي وما يصاحبه من ظهور مدن جديدة وتفاوت في النمو الحضري، الأمر الذي يدفع نحو دمج أساليب أكثر كفاءة لتطوير القدرات الإنتاجية الوطنية وتعزيز التنافسية الاجتماعية والاقتصادية. وتحدد هيكلة الاقتصاد تقسيم القطاعات الاقتصادية الرئيسة (الصناعة، والخدمات(، إلى جانب المؤسسات والنشاط المرتبط بها. كما تُتيح إعادة الهيكلة الاقتصادية للأسواق أن تتوسع من المستوى المحلي إلى المستوى الوطني والإقليمي والدولي، الأمر الذي يقوي الفرص الاقتصادية، ويعزز الناتج المحلي الإجمالي للدولة.

يتكون الاقتصاد الوطني من قطاعات متعددة تصب جميعها في خانة النمو الاقتصادي الكلي، وتعني ثلاثة مجالات أساسية: الاستهلاك، الاستثمار، والإنفاق الحكومي. أما الأهداف العامة فتشمل تحقيق النمو الاقتصادي، ضمان التوظيف الكامل، واستقرار الأسعار. وفي الحالة السورية، تصبح إعادة هيكلة الاقتصاد أمرًا لا مفر منه خلال المرحلة الانتقالية. الخطة يجب أن توازن بين القطاعات المختلفة لضمان عدم طغيان قطاع على آخر، فلا يُفترض مثلًا التركيز على الزراعة وإهمال القطاع الصناعي، أو التضحية بجزء من الصناعة من أجل تضخيم قطاع الخدمات. بالنظر إلى الإمكانات المحدودة المتاحة، يجب أن تكون البداية متوافقة مع الموارد المحلية، وهذا عبر الاستثمار في مشاريع صغيرة وذات إنتاجية وربحية مرتفعة. كذلك ينبغي التركيز على المشاريع متناهية الصغر التي تخدم شريحة واسعة من السكان، وتضمن إعادة تدوير رأس المال المدفوع نحو دورات إنتاجية جديدة تستفيد منها فئات مختلفة في المجتمع.

يمكن أن تُدرج المشروعات الكبرى ضمن الخطة الاستثمارية المشار إليها، وهي تلك التي تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة وعوائد قد لا تكون سريعة. عادةً ما تتولى الشركات العربية أو الأجنبية هذه المبادرات الاستثمارية، مستهدفة خدمة القطاعات الإنتاجية عبر استثمارات متوسطة أو طويلة الأجل. في سورية، يحتل موضوع إعادة الإعمار الصدارة، إذ تشير التقديرات إلى الحاجة إلى بناء نحو مليون ونصف منزل هُدم بالكامل، إضافة إلى نحو نصف مليون منزل تعرض لأضرار جزئية. كذلك هناك حاجة ماسة إلى إعادة إعمار المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس وأماكن العبادة، وهو مشروع يتطلب تكاليف ضخمة لا تستطيع سورية تحملها بمفردها في الوقت الحالي. تقدر بعض الدراسات أن هذه العمليات، إضافة إلى قطاع الخدمات، بحاجة إلى نحو 250 مليار دولار، بينما تصل التقديرات الأكثر تشاؤمًا إلى 500 مليار دولار. من الواضح أن هذه المبالغ تتجاوز قدرة أي دولة مهما كانت إمكاناتها، الأمر الذي يجعل اللجوء إلى المستثمرين أمرًا ضروريًا. ومع ذلك، هذا النوع من الاستثمارات لا يُنفذ دفعة واحدة ولا عبر أطر زمنية قصيرة، بل يحتاج إلى استراتيجيات طويلة الأجل. بحسب آراء الخبراء، سيكون من الضروري تخصيص ميزانيات قُدِّرت بحجم الميزانية السورية على مدى 50 سنة مقبلة لتركيز الجهد على إعادة الإعمار. بناء البيوت السكنية الاقتصادية يعد الخطوة الأولى، خاصةً لإسكان العائلات التي ما زالت تعيش في المخيمات، وهم غالبًا من سكان القرى أو أطراف المدن التي تعرضت للدمار، حيث إن توفير المساكن لهم يحمل أهمية كبيرة، لأن هذه الفئة السكانية ستتمكن من العودة إلى العمل في القطاع الزراعي البسيط. هذا النشاط الاقتصادي يعدّ الأهم، فهو على الرغم من بساطته سيساهم في تشكيل الطلب المحلي الذي يؤدي تدريجًا إلى زيادة الإنتاج في هذه المناطق. ومع مرور الوقت، تتحول هذه القرى والمناطق المحيطة إلى مراكز إنتاج واستهلاك، ما يفتح المجال أمام فرص عمل جديدة، ويعزز القطاع الزراعي الريفي، ويُحسن الأوضاع المعيشية للفلاحين وعائلاتهم، ولتحقيق هذه الأولويات يجب أن تتعاون الدولة والمجتمع معًا. إنّ ما حققته الحملات التطوعية في بعض المحافظات من تمويلات لا بأس بها، يمكن استثمارها في توفير السكن الاقتصادي ولو على نحو محدود في القرى المختلفة التابعة للمحافظات، كما أن زيادة الوعي بالتبرعات وتشجيعها على نطاق واسع يفتح الأفق للاستفادة من الموارد الذاتية. إضافة إلى ذلك، يمكن إشراك السوريين المغتربين الذين يبدون استعدادًا للمساهمة في دعم مثل هذه المشاريع، عبر لجان موثوقة تعمل على جمع الأموال في صندوق مخصص لإعادة الإعمار بإشراف الوزارات المعنية مثل وزارة الإسكان. حيث يعدّ ضخ هذه الأموال بصورة سريعة لتوجيهها نحو بناء القرى المدمرة وأطراف المدن أمرًا بالغ الأهمية، فالانتظار الطويل من شأنه أن يزيد معاناة سكان المخيمات الذين يعيشون أوضاعًا مأسوية منذ سنوات، ما يجعل التحرك الفوري ضروريًا لأن البَدء اليوم أفضل كثيرًا من التأجيل إلى الغد.

إن الوفورات المالية الواردة إلى البنك المركزي والخزينة العامة، يجب أن تُستغل على نحو سريع وموجه لإحداث تقدم نوعي في مسيرة التنمية الشاملة والمتوازنة. ومن الأفضل أن تتجنب الدولة اللجوء إلى القروض الخارجية، نظرًا إلى ما تحمله من فوائد مرتفعة وشروط مثقلة أحيانًا، خاصة تلك التي تأتي من مؤسسات كصندوق النقد الدولي، حيث تفتقر وصفاته إلى التكيف مع ظروف كل دولة على حدة، حيث تأتي عادة مشروطة برفع الدعم عن السلع الأساسية، الأمر الذي قد تكون له آثار سلبية على فئات واسعة من المجتمع. ويبقى الاتكال على سياسة الاعتماد على الذات، على الرغم من كونها بطيئة في التنفيذ نظرًا إلى الإمكانات المتاحة، الخيار الأفضل مقارنة بالاقتراض الخارجي. وإضافة إلى ذلك، يجب على الدولة تجنب اللجوء إلى التمويل عبر التضخم، مثل طباعة العملة من دون رصيد حقيقي، لأن ذلك يؤدي إلى كارثة اقتصادية تشمل ارتفاع معدلات التضخم، وزيادة أسعار السلع والخدمات، وتضعف قيمة العملة الوطنية في التجارة العالمية، ما قد يدفع البلاد نحو “الدولرة”. على الدولة أيضًا أن تنظم الضرائب على نحو متوازن؛ إذ ينبغي زيادة الضرائب المقطوعة، والتأكيد على تحصيل الضرائب الحقيقية، من دون التغافل عنها أو إخضاعها للتخفيض غير المدروس، لأن الميزانية في النهاية تعتمد على مساهمات المواطنين. من المهم فرض رسوم وضرائب على السلع الكمالية مثل السيارات الفاخرة ومستحضرات التجميل الباهظة، بهدف تحسين قدرة المنتج المحلي على التنافس في السوق الداخلي والخارجي، من خلال وضعه أمام المستهلك المحلي بأسعار معقولة، وتنشيط الصادرات بتكاليف أقل. التعامل بالمثل مع الدول الأخرى ضروري لتعزيز التنافسية، ومع ذلك لا يمكن الاعتماد دائمًا على الحماية للإنتاج الداخلي، لأنها قد تؤدي إلى ضعف الجودة، وتشجيع الكسل، والاعتماد على سياسات الحماية بصورة مفرطة. يجب تحقيق توازن في هذا السياق، بحيث تراعى الصناعات الناشئة لتتمكن من تطوير قدرتها التنافسية بالتدريج من دون الاعتماد المطلق على الحماية الدائمة.

تتسم موضوعات الاقتصاد بالتعقيد والتنوع، وتتطلب تناولًا شاملًا وتحليلًا دقيقًا لمعظم جوانبها إن لم يكن جميعها. تمتلك الدولة القدرة في أجهزتها المختلفة على تقديم فهم عميق ومعالجة فعالة تخدم مصالح الشعب. إذا أخذنا سورية الجديدة مثالًا، فإنها تتمتع بثروة نفطية كبيرة في حقول مثل الحسكة (السويدية، رميلان، كراتشوك)، وحقول أخرى مثل تيم وعمر وغيرها، إضافة إلى حقول الغاز المهمة. يمكن تقدير إنتاج النفط حاليًا بنحو 200 ألف برميل يوميًا، ومع تطوير الحقول يمكن أن يصل هذا الرقم إلى 300 ألف برميل يوميًا. هذه الكميات تحقق إيرادات من العملة الصعبة قد تشكل نقطة انطلاق لوضع برنامج تنموي طموح بجانب الإيرادات الأخرى من الضرائب والرسوم على المستوردات وقطاعات أخرى. من ناحية أخرى، إذا تميزت المواسم بهطولات مطرية جيدة، يمكن إعادة إحياء إنتاج القمح والشعير إلى جانب منتجات زراعية مثل الزيتون والزيت والحمضيات والتفاح وغيرها. كما ستُفتح فرص تشغيل القطاعات المعطلة. مقارنة بالعام الماضي، يبدو أن الأمور تحسنت بشكل ملحوظ؛ فالخبز والمحروقات متوفرة بكمية جيدة، بما في ذلك المازوت للتدفئة الذي كان يمثل أزمة حادة العام الماضي، بالإضافة إلى توفر غاز التدفئة. إلى ذلك، أصبحت حركة التنقل بين المدن والمحافظات سلسة، ونشاط الشحن الداخلي للبضائع مستقر، مع انتعاش حركة الترانزيت بين سوريا والدول المجاورة. التغيرات الأخيرة، خصوصًا بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، كان لها تأثير إيجابي واضح؛ فالسلع متوافرة في الأسواق بأسعار منخفضة. إلى جانب ذلك، رُفعت الرواتب على نحو كبير وصل إلى أكثر من ضعفين، ما عزز الشعور العام بتحسن الأمور. الأسواق تزخر بالمنتجات المطلوبة، وحركة السيارات الخاصة شهدت زيادة استثنائية، الأمر الذي دفع وزارة الاقتصاد إلى اتخاذ قرار بمنع استيراد السيارات الجديدة بسبب الازدحام المروري الكبير الذي بات يعوق الحياة اليومية.

  • كاتب وأكاديمي سوري، من مواليد عام 1946، من قرية جبين التابعة لمدينة فيق في منطقة الزويَّة جنوبي الجولان المحتل. بكالوريوس في العلوم الاقتصادية من جامعة بغداد في عام 1969، دبلوم اختصاص في التخطيط الصناعي والإدارة الصناعية-دمشق 1973، دبلوم دراسات سكانية-دمشق 1990، ماجستير في التخطيط الاقتصادي من جامعة القاهرة 1995، دكتوراه في الاقتصاد والإدارة من جامعة القاهرة 2001. مدير الإدارة الاقتصادية في الشركة العامة للنفط (1969-1979)، كان عضوًا منتخبًا في مجلس محافظة القنيطرة خلال الفترة 1972-1976. باحث اقتصادي متعاقد مع وزارة البترول السعودية (1979-1989)، خبير اقتصادي لدى رئاسة الوزراء السورية (1989-1991، ومدير عمليات في مكتب تسويق النفط، أعمال حرة ومستشار اقتصادي في دراسات الجدوى الاقتصادية (1993-2013)، أسَّس جامعة خاصة باسمه (جامعة العلوم والتكنولوجيا في جنوب سوريا) التي غُيِّر اسمها إلى (جامعة قاسيون)، عضو مؤسِّس في جمعية الاقتصاديين السوريين، عضو مؤسِّس في جمعية الاستشاريين السوريين. غادر سوريا مضطرًا في عام 2013 بعد الثورة السورية. باحث اقتصادي وسياسي، نشر حتى الآن نحو 20 كتابًا في الاقتصاد والسياسة، فضلًا عن مئات المقالات في الصحف والمجلات في بيروت والرياض ودمشق.

مشاركة المقال: