مقدمة
ما يميّز الإنسان عن (بقية) الحيوانات هو أنّه يملك القدرة على أن يفكِّر في تفكيره؛ أي أن يجعل تفكيره موضوعًا لتفكيره. هذا الوعي للوعي، أو الوعي للذات، أو الانعكاس، يسمّى تفكُّرًا، عندما يتخذ طابعًا منتظمًا ومديدَ المدّة أو طويلها. والفلسفة، عمومًا، تفكّريةٌ بامتيازٍ، وهي، بهذا المعنى، إنسانيةٌ أو وثيقة الصلة بالخاصيّة المميّزة للإنسان. لكن التفكُّر يجعل الذات عينها آخرًا لتلك الذات، أو يجعل الذات منقسمةً إلى أنا تُفكِّر وأنا أخرى تتأمّل تفكيرها. وهذا يعني أنّ ثنائية الأنا والآخر هي ثنائيةٌ في الذات وداخلها، وليست ثنائيةً خارج الذات، أو بين الذات وما يغايرها، فحسب. وثمّة حالاتٌ عديدةٌ يفقد فيها الإنسان هذه القدرة التفكّرية، وهذا يحصل، على سبيل المثال، في بعضِ حالاتِ السُكر أو تدخين الحشيش، حيث يكون الإنسان، حينها، قادرًا على التفكير والتحدّث بمنطقيةٍ ما، من دون أن يكون واعيًا لذاته كلّ الوعي. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الإنسان قادرًا على تذكُّر ما حصل معه، حين كان سكرانًا أو متأثّرًا بالحشيش.
وقد يعني الآخر أيضًا أنا أخرى “alter ego”. والآخر، هنا، هو أنا مثلما أنا أنا، لكن أنا الآخر هذه، أو هذه الأنا الأخرى، مختلفة أيضًا عن أناي. وعمليًّا، يتجسّد هذا الآخر، أو تتجسَّد هذه الأنا الأخرى، إمّا في “أنت” حاضرٍ معي، أو في “هو/ هي” غائبٍ. والآخر الذي أنشغل به، غالبًا، هو الغائب، خصوصًا حين يكون ذلك الغياب مترافقًا مع، أو ناتجًا عن، تغييبٍ قسريٍّ وطمسٍ مقصودٍ له. فعلى الصعيد المعرفي، يظهر هذا التغييب، ظهورًا واضحًا وشديدًا، في التوّجه أو الموقف الأحادي الوثوقي/ الدوغمائي الذي يقتصر على تبنّي منظورٍ (ضيقٍ) واحدٍ ويفرط في وثوقيته، حيث لا يرى أيّ معقوليةٍ أو موضوعيةٍ في أيّ منظورٍ آخر مخالفٍ له، أو حتى مختلفٍ عنه. ولهذا السبب قد يجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى الدفاع عن المنظورات التي يغيِّبها أيّ موقفٍ أحاديٍّ وثوقيٍّ، أو مستحضرًا لها، بغضِّ النظر عن مدى (عدم) قناعته بالمنظور الأحادي الوثوقي أو بالمنظورات التي يغيِّبها ذلك المنظور. وهذا الصعيد المعرفي متداخلٌ ومتشابكٌ مع صعيدٍ أخلاقيٍّ. فالمحور الأساسي أو الأوّل للأخلاق ليس علاقة الأنا مع أناها، ولا علاقتها مع الأنا الأخرى بوصفها “أنت”، وإنّما علاقة الأنا مع الغائب/ الغائبة “هو/ هي”. فهنا ينبغي للأنا أن تأخذ الأنا الغائبة في الحسبان، وأن تكون مُنصفةً تجاهها. ويقتضي ذلك الأخذ في الحسبان استدخال الأنا الغائبة في الذات/ الأنا المفكّرة وجعلها ندًّا أو قرينًا ناقدًا لها. وفي هذه الحالة، يعني التفكّر أو انعكاس الأنا على ذاتها حضور الآخر أو الأنا الأخرى في الذات/ الأنا.
صحيحٌ إنَّ الآخر، بوصفه آخر، غريبٌ أو أجنبيٌّ بالنسبة إلينا، لدرجةٍ أو لأخرى؛ ولكنَّ، هذه الغرابة أو الأجنبيَّة ليست، من حيث المبدأ، مطلقةً؛ وهذا ما يُشدِّد عليه ريكور، حين يكتب: »[…] غرابة الإنسان بالنسبة إلى الإنسان ليست مطلقةً أبدًا. الإنسان غريبٌ على الإنسان بالتأكيد، لكنَّه دائمًا شبيهه أيضًا.«[1] ونتيجةً للتحوّط والرغبة في تجنّب الإفراط في الهوسِ بإنصافِ الغائب، من المهم أو الضروري ألّا يفضي التشديد على أولوية العلاقة مع الغائب أخلاقيًّا، وضرورة استحضاره معرفيًّا، إلى إنكار أهمية الإنصاف الأخلاقي والمعرفي، في علاقةِ الأنا مع “الأنت”، ومع ذاتها. وثمّة جدلٌ ضروريٌّ، رغم صعوبةِ إقامته، فضلًا عن إنجاحه وجعله إيجابيًّا، بين انفتاح الأنا على المختلفِ الموجود لدى الآخر (الهو والأنت) ومحاولةِ الإقرار بهذا الاختلاف والتعلّم منه، من جهةٍ، ومحاولة الأنا المحاججة لصالح رؤيتها المعرفية المخالفة لرؤيةِ ذلك الآخر، أو المختلفة معها، من جهةٍ أخرى. وتكمن صعوبة إقامة هذا الجدل، فضلًا عن إنجاحه، في أنّه، من ناحيةٍ أولى، بحاجةٍ إلى إقامة توازنٍ بين طرفين، يبدو في أحيانٍ كثيرةٍ، ومن الناحية الموضوعية، أنّ كلًّا منهما مضادٌّ ومنافٍ للآخر؛ ومن ناحيةٍ ثانيةٍ، بحاجةٍ إلى تفاعلٍ إيجابيٍّ من الطرفين المشاركين في تلك العلاقة. وعندما تنجح تلك العلاقة تكوِّن ما أسميه حوارًا.
يهدف هذا البحث إلى تناول مسألة الاعتراف وسؤال المسؤولية والنقد، في سياق (التفاعل مع) الهويات المجروحة. وإضافةً إلى قسمي المقدمة والخاتمة، يتضمن البحث أربعة أقسامٍ رئيسةٍ: قسمٌ أولٌ يبيِّن معاناة النساء والنسوية، بوصفها تعبر أحيانًا عن الهويات المجروحة، من الأصولية (الدينية/ الإسلامية)؛ وقسمٌ ثانٍ يتناول الانتقال النظري، في الفلسفة وخارجها، من الكوجيتو الديكارتي إلى الكوجيتو الريكوري المجروح والهوية المجروحة، وقسمٌ ثالثٌ يتناول مسألة (إنكار) مسؤولية الذات المجروحة أو المهزومة، وقسمٌ رابعٌ يتناول النقد الذي يمكن توجيهه للذوات المجروحة والتفاعل النمطي السائد بين تلك الذوات تجاه ذلك النقد؛ وقسمٌ خامسٌ يبيِّن المفارقات التي تتسم بها الذات العربية السياسية “المجروحة”.
في معاناة النساء والنسوية من الأصولية (الدينية/ الإسلامية)
تبدو علاقة النسوية بالدين عمومًا، ولا سيما الإسلام، ملتبسةً وإشكاليةً ومشكلةً أيضًا. وعلى هذا الأساس، يمكن فهم قول المختص بعلم الاجتماع الديني، الإسباني الشهير، خوسيه كازانوفا: “يبدو أن النسوية قد حلت محل الشيوعية بوصفها “الشبح” الذي يلاحق جميع التقاليد الدينية”[2]. وقد يجادل بعض المتدينين في أن الالتباس المذكور مختلقٌ، والصراع المشار إليه زائفٌ، والشبح النسوي المزعوم مجرد اتجاهٍ موهومٍ وواهمٍ، في الوقت نفسه. ما لا يمكن نفيه أو ما ينبغي عدم إنكاره أن النسوية قد أصبحت فعلًا هدفًا تقليديًّا ودائمًا لهجمات أو تهجمات معظم المشايخ والكثير من المحافظين (وأمناء الفروع) الذين لا يرون تنظيمًا مناسبًا للنساء غير “الاتحاد العام النسائي” و”رابطة الأم الحنون والبنت/ الزوجة/ الأخت الحبابة والمطيعة”.
يرى الإسلام السياسي الأصولي أن مسألة المرأة والأسرة هي عمومًا (إحدى) أكبر وأهم المسائل/ المشاكل التي تواجهها المجتمعات الإسلامية. ومن هنا نفهم استماتة متبني ذلك الإسلام في الدفاع عن الثقافة الذكورية باسم الدين والأخلاق والعادات الأصيلة … إلخ. وبغض النظر عن ماهية الدين الفعلية أو المزعومة، المنصفة أو المعادية للمرأة، فمما لا شك فيه وتثبته دراسات كثيرةٌ أنه، في كل الأصوليات الدينية، المسيحية منها (البروتستانتية والكاثوليكية والأرثوذكسية) والإسلامية (السنية والشيعية)، وغيرها، توجد رؤيةٌ ذكوريةٌ أبويةٌ دونيةٌ إلى المرأة، في خصوص دورها أو مكانتها في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع، ومن ضمن ذلك الأسرة والعلاقات بين الجنسين. ولا يمكن فصل تلك النظرة الذكورية عن الأوضاع السيئة التي تعيشها المرأة عمومًا في كثير من المجتمعات الإسلامية. ومن منظور منظومة حقوق الإنسان والتقييمات المؤسساتية الحقوقية والأممية الرسمية، بلغ سوء تلك الأوضاع ذروته في أفغانستان الطالبانية حيث صنفت الأوضاع فيها بانها الأسوأ على الإطلاق عالميًّا[3]. فالتقييد واسع النطاق لحريات الفتيات والنساء طال كل جوانب حياتهن، وشمل حرية التنقل والملبس والسلوك والوصول إلى التعليم والعمل والصحة والعدالة … إلخ. وأصبح الجحيم متجسدًا في تلك البقعة وليس مجرد مكانٍ في عالمٍ آخر يتم التهديد أو الوعيد به.
ومع وصول ما يمكن تسميته ﺑ “الإسلام السياسي الأصولي” إلى السلطة في سوريا، ثارت مخاوف كثيرة وكبيرة في خصوص الحريات الاجتماعية عمومًا، ولا سيما حريات النساء وحقوقهن. وعلى الرغم من وجود بعض الإشارات الإيجابية في هذا الخصوص، فثمة الكثير من الإشارات السلبية ومنها تصريحاتٌ لبعض ممثلي السلطة وتصرفاتها تعزز المخاوف المذكورة. ومن تلك الإشارات الماضي الأسود لوزير العدل في الحكومة الانتقالية في سوريا، شادي محمد الويسي (ظهر فيديو له وهو يشارك في تنفيذ عملية إعدام بسيدتين سوريتين، بدعوى الدعارة)، والهيمنة (شبه) الكاملة للرجال على كل المناصب الوزارية الرسمية المهمة وفي الوفود الرسمية … إلخ. وظهرت تلك الإشارات السلبية، أيضًا، في تصريحات بعض ممثلي السلطة أيضًا، حيث ظهر فيها، على سبيل المثال، تشكيك في أهلية المرأة للمساواة الحقوقية الكاملة في تولي بعض الوظائف (كما في تصريحات عبيدة الأرناؤوط، المتحدث الرسمي باسم المكتب السياسي للحكومة الانتقالية السورية)، وتبنٍ لرؤية أحادية دوغمائيةٍ منغلقة ترفض فتح المجال لمن يختلف معها (كما في تصريحات عائشة الدبس، رئيسة مكتب شؤون المرأة في الحكومة الانتقالية في سوريا)، أو تسويفٍ ومغمغة وغمغمة عند السؤال عن حقوق المرأة ومكانتها وحرياتها، والقول بثانوية هذه المسائل (كما في حديث أحمد الشرع نفسه، مع قناة بي بي سي البريطانية).
ثمة بديهياتٌ أو مسلماتٌ أخلاقيةٌ (كثيرةٌ) يبدو أن الإسلام الأصولي (والاتجاه النسوي) يختلف مع بعضها ويخالفها، أحيانًا. ومن بين هذه البديهيات أو المسلمات أن وضع المرأة في العالم العربي عمومًا استثنائي في سوئه، غالبًا، سواء تمت مقارنته بالعالم الغربي أو الشرقي، الشمالي أو الجنوبي. ومن دون تغيير مؤسساتي وجذري مدعوم من السلطات السياسية في الأوضاع القانونية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية والاخلاقية سيكون السعي إلى إنصاف المرأة أشبه جزئيًّا بمنايا زهير بن أبي سلمى. وإن تحرر المرأة من الوصاية والاستبداد الذكوري، ومساواتها المبدئية الأخلاقية الإنسانية الكاملة بالرجل أمرٌ ضروريٌّ وأساسيٌّ في تغيير الوضع المذكور وفي تحرر المجتمع عمومًا من كل أشكال الوصاية والاستبداد والتفاوت غير العادل. والعمل على إنجاز ذلك التحرر فرض عين على كل من استطاع إلى ذلك سبيلا. وليس ثمة علاقة بين تلك المساواة الأخلاقية الحقوقية المبدئية بين المرأة والرجل وأي مساواة أو تفاوتٍ بينهما، في السمات والقدرات الجسدية العضوية أو النفسية. فالمساواة المبدئية في المواطنة وحقوقها وواجباتها مؤسَّسةٌ على المساواة الأخلاقية الإنسانية ومؤسِّسةٌ لها، في الوقت نفسه.
المشكلة (الأساسية) في أفكار الإسلام السياسي الأصولي وقيمه ومواقفه، في خصوص النساء، لا تكمن في تبنيه لهذه الرؤية/ القيمة أو تلك، ولا في اتخاذه هذا الموقف أو ذاك من المسائل التي تخص المرأة عمومًا. فمن حيث المبدأ، من حق كل طرف تبني ما يشاء من الأفكار والقيم في هذه المسألة أو في غيرها من المسائل. تلك المشكلة تكمن وتظهر في محاولة هذا الطرف أو غيره من الأطراف أن يفرض رؤيته على الآخرين، أو الأخريات خصوصًا، ويجبرهن على تبني مضامينها وتنفيذه رغمًا عنهن. فمن حق المرأة أن تتحجب وتتنقب، لكن ليس من حقها ولا من حق متبني الحجاب والنقاب فرضه على الآخرين ومنع الاخريات من عدم التحجب. ومن حق المرأة أن تختار ان تكون ربة منزل وألا تعمل خارجه، لكن ليس من حقها ولا من حق من يرون أفضلية هذا الخيار، فرضه على الأخريات ومنع المرأة من الخروج من المنزل وتولي أي وظيفةٍ خارجه. ومن حق الشخص أن يعتقد بقدرة أو عدم قدرة المرأة على أن تقوم بهذا العمل او ذاك، لكن ليس من حقه ولا من حق غيره فرض هذه الرؤية على الأخريات والآخرين. فالمشكلة (الأساسية) ليست في مضمون الاعتقادات بحد ذاتها، إلا يقدر ما تكون تلك المضامين مفروضة قسرًا وقهرًا.
النسوية ليست اتجاهًا معاديًّا للرجال (بالضرورة)، ومن حيث المبدأ، ينبغي لها ألا تكون كذلك بالتأكيد. هذا ما ينبغي أن يفهمه الأصوليون المنتقصون من النساء، والمعادون للنسوية، من جهةٍ، وأنصار النسوية، من جهةٍ أخرى. والقضية النسوية ليست قضية نسائية، ولا يوجد امتياز حصري للنساء في هذا الخصوص. ومن حيث المبدأ، مسؤولية الرجل عن هذا الأمر مساوية لمسؤولية المرأة، وقد تكون أكبر بحكم موازين القوى الاجتماعية التاريخية. والعقلية أو الذهنية الذكورية ليست عقلية أو ذهنية حصرية بالرجال، بل هي عقلية اجتماعية قد تظهر عند الرجال والنساء، بنسب ودرجات متفاوتة ومختلفة تبعًا للسياق. والمرأة ليست نسويةً، بالضرورة، ولا أكثر ميلًا من الرجل، بالضرورة، لتبني قضية تحرر المرأة وإنصافها. والنسوية ليست اتجاهًا (يحقُّ له أن) يقرر ما الذي ينبغي للمرأة أن تعتقده أو تلبسه أو تفعله في علاقاتها مع ذاتها أو مع مجتمعها والآخرين، وإنما هي سعيٌ إلى أن تنال المرأة حريتها في اتخاذ القرارات التي ترى أنها مناسبة لها.
بسبب اختلاف الخبرات الاجتماعية والنفسية، قد يصعب على الرجل الإدراك الكامل أو “الكافي” لطبيعة معاناة النساء في مجتمعاتنا، ولهذا من المفيد، بل والضروري، الاستماع إلى أصوات النساء، والإنصات إليهن، والتعرف على وجهات نظرهن. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المرأة وحدها قادرة على التعبير (الأفضل والأنسب والأدق) عن وضعها. والشخص “الضحية” يستحق التعاطف دائمًا، بوصفه ضحية، لكن الضحية ليست ضحيةً فقط، وليست على حق دائمًا بالضرورة. ولا يعني هذا التعاطف الموافقة على كل ما يقوله الشخص “الضحية”، حتى حين يقوله بوصفه ضحية. فالتمييز بين الاتهام والإدانة أكثر من ضروري. والتوحيد بينهما أمر غير مناسب عمومًا ومن زاوية الأخلاق والعدالة ومصداقية القضايا النسوية خصوصًا. ولا يمكن، وينبغي عدم، الفصل بين السعي إلى العدالة الجندرية وإنصاف النساء من جهة، والسعي إلى العدالة في المجالات الأخرى، من جهة أخرى. وبعض عمليات الفصل ظالمة ومسيئة بأكثر من معنى. فالقيمة الأخلاقية الموجهة للفكر والفعل، في هذا الخصوص، يجب أن تكون العدالة عمومًا وليس إنصاف المرأة فقط تحديدًا.
المواضيع التي تتمحور حول الضحايا والعدالة والأخلاق بالغة الحساسية عمومًا، ويسهل، في مثل هذه السياقات، تجريم الخطأ في الرأي، وتحريم الاختلاف، والنظر إلى كل خطأ على أنه خطيئة أو ذنبٌ لا يغتفر. والوضع المثالي لحل الحوادث المتصلة بمثل هذه القضايا هو الحل القانوني، عندما يكون هناك نظام قانوني معقول ومناسب ومنصف من حيث المبدأ. لكن غياب هذا الإنصاف القانوني في الكثير من الأحيان، يجعل اللجوء إلى وسائل أخرى أمرًا مشروعًا وضروريًّا. من حق أي إنسان أن يطرح أي قضية شخصية أو غير شخصية في المجال العام، لكن هذا لا يعني أنه على حقٍّ في طرحه أو منصفٌ فيه وفي مضامينه، بالضرورة. ومن حق الآخرين أن يختلفوا معه في طرحه، حتى لو أقروا حقه المبدئي في القيام بهذا الطرح.
من الضروري مراعاة الحساسيات، في هذا السياق، لكن الحساسيات هنا ليست من لون واحد فقط. ولا تعمي مراعاة الحساسيات الخضوع لها وتقبلها أو حتى قبولها بالضرورة. وفي ظل كثرة الخطوط الحمر والحساسيات والتابوات، يصعب العثور على نقاشات صريحة وودية، صحية وبناءة، في هذه الخصوص، حيث يُقتصر غالبًا على شيطنة طرف وملأكة طرفٍ آخر. ومن دون مثل هذه النقاشات، ستظل قضية تحرر المرأة وإنصافها قضية أيديولوجية فقيرة وضعيفة معرفيًّا.
من الكوجيتو الديكارتي إلى الكوجيتو الريكوري المجروح والهوية المجروحة
ثمة اتفاقٌ كبيرٌ على أن الكوجيتو الديكارتي – “أنا أفكر، إذن أنا موجود”[4] – يمثِّل نقطة انطلاق الفلسفة الحديثة، لأنه يؤشِّر للحظة تأسُّس الفلسفة على الأنا أو الذات الإنسانية، وليس على كينونةٍ أو كائناتٍ ميتافيزيقيةٍ أو لاهوتيةٍ، غير إنسانية. وعلى الرغم من ديكارتية وتأسيسية هذا “الكوجيتو”، فقد ظهرت، لاحقًا، صيغٌ أخرى للكوجيتو، بوصفه اللحظة التأسيسية، أو الصخرة الأرخميديسية، للفلسفة: فنيتشه رأى أن الأنا مجرد ضمير نحوي لغوي تم تحويله خطأ إلى “أنا مفكر” أي “وعي” و”فكر”، في حين أن ذلك الوعي، والفكر المرتبط به، نتاج الجسم، أي نتاج العضوية البيولوجية[5]؛ وهوسرل شدد على ارتباط الكوجيتو بالخبرة المعيشة؛ وهايدغر قال بأولية وأولوية الكينونة على (ذات/ كوجيتو) الكائن[6]؛ وسارتر قال بالعدم الذي يسبق الأنا ويكون، دائمًا محايثًا لها[7]؛ وميرلوبونتي شدد على جسدية الكوجيتو وكون الجسد مكونًا له أو للأنا (أفكر) مثلما هو حال الفكر[8]؛ ودولوز قال بأولية او أولوية الاختلاف والفوضى والخلل والاضطراب، وليس المماثلة والنظام المستقر والأنا الواثقة من نفسها في الكوجيتو الديكارتي؛ وفوكو شدد على تاريخانية الكوجيتو أو الأنا وعلى أنها حصيلة ممارسات وخطابات ومؤسسات اجتماعيةٍ[9]؛ ولاكان استند إلى نيتشه وفرويد، وقال قولته الشهيرة: “أنا أفكر حيث لا أكون، لذلك أنا موجود حيث لا أفكر”[10]. وأنطونيو داماسيو قال بالكوجيتو البيولوجي “أنا أشعر/ أحس، إذن أنا موجود”[11].
في كتابيه “صراع التأويلات” وفي التفسير: محاولة في فرويد”[12]، أشار بول ريكور إلى ثلاثة فلاسفة كبار – ماركس، ونيتشه، وفرويد – بوصفهم شُرَّاحًا للإنسان الحديث، وأوضح أن كلًّا منهم قد وجَّه، بطريقته الخاصَّة، نقدًا شديدًا إلى الكوجيتو الديكارتي أو وَهْم الوعي المباشر للذات بذاتها؛ فأكَّدوا، جميعًا، ضرورة القيام بنقدٍ تدميريٍّ لأوهام الوعي وأكاذيبه. وهذا العمل الهدَّام ليس إلا وجهًا من وجوه مشروعهم الهادف إلى إعادة بناء الوعي، والمعنى، والحقيقة، من جديدٍ. وللوصول إلى هذه الحقيقة، وهذا الوعي بعد-النقديِّ، ابتكر كلُّ واحدٍ من هؤلاء الفلاسفة هيرمينوطيقاه الخاصَّة به، التي – بتدميرها أكاذيب الوعي وأوهامه – ترى أنَّ مهمَّتها الأساسيَّة تكمن في الكشف عن الحقيقة المحجوبة والكامنة، ورفع الحجاب عنها. وفي شرحه لهذه النقطة الأساسيَّة المشتركة بين من أسماهم ﺑ “معلِّمي الارتياب”، كتب ريكور: “الأساسيُّ هو أنَّ هؤلاء الثلاثة قد أوجدوا، بالوسائل المتوفِّرة، أي مع أحكام عصرهم المسبقة وضدها، علمًا وسيطًا للمعنى، لا يمكن ردُّه إلى الوعي المباشر للمعنى. وقد حاول ثلاثتهم، على دروبٍ مختلفةٍ، أن يجعلوا طرقهم “الشعوريَّة” في فك رموز المعنى موافقةً ﻠ العمل “اللاشعوريِّ” للترميز الذي كانوا يعزونه إلى إرادة الاقتدار، والكينونة الاجتماعيَّة، والحياة النفسيَّة اللاشعوريَّة. فلكلِّ حيلةٍ حيلةٌ ونصف”[13].
فما تنشده مدرسة الشبهة والارتياب، إذن، ليس تدمير الوعي، من حيث هو كذلك. على العكس من ذلك تمامًا. فتدمير الوعي المباشر الزائف وأكاذيبه وتشوُّهاته يهدف بالتحديد إلى توسيع الوعي. وباختصارٍ، تعتبر مدرسة الارتياب أنَّ الوعي (المباشر) بمجمله هو وعي زائفٌ ومشوَّهٌ؛ ومن هنا تأتي ضرورة الكشف عن هذا الزيف وهذه الأوهام، والعمل على تخليص الوعي وتحريره منها.
وفي كتابه الموسوم ﺑ “الذات عينها كآخر”، عارض ريكور، في الوقت نفسه، الكوجيتو الديكارتي ومعارضيه الذين ينكرونه أو ينفون وجود أي معنى له، بما أسماه “الكوجيتو المجروح”[14]. فعلى العكس من الكوجيتو الديكارتي الواثق من نفسه والقادر على الاتصال بذاته اتصالًا مباشرًا ويقينيًّا، رأى ريكور أنه ليس ثمة معرفة مباشرة أو حدسية للذات في علاقتها مع نفسها، وأنه لكي نستجيب للوصية المنقوشة في فناء معبد دلفي اليوناني، والتي استند إليها سقراط في فلسفته، فمن الواجب معرفة الآخر، ومعرفة الذات بوصفها آخر، وإدراك أن الذات لا تعرف ذاتها إلا من خلال علاقتها مع الآخر. وفي كل هذه الأحوال، تبقى معرفتنا لذواتنا جزئية ونسبية وتقريبية وغير يقينية أو حاسمة أو محسومة. وعلى العكس من المنكرين للذات، والقائلين بأنها مجرد تجريدٍ لا قيمة له، لا نظريًّا ولا عمليًّا، وبأنه لا وجود لمثل تلك الذات أو ذلك الكوجيتو، يؤكد ريكور أن الذات فعلٌ وليست جوهرًا، أي أنها تستطيع أن تثبت وجودها وقيمة هذا الوجود وفعاليته في العالم. فهي ليست مجرد موضوعٍ للأحداث والأفعال التي يمكن أن تتعرض لها، بل هي ذاتٌ فاعلةٌ وقادرةٌ على تحمل مسؤولية أفعالها، وينبغي لها القيام بذلك في كل الأحوال.
ولفهم الكوجيتو (الريكوري) المجروح أو الهش، ينبغي الإشارة إلى أن ريكور يبيِّن أن نرجسية البشر قد تعرضت لثلاثة أشكالٍ للإذلال أو الإهانة التي تعرَّضت، من قِبَل العلم: الإذلال الكونيِّ، والإذلال العضويِّ أو البيولوجيِّ، والإذلال النفسيِّ أو السيكولوجيِّ. فبعد كوبرنيكوس، لم تعد الأرض، أو بالأحرى، لم يعد الإنسان مركزًا للكون وسيِّد العالم. ومع داروين، تعرَّضت سيادة الإنسان وسُمُوُّه، بالنسبة إلى الكائنات الأخرى، إلى هزَّةٍ عنيفةٍ، بحيث تمَّ، بشكلٍ كاملٍ تقريبًا، ردم الهوة المزعومة التي تفصل بين طبيعته وطبيعة الكائنات الحيَّة الأخرى. ويتمثَّل الإذلال الثالث للإنسان – والذي قام به التحليل النفسيُّ الفرويديُّ – في أنَّه، مع زحزحة الوعي أو الأنا عن مركز إنتاج المعنى، لم تعد هذه الأنا تقوم بدور السيِّد حتَّى في “عقر دارها”. “فالإنسان الذي عرِف سابقًا أنَّه ليس سيِّد الكون، ولا سيِّد الأحياء، اكتشف أنَّه ليس سيِّدًا حتَّى على نفسه”[15].
وقد أكَّد ريكور أنَّه يجب على الفلسفة (التفكُّريَّة)، أي الفلسفة التي تتأمل الذات/ ذاتها عمومًا، أن تأخذ، في الحسبان، وعلى عاتقها، في خطابها الخاصِّ، هذا الإذلال الثلاثيَّ الذي تعرض له الإنسان بشكلٍ عامٍّ، والجرح الذي تعرض له اعتزازه بنفسه، بسبب التحليل النفسيِّ، بشكلٍ خاصٍّ. “وما ينبثق عن هذه القراءة هو كوجيتو جريحٌ؛ كوجيتو يطرح نفسه، لكن لا يمتلك نفسه؛ كوجيتو لا يفهم حقيقته الأصليَّة إلا في، وبواسطة الاعتراف بعدم الملاءمة، والوهم، وكذب الوعي الراهن”. [16] ولهذا، كان من الضروريِّ أنْ يصبح التخليَّ عن الوعي المباشر خطوةً أولى في الطريق نحو استعادة الأنا. فبدلًا من البداهة المزعومة في الكوجيتو الديكارتي، يصبح السؤال الأساسي متعلِّقًا بصيرورة هذا الوعي أو السعي نحو حيازته. وعلى هذا الأساس، يمكن اعتبار هجران الوعي المباشر، في التحليل النفسيِّ، بمثابة الوجه الآخر من عملية استعادته، عن طريق تأويل المثولات التمثيليَّة للدافع. ففي هذه المثولات، يظهر التوافق والتطابق، بطريقةٍ قويَّةٍ وجليَّةٍ، بين مسألتي أو بعدي القوَّة والمعنى. لكنَّ تأكيد هذا التوافق، وضرورة التخلي عن الوعي أو الشعور المباشر. لكن ذلك التخلي عن الوعي المباشر – الذي لم نعد نستطيع عدُّه معطىً جاهزًا – ليس إلا خطوةً أو مرحلةً في عملية استعادة هذا الوعي بواسطة الفعل في العالم وفعل التأويل والسرد. فتأسيس أو إعادة تأسيس الوعي أصبح، من الآن فصاعدًا، هدفًا منشودًا، ومثلًا أعلى، ينبغي السعي إلى الاقتراب منه قدر المستطاع.
يتقاطع الحديث عن الكوجيتو المجروح، في السياق المعاصر، مع الحديث عن الهويات المجروحة، وهي الهويات المؤسسة على مظلومياتٍ تاريخيةٍ، والتي تقوم على التغاير والتضاد والتنابذ مع الآخر الظالم. وهذا هو حال الهويات والمظلوميات الطائفية والإثنية والجنسية النسوية والمناطقية … إلخ. لكن، على العكس من الكوجيتو الريكوري المجروح، يبدو أن بعض الأطراف التي ترى، بحقٍّ أو من دون حقٍّ، انها تنتمي إلى تلك الهويات، أو تمثلها وتجسدها وتعبِّر عنها، تصر على أنها مجرد مفعولٍ به، وليست فاعلًا، وليست مسؤولةً، جزئيًّا على الأقل، عن ذلك الفعل. فالظالم أو الآخر هو فقط الفاعل والمسؤول، والأنا مجرد ضحيةٍ، وموضوعٍ للظلم الذي ينبغي أن يتوقف الآخر عن ممارسته. وبدلًا من أن تكون هناك إمكانية وضرورة لأن يكون الآخر مؤسِّسًا إيجابيًّا للذات وهويتها، كما هو الحال في الكوجيتو الريكوري المجروح، تصبح تلك الهويات المجروحة المؤسَّسة على المظلوميات، والمؤسِّسة لها، هويات فرقةٍ وتناحرٍ بين طرفين يُنظر إلى أحدهما على أنه خيِّرٌ لأنه مظلومٌ أو مظلومٌ لأنه خيرٌ، وإلى الآخر على أنه شريرٌ لأنه ظالمٌ أو ظالمٌ لأنه شريرٌ. ولأسبابٍ كثيرةٍ، أصبحت مثل هذه المظلومية تجارة مربحة، وتبارت الأطراف المختلفة في اللعب والتلاعب بها، لتحقيق أكبر قدرٍ ممكنٍ من الأرباح – المتمثل في الحصول على التعاطف و”التمييز الإيجابي” لصالحها – وإلحاق أكبر قدرٍ ممكنٍ من الخسائر، المادية و/ أو بالآخر، الظالم.
وينبغي الحذر من تحول أو تحويل الهويات المجروحة إلى “هويات معذورة”، كما يسميها حازم صاغية، بحيث تعتقد، مع آخرين، أنها محقة في كل ما تفعله، وغير مسؤولة عما تفعله أو يفعله “الآخرون” (بها)، لمجرد أنها مجروحةٌ، ,بحيث يتم، انطلاقًا من هذا الجرح، الفعلي أو المزعوم، تبرير أو تسويغ كل أفعال أصحاب تلك الهويات وأقوالهم وإعطاؤهم العذر لتبني خطابٍ تمييزيٍّ مماثل للخطاب التمييزي السلبي الذي (كان) يمارس عليهم. وعلى العكس من فردية الكوجيتو، يفضي الحديث عن الهوية المجروحة في المجال السياسي إلى إعطاء الأولوية للجماعة على الفرد وللماضي على المستقبل، وللنسب على الانتساب، وللقدر على المصير. ويمكن لذلك ان يفضي إلى لا إلى تعزيز نفي مسؤولية الفرد، كل فردٍ، فحسب، بل إلى نفي الفردية برمتها، والنظر إلى الأفراد على أنهم مجرد أعضاء في هويةٍ جماعيةٍ أو جماعاتيةٍ. وثمة اختلافً أساسيٌّ آخر بين الهوية المجروحة والكوجيتو (الريكوري) المجروح، فالأولى حصيلة ماضٍ ليست مسؤولةً عنه، ومرتبطةٌ به ارتباطًا لا يمكن فصمه؛ في حين أن الكوجيتو المجروح منفتحٌ على مستقبلٍ يصنعه، أو يسهم في صنعه، بأفعالٍ غائيةٍ حصيفةٍ يتحمل مسؤوليتها، في الماضي والمستقبل والحاضر، ويشكل منها سيرةً لذات فاعلةٍ، رغم أنها منفعلةٌ بأفعال آخرين وأوضاعٍ قدريةٍ، وخاضعةٌ، جزئيًّا، لها.
فإلى أي حدٍّ يمكن نقد أو انتقاد (بعض) تنظيرات الهويات المجروحة وممارساتها، في خصوص (عدم) إقرارها بالمسؤولية الفردية للجماعات أو المجموعات التي تحيل عليها، وللأفراد المنسوبين أو المنتسبين إلى تلك الجماعات أو المجموعات؟
في (إنكار) مسؤولية الذات المجروحة أو المهزومة
الاختلاف الأكثر أهمية، بين (مفهومي) الكوجيتو المجروح والهوية المجروحة، يتمثل في علاقة كل مفهوم مع مفهوم المسؤولية. فعلى الرغم من أن الكوجيتو المجروح يقر، مع الهوية المجروحة، أنه حصيلة أوضاعٍ وأحداثٍ وأفعالٍ وصيرورةٍ لا يستطيع السيطرة عليها (سيطرةً كاملةً)، فإنه، على العكس من الهوية المجروحة، لا ينكر أنه مسؤول عن أوضاعه وأفعاله ولا ينكر فاعليته الذاتية بسبب او بحجة التأثيرات الخارجية او الظروف الموضوعية، بل يؤكد، بالقول والفعل، ونظريًّا وعمليًّا، أنه ذاتٌ قادرةٌ على أن تضع لنفسها أهدافًا تعبِّر عنها، وتتطلع إليها، وتتحمل المسؤولية عن أوضاعها وأفعالها ونتائج تلك الأفعال. فحياة ذات الكوجيتو المجروح مصيرٌ تسهم الذات في صنعه، وليست مجرد قدرٍ تفرضه الأوضاع الموضوعية الخارجة عن سيطرة الذات، والمضادة لها أو لذاتيتها. وينجم عن هذا الاختلاف بين الكوجيتو المجروح والهوية المجروحة، أو يرتبط به، اختلافٌ آخر قد لا يقل أهميةً عنه، في هذا السياق، ويتعلق بالعلاقة مع الآخر. ففي حين أن الكوجيتو المجروح يرى الآخر بوصفه جزءًا من الذات، وجسرًا ضروريًّا للعبور إليها، وإقامة علاقةٍ (إيجابيةٍ وصحيةٍ) معها، تختزل الهوية المجروحة الآخر في كونه عدوًّا، بل العدو، لكونه ظالمًا، بل الظالم؛ وتحمِّل ذلك الآخر كامل المسؤولية عن الجرح المصابة به ذات تلك الهوية المكلومة.
سأعطي مثالين على حالة إنكار المسؤولية لدى بعض “ممثلي الهويات أو الذوات المجروحة”: أحدهما من المجال (الثقافي) النسوي، والآخر من المجال (الثقافي) السياسي.
منذ فترةٍ قريبةٍ، سمعت مدير أحد المنتديات يشير، بأسفٍ ومرارةٍ، إلى قلة العناصر النسائية في المنتدى الذي يديره؛ وسارع إلى التشديد إلى أنه لا يقصد من وراء ذلك تحميل النساء مسؤولية ضعف مشاركتهن في نشاطات المنتدى، بل إنه يقر بمسؤوليته ومسؤولية بقية القائمين على المنتدى عن الضعف المذكور. وقد أثنت مديرة منتدى آخر على رأي المدير المذكور، وأبدت اتفاقها مع إشارته وإقراره. في المقابل، أشارت المديرة المذكورة إلى ضعف مشاركة الرجال في المنتدى النسوي الذي تديره، وحمَّلت الرجال المسؤولية الكاملة عن الضعف المذكور، وحثت الرجال على المشاركة في نشاطات المنتدى المذكور أو غيره من المنتديات والنشاطات النسوية.
بعد سماعي لرأي الشخصين المذكورين، شعرت بأسىً كبيرٍ ودهشةٍ أكبر، وبالكثير من الإثارة الفكرية والنفسية. بدا لي أنه من الشهامة الفكرية والنفسية إعلان مدير المنتدى عن تحمله وزملائه المسؤولية الكاملة عن ضعف مشاركة النساء في نشاطات منتداهم، على الرغم من أنه من المؤكد والواضح والمعروف، نظريًّا، من حيث المبدأ، وعمليًّا، من حيث الممارسة والتطبيق، أنهم لا يتحملون كامل المسؤولية، ولا يستطيعون، “أصلًا”، أن يكونوا المسؤولين الوحيدين عن هذا الأمر. لكن يمكن فهم هذا الإعلان عن تحمل المسؤولية على أنه شكلٌ من اللباقة الاجتماعية وسماحة النفس الأخلاقية والاستعداد النفسي والفكري لتحمل المسؤولية على الرغم من “كل شيءٍ”.
عادةً، يميل الناس إلى التقليل من مسؤولية الشخص الذي يبالغ أو يفرط في تحميل نفسه المسؤولية. فقد جرت العادة التفاعل بلطف مع من يبادر إلى التفاعل بلطف معنا. فإذا قال شخصٌ لنا “اشتقت إليكم”، يميل أغلبنا إلى الرد بالقول “ونحن بالأكثر”. لكن ما حصل في المثال المذكور يشبه أن يقول شخص لآخر “أنا أحبك”، ليرد الشخص الآخر بالقول “وأنا أيضًا”، لا ليعني أنه يبادل الشخص الآخر المشاعر ذاتها، وإنما ليقول إنه يحب نفسه أيضًا! فلم تتردد مديرة المنتدى المذكورة في تبرئة نفسها وبنات جنسها من المسؤولية المذكورة، وتحميل تلك المسؤولية كاملةً للآخر المتمثل في الذكورة أو الرجل/ الذكر. وقد لا يكون ذلك غريبًا (جدًّا)، إذا تذكرنا أن بعض الصيغ النسوية تخلط بين الرجال والذكور، بين النسائي والنسوي، بين الجنسي العضوي والجندري الاجتماعي، بحيث إنها لا تعير اهتمامًا إلى فرادة الأفراد المنتمين إلى النوع (الاجتماعي) ذاته. وتبدو هذه الاتجاهات النسوية ممثلةً نموذجيةً للهوية المجروحة المتمايزة قطبيًّا أو مثنويًّا عن الكوجيتو المجروح. فوفقًا لتلك الاتجاهات، النساء مظلومات وضحايا ويتمتعن بسماتٍ معينةٍ وينبغي أن يتمتعن بحقوقٍ وامتيازاتٍ معينةٍ، لمجرد كونهن نساء. والأهم من ذلك كله، في ذلك السياق، أن الآخر مدان، حتى لو ثبتت براءته. فهو مدانٌ لانه آخر، ولأنه آخر فهو الظالم الجارح. وكل امرأة هي ضحية لهذا الآخر، وليست مسؤولةً مطلقًا عن الظلم الواقع عليها. فهي نتاج بنيةٍ ومجتمعٍ ذكوريٍّ وأوضاعٍ موضوعيةٍ لا فاعلية لذاتها مطلقًا فيها.
على الرغم من لا معقولية المنطق الذي تتبناه الهويات المجروحة، فإن النظر إليها على أنها ذوات معذورة لا حول ولا قوة لها إلا على القيام برد فعل منفعلٍ بفعلٍ أصليٍّ هو المسؤول الأول والأوحد عن “كل شيءٍ (سلبيٍّ)”، أمرٌ شائعٌ في سياقاتٍ كثيرةٍ ومنها السياق النسوي العربي. ولا يدرك الشخص المتبني لهذا الاتجاه، في معظم الأحيان، أنه بالنفي الكامل لمسؤوليته، إنما ينفي فاعلية ذاته أو وجود ذاته (الفاعلة). ففي مثل ذلك المنطق، تكون الذات المذكورة مجرد موضوعٍ تمارس ذات الآخر الظالم فاعليتها عليه. وفي ظل هذا المنطق الأيديولوجي المانوي أو المثنوي، تتحدد ذات كل طرفٍ من خلال تراتبٍ معياريٍّ يقصي فيها كل طرفٍ الطرف الآخر. فالمرأة تتحدد بوصفها ليست رجلًا، والرجل يتحدد بوصفه ليس امرأةً، والمرأة أعلى مكانةً، لمجرد أنها ليست رجلًا، ولأن الرجل أدنى مكانةٍ لمجرد أنه ليس امرأةً. وكل منهما كذلك، لأن المرأة ضحية ومظلومة لمجرد كونها امرأة، والرجل مذنب وظالمٌ لمجرد كونه رجلًا.
فإلى أي حدٍّ ثمة معنى من الحديث عن مثل هذه الذات أو الذوات العربية الجريحة والمهزومة في الواقع العربي الراهن؟ وما الإجابة المناسبة والممكنة عن سؤال “من نحن؟”، أو سؤال “من أنتم؟”، في سياق الحديث عن تلك الذات أو الذوات؟ وإلى أي حدٍّ يمكن الحديث عن المسؤولية الذاتية، وعن الذات المسؤولة، الفردية والجمعية، في وعن الواقع العربي الراهن؟
في نقد الهويات المجروحة
معروفٌ الاتصال الوثيق بين الفلسفة والتفكير النظري، ولعل الربط بين الفلسفة والمفاهيم هو أحد تجسيدات ذلك الاتصال. وربما كان تعريف جيل دولوز للفلسفة بأنها “فن تكوين وإبداع وصنع للمفاهيم”[17] أحد أكثر التعريفات السائدة عن الفلسفة، في الوقت الراهن. وإلى عهدٍ قريبٍ، وقبل الهيمنة المتزايدة للفلسفة التحليلية الأنجلوسكسونية، كان التفكير الفلسفي ينأى بنفسه، قدر المستطاع، عن تقديم نفسه عن طريق الأمثلة العينية والجزئية. وقد تعرض الفيلسوف برغسون للانتقاد أحيانًا، بدعوى أنه يستخدم (كثيرًا) الأمثلة (العينية من الواقع) في توضيح أفكاره والتدليل عليها. فالأمثلة قاصرة عن التعبير الدقيق عن الأفكار، ليس لأنها فقيرة المضامين، ولا تتضمن ما يراد التعبير عنه، على العكس من ذلك تمامًا، بل لأنها مفرطة الغنى، وتتضمن أكثر بكثير مما يراد تقديمه. وبسبب ذلك الغنى، يختلط حابل الفكرة المراد مناقشتها بنوابل أفكارٍ وتفاصيل كثيرةٍ ليست موضع اهتمامٍ ومناقشةٍ في سياقٍ ما. وسبق لهيغل أن بيَّن، بوضوحٍ، أن المفهوم (النظري) المجرَّد – مثل مفاهيم الإنسان، والشجرة، والحياة – أفقر بكثير من ما صدقاته، أي ممن أو مما يحيل عليه.
النقد الأساسي الموجَّه للهوية المجروحة، في هذا السياق، هو اختزالها لذاتها، في أحيانٍ كثيرةٍ، في فكرة الضحية، فتنكر مسؤوليتها، وتعجز عن إدراك كل أبعاد ذلك الإنكار، الذي يتضمن، بدوره إنكارًا للذاتية الفاعلة أو الفاعلية الذاتية لتلك الهوية. وقد يكون الإنكار الأخير أسوأ من كل ما تزعم أو تعتقد بعض الهويات المجروحة أنها تعاني منه وتناضل من أجل التخلص منه.
وبالتأكيد، ليس متوقعًا أن تتقبل أو حتى تقبل الهويات المجروحة مثل هذا النقد/ الانتقاد أو غيره، بل إن حصول ذلك التقبل أو القبول يمكن أن يمس مصداقية الأطروحة القائلة إن الهوية المجروحة عديمة أو عادمة للمسؤولية الذاتية، دائمًا وبالضرورة، و/ أو أن يبيِّن أن الهوية المجروحة يمكن أن تكون أو أن تصبح أقرب إلى الكوجيتو المجروح، ولا تتصرف، في بعض الأحيان أو دائمًا، بوصفها هويةً مجروحةً. وعلى هذا الأساس، فإن الاعتراض على مضمون النقد/ الانتقاد المذكور يمكن أن يكون قرينةً إضافيةً على الهوية المجروحة للمعترض ورفصه (شبه) المطلق، بوصفه كذلك، لأن يكون ذاتًا مسؤولةً تقر أو تعترف، عمليًّا ونظريًّا، بمسؤوليتها، ومن ثم بذاتيتها، أو تتبنى، هذه الذاتية وتلك المسؤولية. وانطلاقًا من ذلك، ومن حيث المبدأ، قد لا يكون ضروريًّا أخذ مثل ذلك الاعتراض في الحسبان، لأن وجوده يثبت، على الأرجح، صحة أو أحقية ما يعترض عليه أو يعارضه، بوصفه خطأ أو خطيئةً.
يحيل الحديث عن الهويات المجروحة على بنيةٍ أو منظومةٍ أكثر مما يحيل على وعيٍ واعٍ ومريدٍ وقاصدٍ. وفي كل الأحوال، الهويات هنا ليست كالأعمال، ومن ثم، لا علاقة لها أو للحكم عليها بالنيَّات. والقول “إن هذه الهوية المجروحة أو تلك لم تكن تنكر مسؤوليتها، ومن ثم ذاتيتها”، ليس مهمًّا كثيرًا، فالعبرة هنا بالأفعال المتحققة، وليس بالنوايا والمشاعر المضمرة. ويمكن لأفعالنا أن تعبر عنا، حتى عندما نظن أو يُظن أننا لا نقصد ذلك التعبير. ويمكن تجريد معنى نظري ما من سياق عملي ما، بغض النظر عن مقاصد الفاعلين ونياتهم. فالأمر لا يتعلق بمحاكمةٍ أخلاقيةٍ أو دينيةٍ أو قانونيةٍ، وإنما برؤيةٍ معرفيةٍ تتجاوز النوايا والمقاصد الشعورية، وتحفر وتقرأ في البنية والمنظومة الفعلية للذوات/ الهويات وما يحيط بها.
وفي عصرٍ سمي، بحقٍّ أو من دونه، “عصر الهويات (المجروحة)”، وفي إطار سياسة الهويات المنتشرة، انتشارًا سرطانيًّا أحيانًا، من الشائع الاعتراض على أي نقدٍ (خارجيٍّ) لأي هويةٍ (مجروحةٍ). والاعتراض المبدئي يتمثل في القول إن الهوية المنتقدة تعبِّر عن ثقافةٍ أو جماعةٍ ما، وينبغي احترام تلك الثقافة أو الجماعة، وعدم إطلاق الأحكام السلبية بحقها. وأنه لدى الهوية المجروحة ما يكفيها من المعاناة، وان ما تحتاجه هو التضامن معها، وليس انتقادها أو حتى مجرد نقدها. وربما كان ضروريًّا في هذا السياق، التشديد، مع إدوارد سعيد، على مبدأين أساسيين، في هذا الخصوص. يشدد المبدأ الأول على أنه “لا تضامن من دون نقد”[18]. وينتقد المبدأ الثاني ما يسميه إدوارد سعيد ﺑ “رطانة اللوم”[19]. فمن ناحيةٍ أولى، النقد ضروريٌّ حتى، أو خصوصًا، في حالة التضامن، بل يمكن للنقد ذاته أن يكون شكلًا من أشكال التضامن، بقدر ما يكون موضوعيًّا ومتوازنًا ومصيبًا ومنيرًا. ومن ناحيةٍ ثانيةٍ، ليس مناسبًا التنصل الكامل من المسؤولية والاقتصار على إلقاء اللوم على الآخرين. ويمكن لرطانة اللوم، المقترنة بالمطالبة بالتضامن من دون نقد، أن تكون أسوأ من عقود الإذعان، وهي، في كل الأحوال، مضادة للنزاهة المعرفية، والاستقامة الأخلاقية، والفائدة أو النجاعة البراغماتية أو العملية.
إضافةً إلى الاعتراض المبدئي المذكور، ثمة اعتراضٌ آخر، أقل مبدئيةً، لكنه ليس أقل شيوعًا في ذلك السياق، ويتمثل في إنكار حق أي طرفٍ خارجيٍّ في نقد هويةٍ (مجروحةٍ) ما. ووفقًا لذلك الاعتراض، ينبغي أو يحق للمرأة أو للنسوية فقط أن تنقد أو تنتقد النساء أو النسويات. وكذلك الأمر في خصوص كل الهويات المجروحة. ما لا (يريد أن) ينتبه إليه متبنو ذلك الاعتراض أنه ثمة استحالة، غالبًا على الأقل، في وجود نقدٍ داخليٍّ للهويات المجروحة، وأن ممارسة الهوية المجروحة المنتظمة للنقد الذاتي المتوازن تعني أنها ليست مجروحةً أصلًا، بالمعنى الموصوف والمذكور لتلك الهوية. فالنطاق الداخلي للهوية (المجروحة) متغيِّر ومائع بطريقةٍ تسمح باستبعاد كل نقد وإقصائه إلى خارجٍ ما. فإذا نقد رجلٌ نساءً أو نسوياتٍ ممثلات لهويةٍ مجروحةٍ، يمكن أن يقال له “ليس مناسبًا او معقولًا قيامك بالنقد لأنك لست امرأة ولا نسويةً”. فإذا قدمت امرأةً مثل ذلك النقد، قيل لها “أنت مختلفة ولا تنتمين إلى الطرف المنقود، لأنك بيضاء أو غنية أو تحظين بامتيازاتٍ ما … إلخ”. وفي كل الأحوال يبدو أن اللقاء بين النقد الداخلي والهوية المجروحة أشبه باللقاء بين الإنسان وموته الشخصي. فكما قال أبيقور، عندما يوجد الموت لا يوجد الإنسان، وعندما يوجد الإنسان لا يوجد الموت، ومن المستحيل وجود الطرفين معًا وفي الوقت نفسه. وفي كل الأحوال، من المفيد تذكر الحكمة المنسوبة إلى علي بن أبي طالب “لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال” والتذكير بها في هذا السياق، لمواجهة سياسات الهوية التي تعطي حقوق قولٍ متمايزةٍ، بناءً على هوية القائل، وتفرط في التركيز على هوية القائل في تحديد مشروعية قوله ومعقوليته أو مقبوليته، وفهم معناه ودلالاته. فالحكمة “ضالة المؤمن (وغير المؤمن)”، أو ينبغي أن تكون كذلك، في كل الأحوال.
في مفارقات الذوات العربية “المجروحة”
تبدو الذات، بل الذوات، السائدة والمهيمنة في المجال السياسي العربي/ الفلسطيني، مجروحة بأكثر من معنى. فهي مجروحةٌ، لأنّها ترى أنّها ضحية لقوى (أجنبيةٍ) تعتدي عليها وتدعم أعداءها، وتسلب مقدراتها وتفرض سلطانها عليها، فرضًا مباشرًا أو غير مباشرٍ، وتتحكّم، سلبًا، في حاضرها ومستقبلها. وهي مجروحةٌ، لأنّها (ترى أنّها) ضحيةٌ، وتعاني ممّا يحصل لها من قبل الآخرين، الأغراب وذوي القربى. ويبدو ذلك واضحًا في الحالة الفلسطينية، بعد هجوم السابع من أكتوبر، خصوصًا. فالجرائم التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني بعد ذلك الهجوم كثيرةٌ وكبيرةٌ وفظيعةٌ، كمًّا وكيفًا، لدرجة بات معقولًا ومسوّغًا وصفها بجرائم الحرب وجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الإبادة، لا من وجهة نظرٍ فلسطينيةٍ أو عربيةٍ أو إسلاميةٍ فحسب، بل من وجهة، بل وجهات نظرٍ قانونيةٍ دوليةٍ مؤسساتيةٍ محايدةٍ وموضوعيةٍ، أيضًا.
ويتقاطع الحديث عن كون الذات العربية (المجروحة) ضحيةً مع حديثٍ عن انتصار هذه الذات على أعدائها، ويعبّر ذلك عن إحدى المفارقات المرتبطة بالذات العربية السياسية المعاصرة.
فالمفارقة الأولى تتمثّل بأنّه على الرغم من الحجم الهائل للخسائر، البشرية والمادية، في البشر والحجر، التي يتعرّض لها الفلسطينيون عمومًا، والغزاويون خصوصًا، منذ الهجوم المذكور، ما زال بعض أصحاب الذات المجروحة يتحدثون عن انتصار هؤلاء الفلسطينيين/ الغزاويين، وهزيمة من يجتاحون أراضيهم ويعيثون فيها وفيهم قتلًا وتدميرًا. ولفهم هذه المفارقة ينبغي التدقيق في معاني الانتصار والهزيمة، ونسبتها. فالانتصار، في مثل هذه السياقات، قد يكون مليئًا بالهزائم، والهزيمة قد تكون مفعمة بالانتصارات.
وينتج من المفارقة الأولى، ويرتبط بها، مفارقة ثانية لا تقلّ إيلامًا، وتتعلّق بمسألة (انعدام) المسؤولية. فالحديث عن الانتصار يتضمّن الإشارة إلى أنّ الذات الفلسطينية العربية/ الإسلامية مسؤولة عن تحقيق ذلك الإنجاز. في المقابل، تبدو تلك الذات ومسؤوليتها منعدمة ومعدومة، حين الحديث عن الهزائم والجرائم والمجازر التي يتعرّض لها الفلسطينيون/ الغزاويون. فحينها، تبدو الذات الفلسطينية العربية/ الإسلامية مجرّد ضحية، لا حول ولا دور لها ولا فاعلية ولا مسؤولية. وهكذا تحتكر الذات الحضور في سياق الحديث عن الانتصار، ويتم تغييبها، من خلال إعدام مسؤوليتها عن طريق اختزالها في مجرّد موضوعٍ، في سياق الحديث عن الهزائم والجرائم التي تتعرّض لها تلك الذات.
وتتصل المفارقة الثالثة بماهية الذات التي تتحدّث عنها المفارقة الثانية. فعند الحديث عن انتصار الذات الفلسطينية العربية/ الإسلامية، يبدو أنّ ذلك الحديث يخصّ بعض أفراد النخبة من أصحاب التنظيمات والإيديولوجيات، ولا يشمل الأغلبية الساحقة والمسحوقة التي تتعرّض لعملياتٍ ممنهجةٍ من التقتيل والتدمير والتهجير والتعذيب والتجويع، إلخ. في المقابل، ليس واضحًا الكيان السياسي الذي تحيل عليه الذات المذكورة. فمن هي اﻟ “نحن” السياسية التي يجري الحديث عنها في هذا الإطار. فهي تحيل على الفلسطينيين، بوصفهم فلسطينيين، و/ أو بوصفهم عربًا، و/ أو بوصفهم مسلمين، و/ أو بوصفهم إنسانيين. ففي خصوص البعد العربي أو العروبي، التناقض قائم بين الأمّة (المتخيلة) والدولة (القائمة). ويبدو أنّه ليس واضحًا، حتى لدى (بعض) المتبنين لهذا التوجّه السياسي ما المناسب الذي يمكن أن تتخذه كلّ “دولة عربية” على حدةٍ، في هذا الخصوص. ويبدو هذا البعد وهمًا وواهمًا، بقدر ما يقتصر على الإحالة على كائناتٍ خلبيةٍ لا وجود لها بالمعنى السياسي المؤسساتي والدولتي. وينطبق المنطق ذاته على البعد الإسلامي.
وثمّة مفارقة رابعةٌ محايثةٌ للمفارقة الثالثة وتتمثل بالخلطة الهجينة التي تتبناها بعض أطراف الذات العربية المجروحة. فثمة تنافر بل تناقض أحيانًا بين عناصر تلك الخلطة. فالبعد العربي يبدو متناقضًا مع البعد الإسلامي، في صيغته وصبغته الإيرانية أو الفارسية على الأقل. وكذلك هو حال العلاقة بين الأبعاد اليسارية والليبرالية والدينية. وليس واضحًا كيف أمكن لحزب موالٍ لإيران لدرجة إمكانية القول إنّه إيراني بقدر كونه لبنانيًّا/ عربيًّا، وربّما أكثر، أن يحظى بدعم أو مساندة قوى وأطراف عروبية وليبرالية ويسارية، عربيةٍ وأجنبيةٍ. ويبدو أنّ العداوة لعدوٍّ واحدٍ أو مشتركٍ هو الصمغ الجامع بين القوى المذكورة. لكن التباين بين هذه الأطراف يجعلها أضعف من أن تشكل وحدةً فاعلةً، في المجال السياسي أو الثقافي، فضلًا عن المجال العسكري. وبالتأكيد، ليس البعد الوطني السياسي الخاص، ولا الإنساني الأخلاقي العام، هو الجامع بين الأطراف المذكورة، بل يمكن القول إنّ التحالف الهشّ والصوري بين الأطراف المذكورة، يحصل على حساب البعدين الوطني والإنساني، ويتأسّس بالتضاد أو التناقض معهما. ﻓ “السكاكين تملأ مطابخ مدن الأطراف المذكورة”. وللحصول على حق تقرير المصير، تحتاج الذوات العربية المجروحة إلى التحرّر من (معظم) القوى التي تزعم، بحقٍّ أو من دونه، أنّها تسعى لتحريرها.
خاتمة
تتمثَّل المعضلة التي تواجهها الذوات العربية المجروحة في أنّها، من ناحيةٍ أولى، لا تملك رفاهية تأجيل التحرّر والتخلص من القوى المحلية المستبدة الحاكمة. في المقابل، تبدو تلك الذوات أضعف من أن تستطيع خوض المعركة المزدوجة مع طرفي العدوان/ الاحتلال الخارجي والاستبداد أو الطغيان المحلي، في الوقت نفسه. ولهذا يبدو أنّ مصير تلك الذوات متعلّق، جزئيًّا، على الأقل، بعوامل خارجية أكثر من تعلقه بإراداتها وأفعالها وبالعوامل الداخلية عمومًا. لكن البعد القدري لا يلغي أنّ المسألة تتعلّق بمصيرٍ تقرّره تلك الذوات أو تسهم في تشكيلة، لدرجةٍ أو لأخرى. ويمكن للدمار الحاصل أن يؤسّس لبناء مستقبليٍّ ما. فالتغيير صديق مبدئيٌّ للذوات المجروحة والمقموعة، لا سيما عندما تكون أوضاعها قد بلغت أسوأ درجاتها. ويبقى الأمل قائمًا، على الرغم من أنه يتأسّس على المجهول الذي لا نعرفه، والخارج عن قدرة الفاعلين السياسيين على السيطرة والتحكّم به، وليس على المعلوم أو المعروف بوضوحٍ. ومع ذلك، ينبغي للذوات العربية الاستعداد للتعامل مع المستجدات التي يتضمنها ذلك المجهول، والعمل على الإسهام في صياغة المعلوم الذي سيتحول إليه ذلك المجهول.