الحكاية الروسيَّة بنيتها أنواعها وخصائصها في ضوء مقاربة فلاديمير بروب

نشرت مؤسَّسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر مؤخَّرًا كتاب “الحكاية الروسية” لعالم الفولكلور والناقد الأدبي الشهير ف. يا. بروب (V. Ya. Propp)، وقد ترجمه إلى اللغة العربيَّة الباحث الأكاديمي د. غسان مرتضى.

يضمّ الكتاب بين جلدتيه 520 صفحة، ويتكوّن متنه، بعد مقدمة المترجم، من مدخل وسبعة أبواب وثبت بأسماء الأعلام وفق الترتيب الهجائي، ثمّ قائمة بالمصادر والمراجع. بيد أنَّنا قبل استعراض مضمون الكتاب نجد من الضروري أن نقدِّم نبذة عن سيرة بروب وأعماله المتنوعة.

A book on a shelf AI-generated content may be incorrect.

وصف الكتاب:
اسم الكتاب بالعربية الحكاية الروسيَّة
اسم الكتاب بالروسية The Russian Tale
المؤلف فلاديمير ياكوفليفيتش بروب
Vladimir Yakovlevich Propp
ترجمة غسَّان مرتضى
Ghassan Mortada
تاريخ النشر الطبعة الأولى، أيلول/ سبتمبر 2025
عدد الصفحات 516
الأبعاد 24 سم/ 17 سم
ISBN (PRINTED) 978-625-5873-38-5
ISBN (ELECTRONIC) 978-625-5873-39-2

بروب: سيرته وأعماله

ولد بروب سنة 1895 في مدينة سانت بطرسبورغ في أسرة ثريَّة، تنحدر من أصول ألمانية، وقد تعلّم وهو لمـَّا يزل صغيرًا، اللغة الألمانيَّة، واللغة الفرنسيَّة لغة الثقافة الأوربيَّة السائدة آنذاك، إضافة إلى لغة وطنه الجديد الروسيّة. تخرّج عام 1918 في جامعة سانت بطرسبورغ بعد إكمال تخصصه في دراسة اللغات السلافيّة وآدابها.

كرّس بروب حياته العلمية لدراسة الفولكلور تكريسًا مفعمًا بالحماسة والمواظبة، حتَّى أنجز كتابه العلمي الأول “مورفولوجيا الحكاية” الذي استغرق في كتابته عشر سنوات، لكنَّه لم يحظَ في بلده بقبول يتناسب وأهميّته، ولم يكن ليُنشَر لولا وساطة بعض أصدقائه.

لم يكن مُقدَّرًا لهذا الكتاب المهمّ أن تُطَبِّقَ شهرته الآفاق، وأن يحظى بحفاوة الأوساط الأكاديميَّة العلمية إلَّا حين تُرجِم إلى اللغة الإنكليزيَّة، إذ استقبله العلماء الغربيُّون بالتّرحاب، لأنَّهم رأوا فيه صرامة علميَّة في توظيف المنهج البنيوي توظيفًا محكَمًا في دراسة الحكاية الشعبيَّة.

تتجلَّى أهميَّة الكتاب في أنَّه يحلِّل الحكاية الخرافيَّة، اعتمادًا على المنهج البنيوي الذي يساعد المتلقي على فهم آليَّات تشكُّلها واكتشاف بنيتها الداخليَّة العميقة، متجاهلًا تحليل المعنى أو الموضوع، أي إنَّه يهتمُّ بتشكُّل المعنى أكثر من اهتمامه بالمعنى في ذاته. وهذا ما يُعَدُّ تحوّلًا مهمًّا جدًّا وغير مسبوق في دراسة الفولكلور.

تعتمد منهجيَّة بروب البنيويَّة في كتابه المذكور آنفًا على تفكيك الحكاية إلى وحدات سرديَّة صغيرة متتالية تتضمن أفعالًا متكرِّرَة، سمّاها بروب الوظائف، موزَّعة على عدد محدَّد من الشخصيَّات. لقد اكتشف هذا العالِم، بمهارة نقديَّة فائقة، أنَّ تلك الوظائف التي تتكرّر في معظم الحكايات العالميَّة لا تتعدى 31 وظيفة، ومن أهمِّها الاختبار والحَظر والخَرق والاستطلاع… ورأى أنَّها تتوزَّع على سبع شخصيّات حكائيَّة نمطيَّة، هي البطل والخَصم والمساعد والمانح والمرسِل والبطل المزيَّف وأخيرًا الضحية.

وإذا كان الكتاب المذكور قد أثار ضجَّة كبيرة في الأوساط العلميّة الغربيّة، ورسّخ مكانة الأدب الشعبي بين علوم الأدب الأخرى، فقد جاء كتابه الآخر “الجذور التاريخية للحكاية الروسية” ليشكل مع الكتاب السابق وحدة عضوية تكتسب معناها بوصفها تجسيدًا لمشروع كبير نهض به بروب، ليحقِّق مسألة التكامل بين دراسة النصّ دراسة سنكرونية في فترة زمنية محدَّدة، وبين دراسته من الناحية الدياكرونية عبر تطوره التاريخي ابتداءً من جذوره وصولًا إلى اكتماله وانتشاره في فترات زمنيَّة متلاحقة. على أنَّنا ينبغي ألّا نُغفِل ممارسات السلطة الرقابيَّة الدُّوغمائية في العهد السوفياتي التي اتَّهمت الكاتب بمناوأة الماركسيَّة وممالأة الغرب البرجوازي، عندما أصدر كتابه الأول “مورفولوجيا الحكاية” الذي تبنَّى فيه المنهج البنيوي.

لقد كانت البنيوية وما شابهها تهمة خَطِرة في نظر الرقابة السوفيّاتيَّة آنذاك، لأنَّها من نتاج الغرب من جهة، ولأنَّها معادية للتاريخ من جهة أخرى؛ فكان على بروب، والحالة هذه، أن يدفع عن نفسه وفكره هذه التهمة، وأن يُثبِت أنّه صاحب رؤية تاريخيَّة عبر تقديم صكّ براءة مكتوب وممهور بتوقيعه، حمل عنوان: “الجذور التاريخيَّة للحكاية الخرافيَّة“.

لقد أصدر بروب بعد الكتابين السابقين كتابَ “الشعر الملحمي البطولي الروسي” و”الأعياد الفلاحيَّة الروسيَّة: تجربة في البحث التاريخي الإثنوغرافي“.

تتمازج الغيريّة والأنويَّة في شخصيَّة هذا العالم الفولكلوري تمازجًا واضحًا، يُبرِز فضله في إصدار أمَّات الكتب في الفولكلور الروسي مثل “بيلينا([1]) و”الحكايات الشعبيَّة الروسيَّة” التي جمع نصوصها عالم الفولكلور الروسيُّ أ. ن. أفاناسييف (A. N. Afanasiev)، والحكايات الشماليَّة في تسجيلات أ. إي. نيكيفوروف (A. I. Nikiforov)، إضافة إلى نهوضه بمهمّة تحقيق “الأناشيد الغنائيَّة الروسيَّة” ونشرها.

أراد بروب في أُخرَيَات أيامه أن يُخلِّف وراءه بصمة تتحدَّى عوامل الفناء، فخرج بكتاب بديع يُعَدّ فتحًا في علم جمال الضحك، وهو كتاب: “قضايا الإضحاك والضحك“، الذي لم يدرس فيه ظاهرة الضحك بوصفه نشاطًا فيزيولوجيًّا أو نشاطًا ترفيهيًّا عابرًا، بل درس أبعاده الجماليَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة والنفسيَّة، ورأى فيه أداة للتنظيم والسيطرة وضبط العلاقة بين الفرد والمجتمع والطبقة والسلطة السياسيّة والمؤسَّسة الدينيَّة.

وإذا أردنا أن نعرف أهميّة الكتاب بالقياس إلى الكتب الأخرى التي تناولت هذا الموضوع، فإنّنا لا نحيد عن الحقِّ إذا قلنا: إن كتاب بروب ربَّما يتفوَّق على كتاب هنري برغسون “الضحك في معنى الهزل” من حيث الإحاطة والتنوع والثراء، لأنَّ برغسون يبدو، في كتابه، مُغرِقًا في الفلسفة والتنظير والتجريد، بينما يجنح بروب إلى تقديم نظرات جماليَّة ماتعة مدعَّمة بدراسات تطبيقيَّة تناولَت أعمالًا فنيَّة متنوِّعة. وفي حين تتفجر مواقف الضحك عند برغسون من التناقض والمواجهة بين الطبيعة والمرونة من ناحية، وبين الجمود والآليَّة من ناحية أخرى، فإنَّ الضحك يتفجَّر، بحسب بروب، من اكتشاف العيوب والنواقص، ومن التناقض بين الشكل والمضمون، ومن خروج السلوك البشري عن سياقه الزماني والمكاني، وغير ذلك…

أما الكتاب الآخر الذي جادت به قريحة بروب في أيامه الأخيرة، فهو كتاب “الحكاية الروسية” موضوع بحثنا. وهو كتاب يمكن وصفه بأنّه جِماع لمعظم أفكاره واستنتاجاته التي وردت في أعماله السابقة.

توفّي بروب عام 1970 بعد حياة حافلة بالبحث والعطاء العلمي، وبعد أن قدَّم للمكتبة العالميّة إنجازات علميّة عظيمة في ميدان البحث الفولكلوري والدراسات النقديَّة ذات الصلة.

“الحكاية الروسيَّة”: تحليل العنوان

“الحكاية الروسيَّة” مركَّب بياني وصفي مكوَّن من منعوت ونعت، غرضه التوضيح، لأنّه معرفة. المنعوت، كما نرى، اسم معنى يدل على جنس سردي فولكلوري أنتجه العقل الجمعي، ليحتلّ مكانته بين الأجناس السرديَّة الأخرى الفرديَّة. أمَّا النعت (الروسيَّة)، فهو اسم منسوب غرضه تحديد ميدان البحث النقدي في حدوده القوميَّة واللغويَّة.

وعلى الرغم من ذلك، فإنّ بروب يخرج عن تلك القيود التي فرضها العنوان ليَعقِد مقارنات شائقة بين مختلف الحكايات العالميَّة التي تنتمي إلى جنسيات ولغات مختلفة، إيمانًا منه بوحدة التفكير والثقافة العابرة للحدود الجغرافيَّة والقوميَّة واللغويَّة، بَيْدَ أنّ القاسم المشترك الذي يتردّد ذكره في معظم تلك المقارَبات المقارنيَّة هو الحكاية الروسية.

الذائقة البويطيقيَّة

يستوقفنا حين نقرأ مدخل الكتاب، ولا سيَّما ما ورد تحت عنوان مدح الحكاية، هذا التركيب البياني المثير للاهتمام والتساؤل: الذائقة البويطيقيَّة. تجد نفسك وقد طرحت على نفسك السؤال الآتي تلقائيًّا: لماذا اتّجه المترجم د. غسان مرتضى نحو ترجمة الجزء الثاني من التركيب ترجمة حرفيَّة صوتيَّة، وأعرض عن ترجمته ترجمة معنويَّة وهي “الشعريَّة”؟ أعتقد أن القارئ المتمهل سيدرك، مع توغّله في قراءة الكتاب، أن الذائقة الشعريَّة تتعامل مع الشِّعر غالبًا وفي المقام الأول، بينما يمكن أن تتسع الذائقة البويطيقيَّة لتتعامل مع ما هو أوسع من ذلك من الفنون الأدبية والجماليّة الأخرى.

لقد أراد بروب من القارئ، قبل ولوجه في عالم الحكايات السحريِّ المدهش، أن يمتلك ذائقة بويطيقيَّة تُعينُه على فهم الحكاية واكتشاف عوالمها وأسرارها وعناصرها الثابتة والمتحوِّلة، لأنَّ هذه الذائقة، كما نعرف، هي جزء من الإدراك الذي يشكِّل أحد مكونات الجهاز المعرفي عند الإنسان، إضافةً إلى الانتباه والذاكرة وعمليات التفكير الأخرى. وإذا كانت الذائقة استجابة إدراكية معرفية، فإنّ البويطيقا هي توليف لكلّ القيم الجمالية و”مجموع الأساليب الفنية التي تشكَّلت عبر التاريخ”([2]).

وقد يحقّ لنا، بناءً على ما أسلفنا، أن نجتهد في تعريف الذائقة البويطيقيَّة بأنَّها المقدرة على فهم النصوص الأدبيَّة سواء أكانت شعرًا أم نثرًا، وتحليلها وتقييمها والحكم عليها. ولابدَّ أن تكون تلك المقدرة مزيجًا من الجانب الطبيعي الفطري المتعلق بسلامة الذوق والإدراك والتركيز الذهني والجانب المتعلق بالخبرة والثقافة. ولهذا يعتقد بروب، وهو محقٌّ في ذلك، أنّ دراسة الحكاية تتطلب دراسة تاريخ شعوب العالم، والإثنوغرافيا، وتاريخ الأديان، وتاريخ أشكال التفكير، والأشكال البويطيقيَّة، واللغويَّات.

المقاربة المقارنيَّة

تستلزم هذه الثقافة الموسوعيَّة التي ينبغي أن يتحلى بها الباحث الفولكلوري، بالضرورة، اعتماد المنهج المقارني في مقاربة النصّ، لأنَّ كثيرًا من أنماط الحكاية عابرٌ للحدود القوميَّة واللغويّة، ومن أمثلة ذلك حكاية ” الشَّاطر الذي يخدع الجميع” التي يعرفها كثير من الشعوب الأوربيَّة والآسيويَّة والأفريقيَّة والأمريكيَّة اللاتينيَّة. وعلى الرغم من الطابع الكوني للحكاية، فإنها تبقى، في رأي بروب، مصبوغة بطابع قوميٍّ خاصٍّ، إدراكًا منه للعلاقة الجدليَّة بين العامّ والخاصّ. فالحكاية، والحال هذه، تشبه الكائن الحيّ المتجدِّد لأنَّها تتميَّز، من منظور بروب، من الفنون الدراميَّة الأخرى، بالشاعريَّة والروحانيَّة والجمال إلى جانب الحكمة والتأمُّل.

يمثِّل دور الحكاية في تشكّل الأدب الأوربي أحدَ أهم العناوين في هذا المدخل، لكنَّ الحكاية الروسيَّة هي التي ستَحظى بالقسط الأوفر من الحديث لأنّها هي المستهدَفة في هذا المقال. إنّ هذا الفنَّ لم يترك أي بصمة تُذكَر في الأدب الروسي في العصور الوسطى، الذي كان مشبَعًا بالطابع الكهنوتي. غير أنّ لحظة التحوُّل قد أتت في عصر النهضة (renaissance) الذي كان فاتحة تحرُّر الفرد من قيم الزهد التي فرضتها الرؤية الكَنَسِيّة للكون، ورافق ذلك ظهور حكايات ذات طابع دُنيوي كحكايات “ديكاميرون” لبوكاتشيو في إيطاليا، و”حكايات كانتربري” لتشوسر في إنكلترا وغيرهما. وظهرت هذه الحكايات ردةَ فعل على أدب الزُّهد الكَنَسي. وقد وجد الأدباء الروس أنفسهم في خضم هذه الأمواج الجديدة، فبدأ الأدب الروسي الدُّنيوي يَظهَر في القرنين السابع عشر والثامن عشر، مؤَسَّسًا على قاعدة تقاليد الأدب السردي الشعبي، وراح الدَّارسون الروس يتحدثون لاحقًا عن العلاقة بين الفولكلور والأدب من مثل”بوشكين والفولكلور” و”غوغول والفولكلور” و”ليرمنتوف والفولكلور“، وهكذا…

موسوعيَّة بروب

تطرّق بروب، في العنوان الثالث من المدخل، إلى الحديث عن تأثير الحكاية في الفنون الدرامية الموسيقيَّة كالباليه والأوبرا، وفي السينما والمسرح والرسم…إلخ. وهو حديث شديد الدلالة على سعة أفق الكاتب واطّلاعه الموسوعي على شتّى ميادين الأدب والفنِّ. وهذا ما يُحَفِّزُنا على تأكيد أنَّ الشمول والعمق قلَّما نجدهما إلَّا في شخصيات علميَّة استثنائيَّة على غرار فلاديمير بروب، فقد أثبت هذا الناقد أنَّه صاحب ثقافة شاملة لم تكن على حساب العمق والتبصُّر النقدي.

إنَّ الأمر الذي يثير التأمُّلَ، وربَّما الدهشةَ أيضًا، هو ما ورد تحت العنوان الرابع من المدخل: تسمية الحكاية باللغات المختلفة، وهو أنّ كلمة (Skazka) الروسيَّة التي تعني الحكاية كانت تدلُّ في القرن السابع عشر على شيءٍ موثوق فيه أو على شهادة مكتوبة أو شفهيَّة ذات قوة قانونيَّة. ومنبع دهشتِنا هو أنَّ هذا المدلول يتعارض، تعارضًا تامًّا، مع أخصّ خصائص الحكاية ومع تقنياتها الجماليَّة، ولا سيَّما عنصرَي “العجيب والغريب”. وربما يجدر بنا أن نتساءل في هذا الموضع: هل تنفرد الحكاية الروسيَّة في بعدها اللغويِّ بذلك العنصر الوثائقيِّ؟

مفهوم الحكاية

نجد أنفسنا مضطَرين إلى الخوض في عناوين المدخل كافَّة، لأنَّها ذات أهمية كبيرة، ولأنَّها تُمثِّل خارطة طريق ضمنيَّة تأخذ بيد المتلقِّين والباحثين المهتمِّين بهذا العلم، وتُوَجِّهُهم إلى كيفية التعامل مع الحكاية ومع تقنياتها الجماليَّة المتنوِّعة. يتوصَّل بروب، بعد استعراضه الفروقَ في تعريفات النقاد والباحثين الفولكلوريين للحكاية، إلى أنَّ التعريف الأقرب إلى الدقَّة هو أنَّ الحكاية قصَّة قصيرة تتميَّز بخصوصيَّتها البويطيقيَّة التي تقوم على السَّرد عن جميع الأنواع الأخرى. إنَّنا نلاحظ أنّ التعريف السابق الذي حسم به بروب الجدل حول ماهيَّة الحكاية ينهض على علامتين اثنتين هما الحجم (قصَّة قصيرة) وعلى البعد الجمالي (الخصوصيَّة البويطيقيَّة).

ويطرح بروب تحت العنوان التالي: الحكاية والأجناس المشابهة، مسألة التقاطعات والتشابكات بين الحكاية وبين ما يمكن أن يلامسها أو يتداخل فيها من الأجناس السرديَّة الأخرى، كالأسطورة (Myth) وقصص الأشباح (Ghost Story) والليجندا (Legend) والواقعة والنادرة ((Anekdot والكتاب الشعبي (Mass- Market Book) والسكاز (Skaz)، إضافة إلى أجناس سرديَّة أخرى قد لا نجد لها مقابلًا دقيقًا في غير اللغة الروسيّة، كالواقعة مثلًا… ولن نقف في هذا الموضع عند الفروق التفصيليَّة الدقيقة، وإن كانت مهمَّة، لأنّ ما يعنينا أكثر هو تصنيف الحكايات النهائي الذي خلَص إليه بروب في العنوان الأخير من المدخل، بعد استعراض تصنيفات العلماء الآخرين التي تعاني، وفق بروب، من عيوب ونواقص. وعلى هذا أصبح تصنيف الحكايات النهائي على النحو الآتي: الحكاية الخرافيَّة (الباب الثالث)، والحكاية النوفيلِّيَّة (الباب الرابع)، والحكاية التراكميَّة (الباب الخامس)، وأخيرًا حكايات الحيوان (في الباب السادس).

لقد استعرضنا ما ورد تحت عناوين المدخل بسبب أهميَّته من الناحية المعرفيَّة، ولأنّه يمَثِّل بوابة عبور إلى مفردات الكتاب التي تُفضي بالقارئ والباحث إلى أجزائه وأقسامه، فيتوقف عند هذا القسم قليلًا أو عند ذاك القسم كثيرًا بحسب ما تقتضيه اهتماماته وثقافته.

تاريخ الجمع

ننتهي، بعد قراءة الباب الأول الذي يحمل عنوان “تاريخ الجمع” إلى الإحساس بأنَّ ثمَّة تفاوتًا في مستوى المتعة القرائية بين المدخل الشائق وبين الباب الأول الذي ينطوي على معلومات قد تبدو مملّة ولا تهمّ القارئ غير المتخصِّص. ومع ذلك يمكن أن نعتصر من هذا الباب بضع قطرات قد تكون مفيدة وممتعة، وأولاها هو شروط تسجيل الحكاية:

1- اختيار المادة.
2- وسيلة التسجيل.
3- مصدر التسجيل.
4- الهدف من التسجيل.

ويبرز في هذا السياق اسم شاعر روسيا الأعظم، ومؤسِّس أدبها الحديث، ألكسندر بوشكين الذي كان له قَصَب السَّبْق في تاريخ الثقافة الأدبيَّة الفنيَّة الروسيَّة، إذ عمد إلى تسجيل الحكايات التي رواها له الناس العاديون مثل “القيصر سلطان” و”الكاهن وبالدا” و”الصياد والسمكة” و”الديك الذهبي“. ولم يَفُت بروب أن يقدِّم تعليلًا صائبًا لاهتمام بوشكين بفنّ الحكاية، وهو أنَّه لم يكن يبحث عن مورد جديد لإبداعه فقط، بل كان يبحث، أيضًا، عمَّا يتَّسق مع تطوُّر الوعي الاجتماعي لدى المثقفين في ذلك الوقت. لا بدّ أن تصطدم، حين تُمعِن في قراءة هذا الباب، بحشد ضخم من الأعلام وبمعلومات كثيرة جدًّا وتفاصيل جانبيَّة صغيرة. ويرجع ذلك، كما يؤكد المترجِم، إلى أنّ بروب قد ألَّف الكتاب في أيامه الأخيرة، وقد عاجلته المنية قبل أن يُعمِل قلمه فيه تنقيحًا وتهذيبًا ومعالجةً.

تاريخ دراسة الحكاية

كتاب “الحكاية الروسية” غنيٌّ جدًّا بالتحليلات والمقارَنات والتفاصيل الدقيقة والأحكام النقديَّة السلبيَّة والإيجابيَّة، وغنيٌّ أيضا بأسماء الأعلام والأعمال. وهو أكبر من أن يحيط به مقال صغير أو متوسِّط إحاطة شاملة ووافية، وقد يوقع من يريد أن يتصدّى له في شيء من الحيرة في اختيار المادة المراد درسُها. لقد انتابتني هذه الخواطر والسوانح عند محاولة ولوج الباب الثاني المعنوَن بــ” تاريخ دراسة الحكاية”.

يناقش بروب في مطلع الباب الثاني قضيَّة النوع، ويرصد تطوّر تصورات الدارسين عن فنّ الحكاية في القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، مستعرضًا خلال ذلك تاريخ دراسة هذا الفنِّ في الدراسات العلمية الروسية التي وجد أنَّها إحدى القنوات التي يتشكَّل فيها الوعي الذاتي الوطني، وينعكس من خلالها. نلمح في أكثر من موضع في الكتاب تركيزًا على مسألة الروح الوطنيَّة والوعي الوطني. هل لذلك علاقة بالنزعة السلافيَّة التي اتخذت أبعادًا فلسفيَّة واجتماعيَّة في مواجهة ثقافة الغرب؟ هل هي محاولة لتوكيد الذات أمام طغيان الثقافة القادمة من الغرب، ولاسيَّما الثقافة الفرنسيَّة التي كانت محطَّ تفاخر ومباهاة في أوساط النبلاء المقرَّبين من القيصر؟ إذا كان هذا الكلام صحيحًا، فهذا يعني أنَّ الأدب السردي الفولكلوري والأدب السردي الفردي قد تضافرا معًا في إيقاظ الروح الوطنيَّة السلافيَّة، لأنَّ من يقرأ أعمال غوغول وليرمنتوف ودستويفسكي وتولستوي وغيرهم، سيلمح هذا التعلُّق بالروح الوطنيَّة السلافيَّة.

وإذا كان الفنُّ الحكائي تجسيدًا للوعي وانعكاسًا له، فإنَّ عالِم الفولكلور الروسيَّ أ. ف. ميرزلياكوف (A. F. Merzlyakov) يرى أنَّ إحدى أهمّ خصائص فنّ الحكاية تتجلّى في غرابة الأحداث. وقد أصاب ميرزلياكوف جزءًا من الحقيقة، لأنّ عنصر العجيب (الفانتاستك) وعنصر الغريب هما قيمتان جماليّتان رئيستان في الحكاية.

ويسير بروب مع الزمن، ليصل إلى ما بعد عشرينيّات القرن التاسع عشر، ويقف عند حدود أربعينيَّاته لينقل إلينا رؤية الـمُنَظِّر الأدبي والمقارنيّ أ. ن. فيسيلوفسكي (A. N. Veselovsky) الذي كان يرى استحالة فصل الشكل الفني عن مضمونه الفكري، ويذهب إلى أنّ الشكل هو تعبير عن رؤية كونيَّة، والذي ابتكر أيضًا قاعدة للتمييز بين الموتيفات والموضوعات، فالموتيف هو أبسط وحدة سرديَّة غير قابلة للتجزئة، والموضوع هو المجموع المركَّب من تلك الموتيفات. وهذا، من منظور بروب، إنجاز علميٌّ كبير، لأنَّه يُهَيِّئ الظروف لتحليل الموضوعات تحليلًا علميًّا.

وتتواصل رحلة بروب التاريخيَّة في رحاب هذا الفنّ، لنقع على الأعمال الشَّكلانيّة التي كان لها، فيما بعد، صدى واسع في حقل الدراسات النقديَّة التي أولت الأدب الفردي اهتمامًا أكبر من الأدب الشعبي. ولكنَّ بروب قدَّم محاولات أكثر جديَّة في تفسير تطور الشكل في الحكاية في بحثه “تحولات الحكاية الخرافية” الذي ربط فيه عمليات التطور في الحكاية بمجموعة من المبادئ السرديَّة، هي الاختصار والإطناب والاستبدال والإدغام، مؤكِّدًا أنَّ الشكل في الحكاية يتغيَّر وفق قوانينه الذاتيَّة.

ويَظهر الاكتشاف المهمُّ والجليُّ في دراسة مورفولوجيا الحكاية، فيما انتهى إليه بروب ونيكيفوروف من نتائج متطابقة في دراستين مستقلَّتَين، وهو أنّ دراسة الحكاية ينبغي ألّا تُبنى على دراسة الشخصيَّات في حدّ ذاتها، بل على دراسة أفعالها ووظائفها، لأنَّ الوظيفة عنصر ثابت في الحكاية. وسوف يفصِّل بروب الحديث عن مورفولوجيا الحكاية الخرافية وبنيتها الداخلية في الباب الثالث الذي يمكن عَدُّه اختصارًا لكتابه “مورفولوجيا الحكاية“. ولا مجال هنا للتوقف عند كلّ عنوان من عناوين الباب الثاني، لأنه فيّاض بالشّذَرات المعرفية المنضودة. وحين تقف أمام شيئين متكافئَين في الأدلّة أو متكافئَين في الجمال، فلا بدَّ أن يعصف بك قلق الاختيار.

يلفت نظرنا في هذا السياق رأي المدرسة الرمزيَّة في الحكاية بوصفها أسطورة، وخلاصة هذا الرأي أنّ الحكاية، كما يظنُّ ف. كروزير (F. Kreuzer)، هي تعبير رمزي عن حكمة الماضي البعيد. وهذا، في نظر بروب، رأي رجعي، لأنّه يَعُدّ العصور الوسطى مثاليَّة، انتصارًا منه للكاثوليكية. ولا ندري: هل تركت التناقضات بين الكاثوليكية والأرثوذكسية تأثيرها في البحث العلمي؟ وهل كان بروب منخرطًا في مثل هذه المماحكات المذهبية؟ لا نملك ما يثبت ذلك أو ينكره. ولكنّ ما يمكن قوله في هذا الصدد هو أنّ الحنين إلى الماضي البعيد لا يمكن تفسيره دائمًا بأنّه نظرة رجعيَّة، لأنَّ العودة إلى الماضي الغامض هو من خصائص الحكاية التي هي أيضًا نتاج ذلك الزمن الغابر، وبروب نفسه يقول: “الحكاية هي من إبداع عصور قديمة، ولكنَّها تحتوي على جزء من فلسفة الناس الحياتيَّة اللاواعيَّة”([3]). أمّا أفاناسييف أبرز ممثلي المدرسة الميثولوجيَّة الروسيَّة، فقد أولى الاستعارة والجانب الإيقاعي اهتمامًا كبيرًا، وأشار إلى أنّ الأسطورة قد نشأت حين نسي الإنسان معاني الكلمات الأصلية.

يختم بروب الباب الثاني بقضية التطور المراحلي ختامًا ربّما يشي بشيء من الممالأة للرقابة العقائديَّة في الاتحاد السوفياتي، وذلك حين يعمد إلى تطبيق المنهج المادّي الجدلي على ظواهر الثقافة الروحيَّة، ومن ضمنها الفولكلور طبعًا. وحين يتلطخ الفكر بالسياسة، وتئنّ الروح تحت وطأة القولبة أو الإملاءات الفوقية، يصبح الرفض ردَّة فعل طبيعيَّة، حتى لو كان الحقُّ حليف الشيء المفروض.

أنواع الحكاية

  1. الحكاية الخرافيّة

كان بروب قد قدَّم للقارئ والباحث مُنجَزًا نقديًّا كبيرًا في كتابه ذائع الصيت “مورفولوجيا الحكاية“، وهو اكتشاف البنية العميقة للحكايات التي تُعَدُّ تراثا عالميًّا مشتركًا، وها هو ذا في الباب الرابع: الحكاية الخرافيَّة، يقدم للقارئ عصارة ذلك الجهد العلمي الرائد في ميدان البحث الفولكلوري والنقد الأدبي. يميِّز بروب بين العناصر الثابتة والعناصر المتحوِّلة في الحكاية، فيرى أنّ بنية الحكاية إن هي إلّا مجموع أفعال الشخصيات وأدوارها الثابتة التي تسهم في تطوير الأحداث وبناء الحبكة، وقد سمّاها الوظائف التي تتكرر على نحو منتظَم في الحكايات كلِّها. وهي تنحصر، كما مرّ معنا سابقًا، في إحدى وثلاثين وظيفة، أهمُّها: الغياب، والحَظر، والخَرق، والإيذاء، والحصول على الأداة السحريَّة، والعبور إلى مكان الأحداث، والصراع، ووسم البطل، والنصر، والإياب، والوصول غير المتعرَّف عليه، وادِّعاء البطل المزيَّف، والمهمَّة الصعبة، وفضح البطل الكاذب، والتحوُّل، والعقاب، والزواج… وغير ذلك من الوظائف التي تخضع إلى تسلسل ثابت رغم بعض التبدُّلات الطارئة، وربَّما نعثر في بعض الحكايات على نقص، لكنَّه لا يؤثِّر في ترتيبها. وهكذا نخلص إلى أنَّ الحكاياتِ الخرافيَّةَ كلَّها من نمط واحد في بنيتها، أيًّا كانت لغتها وجنسيتها. أمّا المعاني والموضوعات والصفات الجسديَّة والنفسيَّة للشخصيَّات، فهي عناصر متغيّرة. وقد ربط بروب، في لفتة تنمُّ عن حسٍّ تاريخي على الرغم من كونه بنيويًّا، بين الحكاية وبين أصولها الثقافيَّة والتاريخيَّة.

وزّع بروب تلك الوظائف على سبعة أنماط متكرِّرة من الشخصيَّات الحكائيَّة، وهي:

1- البطل الحقيقي الإيجابي: وهو الشخصية الرئيسة التي تنتصر، في النهاية، على الخطر بمعونة شخصية نمطيَّة أخرى تسمّى المساعد السحري.

2- الخصم: وهو الذي يُلحِق الضرر بالبطل بشتَّى السبل.

3- المساعد السحري: الذي يعين البطل على تحقيق هدفه، ويزوِّده بما يلزمه من أدوات.

4- المانح: الذي يقدِّم للبطل نصيحة قيِّمة أو أداة سحريَّة.

5- المرسِل: الذي يكلِّف البطل بمهمَّة، أو يدفعه إلى القيام بمغامرة.

6- البطل الزائف الذي يحاول احتلال مكانة البطل، ولكنَّه يُخفق في النهاية، وينال العقاب الذي يشفي غليل المتلقي.

7- الضحيَّة التي يتعيَّن على البطل إنقاذها أو حمايتها من خطرٍ ما، وغالبًا ما تكون أميرة أو فتاة فقيرة.

ونتساءل هنا: هل ابتدع النقاد المتأخِّرون في روسيا أو خارج روسيا قوانين أخرى للبويطيقا الحكائيَّة، يمكن أن ترفِد القوانين السابقة وتشكل إضافات متميّزة لها؟ لم يكتفِ بروب بدراسة الثابت والمتغير في الحكاية، بل صبّ اهتمامه على الأسلوب الفني أيضًا، فافتتح دراسة الأسلوب بالحديث عن الصيغة الافتتاحيَّة الأنموذجيَّة في الحكاية الروسيَّة: “في مملكة ما، في بلد ما”، ولاحظ أنها تتميز بعدم تحديد الفضاء المكاني للحدث، بينما تتميز حكايات الشعوب الأخرى بعدم تحديد الفضاء الزماني له، ففي الألمانيَّة والفرنسيَّة والإنكليزيَّة تكون الصيغة الافتتاحية: ” كان ذات مرة”. ولا نعرف لماذا لم يذكُر بروب، في هذا الموضع، الصيغة العربية الشهيرة: ” كان يا ما كان في قديم الزمان”؟ هل كان ذلك جهلًا منه وهو العارف بتفاصيل “ألف ليلة وليلة” على الأقلّ؟

كنا نتمنى، فعلًا، أن يشير بروب إليها، لأنَّها تختزن خصائص متميزة في نسيجها اللغوي الذي يتضمن ظواهر صوتية موسيقيّة جذّابة (حروف المدّ الطويل – التسجيع – التكرار)، إضافةً إلى بنيتها النحوية التي تتركز في الفعل التام ” كان” الذي يدل على حدث مُنجَز في زمن موغل في القِدَم “قديم الزمان”، ربّما رغبةً من العقل الجمعي الذي أنتج تلك الصيغة في التعبير الكنائي عن مثاليَّة زمن ذهبي قد انقضى.

ودرس بروب الصيغة الختاميّة للحكاية، وتطرق إلى مسألة الرقم “3” ومضاعفاته، فللوالدين ثلاثة أبناء، وللملك ثلاث بنات، وللثعبان ثلاثة رؤوس أو ستة رؤوس أو اثنا عشر رأسًا. اعتاد بروب أن يعيد الأشياء والظواهر إلى أصولها التي انبثقت منها. وبناءً على هذا، يرجع أسلوب التثليث الحكائي، في نظره، إلى أنظمة العَدّ والحساب التي كانت سائدة بين الشعوب القديمة.

لم يكن بروب مهتمًّا بالتنظير قَدْرَ اهتمامه بالدراسات النقدية التطبيقيّة والمقارنيّة، ولهذا نستمتع في نهاية هذا الباب، تقريبًا، بقراءة دراسات تطبيقيَّة شائقة لعدد من الحكايات الخرافيَّة الروسيَّة، كحكاية “أبوليوس” و”الزهرة القرمزيَّة” و”طائر النار” و”الحق والباطل” وغيرها. وقد ربط موتيفاتِها وموضوعاتِها ووظائفَها وقوانينها الحكائية بتصورات دينيَّة بدائيَّة، وبأنماط اقتصاديَّة قديمة وأنظمة اجتماعيَّة كانت سائدة في ذلك الوقت. فحكاية الصراع ضدَّ الثعبان، مثلًا، تعكس تصورات عدد من الشعوب في مرحلة الأشكال الزراعيَّة المبكرة التي كانت ترى أنّ هذا الكائن هو سيّد عناصر الماء الأرضيَّة والسماويَّة.

  1. الحكاية النوفيلِّيَّة

جاء العنوان السابق مركَّبًا تركيبًا بيانيًّا وصفيًّا، وهو ذو طرافة واضحة لأنَّه يجمع في طرفيه جنسين سرديين يصف ثانيهما (النوفيلِّيَّة)، وهو اسم منسوب، أولَهما (الحكاية). وهذا يعني أنَّ أحدهما لا يملك أصالة فنيَّة كاملة، بل يستمدُّ بعض خصائصه من الآخر. فالحكاية كما نعرف هي جنس سردي أدبي ذو طابَع فولكلوري من إنتاج العقل الجَمعي، أمَّا النوفيلَّا (Novella) فهي جنس سرديٌّ أدبيٌّ فرديٌّ، ويتراوح طولها بين القصَّة القصيرة وبين الرواية، وهي ذات شخصيَّات قليلة وحبكة بسيطة.

عندما يتحدَّث بروب عن الخصائص العامَّة للحكايات النوفيلِّيَّة يبدأ بذكر التنوع في تسميتها بين: الحكاية الواقعيَّة، لأنَّ شخصيَّاتِها بشرٌ من لحم ودم، وتُسرَد أحداثها سردًا يعتمد على الشخص الأول (ضمير المتكلم)، وبين الحكاية النوفيلِّيَّة التي هي أشبه بالقصص القصيرة المسلِّية والماتعة، على الرغم من أنَّنا ذكرنا، في الفقرة السابقة، أنّ النوفيلَّا تقع، على العموم، في منطقة متوسطة بين القصَّة القصيرة والرواية، وبين الحكاية المعيشيّة التي تعكس حياة الفلاحين، وتعكس الصراع في القرية القديمة بين الفلاح ومالك الأرض. ولذلك تُعَدُّ هذه الحكايات وسيلة لمعرفة نظرة الفلاحين إلى الوجود، وفلسفتهم الحياتيَّة المشبَعة بالتفاؤل واليقين بالنصر.

وإذا كان العنصر الجمالي الأساسي في الحكاية الخرافيَّة هو عنصر الفانتاستك العجيب الخارق للطبيعة، فإنَّ الحكاية النوفيلِّيَّة تلتزم بقوانين الطبيعة وبرسم ملامح شخصيات إنسانيَّة معهودة (حتى الشيطان يُصوَّر على أنّه كائن أرضي واقعي تمامًا). ويتميَّز الأسلوب اللغوي لهذه الحكاية بالبساطة والإيجاز، وبأنها ذات حبكة خالية من التعقيد، تتكون من مشاهد متلاحقة رُصِف أحدها بجانب الآخر رصفًا آليًّا، وتخلو من الصيغ الافتتاحيَّة والاختتاميَّة التقليديَّة المعهودة في السَّرد الحكائي، لكنَّها تنتهي نهاية غير متوقَّعة تُقَرِّبها من النادرة الفكاهية التي تنسجم مع الرغبة الطبيعيَّة في تفريغ التوتُّر السيكولوجيِّ عن طريق الضَّحك والقهقهة. لقد كانت خصائص الحكايات النوفيلِّيَّة متفرِّقة ومبثوثة في مختلف فقرات الباب، وقد اجتهدنا في تجميعها ووضعها في حيز مكاني واحد توخِّيًا لفهمها واستيعابها.

عندما حاول بروب تأصيل هذا النوع من الحكايات، لم يعثر على أيّ أثر له عند الشعوب التي كانت تتبنّى العقيدة الطوطميَّة (الارتباط برمز طبيعي مقدَّس) أو العقيدة الشّامانيَّة (الاعتقاد بوجود عوالم روحيَّة محجوبة موازية للعالم المادي)، لكنَّه توصّل إلى أنَّه كان منتشرًا بين الشعوب التي كان اقتصادها يعتمد على الزراعة البدائيَّة.

قدَّم بروب موجَزًا لبعض الموضوعات والموتيفات في الحكاية النوفيلِّيَّة من خلال دراسات تطبيقيَّة لبعض الحكايات التي لاحظ أنَّها تنطوي في بؤرتها على عناصر متكرِّرة ومتشابهة مع بعض التنويعات غير الحاسمة مثل موتيف المهمَّة الصعبة الذي انقطعت صلته البَدْئية بالزواج، وموتيف اللغز الذي يتصدَّى لحلِّه البطل الحكيم، على نحو ما يحدث في حكاية (ذات السنوات السبع)، إذ تتولى فتاة صغيرة مهمَّة حلّ سلسلة من الألغاز التي تنطوي في جوهرها على رؤى تتصل بفلسفة الحياة الاجتماعيَّة، إضافةً إلى موتيف اختبار أحد الزوجين، وموتيف السرقة والاختلاس، وموتيف مسابقة الجري ومسابقة الصفير… إلخ.

عرفنا سابقًا أنَّ العلاقة بين الموتيف والموضوع هي علاقة الجزء بالكلّ، ولذلك التفت بروب إلى دراسة موضوعات تتصل بالكهَّان، والأغبياء والحمقى الذين يريدون تطبيق الماضي على الحاضر، فتصدر عنهم دائما ردود أفعال متأخرة. وهنا يتوسع في الحديث عن موضوع الزوجات الشريرات، والعنيدات، والخائنات، والكسولات، وهو موضوع يعكس الجوانب السلبيَّة لحياة القرية الأسريَّة التي تقع تحت سلطان الأب، كحكاية “الزوجة الشريرة في الحفرة“، فلكي يتخلصَ الزوج من زوجته المشاكِسة، يرميها في حفرة تسكنها الشياطين، وحين يعود إليها بعد زمن يرى الشياطين يهربون منها، لأنَّهم عجزوا عن احتمال جيرة تلك المرأة. وناقش بروب موضوعاتٍ حكائيَّةً أخرى، سيتعرَّفها القارئ عند مطالعة الكتاب.

  1. الحكايات التراكميَّة

يأخذ هذا التصنيف للحكايات مأخذ اعتبار السمات البنيويَّة الداخليَّة والأسلوبيَّة في الحكاية المقصودة. وقد سمِّيَت بهذا الاسم، لأنَّها تقوم على التكرار المتنامي أو المعاكس. يقول بروب: “تقوم التقنية التشكيليَّة الرئيسة في الحكايات التراكميَّة على تكرار بعض العناصر أو تكرار أحداث بعينها تكرارًا متعدِّدًا أو متزايدًا باستمرار إلى أن تنقطع السِّلسلة التي تشكّلت بهذه الطريقة، أو ينفكّ مُبرَمُها في ترتيب معاكس ومناقض”([4]). يحدِّد المؤلِّف حكاية “حبة اللفت” على أنَّها أبسط مثال على النمو الذي يؤدّي إلى انقطاع السلسلة، بينما تكون حكاية “شَرِقَ الدِّيكُ” مثالًا واضحًا على النمو المضادِّ الذي يفضي إلى كسر السلسلة. ولكنْ، ليس في هذا التراكم أحداث مثيرة للاهتمام، بل قد تكون أحداثًا تافهة تتَّخذ شكلًا كوميديًّا مع التنامي العجيب والمتسارع للأحداث المترتبة، وصولًا إلى الكارثة النهائيَّة. تبدأ إحدى الحكايات بكسر بيضة، وهو حدث سخيف، كما نلاحظ، ولكنّها تنتهي باحتراق القرية كلِّها. وتتسَلسَل هذه الحكاية على النحو التالي: “انكسرت بيضة، فبكت الطفلة، ثمَّ الجدَّة، ثمَّ الجدّ، ثمَّ تأتي الفلاحة، ثمَّ الخبّاز، ثمَّ الشمّاس، ثمَّ القندلفت، ثمَّ الكاهن، ولا يكتفون بالصراخ والعويل، بل يعبِّرون عن ألمهم بأفعال هوجاء: فيمزِّقون الكتب ويقرعون الأجراس، ثم تُحرَق الكنيسة، وينتقل الحريق إلى القرية برمتها!”. ولا يقتصر التكرار على الحدث فقط، بل يتعداه إلى النسيج اللغوي كتكرار مفرداتٍ أو جمل مسجوعة بعينها.

يبدو تكوين الحكاية التراكمية بسيطًا جدًّا، فيبدأ كما رأينا من حدث تافه أو موقف حياتي عادي: زراعة اللفت، خَبْز فطيرة، كَسْر بيضة… ثم تنشأ سلسلة الأحداث المتلاحقة بعد ذلك من دون وجود رابط سببي مقنع، وهذا يدلّ على أنَّ هذا الصِّنف من الحكايات لا تتوفر فيه الشروط والعناصر الفنيَّة التي تخصُّ فنَّ السرد ولا سيَّما الحبكة. وكذلك، تخلو الحكاية التراكميَّة من الرسائل الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة، لأنَّ هدفها الرئيس هو الترفيه والإمتاع. وهذا ما يُفسِّر وجود الشعر فيها وكثرة التجنيس والتنغيم وبعض الظواهر الصوتيَّة المتعلقة بفنِّ الأداء. وقد تعود اهتماماتها بالظواهر الصوتيَّة إلى أصولها المرتبطة بالشعائر الدينية الوثنيَّة واليهوديَّة.

  1. حكايات الحيوان

ينفرد هذا العنوان عن العناوين السَّابقة بأنّه مُركَّب إضافي يفيد التخصيص، وهذا يعني أنَّ هذا التصنيف يشمل في أحد جوانبه اعتباراتٍ تتعلَّق بالشخصية الحكائية. فإذا كان كلٌّ من الحكاية الخرافيَّة والتراكميَّة قد صُنِّف وفق علامة البنية، فإنّ حكايات الحيوان صُنِّفت بحسب علامة مختلفة، وهي أنَّ الشّخصيات الرئيسة الفاعلة التي يستهدفها السَّرد هي الحيوانات، ولا بدّ من الانتباه هنا إلى أنَّ خصائص الأنواع تتداخل فيما بينها، فالحكاية التي تنتمي إلى هذا النوع قد تحمل سمات الحكاية التي تنتمي إلى ذلك النوع مثل حكاية “كوخ الجليد والقش“.

ويضع بروب علامة أخرى للتصنيف وهي أنَّ موضوعات حكايات الحيوان وموتيفاتها تجعل الانتساب إلى هذا النوع أوضح وأرسخ. وسوف يتضح مبدأ النسبيَّة في مشروعيَّة تصنيفها بصفتها نوعًا، فالأفعال تحتل الصدارة، ثم تليها الفواعل، وهي تنتقل من فاعل إلى آخر سواء أكان إنسانًا أم حيوانًا.

بلغت الواقعيَّة الفنيَّة في حكايات الحيوان من القوَّة بحيث إنَّنا نلاحظ أنَّ الحيوانات لا تتصرف وفق طبائعها على الرغم من خصائصها الدقيقة. وتوضيحًا لهذه الفكرة يؤكِّد بروب أنَّ مكر الثعلب الذي يظنّ الناس أنَّه ينفرد به ليس حقيقة واقعيَّة أو علميَّة، وإنَّما هو عنصر فولكلوريٌّ صِرف، لأنَّ كثيرًا من الحيوانات لها من الدهاء ما يفوق دهاء الثعلب.

ويؤكِّد بروب، تأسيسًا على ما سبق، أنّ الحيوانات الفولكلوريَّة تعكس طبائع الإنسان والحياة البشريَّة بما تنطوي عليه من غضب وبخل وخداع وغباء ومكر، أو ما تنطوي عليه، من الناحية الإيجابيَّة، من صدق ووفاء وولاء وامتنان. وقد ارتبطت هذه الحكايات ارتباطًا خاصًّا بحياة الفلاحين، نظرًا إلى أنّ النشاط الزراعي البدائي كان يعتمد اعتمادًا يكاد يكون حصريًّا على الحيوان.

لا تتميّز حكايات الحيوان الروسيَّة، على العموم، بأصالتها وبمزاياها البويطيقيَّة العالية فقط، بل تتميَّز بطابعها الخاصّ أيضًا وهو النضارة والعفوية، وتتميَّز حيواناتها بالأُلفة والرحمة والنُّبل والصداقة، ففي قصة “القطّ والديك والثعلب” ينقذ القطّ صديقَه الديك غيرَ مرَّة، بخلاف الحكايات الغربيَّة التي تنسب إلى أبطالها تصرفات عدائيَّة وخبيثة. ما الغاية المبطَّنة من المقارنة بين صفات الحيوان في الحكاية الروسيَّة وصفات نظرائه في الحكاية الغربيَّة؟ هل هي مقارنة ضمنية بين حضارتين مختلفتين من الناحية الأخلاقيَّة؟ هل يغمز بروب من قناة البرجوازية الغربية؟ هل هو منجرف وراء الفكر الدِّعائي السوفياتي المعادي لكلّ ما يمتُّ إلى الغرب بصلة؟ ربّما يكون الجواب “نعم”، وربّما يكون الجواب في مكان آخر، وهو أنّ هذا النمط من الحكايات يكون عادة ذا طابع تربوي وتعليمي يخاطب جمهورًا من نوع خاصّ (الأطفال مثلًا)، وهو ما يفرض على الخطاب الفولكلوري الحذر والحيطة، إضافةً إلى مخاطبة جمهور البالغين والكبار.

يميل بروب دومًا، كما نلاحظ، إلى التأصيل الذي ينمّ عن ثقافة تاريخيّة مقارنيّة عميقة، ولذا فإنَّه يردُّ كثيرًا من موادِّ أدب الحيوان إلى بقايا الأساطير والمعتقدات الطوطميَّة، وإلى الـمَروِيّات الخرافية الوعظيّة التي تركها الإغريق والرومان، ولاسيَّما مرويات إيسوب وبابروس وفايدروس، وهي سرديَّات تضطَلع فيها الحيوانات بالدور الفاعل، مثل حكايات “الثعلب والكُركِي” و “الكلب والذئب” و “الذئب الأحمق” و”نسيان الخبز والملح” و “الثعلب والسَّلطَعون“. ويمكن، وفق بروب، اعتماد الـمَروِيّات التوراتيَّة مصدرًا آخر من مصادر حكايات الحيوان الروسيَّة.

أمَّا من حيث تكوين حكاية الحيوان، فهي مبنية على أحداث بسيطة تُشكِّل العمود الفقري للسرد، وتفضي إلى نهاية متوقَّعة أو مفاجئة تقتضيها طبيعة الأحداث وسيرورتها. لقد استعرض بروب على مدار الأبواب الأربعة السابقة أنواع الحكايات من حيث ماهيَّتها وخصائصها الأسلوبية مع ميل إلى التأصيل التاريخي، كي يُثبِت، كما نظنّ، أن البنية والتاريخ ليسا عدوَّين، داعيًا، دعوة صريحة أو ضمنيَّة، إلى تطوير أدوات البحث التاريخي المقارني بالاعتماد على تضافر جهود جماعيَّة، تتصدَّى لدراسة المواد الفولكلوريَّة الكثيرة والمتنوِّعة التي تنتسب إلى شعوب القارّات كافَّةً، وذلك لمعرفة مسار تطور الحكاية بأنواعها المختلفة التي تعكس فلسفة الشعوب ورؤاها الكونية ووسائل رزقها ومعاشها، ومدى ارتباطها بالأنماط الاقتصاديَّة البدائيَّة أو المتطوِّرة التي أسهمت في إنتاجها لاحقًا.

حياة الحكاية

يُنهي بروب كتابه “الحكاية الروسيَّة” بالباب السابع الذي يحمل عنوان (حياة الحكاية) وهو يعتمد كما نرى، من الناحية البلاغية، على التشخيص الذي يؤكِّد أنّ هذا الجنس الأدبي هو أشبه بكائن حيٍّ يخضع لنواميس التطوُّر.

يعتقد بروب في مطلع هذا الباب أنَّ ثمَّة مشكلة مرتبطة بأداء الراوي أو المؤدِّي الذي يتأثَّر أداؤه تأثُّرًا حتميًّا بتكوينه الاجتماعي والنفسي وبانتمائه الطبقي، وهذا ما أدّى إلى ظهور أنماط متعدِّدة للرواة اعتمادًا على الأسلوب الفني.

نجد أنفسنا، هنا، منساقين إلى الحديث عن فنِّ الأداء الحكائي عند العرب الذين لم ينلْ تراثهم الشفهي ما يستحقّ من الاهتمام في هذا الكتاب سوى بضع إشارات خجول. لقد ارتبط فنُّ الأداء في الفولكلور العربي بشخصيَّة “الحكواتي” التي ظهرت في القرن التاسع عشر في بلاد الشام ومصر والمغرب. وتدلُّ الصيغة اللغويَّة غير المعجميَّة للكلمة أنَّ سرد القصص والحكايات كان، وربما ما يزال، مهنة للارتزاق والتكسُّب. إذ يتّخذ الحكواتي مقعده في صدر المقهى، ويقصّ على الزبائن حكايات الزمن الغابر الحماسيَّة أو السِّيَر الشعبيَّة المعروفة مستعينًا بحركات يديه وقَسَمات وجهه على تعزيز المعنى وملوِّنًا نبرة صوته بالعواطف والمشاعر المرتبطة بطبيعة الأحداث المسرودة وسيرورتها وتحولاتها، متوخِّيًا التأثير في الزَّبون المتلقِّي، وكأنّ الحكواتي ممثل يؤدِّي نصًّا مسرحيًّا مونودراميًّا. ويعمد، دائمًا، إلى تقنيّة قطع الحَكي الشَّهرزاديَّة عند نقطة مأزومة أو مُهمَّة في مجرى الأحداث لأهداف نفسيَّة وتجاريَّة.

تحوّل الحكواتي إلى تقنيّة مسرحيَّة جماليَّة في المسرح العربي، هدَفت إلى كسر الجدار الوهمي الرابع، وبناء جسور التواصل بين الخشبة والصالة لإثارة تفكير المتفرج، وأسهمت في تطوير الحبكة وتجسيد الشخصيَّات بالحركة والصوت. وقد برع الكاتب المسرحي سعد الله ونوس في استثمار هذه التقنية الجماليَّة في أعماله، متأسِّيًا بمسرح برتولد بريخت الملحمي، ولاسيّما في مسرحيتي” الفيل يا ملك الزمان” و”حفلة سمر من أجل 5 حزيران“.

وإذا كان بعض المهن، في روسيا، قد شجَّع على سرد الحكايات كالخِياطة والحِدادة وغيرهما، فليس لنا أن ننسى أنّ مهنة الحلاقة في بلادنا قد ارتبطت أيضًا بالحَكي، حتى صار الحلّاق والحكواتي شخصيتين متشابهتين إن لم نقُل شخصية واحدة أحيانًا.

ويجدر بنا، هنا، أن نتساءل: لماذا لم نقرأ في كتاب بروب عن أعمال مسرحيّة روسيّة استثمرت التقنيات الجماليَّة لفنّ الأداء الحكائي، مع علمنا أنّ الحكواتي كان موجودًا في روسيا؟ في حين تحدَّث عن استثمار فنِّ الحكاية عمومًا في الأوبرا والباليه والأعمال الموسيقيَّة الكبرى؟

ينتقل بروب إلى الحديث عن أشكال الحكاية، مُعرِّجًا على الأكاديميِّ رأي د. ك. زيلينين (D. K. Zelenin) في عمله “الوظيفة الدينيَّة السحريَّة في الحكايات الفولكلوريَّة” الذي لاحظ فيه أنّ سرد الحكايات عند بعض الشعوب ذو طبيعة موسميَّة، فالحكاية التي يطيب سردها في الصيف، تفقد متعتها إذا سُرِدَت في فصل آخر. وترجع جذور هذا التحديد إلى النمط الاقتصادي البدائي: الصيد. وكشف بروب أنَّ الحكاية كانت، يومًا ما، بمنزلة التعويذة والحافظ السحري، وكانت أيضًا جزءًا من النشاطات الطقسيَّة التي ما لبثت أن أخذت تضمحلّ رويدًا رويدًا تحت تأثير تطور وسائل الإنتاج.

ربما أمكننا أن نقول الآن ونحن على أعتاب المحطة الأخيرة: إنَّ حياة الحكاية – مثلها مثل أشياء كثيرة- مهدَّدة بالخطر القادم من وسائل الاتصال الرقمية الحديثة التي كرَّست ثقافة الصورة على حساب ثقافة الكلمة مع ما يرافق ذلك من فرض ثقافة المبالغة في الاختزال والاختصار والترميز، رغم ما يمكن أن تحمله هذه الوسائل نفسُها من فرص نوعيّة محتمَلة لإعادة إنتاج الحكاية ونشرها وتلقِّيها على نطاق أوسع.

توجّه بروب في كتابه إلى القارئ المهتم بالتراث الشعبيِّ الروسيِّ والعالميِّ، وعرض أفكاره بأسلوب واضح وقريب من الأفهام. وفي الكتاب من المنهجية والشمول والإحاطة والثراء ما يلبي حاجة القارئ المتعطِّش إلى إغناء زوادته المعرفية بألوان جديدة قادمة من خارج الحدود. ولذلك تبقى قراءة بروب ومقاربته لعالم الحكايات رحلة آسرة وماتعة وحافلة بالتساؤلات المفتوحة حول هذا الحقل الثريّ من التراث الإنساني، وما يمثِّله من محاولة لفهم ثقافات الشعوب وتأملاتها وأحلامها وهواجسها نحو العالم. وهي تأملات وهواجس تتجاوز حدودها الجغرافيَّة والتاريخيَّة الأولى، لتغدوَ جزءًا أصيلًا من ذاكرة البشرية المتجدِّدة في الزمان والمكان.

بيلينا Bilnna: كلمة مشتقَّة من فعل الكون، بمعنى ما كان. وبيلينا أناشيد ملحميَّة شفويَّة، أبدعها الشعراء والمغنُّون الشعبيُّون، وتناقلوها في روسيا القديمة، وهي تعكس إلى حدِّ ما بعض الوقائع التاريخيَّة بين القرنين 11 – 16 م.، ولا سيَّما حياة الأبطال الذين يمثِّلون الأخلاق الرفيعة والوطنيَّة الخالصة.

1- يروب ف. يا.، الحكاية الروسيَّة، ترجمة غسَّان مرتضى، (مؤسَّسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، إسطنبول – باريس، 2025)، ص41.
2- نفسه، ص260.
3- نفسه، ص247.

مشاركة المقال: