جوناثان فيغر
ترجمة: عبد الإله فرح
ملخص
في أعقاب الأزمة الراهنة التي تعصف بالشرق الأوسط، تقترح هذه الورقة البحثية تحديد مسارات تشكل الدولة وبناء الأمة ضمن سياق تاريخي أوسع، مستعيدة بذلك التاريخانية الكامنة في الأزمة. تسجل الورقة صعود وسقوط مشروع تنموي قومي في سورية من خلال تحليل علاقات الطبقات، مُسلطةً الضوء على استمرارية جوهرية في طبيعة إعادة إنتاج الطبقات من أواخر العهد العثماني إلى بدايات فترة الاستقلال، مُركزةً على القومية المحافظة للكتلة الحاكمة من التجار. تربط الورقة صعود المشروع التنموي القومي بتسييس “الطبقات الوسطى” التي احتلت دورًا محوريًا في جهاز الدولة. مثلت هذه الطبقة القوة الدافعة الرئيسة وراء توسيع حدود السلطة السياسية وعملية بناء الأمة. إن استقطاب المجتمع الطبقي هو ما غذى تطور مشروع بناء الأمة، وشجع على إنشاء تحالف شعبي قومي ضد احتكار الطبقات الحاكمة التقليدية. ومع ذلك، كان هذا التحالف قصير الأجل، وعملية التعبئة السلطوية التي تلت ذلك أدت إلى عودة شبكات النفوذ الشخصية ونهاية بناء الأمة.
الكلمات المفتاحية: القومية، الشرق الأوسط، سورية، تشكل الدولة، علاقات الطبقات، بناء الأمة.
In the wake of the present crisis in the Middle East, this paper proposes to locate the processes of state formation and nation building within a larger historical context, recovering the historicity of the crisis. It records the rise and fall of a nationalist developmental project in Syria through an analysis of class relations. It highlights an essential continuity in the nature of class reproduction from the late Ottoman to the early independence period, centered on the conservative nationalism of the mercantile ruling bloc. It associates the rise of a national developmental project with the politicization of the “middle classes,” which occupied a central role in the state apparatus. This class represented the main driving force behind the expansion of the boundaries of political power and the process of nation building. It is the class polarization of society that fuelled the development of a nation-building project and favored the creation of a national populist alliance against the monopoly of traditional ruling classes. However, this alliance was short-lived, and the process of authoritarian demobilization that followed led to the resurgence of personal networks and the end of nation building.
Keywords Nationalism, Middle East, Syria, State formation, Class relations, Nation building
تقديم
في أعقاب الموجة العارمة للاحتجاجات والثورات التي ضربت المنطقة، وبدء حروب أهلية في دول مثل ليبيا وسورية واليمن، إضافة إلى صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وتمدده عبر المنطقة، أعيد تنشيط النموذج القائل بإخفاق الدولة وأزمة الدولة القومية لتحليل الحوادث في الشرق الأوسط مثلًا[3]. تُعيد إحدى الروايات الشائعة ضمن أدبيات ما بعد عام 2011 جذور الأزمة الحالية إلى اتفاقية سايكس بيكو (1916)، حيث اتفق ممثلو الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية سرًا على تقسيم المنطقة إلى “مناطق نفوذ” في أعقاب انهيار الإمبراطورية العثمانية المتوقع بعد خسارتها في الحرب العالمية الأولى[4]. نتجت من هذه الاتفاقية خريطة سياسية فرضت إمبرياليًا، وقسمت المنطقة بصورة تعسفية وتجاهلت البنيات المجتمعية والعرقية والدينية القائمة، وهو ما أدى إلى إحباط طموحات إقامة دولة عربية إسلامية موحدة وفرضت نموذجًا سياسيًا غريبًا يتمثل بالدولة الإقليمية “الحديثة”. وفقًا لهذه الرؤية، لم تتمكن إلّا “الأنظمة الشمولية الخانقة” من الحفاظ على وحدة هذه الدول من خلال فرض قومية علمانية على نحو عدواني على مجتمعاتها المُجزأة[5]. وتظل الحوادث الحالية نتيجة حتمية لانهيار هذه الأنظمة، مكشوفة وراء ستار الخطاب القومي، تبدي الانقسامات والصراعات العرقية والطائفية الدفينة.
في جوهر هذا التأويل السائد حول إخفاق بناء الدولة وتشكيل الأمة في الشرق الأوسط يكمن تصور جامد لعلاقات الدولة بالمجتمع. يبين إيوان شتاين (EwanStein) ببراعة كيف أن هذه النظرية حول العلاقة بين الدولة والمجتمع التي استُخدمت لفهم الأزمة الراهنة، تخفي افتراضات تستند إلى الثنائية بين الحداثة والتقليد، الموروثة من نظريات التحديث: المعايير المعتبرة الحديثة كالسيادة والإقليمية والدولة القومية، تُعد غريبة ومفروضة على الطابع “الفسيفسائي” (mosaic) لمجتمعات الشرق الأوسط، والتي ينظر إليها على أنها بقايا ما قبل الحداثة، المستمدة من التراث الثقافي المشترك والميول والتاريخ الإقليمي[6]. في الواقع، يستند هذا بوصفه تكريسًا لرؤية استشراقية مبسطة، تُعيد إنتاج فكرة “الثقافة السياسية” الثابتة والمُتمايزة بوصفها عاملًا حاسمًا في فهم تطورات المنطقة. يُقوِّض هذا التفسير مفهومًا يفترض ثباتًا نسبيًا للأشكال البدائية للتضامن، حيث تُعامَل الهويات الثقافية والعرقية والدينية على أنها جزء من التفسير بدلًا من أن تُفسر نفسها[7].
يتجذر هذا التفسير للدولة والمجتمع، بوصفهما كيانين وجوديين متميزين، عميقًا داخل علوم الاجتماع الغربية التي تداولها التقليد السوسيولوجي الفيبري الذي نُقل عبر تالكوت بارسونز. يُظهر هذا المفهوم أداء المجتمع ككل بوصفه نتيجة للتفاعل بين أنظمته السياسية والثقافية والاقتصادية. ورُسّخت هذه النظرية في تقسيم العمل التخصصي الأميركي بعد الحرب[8].
يصور هذا الفهم للدولة والمجتمع بوصفهما مجالات عمل مستقلة العلاقات بين الدولة والمجتمع على أنها مثالية ومجردة، مستمدة من التجربة التاريخية المحددة للدول الرأسمالية المتقدمة[9]. عند تطبيق هذه النظرية على الشرق الأوسط وجنوب الكرة الأرضية عمومًا، تُجرد الدول ما بعد الاستعمار من سياقها الاجتماعي والتاريخي، الأمر الذي يفرض فهمًا ثابتًا وغير تاريخي للعلاقة بين الدولة والمجتمع. تُعرف هذه النظرة بـ “صيغة هنتنغتون”، التي تفترض عداءً جوهريًا بين الدولة والمجتمع؛ حيث يُنظر إلى المجتمع على أنه خليط من المنظمات الاجتماعية التي تُكافح ضد الدولة أحيانًا، وأحيانًا أخرى تُزيح الدولة أو تُسيطر عليها[10]. في هذه النظرية، تُختزل قوة الدولة أو إخفاقها إلى قدرة ملحوظة على التلاعب بالموارد، (عادة إكراهية)، الأمر الذي يؤدي إلى نبرة معادية للديمقراطية من السيطرة والخضوع[11]. في هذا الإطار، يُمثل المجتمع عالمًا تقليديًا من الفوضى وعدم الاستقرار الذي يجب احتواؤه بوساطة مؤسسات الدولة: “عالم هوبزي من المنافسة التي لا هوادة فيها بين القوى الاجتماعية، بين الإنسان والإنسان، والأسرة والأسرة، والعشيرة والعشيرة، والمنطقة والمنطقة، والطبقة والطبقة”[12].
الهدف الأساسي من هذه المقالة هو التشكيك في “الافتراضات التاريخية” التي قُدّمت على نحو متضارب وغير مستقر حول طبيعة تشكيل الدول وبناء الأمم في الشرق الأوسط. في هذا السياق، أعتمد منهجًا مستمدًا من السوسيولوجيا التاريخية، حيث أسعى لاستعادة التاريخية المفقودة للأزمة من خلال تحليل العلاقة المتغيرة بين الدولة والمجتمع وتأثير هذه العملية في تطور الهوية الجماعية. تركز حجتي على كيفية تأثير الصراع الطبقي في عمليات بناء الدولة والأمة في سورية، مختلفة بذلك عن المناهج “المؤسسية” التي تعتمد بصورة أساسية على التحليل الكمي لتشكيل الدولة بناءً على منطق إداري ذاتي المرجعية[13]، حيث يُحدد المنظور التاريخي المادي المُطور هنا أصول التحولات في القدرات التنظيمية للسلطة السياسية والعسكرية ضمن تطورات علاقات الطبقات والصراع المادي المُركز على ممارسات بناء الدولة والأمة المُتنافسة والمُختلفة نوعيًا.
تُركز دراستي على العمليات المبكرة لبناء الدولة والأمة، ابتداءً من فترة الانتداب وصولًا إلى الأنظمة الثورية في الستينيات، والتي تعدّ لحظات محورية في تحديد التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل في المنطقة. بعد تقديم المقدمات النظرية الرئيسة، أُعيد النظر في جذور تشكيل الطبقات والصراع الطبقي، واستمرار علاقات الاستيلاء ما قبل الرأسمالية الممتدة من نهاية العهد العثماني إلى بدايات فترة الاستقلال. أتحدى المناهج الماركسية التقليدية حول تطور الرأسمالية في “المحيط”، مُعلنًا أن السلطة السياسية والاقتصادية ظلت “مُدمجة” معًا تحت حكم الأعيان الحضريين التقليديين. استمرت الدولة في المشاركة مباشرة في علاقات الاستيلاء المُهيمنة، ومن ثم كانت في صلب الصراع الطبقي المباشر. نتيجةً لذلك، كانت عمليات تشكيل الدولة وبناء الأمة بعد الاستقلال تعبيرًا مباشرًا عن هذا الاندماج بين الصراع المادي والسياسي، حيث عارضت طبقة الأعيان الحاكمة طبقة وسطى ناشئة من الضباط والموظفين المعتمدين على الدولة. وقد شجع التطرف المتزايد للصراع الطبقي على تطوير تحالف شعبي مُنظم حول أيديولوجية قومية متطرفة، والتي على الرغم من قصر مدتها، سعت إلى دمج الطبقات الدنيا ضمن مجال سياسي قومي ناشئ. في النهاية، تستعيد المقالة الطبيعة المتغيرة لـ “الحدود” بين الدولة والمجتمع، والتي تُعبر عنها الصراعات حول تعريفات السلطة السياسية والهويات الجماعية، كاسرةً بذلك أسطورة الثقافة السياسية المستقرة في الشرق الأوسط.
أولًا: علاقات الطبقات، وتشكيل الدولة، والقومية في المجتمعات الطرفية: بعض المقدمات النظرية
الفهم الثابت لعلاقات الدولة-المجتمع ليس حكرًا على الأدبيات المعاصرة، ولا ينبغي أن يقتصر نقدنا في إرث السوسيولوجيا الفيبرية بمعناه الواسع. كذلك، غالبًا ما تميل التحليلات الطبقية حول الشرق الأوسط إلى قبول فكرة غير تاريخية عن الفصل بين الدولة والمجتمع المدني بوصفه أمرًا مفروغًا منه.
تناولت الروايات الماركسية التقليدية حول التطور الحديث في الشرق الأوسط، مثل تلك التي قدمها أمين (Amin) في عام 1976 وموغادم (Moghadam) في عام 1991، دمج المنطقة في الاقتصاد العالمي الرأسمالي المتمركز حول أوروبا وتأثيراته المهمة في تحول الهياكل الطبقية المحلية. فقد ساهم نمو الفرص التجارية في تفكيك تدريجي لعلاقات الاستغلال القائمة وظهور برجوازية رأسمالية في الحواضر والأرياف. ولكن، على عكس مسار التطور في دول “المركز” بأوروبا الغربية، حيث قادت البرجوازية ثورات ضد النظام القديم وأسست أشكالًا “ليبرالية” من الحكم، لم تتمكن البرجوازية “الوطنية” من تحدي سلطة الطبقات الحاكمة التقليدية. كما يؤكد روبرت سبرينغبورغ، أظهرت التحليلات الماركسية السائدة لتشكيل الدولة المبكر أن “البرجوازية السورية […] أخفقت في إحداث ثورة على غرار الثورة الفرنسية، لأنها لم تكن برجوازية وريادية بالقدر الكافي، وهذا قصور لا مفر منه بالنظر إلى الطبيعة التقليدية للاقتصاد السياسي الذي نشأت فيه البرجوازية وتشكلت منه”[14].
تحدد نتيجة هذا الصراع بين برجوازية ناشئة وطبقة من ملاك الأراضي المحافظين و”الإقطاعيين” الذين يهيمنون سياسيًا داخل النظام ما قبل الرأسمالي، طبيعة التطور السياسي. كما يشير نزيح أيوبي، تنشأ الأنظمة الاستبدادية من سيطرة المجال السياسي على المجتمع: “من المرجح أن ‘السياسي’ (الدولة) سيحظى بالأولوية داخل التكوين الاجتماعي، من خلال التعويض عن غياب أو ضعف طبقة برجوازية وطنية ريادية مهيمنة[15]“. ونتيجة لذلك، جرى توجيه تطور الرأسمالية في الفترة ما بعد الاستقلال على نحو “مُحدد سياسيًا”، بقيادة ظهور برجوازية بيروقراطية[16].
يميل الافتراض المُضارب بوجود معارضة أساسية بين الدولة والبرجوازية الرأسمالية الناشئة إلى إعادة إنتاج الثنائية الثابتة بين الدولة والمجتمع المدني، والتي تُفهم من حيث المعارضة بين العقلانية السياسية أي الدولة، والاقتصادية أي الطبقة. كما يجادل إسماعيل الخفاجي على نحو مقنع، فإن هذا المفهوم متجذر في مفهوم جوهري ومتجسد للطبقة والهياكل الاجتماعية في الشرق الأوسط:
“يتمثل المفهوم الجوهري باستنتاج/ إسناد مجموعة من الخصائص الثابتة وغير المتغيرة والمتأصلة لكل مجموعة اجتماعية بغض النظر عن مكانها في سياق مجتمعي معين، وعلاقات الإنتاج الاجتماعية المهيمنة داخل المجتمع قيد التحقيق، بينما يتكون المفهوم التجسيدي من معاملة طبقة، أو فاعل اجتماعي، ككتلة، جماعة موحدة ومتجانسة مع ميل طبيعي وسلوك و/ أو موقف يحدد مكانتها في المجتمع مسبقًا”[17].
ثانيًا: تأريخ علاقات الطبقات والسلطة السياسية
يُبرز تيموثي ميتشل في أعماله كيف شُكّل هذا المفهوم الثابت لعلاقات الدولة-المجتمع وتحليل الطبقات انطلاقًا من التجربة التاريخية لأوروبا الغربية، حيث صيغت “اللغة الشاملة” للاقتصاد السياسي. وبناءً على ذلك، تُعدّ أوروبا المرجع التاريخي الذي تُقاس به التواريخ الأخرى جميعها، وينبغي فهم التواريخ الأخرى بوصفها محاولات متأخرة لمحاكاة مراحل تاريخ أوروبا بدرجات نجاح متفاوتة[18]. لذا، تُفسر الطبيعة الاستبدادية لتشكيل الدولة في الشرق الأوسط بوصفها نتيجةً لغياب عوامل محددة أو إخفاق بعض الطبقات، ما يظهر كيف انحرف التطور عن المسار الرأسمالي المتكامل.
وعليه، يُطبق مفهوم تاريخي لعلاقات الطبقات، مستمد من سياق اجتماعي “أجنبي”، على تحليل المجتمعات غير الغربية. كما انتقد ماركس الاقتصاد السياسي البرجوازي لتطبيقه “منطق” العلاقات الاجتماعية الرأسمالية المحددة بالماضي، فإن التحليلات الطبقية لجنوب الكرة الأرضية، أكانت ماركسية أم لا، غالبًا ما تفرض فهمًا لعلاقات الطبقات لا يُعدّ صحيحًا إلا في ظل التجارب التاريخية للمجتمعات الرأسمالية “الناضجة”.
من جهة أخرى، تعتمد هذه المناهج فصلًا بديهيًا بين الاقتصاد والسياسة، ما يقود إلى تصور لعلاقات الطبقات متجذر في عقلانية اقتصادية مستقلة تحليليًا عن العالم السياسي “الأعلى”[19]. يُخفي هذا الواقع أن الطبقة ليست مجرد فئة اقتصادية، حيث يستلزم إعادة إنتاج للمجتمع المادي تنظيمًا اجتماعيًا محددًا للنشاط الإنتاجي؛ فالمجتمعات الطبقية التي تقوم على استيلاء منهجي على الفائض، تعتمد على تنظيمات محددة للسلطة السياسية لإعادة إنتاجها[20]. ولذلك، لا يمكن تحليل الإنتاج بمعزل عن تحديده الاجتماعي: علاقات اجتماعية محددة، وأنماط ملكية، وأشكال قانونية وسياسية وثقافية للهيمنة[21].
كما يعتمد إعادة إنتاج الانقسامات الطبقية على ترميز “الكائنات الاجتماعية بوصفهم أشخاصًا سياسيين من خلال تحديد الحقوق والواجبات المتعلقة بتنظيم إعادة الإنتاج الاجتماعي”[22]. هذا يعني أن الصراع على الفائض واستيلائه -أي الصراع الطبقي- لا يُمثل مجرد صراع اقتصادي، بل يُؤطر من خلال إدراك “الذات السياسية”: “تُشارك الطبقات بعضها بعضًا في الصراع من أجل إعادة إنتاج السلطة السياسية من خلال التنافس على كيفية بناء الشخص السياسي”[23]. وهكذا، يحدث الصراع الطبقي داخل وعبر تعريفات الذاتية السياسية والعلاقة بين الأفراد والمجتمع السياسي الأوسع.
فقط تحت ظروف الرأسمالية تظهر الطبقة بوصفها فئة اقتصادية حصرية، مُجردة من هذه المحددات الأكبر. السمة المميزة للاستغلال الرأسمالي تقع مباشرة ضمن عملية الإنتاج نفسها، كما هو مُفترض في مفهوم ماركس لقيمة الفائض النسبية. كما أُشير إلى ذلك أعلاه، يعتمد هذا الشكل “الاقتصادي” بالتحديد للاستغلال على تكوين معين للسلطة السياسية: تصبح علاقات الطبقات مجالًا لمجال اقتصادي مستقل ذاتي التنظيم.
لضمان استمرارية هذه الحالة، يستند الاستغلال الرأسمالي إلى إعادة إنتاج وتأسيس حدود واضحة بين الدولة -أي المجال العام- والمجتمع -أي المجال الخاص للمجتمع المدني- كما يوضح ميتشل[24]. تُعد ممارسة السلطة السياسية في المجتمعات الرأسمالية، في جوهرها، عملية إعادة إنتاج مستمرة لهذه الحدود، حيث “لا تُعد القدرة على التنظيم والسيطرة مجرد قدرة مختزنة داخل الدولة تمتد منها إلى المجتمع؛ بل تُعدّ الحدود الواضحة للدولة في حد ذاتها نتاجًا لتلك العمليات التنظيمية”. بناءً على ذلك، تكون هذه الحدود ليست خارجية، ولكن داخلية وأساسية لعلاقات القوة. يُشير وود إلى أن التمايز الاقتصادي ينبثق من تمايز داخل المجال السياسي، “حيث يُفصل تخصيص الوظائف السياسية نفسها بصورة منفصلة بين المجال الاقتصادي الخاص والمجال العام للدولة. هذا التخصيص يفصل الوظائف السياسية المعنية مباشرة باستخراج وتخصيص فائض العمل عن تلك ذات الغرض الأكثر عمومية والمجتمعية”[25]. وفقًا لعمل كارل بولاني (1957)، كان تأسيس مجال مؤسسي منفصل للعقلانية الاقتصادية في حد ذاته عملية تقودها الدولة.
في المجتمعات غير الرأسمالية، أو تلك التي تمر بمرحلة انتقالية حيث لم يُضف الطابع المؤسسي بوضوح على تكوين القوة المذكور أعلاه، تظل العلاقات التي تبدو من منظور رأسمالي علاقات اقتصادية “مُضمنة” داخل الهياكل الاجتماعية والسياسية والثقافية للتكاثر الاجتماعي[26]. ومن ثم لا يمكن تمييزها تحليليًا عن المحددات “الفوقية”. يترتب على ذلك أن مفهوم الطبقة يجب أن يكون قادرًا على التعبير عن التنوع التاريخي لأشكال الملكية التي يُنظَّم من خلالها الوصول إلى فوائض الإنتاج في المجتمع. يتطلب هذا تحولًا في التركيز من علاقات الإنتاج إلى علاقات الاستيلاء عمومًا والطرائق المتنوعة التي يُضفى فيها الطابع المؤسسي على هذه العلاقات على المستوى السياسي([27]). في المجتمعات التي يسيطر فيها المنتجون المباشرون، كقاعدة عامة، على وسائل وعملية الإنتاج، يحدث الاستيلاء خارج الإنتاج أي (خارج الاقتصادي) عمومًا في شكل مستحقات وضرائب وإيجارات. ومن ثم، فإن الطبقات المُستغِلة لا تستولي على الفائض من خلال الوسائل الاقتصادية، ولكن من خلال إقامة علاقات تبعية قانونية وسياسية على المنتجين المباشرين. كما جادل ماركس، فإن الشكل المحدد الذي “يُستخرج فيه الفائض من المنتجين المباشرين” أي علاقات الاستيلاء، يُمثل المفتاح في تحليل الشكل التاريخي للدولة وهيكل المجتمع ككل .[28]
من هذا المنظور، لا يمكن حصر علاقات الطبقات في المجتمعات الطرفية في عالم “المجتمع” أو “الاقتصاد”، مُجردة من الدولة؛ يجري التعبير عنها من خلال الصراعات السياسية والأيديولوجية. كما سنرى أدناه، جرى التعبير عن الصراع الطبقي في سورية من خلال مشاريع متنافسة لتشكيل الدولة، مع مفهومات متعارضة للسلطة السياسية والحدود الفاصلة بين تعريفات المجالات “العامة” و”الخاصة” للمجتمع. لا ينبغي تحليل علاقات الطبقات وتشكيل الدولة وبناء الأمة على أنها ظاهرة متميزة وجوديًا، ولكن على أنها عمليات مُجتمعة. جزء من هدفنا هو تأريخ الحدود المتغيرة للسلطة السياسية: نشَأت القومية في سورية من الصراع بين المفهومات المتنافسة للذاتية السياسية.
ثالثًا: الطبقة، وتشكيل الدولة، والقومية في الشرق الأوسط في فترة ما بعد العثمانية
في تحليله العميق “الثامن عشر من برومير”، يشير ماركس إلى استمرارية جهاز الدولة الضخم الذي ورثته فرنسا من عهد الحكم المطلق، الذي أبقى جيشًا من المسؤولين والضباط في حالة “تبعية مطلقة”. يبرز ماركس أهمية الأساس الطبقي للدولة، مُلاحظًا أن مصالح البرجوازية الفرنسية كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحفاظ على هذه الآلة الدولتية الضخمة، التي كانت توفر وظائفًا لفائض سكانها وتعوض عبر رواتب الدولة عما لا تستطيع تحصيله في شكل ربح وفائدة وإيجار وأجور[29]. فالحقيقة أن نسبة كبيرة من البرجوازية الفرنسية ظلت تعتمد على الدولة في الدخل والوظائف[30]، ما يعني أن إعادة إنتاج وضعها الطبقي كان لها ارتباط وثيق بتوسع سلطة الدولة تحت حكم نابليون الثالث، حيث كانت مصالحها السياسية تدفعها لزيادة الإجراءات القمعية ومن ثم موارد وموظفي سلطة الدولة[31].
الدولة الفرنسية ما بعد الثورة ورثت النظام الملكي المطلق الذي كان يُقدم، في شكل مناصب قابلة للشراء والبيع، الشكل الرئيسي لاستخراج الفائض للطبقات الحاكمة[32]. بطريقة مماثلة، استمرت الدولة ما بعد العثمانية في الشرق الأوسط في استخدام التكوين العثماني القائم على الجزية. وكما في حالة دولة البوربون، كانت الدولة العثمانية الوسيلة الأساسية للاستيلاء على الفائض من خلال فرض رسوم وضرائب متنوعة على الطبقات المنتجة[33]. طبيعة علاقات الاستيلاء هذه غذت التطور المفرط للبيروقراطية الإمبراطورية، حيث شكلت رواتب ومعاشات شاغلي المناصب نسبة متزايدة باستمرار من عائدات الدولة.
كما سنرى لاحقًا، أثرت هذه الاستراتيجية المتمحورة حول الدولة بقوة في سلوك الطبقات الحاكمة في الفترة ما بعد العثمانية. يبرز هذا النهج عدم وجود أي فصل بين العقلانية الاقتصادية والسياسية في دور الدولة بوصفها مساهمًا “يشبه الطبقة” متورطًا على نحو مباشر في عملية استخراج الفائض. الإرث الذي تركته الدولة القائمة على الجزية يظهر في الدور المركزي الذي تؤديه “الطبقات الوسطى” -الطبقات الاجتماعية من موظفي الدولة والضباط العسكريين- في تطور مجتمعات الشرق الأوسط ما بعد الاستعمار. وقد ربط اعتماد هذه الطبقة على التوظيف الحكومي بوصفه المسار الرئيسي للتقدم الاجتماعي مصالحها المادية بالاستمرار في توسيع الجهاز البيروقراطي في البلدان الطرفية.
كما يجادل أيجاز أحمد، فإن هذه الطبقات شكلت الأساس الاجتماعي الرئيسي الذي يدعم تطور القومية في المجتمعات الطرفية عمومًا، والشرق الأوسط خصوصًا. فقد مكّنهم موقعهم الاستراتيجي داخل الهيكل الاجتماعي لهذه المجتمعات -الذي يتميز بسيطرتهم على الأجهزة البيروقراطية والعسكرية- من التعبئة السياسية على أساس مادي مستقل (أي مختلف عن الطبقات الحاكمة التقليدية) وتنظيم مساعيهم الخاصة للهيمنة على المجتمع:
ينبع الدافع للهيمنة من جانب الطبقات الوسطى، بصورة أساسية، من الدور الساحق للدولة في جميع جوانب المجتمعات الطرفية، بما في ذلك الاقتصاد، ومن الوجود القوي للطبقات الوسطى في أجهزة الدولة. من خلال وكالة الدولة، يسعى الأفراد المنتمون إلى هذه الطبقات إلى الهيمنة على المجتمع المدني بأكمله على هذا النحو. على المستوى الأيديولوجي، يجري التعبير عن ذلك في تأليه معين للدولة[34]….
على الرغم من أن الطبقات الوسطى تُمثل الأساس الاجتماعي وراء تطور القومية، فإن القومية لا تحمل في طياتها محتوى طبقيًا مُحددًا مُسبقًا، إذ تزعم أنها تُجسد وحدة المجتمع فوق الانقسامات الطبقية. هكذا، يُعاد تعريف المحتوى الاجتماعي للقومية من خلال عملية ظهورها “على يد الكتلة القوية التي تستولي عليها وتعطيها تعبيرًا في سياق الصراع من أجل الهيمنة”.[35] في حالة سورية، يتباين هذا المحتوى الاجتماعي للقومية وفقًا لعلاقات الطبقات الوسطى مع الطبقات الأخرى مثل طبقة الأعيان الحاكمة والطبقات العاملة، وطبيعة التحالف الطبقي. تُعد هذه القومية المنتج التاريخي للاستقطاب والصراع الطبقي.
يجب أن نفهم أن الأمة ليست فئة ميتافيزيقية أو فوق تاريخية يمكن أن توجد خارج الممارسات الطبقية و/أو تشكيلات القوة أو فوقها أو قبلها. بل تظهر الأمة والقومية، بوصفها مرافقًا أيديولوجيًا لها، فقط في ظل ظروف تاريخية معينة كتجسيد لمشروع هيمنة، أُنشئ بوساطة طبقة رائدة من تحالف القوى الطبقية القادرة على حشد القوة اللازمة لعملية الخلق والتحقيق.
لذلك، ترتبط السمة التعريفية لتشكيل الدولة في سورية بـ “طبيعة وتسلسل العلاقات بين السلطة العامة والاستيلاء الخاص[36]. كما هو مُقترح أعلاه، تُعرّف الدولة في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة من خلال فصل دولة “عامة” عن السلطة الشخصية للطبقة الحاكمة. ولكن الواقع في سورية، كما في عديد من المجتمعات الطرفية الأخرى، يظهر أن مركزية موقع الحكم كانت تسبقها خصخصة حقوق الاستيلاء[37]. أدت عملية تشكيل الدولة الموروثة من العلاقات الاجتماعية ما قبل الرأسمالية للاستيلاء إلى تركيز نسبي للسلطة السياسية من دون تطوير فصل واضح بين سلطة الدولة العامة والسلطة الخاصة للطبقات المالكة. والنتيجة هي أن السلطة السياسية والاقتصادية ظلتا غير قابلتين للانفصال، وأن الصراعات المادية أثرت مباشرة في عمليات تشكيل الدولة والأمة. بعد أن استقر هذا الأمر الأساسي، أنتقل إلى تحليل المسار التاريخي لسورية.
رابعًا: جذور الدولة القائمة على الجزية: السياسة في أواخر الإمبراطورية والانتداب
كما ذُكر أعلاه، تأثرت سورية ما بعد العثمانية بشدة بإرث العلاقات الاجتماعية للإمبراطورية القائمة على الجزية. بوصفها حلًا للأزمة الاجتماعية والمالية التي واجهتها الإمبراطورية خلال القرن السابع عشر، وُسّعت إمكانية الوصول إلى الملكية المكونة من الدولة على نحو كبير من خلال زيادة اللجوء إلى بيع المزارع الضريبية والمكاتب، بحسب ما ذكر سالزمان (Salzmann 1993). في مقاطعات بلاد الشام، سمح هذا بتكوين طبقة حاكمة جديدة تستمد قوتها من الوصول المتميز إلى الفائض من خلال اكتساب وخصخصة وظائف الدولة. خلال فترة الإصلاح والمركزية العثمانية في القرن التاسع عشر، أمنت الطبقات الحضرية المالكة، التي أشار إليها المؤرخون باسم “الأعيان”، وضعها الطبقي من خلال الحصول على مناصب داخل الإدارة الإقليمية المتنامية وتحويل امتيازاتها في جباية الضرائب إلى حيازة أراضي[38].
ومع ذلك، فإن الرواية التقليدية، المحددة أعلاه، تربط القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بتفكك تدريجي للعلاقات القائمة على الجزية بسبب زيادة التكامل داخل سوق العالم الرأسمالي النامي. يُعدّ الجمع بين تطور الزراعة التجارية، وظهور الملكية الخاصة، وتكوين حيازات أراضي واسعة، والاستخدام المتقطع لعمل بأجر، دليلًا كافيًا على ظهور برجوازية رأسمالية، وإن كانت ذات طابع “طرفي” أو “تابع”. أظهر روبرت برينر (Brenner 1977) على نحو مقنع كيف أن هذا النهج “التجاري” للتحول نتج من دمج ظهور الرأسمالية مع عمليات النمو الاقتصادي وتحقيق الربح التجاري، الأمر الذي أدى في النهاية إلى حجب القضية الحاسمة المتمثلة بتحول علاقات الاستيلاء المحلية. لم تتخلص وجهات النظر الماركسية حول الشرق الأوسط، على وجه الخصوص، تمامًا من هذه الافتراضات الموروثة عن التقليد المؤثر لنظرية التبعية وإعادة صياغتها من خلال تحليل نظم العالم[39]. بمجرد التغلب على الافتراضات الغائية حول طبيعة التطور، تشير الأدلة التاريخية المتاحة بصورة كبيرة إلى استمرارية نسبية في العلاقات الاجتماعية للاستيلاء وسط توسع الفرص التجارية[40]. إذا كان لدى التجار الموجودين في المناطق الساحلية حوافز أقوى كثيرًا للاندماج في الشبكات التجارية التي تركز على أوروبا، فإن الأعيان المهيمنين في المدن الداخلية كانوا في وضع يسمح لهم بمقاومة المنافسة الدولية المتزايدة، ومن ثم التوسط بقوة في آثار الاقتصاد العالمي المتنامي على الهيكل الاجتماعي المحلي. شهد القرن التاسع عشر التوطيد المتزايد لـ “كتلة تجارية ما قبل رأسمالية مهيمنة”[41] بناءً على تعزيز “الملكية الاحتكارية للأراضي والسيطرة على السوق” من وجهاء المدن[42]. وقد عزز تحالف قائم على المناطق الحضرية بين المصالح السياسية أي شاغلي المناصب والتجارية وملاك الأراضي -جرى توطيده من خلال زيادة التزاوج بين أسر النخبة- إعادة إنتاج وتعزيز علاقات الاستغلال القائمة بين المدينة والريف[43]. ولم تنشأ الزيادة في الأرباح من تغيير في علاقات الإنتاج، وإنما من استغلال الفلاحين عبر الإيجارات والرهون والفوائد، إلى جانب الهيمنة على إمدادات الغذاء للمدينة والتحكم في الأسعار.
بعد تفكيك الإمبراطورية العثمانية وإنشاء الانتداب الفرنسي في سورية، عبّر تحالف مصالح الملكية العقارية الحضرية عن نفسه من خلال اعتماد الخطاب القومي: “[الطبقة العليا] لم تتطلب فقط تكريسًا مشتركًا للغرض، ولكن أيضًا أيديولوجيا للتعبير عن هذا التضامن الجديد والدافع”. قدمت القومية نوع التماسك الأيديولوجي والجاذبية العاطفية التي يحتاج إليها قادة المدن ليكونوا فاعلين سياسيًا بين الحربين[44]. مثل إنشاء الكتلة الوطنية -الحزب السياسي الرئيسي في سورية حتى الاستقلال- التعبير السياسي للكتلة التجارية ما قبل الرأسمالية، “أداة للدفاع عن مصالحهم الطبقية وتوطيدها”[45]. ولكن بعيدًا من تمثيل حزب حديث ذي قاعدة حزبية مستقلة، لم يكن لديه أي قوة تعبئة خارج الشبكات الشخصية لقادته. ظلت القومية محافظة جدًا، حيث كانت بمنزلة أداة للتأثير في ميزان القوى بين الأعيان المحليين والإدارة الفرنسية[46]. لم تمثل مشروع بناء أمة ولكنها كانت تهدف إلى حد كبير إلى الحفاظ على توازن القوى القائم بين الطبقات الحاكمة الحضرية والمحلية[47].
خلال حقبة الانتداب والتي امتد تأثيرها حتى السنوات الأولى بعد الاستقلال، شُكّلت بنية سياسية تتميز بسيطرة العلاقات الاجتماعية القائمة قبل ظهور الرأسمالية. هذه العلاقات التي كانت تدور حول “البيت” أو ما يعني شبكات التبعية الشخصية بما فيها القرابة والمحسوبية، وكانت تشكل الوحدة الأساسية لإعادة إنتاج الطبقة الحاكمة. وبذلك، كان تنظيم السلطة السياسية يُعبر عن هذه العلاقات الخاصة المتمثلة بـ”السيطرة على الأراضي والأسواق، والتي تُترجم إلى تبعية ومحاباة تدعم نخبة سياسية تتألف تقريبًا حصريًا من الأعيان. وهذه تُعد حالة واضحة لحكم الطبقة حيث كانت الدولة، في جوهرها، ما هي إلا لجنة تنفيذية للطبقة الحاكمة من مُلّاك الأراضي والتجار”[48]. استمرار هذه العلاقات الاستغلالية كان مرتبطًا بسيطرة الأعيان على المناصب التنفيذية والتشريعية والقضائية للسلطة[49].
أما السياسة، التي تُعدّ امتدادًا للعهد العثماني المتأخر، فقد عرفتها بأنها “لعبة حضرية تنافسية حول المناصب بين مجموعات صغيرة من أعيان مُلّاك الأراضي وأتباعهم”[50]. وبسبب استمرارية الملكية التي شكلتها السياسة، وغياب سوق اقتصادي مستقل يعتمد على منطق عقلاني، كان التنافس بين أفراد الطبقة الحاكمة يأخذ طابعًا غير اقتصادي بالأساس، مُركّزًا على مراكمة النفوذ الشخصي من خلال تكوين شبكات العلاقات. في هذا السياق، يجب ألا يُنظر إلى سلطة الدولة بمعزل عن الشبكات الأبوية التي تديرها نحو خمسين عائلة تُشكل الطبقة الحاكمة، حيث تُقسم الأرض التي تُشكل الدولة إلى مناطق نفوذ تهيمن عليها كل عائلة[51]. وفي هذه الظروف، لم يكن هناك فصل حقيقي بين العام والخاص، بين الدولة والمجتمع، فنُظر إلى السلطة السياسية بوصفها ملكية خاصة بالطبقة الحاكمة، واستخدمت لضمان تراكم الثروات الخاصة.
خامسًا: علاقات الطبقات، وتشكيل الدولة، وبناء الأمة في فترة ما بعد الاستقلال
بدلًا من تحليل تطور ما بعد الاستقلال في سورية من خلال عدسة معارضة بين العقلانية السياسية والاقتصادية، ربما يكون من المفيد أكثر البدء من الحقيقة القائلة بأن العلاقات الاقتصادية ظلت مندمجة ضمن الهيكل السياسي لأعيان المدن. وبهذا، فإن ترسيخ هذا التحالف الاستغلالي بين ملاك العقارات الحضريين يعني غياب أي أساس مادي لبروز برجوازية “تقدمية” أو رأسمالية. ونتيجة لذلك، لم يكن المحور المركزي للصراع الطبقي يتمركز حول المعارضة بين الدولة والبرجوازية الريادية الناشئة. بل اتخذ الصراع المادي بين الطبقات وداخلها تعبيرًا سياسيًا مباشرًا، متجذرًا في مشاريع متنافسة للدولة وبناء الأمة، مع تعريفات متناقضة لطبيعة السلطة السياسية وحدودها ودورها في علاقات التراكم وتنظيم العلاقات الاقتصادية[52].
تميزت فترة ما بعد الاستقلال مباشرة في سورية بما يُعرف بـ”إجماع تنموي” استند إلى طفرة اقتصادية ناجمة عن الحرب. كما يجادل فيتاليس وهييدمان[53]، فإن الغياب الناتج من منافسة أسواق الحرب المغلقة خلق بيئة ملائمة للاستثمار والنمو الاقتصادي في الشرق الأوسط، وأدى إلى ظهور تحالف حمائي يدعو إلى زيادة تدخل الدولة لخلق الظروف اللازمة للتراكم الخاص. من هذه الفترة من التصنيع السريع خلال الحرب، نشأت “برجوازية” صناعية من داخل الكتلة التجارية؛ هذا حدد مسار عملية تشكيل الدولة وبناء اقتصاد وطني في سورية ما بعد الحرب.
ومع ذلك، لم يؤد هذا الإجماع العام على حماية الدولة إلى وضع حد لنمط الصراع القائم بين النخب. فنهاية الانتداب أزالت القيود الاستعمارية على تراكم الأعيان، حيث أصبح لديهم الآن سيطرة حصرية على جهاز الدولة. إذا كان ملاك الأراضي والتجار والصناعيون يؤدّون دورًا حاسمًا في إنشاء تنظيم الدولة، فإنهم “تنافسوا بنشاط مع بعضهم بعضًا للاستيلاء على فوائد التطور التشريعي والتنظيمي الذي صاحب توطيد السوق الوطنية”، وهذا شمل قوانين تطلب إلى الشركات الأجنبية العمل من خلال الشركات التابعة المحلية، وإصلاح الضرائب، واللوائح التجارية، ومنح الاحتكارات الإنتاجية، وضوابط الأسعار، وتقييد واردات سلع مختلفة، وغيرها من التدابير التي تهدف إلى التراكم من خلال البحث عن الريع[54].
سادسًا: الطبقات الوسطى والأساس الاجتماعي لتشكيل الأمة
على الرغم من النمو الاقتصادي الكبير، فإن مركزية السلطة السياسية في تحديد الفرص المربحة بقيت من دون تغيير كبير. البرجوازية الصناعية التي ظهرت خلال هذه الفترة نشأت من خلال استغلال التدابير التنظيمية التي وضعتها الدولة ما بعد الاستقلال للحد من المنافسة الاقتصادية. ظهر عامل رئيسي آخر في الصراع حول طبيعة تدخل الدولة في المجتمع والاقتصاد من المستويات الدنيا للجهاز البيروقراطي، والأهم من ذلك، التسلسل الهرمي العسكري.
كما هو مقترح سابقًا، ارتبط ظهور هذه “الطبقات الوسطى” بدولة حافظت على “كتلة هائلة من المصالح وسبل العيش”، بحسب ما ذكره ماركس[55]. منذ عصر التنظيمات، تحولت بيروقراطية الدولة العثمانية إلى مصدر رئيس للعمالة والطموحات والعمل لجزء متزايد من سكان المقاطعات[56]. كان هذا صحيحًا خاصة بالنسبة إلى أفراد من أسر الأعيان “الأقل”، وغالبًا ممن لهم خلفية ريفية و/ أو من الأقليات. للعائلات التي لا تستطيع الاعتماد على الممتلكات وحدها، أصبح التوظيف الحكومي استراتيجية بارزة للتكاثر. نظرًا إلى أن الوظائف العسكرية كانت تُعدّ أدنى من الوضع الاجتماعي للعائلات المهيمنة، فقد كانت مناصب الضباط متاحة بسهولة أكبر للأفراد الخارجين عن شبكات الامتيازات المهيمنة[57]. وقد دعمت هذه الاستراتيجية المتمحورة حول الدولة للتقدم الاجتماعي والمادي من خلال تطوير نظام تعليمي ترعاه الدولة، يركز خصوصًا على التكوين البيروقراطي والعسكري. وقد أُعيد إنتاج هذه العملية وعُزّزت من خلال نمو الإدارة الاستعمارية ومدارس الدولة خلال فترة الانتداب: بحلول عام 1947، استهلكت الرواتب أكثر من نصف ميزانية الدولة[58].
تطورت هذه “الطبقة الوسطى البيروقراطية العسكرية” تدريجًا إلى طبقة مستقلة لها مصلحة في نمو جهاز الدولة وتعزيزه بوصفه عاملًا للتراكم والتحول[59]. لقد طوروا مجموعة معينة من المصالح بسبب موقعهم الخاص داخل علاقات الاستيلاء؛ وكان وصولهم إلى الفائض وظروف تكاثرهم الاجتماعي يعتمد على نمو العمالة الحكومية، وتوسيع قدرات الدولة على التراكم، وتوسيع حدود السلطة السياسية لتشمل شرائح أوسع من المجتمع. كما هو موضح سابقًا، تجلت هذه المصلحة الطبقية في دعم التنمية الوطنية، وزيادة تدخل الدولة، والتخطيط الاقتصادي. وضعهم هذا أيضًا في خلاف مع الأعيان الذين ما زالوا يحتكرون المناصب الإدارية العليا[60].
كما ذُكر في ما سبق، نجحت هذه الطبقة في تأسيس منظماتها الخاصة المستقلة. ومع ازدياد تسييسها الذي بدأ خلال فترة الانتداب وبلغ ذروته بعد الاستقلال، برزت أحزاب ما يصفه هينبوش[61]. بـ”أحزاب الطبقة الوسطى الراديكالية” مثل البعث، والحزب الاشتراكي السوري الذي اندمج في ما بعد مع البعث، والحزب الشيوعي[62]. هذه الأيديولوجيات السياسية انتشرت بين صفوف الضباط، ما أدى إلى انقسام الجيش على أسس سياسية.
سابعًا: علاقات الطبقات وتشكيل الذاتية السياسية القومية
تشكك الحجة المقدمة حتى الآن في “أسطورة البرجوازية الوطنية” بوصفها قوة تنموية محتملة في الجنوب العالمي، كما نوقشت في كل من الخطاب الأكاديمي والسياسي[63]. على عكس التقارب السطحي للمصالح، الذي يُركز على تدخل الدولة، فإن العلاقة بين البرجوازية والطبقة الوسطى تتسم بالتعارض بين وجهات النظر المختلفة حول “حدود وأهداف” هذا التدخل[64]. منذ الاستقلال حتى عام 1954، تمتعت مصالح الأعمال الخاصة بمكانة متميزة في عملية صنع السياسات[65]. إلى جانب الدور الرسمي والمباشر للأعيان في العملية السياسية -بصفتهم وزراء في الحكومة ونوابًا- عززت شبكات النفوذ غير الرسمية أي الشخصية سلطة المصالح المالكة: “بنى وزراء الحكومة شبكات المحسوبية داخل البيروقراطية لتأمين التعيينات […] أو توفير رواتب أعلى وترقيات أسرع للموالين”[66]. تكثف منطق المنافسة السياسية الشخصية فقط بشأن تنفيذ تدابير حمائية محددة، ما أدى إلى تصعيد المنافسة بين النخب وأشكال “عدوانية” متزايدة من البحث عن الريع[67].
ظلت استراتيجيات الإنتاج التي تنفذها ما تسمى البرجوازية الوطنية متجذرة بقوة في هذه الأنماط القائمة من العلاقات بين النخب، استنادًا إلى مفهوم الدولة بصفتها ملكية خاصة للطبقة الحاكمة. من خلال تعبئة شبكات المحسوبية الخاصة بهم، الموروثة من أصولهم الاجتماعية الناشئة من “الكتلة التجارية”[68]. حاول الصناعيون الأفراد التفاوض على وضع أكثر فائدة لأنفسهم داخل الكتلة الحاكمة، وهو هدف حققوه في الغالب بحلول عام 1954 مع توطيد نظام التصنيع لاستبدال الواردات[69]. لم تكن البرجوازية الصناعية تقف خارج أو ضد الكتلة الحاكمة الموروثة من عصر ما قبل الاستقلال، ولكنها عملت من داخل حدودها.
تصادم غياب أي تمييز واضح في سورية بين الأشكال العامة والخاصة للسلطة بصورة خطرة مع مصلحة الطبقات الوسطى المذكورة أعلاه. كان البعد الحاسم لمشروع الطبقة الوسطى، الذي أصبح أكثر نفوذًا في البيئة السياسية المستقطبة في الفترة ما بين عامي 1954 و1963، هو مبدأ المسؤولية الاجتماعية لرأس المال، أي حقيقة أن رأس المال يحتاج إلى استثماره باتباع الهدف الجماعي للتنمية الوطنية[70]. في مواجهة الطابع الخاص المستمر للسياسات بين النخب، الذي اتسم بعلاقات التبعية الشخصية العمودية، نظرت أحزاب الطبقة الوسطى السياسية نحو (إعادة) تعريف للسلطة السياسية على أسس عامة أوسع: على الرغم من أن الملكية الخاصة ظلت مضمونة، إلا أن تكاثر الأفراد من القطاع الخاص أصبح خاضعًا لتكاثر الأمة ككل[71]. من هذا المنظور، مثلت التنمية وتشكيل الدولة وبناء الأمة عمليات مجتمعة من أجل إخضاع المصالح الأنانية للأفراد للأهداف الجماعية للأمة.
لذلك، وُجّهت الأيديولوجية القومية نحو توسيع نطاق السلطة السياسية وحدود مجال العمل العام ضد طبيعة الخصخصة للسياسة في قمة الدولة السورية. كان الهدف هو مقاومة الطابع التراثي للنظام السياسي، واستبدال علاقات التبعية الشخصية بعلاقات غير مباشرة وغير شخصية للأفراد بالأمة، والدولة بوصفها تجسيدًا لـ”المصلحة الوطنية”، على الرغم من أن هذا لم يستبعد حقيقة أن أشكال التضامن دون الوطنية ظلت بارزة في أنماط التجنيد للأحزاب القومية. لم يمثل هذا انتصار الديناميات السياسية على ديناميات الطبقة، ولكن الصراع الطبقي بوساطة تعريفات متنافسة للذاتية السياسية: التراثية الخاصة مقابل الوطنية العامة. حددت هذه المعارضة بين “الأنماط المؤسسية” المتباينة والتعبيرات السياسية للصراع الطبقي -أي المفهومات المختلفة للحقوق والواجبات التي تربط إعادة الإنتاج الاجتماعي للأفراد بالمجتمع السياسي- عملية إعادة صياغة تنافسية لتشكيل الدولة وتدخل الدولة في فترة ما بعد الاستقلال.
ثامنًا: الاستقطاب الطبقي وبناء تحالف شعبي قومي
كما هو مُقترح أعلاه، كان محتوى قومية الطبقة الوسطى مرنًا، اعتمادًا على توافر التحالفات الطبقية. كانت استراتيجية التنمية الأولية لحزب البعث هي “استراتيجية تنموية موجهة من الدولة ولكنها موجهة نحو السوق”[72]. في البداية، لم تُعدّ البرجوازية الوطنية أو “الوطنية” طبقة عدائية، ولكن شريك في مشروع التنمية الوطنية.
على الرغم من أنها كانت تُعدّ في النهاية حليفًا، إلا أن مصالح البرجوازية الفردية والخاصة يجب أن تخضع، كما لوحظ أعلاه، لمبدأ المسؤولية الاجتماعية. أصبح التخطيط الحكومي، من هذا المنظور، قضية حاسمة؛ فقد كان يهدف إلى فرض أهداف تنموية محددة سياسيًا على السلوك الخاص للأفراد من البرجوازية. هذا هو المكان الذي سرعان ما تلاشى فيه الطابع التقدمي للبرجوازية. رحبت البرجوازية بتدخل الدولة طالما عزز فرص التراكم ويمكن إبقاؤه تحت سيطرتها؛ حيث رأى كل من ملاك الأراضي والصناعيين “الدولة بوصفها مجموعة من المؤسسات التي يمكن أن تخدم مصالحهم مباشرة مع عزلهم عن العواقب الاقتصادية للتغيير الاجتماعي [أي زيادة المنافسة، السياسية والاقتصادية على حد سواء]. كان الدور الملائم للدولة هو دعم القطاع الخاص والتوسط في دمج القوى الشعبية بطرائق تحميهم من التضحيات المباشرة”[73].
يمكن فهم إحجام البرجوازية عن القيام بدور تقدمي في المشروع التنموي الوطني من خلال النظر إلى حدود التصنيع والتنمية الرأسمالية داخل النظام التراثي الموروث من فترة الانتداب. على الرغم من النمو السريع للصناعة والتراكم الناجم عن ظروف الحرب، ظلت معدلات الاستثمار محدودة مقارنة بالموارد المتاحة، وتركزت في عدد محدود من الصناعات: المنسوجات، وتجهيز الأغذية، والبناء[74]. استمرارًا لنمط المنافسة الخارج عن الاقتصاد، لم يتركز التراكم على تحويل العملية الإنتاجية -أي زيادة الإنتاجية من خلال الاستثمارات التكنولوجية وقدرات الإدارة- ولكن على تعزيز التدابير الوقائية التي أبقت الأسعار والأرباح مرتفعة على نحو مصطنع. كانت نتائج استراتيجية البحث عن الريع هذه أن الأرباح أعيد استثمارها على الفور في القطاع نفسه، ما أدى بسرعة إلى فائض القدرة. ظلت المنافسة بين الطبقات الحاكمة منظمة حول النفوذ الشخصي والتحزب بدلًا من العلاقات غير الشخصية التي يتوسطها “التبادل بين الأشياء” أي المنافسة في السوق.
الحقيقة ليست أن البرجوازية كانت ضعيفة جدًا، كما يدعي الخطاب البعثي الرسمي لاحقًا، ولكن ببساطة الحقيقة أنها لم تكن رأسمالية. كما هو مُقترح أعلاه، نجحت بحلول منتصف الخمسينيات في التفاوض على وضع ملائم نسبيًا داخل الكتلة الحاكمة السورية. يفترض هذا حقيقة أنه لو كانت البرجوازية أكثر “ريادية” واتبعت نظيرتها الأوروبية، لكانت قد خرجت من العقلانية السياسية القمعية للنظام القديم. ومع ذلك، فإن هذا يفترض مفهومًا عبر تاريخي للمصالح الطبقية مُجردًا من السياق المؤسسي والعلاقات الطبقية المحددة الذي وجدت البرجوازية نفسها فيه. قد يبدو الأمر متناقضًا، لكن الطبقة الصناعية الناشئة في سورية مثلت عائقًا أمام تعزيز التنمية الرأسمالية؛ لقد فعلت كل ما في وسعها لمقاومة الخضوع لقوى خارجية، أكانت منافسة في السوق أم تخطيطًا بيروقراطيًا. اعتادت على الحكم وغير راغبة في أن تُحكم، أوقفت عملية التنمية الاقتصادية في سورية ورفضت الامتثال لتوجيهات الدولة، ما أدى إلى موجة من الإضرابات التجارية وهروب رؤوس الأموال[75].
في ظل هذه الأحوال، أصبح الخطاب السياسي لأحزاب الطبقة الوسطى متطرفًا تدريجًا، وفي النهاية رأى البرجوازية بوصفها عائقًا وليس بوصفها عنصرًا ضروريًا في مشروع التنمية الوطنية. كما أنه نتيجة لهذا الاستقطاب أصبحت الاشتراكية جزءًا مركزيًا من خطاب البعث. كان هذا التطرف مدعومًا بزيادة كبيرة في مستوى تعبئة العمال، والتي ميزت الفترة بين 1954 و1958.[76] ولكن الأهم من ذلك، أن إعادة توجيه الصراع على طول الفجوة التقليدية بين الحضر والريف هو ما سمح للبعث بكسب الدعم الشعبي، حيث إن قاعدته الرئيسة للتوظيف تقع خارج شبكات الامتيازات التي تركز على المناطق الحضرية[77].
كان النفوذ المتزايد للقومية الراديكالية بين الجماهير الكادحة مدعومًا بتحول في طبيعة علاقات الاستيلاء في الريف. على الرغم من أن تسويق الزراعة السورية لم يؤدِ إلى تعميم العلاقات الرأسمالية، إلا أن تكثيف علاقات الاستغلال في الريف أدى إلى تفكك علاقات التبادل والتبعية التقليدية. مع استبدال زعماء القرى وزعماء القبائل بملاك الأراضي أو أصبحوا هم أنفسهم ملاك أراضي، استُبدلت العلاقات المنظمة على نحو معتاد (غالبًا ما تستند إلى علاقات “شبيهة بالقرابة” أو القبلية) بعلاقات الملكية الخاصة المجردة وغير الشخصية بين المالك والمزارع المستأجر. هذا سبب أزمة للنظام القديم التراثي: خلق التفكك التدريجي للأشكال ما قبل الحداثة -المحلية، القائمة على الوضع، والمنظمة بصورة هرمية- للذاتيات مساحة لتعبئة الطبقات الدنيا حول المجتمع المتخيل للأمة بوصفها شكلًا أفقيًا من أشكال التضامن[78].
على نحو حاسم، فضل توطيد هذا التحالف الشعبي القومي دمج الجماهير في مجال سياسي وطني ناشئ[79]. لقد قدم للطبقات الدنيا إمكانية التعبير عن نفسها على أساس وعي سياسي أوسع، على عكس شبكات المحسوبية التي فضلت إعادة إنتاج الولاءات المحلية .[80]من المهم أيضًا ملاحظة أن دمج الطبقات الدنيا لم يكن مجرد مسألة من أعلى إلى أسفل. عكس الخطاب الشعبوي والاشتراكي المتزايد للمثقفين من الطبقة الوسطى تنازلًا جزئيًا نحو إعادة صياغة مشروع التنمية الوطنية من جانب الطبقات العاملة. كان الصراع الطبقي واستقطاب المجتمع السوري دافعًا رئيسيًا وراء تعبئة السكان وتشكيل مشروع لبناء أمة يهدف إلى معارضة المصلحة الأنانية للطبقات المالكة.
الخاتمة: التعبئة الاستبدادية وتفكك المشروع القومي
غذت علاقات الطبقات في سورية تطور مشروع قومي يجمع بين التنمية الاقتصادية وتشكيل الدولة، الأمر الذي أدى في النهاية إلى تحالف شعبي قومي. لكن هذا التحالف لم يدم طويلًا. سلط التطور اللاحق الضوء على الطبيعة المتناقضة لمشروع البعث الوطني. كان الهدف من إعادة صياغة التنمية الوطنية -ولاحقًا “الاشتراكية”- من جهة البعث هو تعبئة الطبقات الدنيا في نضالها ضد احتكار الأعيان الحاكمين. ومع ذلك، كانت هناك حدود لمدى السماح للطبقات الدنيا بالتنظيم المستقل، إذا أراد المثقفون من الطبقة الوسطى الحفاظ على موقعهم المهيمن داخل الحركة القومية. مع تزايد قوة التنظيم الذاتي للعمال والفلاحين، مدفوعًا بالمثقفين “المتمردين” من الحزب الشيوعي، جرى التشكيك في احتكار البعث للأجندة القومية والشعبوية، ما وضع وحدة الأمة موضع تساؤل.
كشف هذا عن الطبيعة الطبقية للمشروع القومي خلف مظهره فوق الطبقي. كان هناك حد لإعادة تعريف المشروع القومي من الطبقات الدنيا، ومن ثم خطر الإفلات من قبضة مثقفي البعث القوميين. هذا “التهديد من الأسفل” هو ما أثار دعوات للتدخل المصري من جانب قادة البعث، بالاشتراك مع سياسيين قوميين أكثر تحفظًا. بدلًا من الوصول إلى السلطة من خلال التعبئة الجماهيرية، فضلت قيادة البعث حل الأزمة الاجتماعية الجارية من خلال دعم التدخل الخارجي؛ كان الاتحاد مع مصر بمنزلة “ثورة من أعلى” و “ثورة من الخارج”.
كانت للجمهورية العربية المتحدة، على الرغم من قصر عمرها، عواقب وخيمة على مستقبل التطور السياسي والاقتصادي. كان النجاح السياسي لعبد الناصر في مصر قائمًا على قمع النقابات المستقلة (معظمها شيوعية) وتطوير نظام شركاتي مركزي[81]. كانت الخطوة الأولى في القضاء على الصراع الاجتماعي وإعادة إرساء الوحدة الاجتماعية للمشروع القومي هي الحد من قدرة الطبقات العاملة على اتخاذ إجراءات سياسية مستقلة. وفقًا لذلك، كان الإرث الرئيسي للتدخل المصري في السياسة السورية هو بناء أساس لنظام مماثل، حيث قُمع التنظيم المستقل للطبقات الاجتماعية واستُبدل بمؤسسات تهدف إلى تعبئتها السلطوية و”السلبية”[82].
وضع الاتحاد مع مصر، والانقلاب المضاد المحافظ الذي وضع حدًا له، ضغطًا على التحالف الذي فضل صعود البعث إلى السلطة وأدى في النهاية إلى تفككه. على الرغم من أن وصول البعثيين إلى السلطة كان إلى حد كبير نتيجة الاستقطاب الطبقي والتعبئة السياسية للعقد السابق، إلا أنهم عندما استعادوا السلطة في عام 1963، كان ذلك من خلال انقلاب عسكري وليس على رأس حركة شعبية واسعة[83]. اعتمد الصراع على السلطة الآن بصورة أكبر على التفاعل الاستراتيجي بين مجموعات صغيرة من الضباط أكثر من اعتماده على التعبئة الشعبية.
كان الهدف من إعادة الهيكلة الشركاتية للمجتمع هو كسر التضامن الطبقي “الأفقي” الذي نشأ من صراع ما بعد الاستقلال، من أجل التنمية وإعادة تنظيم المجتمع على أساس مصالح قطاعية ضيقة يسهل إخضاعها للعلاقات الهرمية. كان لهذا نتيجة “عرقلة عمليات ‘الصراع الطبقي’ التي من شأنها أن تولد تنظيمًا وتضامنًا سياسيًا أيديولوجيًا والتي حُظرت وقُمعت على أي حال: حُظرت المنظمات المدنية والنقابات العمالية والجمعيات المهنية أو دُمجت في الدولة أو في حزبها الوحيد”[84]. ساهم الحرمان من إمكانيات التنظيم المستقل خارج هيكل الحزب الواحد في دفع الأفراد “إلى شبكات غير رسمية وشخصية من القرابة والمحسوبية”[85].
كما يقول الخفاجي[86]، “[في] غياب الصراعات والمراقبة المؤسسية على الدولة، والتي أثارت آمال الوقوف على مسافة متساوية من جميع المواطنين، فإن مؤسسات الدولة المختلفة وقادتها وهيئاتها ستلجأ حتمًا إلى المحسوبية والمحاباة والزبائنية وسيلةً لكسب المتابعين من مناطقهم الأصلية، أو من رجال ونساء عرقهم أو قبيلتهم أو طائفتهم أو حتى أيديولوجيتهم”. بمجرد توقف التعبئة من الأسفل، أصبح الطريق واضحًا لإعادة تشكيل سياسات (النيو) المحسوبية.
رُسّخت “إعادة المحسوبية” أو “إعادة الخصخصة” للسياسة السورية من خلال “الحركة التصحيحية” لحافظ الأسد، التي تمكنت من عزل الفصائل الراديكالية للحزب. فضل قمع الصراع الطبقي هذا التوطيد وسمح بالخلق التدريجي لطبقة حاكمة جديدة. اكتسبت هذه الطبقة الحاكمة الجديدة قوتها من خلال التراكم البدائي لموارد الدولة، والذي تم من خلال إعادة تشكيل شبكات النفوذ الشخصية[87]. دشن هذا طريقة جديدة لبناء الدولة تقوم على تعبئة الأشكال البدائية و”الميكانيكية” للتضامن ما يشار إليه غالبًا في الشرق الأوسط باستخدام مفهوم ابن خلدون للعصبية[88].
لم تكن عودة ظهور التحزب الطائفي، بدلًا من عودة ظهور واقع مكبوت، مرتبطة بطبيعة الحال بتوطيد هذه الطبقة الحاكمة الجديدة. فضل منطق القوة الجديد زيادة المنافسة على الموارد من جانب شبكات العصبية والتلاعب بهذه الشبكات من النخبة الجديدة. استُبدلت المؤسسات الرسمية للحزب والدولة التي كانت إرثًا لفترة ما قبل الأسد، تدريجًا بهذه الشبكات وأصبحت واجهة تُخفي وراءها شبكات السلطة الحقيقية، التي تتكون في الغالب من العشيرة الحاكمة وسيطرتها على جهاز الأمن.