نقد نظرية السلطة في الإسلام السياسي؛ سورية مثالًا

مدخل

تشكل حالة الاستعلاء الديني التي يمثلها تيار الإسلام السياسي بمدارسه المختلفة والمتخالفة في الحالة السورية بخاصة، وشرقنا البائس عامةً، عقبة كأداء في مخاض ولادة دولة المستقبل الحديثة بعد صراع طويل مع الأنظمة الحاكمة عمومًا، وفي العشرية السوداء من الربيع العربي خصوصًا. فالدولة الحديثة هي دولة المواطنة بمعناها العميق القائمة على ثلاثية إنسانية مقدسة؛ تتمثل بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لأبناء الوطن كلهم من دون تمييز ديني أو طائفي أو عرقي أو “جندري”، وعندما نقدم نقدنا لنظرية السلطة والحُكم عند الإسلام السياسي، فنحن ندعوهم إلى مراجعات جادة لإعادة صياغة نظرية السلطة عندهم وفق الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة، ومبادئ المواطنة التي تحقق الاستقرار ثم التنمية لسورية المستقبل.

أولًا: مشكلة البحث وأهميته

يعمل البحث على تذليل تلك العقبة لإنجاز المشروع الوطني وتحقيق دولة المواطنة، من خلال تسليط الضوء على نظرية السلطة في الإسلام السياسي من حيث نشأتها المعاصرة بعد سقوط الخلافة العثمانية؛ إذ إن نظرية السلطة لدى الإسلام السياسي تمثل العقبة الأكثر وعورة أمام إنجاز الدولة الوطنية على مبدأ المواطنة، وتشوبها في الوقت نفسه نقاط ضعف كثيرة بالمقياس العام للدولة المعاصرة.

ثانيًا: أهداف البحث

يهدف هذا البحث إلى إثبات ضعف نظرية السلطة في الإسلام السياسي وتهافتها، من خلال الأسس التي تقوم عليها، والتي أصبحت حالة تاريخية من الصعب بعثها من جديد في وطن ذي مكونات متعددة، ولكونها غير متوافقة مع مبادئ الدولة الحديثة. من خلال المحاور الآتية:

• تاريخية ولادة الإسلام السياسي
ولادة المصطلح
الإسلام السياسي وتعريفاته
نقد نظرية السلطة في الإسلام السياسي، سورية مثالًا
نقاط الضعف في نظرية السلطة بالإسلام السياسي
النقطة الأولى: هل الإسلام دين ودولة أم دين دعوة؟
نقد مفهوم الدولة في الإسلام السياسي
النقطة الثانية: هوية الدولة في النظرية السياسية للإسلام السياسي
النقطة الثالثة: الولاء والبراء في مفهوم الإسلام السياسي
القرآن الكريم يقدم الولاء الوطني على الولاء الديني
النقطة الرابعة: سلطة التاريخ، لا سلطة النص
النقطة الخامسة: من سلطة التاريخ إلى سلطة التدين
النقطة السادسة: ضعف النظرية في مبدأ المواطنة
النقطة السابعة: معيار الدول الحديثة
النقطة الثامنة: حكم الفرد المطلق، أم حكم المؤسسات؟
نتائج وخلاصات

ثالثًا: منهجية البحث

يعتمد البحث في تحليله ونقده لنظرية السلطة في الإسلام السياسي على المنهج الوصفي من خلال بيان الأسس التي تقوم عليها نظرية السلطة عنده، والمنهج التاريخي في قراءة المتغيرات الدولية والاجتماعية التي جعلت تلك النظرية غير صالحة لعصرنا وللمعيار الذي تقوم عليه الدولة الحديثة، وغير المتلائمة مع التنوع الثقافي والديني والطائفي وحتى الإثني للمكونات الموجودة على الجغرافية السورية اليوم.

مقدمة

مما لا شك فيه أن الإسلام السياسي يمتلك بأسًا شديدًا عندما يكون معارضًا للسلطة، ويجيد توسيع حاضنه الاجتماعي مستغلًا سوء إدارة الاستبداد الحاكم للبلاد، كما يُجيد استغلال خطاب المظلومية؛ ليلتف حوله حاضن متدين شعبوي، ولكن عندما يصل إلى السلطة، يعاني بؤسًا شديدًا في إدارة الدولة والمجتمع، يهدد السلم الأهلي والحياة السياسية، وما بين بأسه بوصفه معارضًا وبؤسه بوصفه قيادة، يظهر ضعف نظرية السلطة عند الإسلام السياسي.

تاريخية ولادة الإسلام السياسي

الإسلام السياسي هو محطة فارقة بين إسلام الدعوة وإسلام الدولة، أدّى “أبو الأعلى المودودي” دورًا كبيرًا في ولادته وتشكيله ثم انبعاثه؛ فهو الأب الروحي الحقيقي له. إضافة إلى كونه مُنظِر الفكر الجهادي، وضع المودودي النظرية السياسية في الإسلام من خلال بِدعة الحاكمية التي تدعو إلى نزع كل أمر أو تشريع يضعه البشر، أكان على المستوى الفردي أم الحزبي أم البرلماني، ولا يخضع المؤمنون إلا لحاكمية الله فقط، وعليهم عصيان أي حاكمية أخرى. وأكد أن أخطر الأشياء التي ابتدعها البشر، وتمثل منافسة لحاكمية الله هي العلمانية والديمقراطية والقومية، لذلك فإنّ كل من يدعو إلى هذه الأشياء التي تنازع حاكمية الله، أو يقبل بها، أو يؤمن بها، أو يخضع لها، فقد عصى الله ورسوله وخرج عن حاكمية الله وقبل بحكم الجاهلية([1]).

ثم يذهب إلى أن لا وجود لسلطة تحكم سلوك البشر، وتتحكم فيه، إلا سلطة النص الديني المتمثلة بقال الله وقال الرسول. حتى قال: ليس لفرد، أو أسرة، أو طبقة، أو حزب، أو لسائر القاطنين في الدّولة نصيب من الحاكميّة؛ فإنّ الحاكم الحقيقيّ هو الله… وليس لأحد من دون الله شيء من أمر التّشريع، والمسلمون جميعًا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا لا يستطيعون أن يشرّعوا قانونًا([2]). كما ساهم في ولادة جماعة الإخوان المسلمين من خلال تأثر الإمام حسن البنا به([3]). وبعد تأسيسه للإسلام السياسي، ذهب إلى أميركا ليمضي بقية عمره هناك، حتى مات فيها.

وُلِد الإسلام السياسي في لحظتين تاريخيتين مهمتين، الأولى عند إبعاد المسلمين عن السلطة في الهند، وتأسيسها كدولة حديثة على يد البريطانيين قبيل منتصف القرن العشرين؛ فكان لا بد من فكرة ذات أساس ديني تجتمع عليها الأقلية المسلمة؛ لتطالب بعودتهم لقيادة الهند، فكانت فكرة الحاكمية التي زرعها المفكر “محمد إقبال” في ذهن الشاب المتحمس “أبي الأعلى المودودي” ليقضي شبابه منظِّرًا لها؛ حتى أدت إلى انفصال الباكستان وبنغلادش عن الهند([4]). أما الثانية فكانت لحظة تأسيس جماعة الإخوان المسلمين على يد الإمام حسن البنا في مصر، والتي قامت فكرتها على عودة الخلافة الإسلامية عربيًا، بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية التي كانت ممثلة لها.

فرسمت هاتان اللحظتان صورة الإسلام السياسي في أذهان المتحمسين له، مولّدةً أيديولوجية جديدة في أذهان أتباعه، لتكون انبعاثًا جديدًا في مفهوم ممارسة الإسلام بأنه لن يكون دينًا يؤدي رسالته، إن لم يكن في السلطة حاكمًا.

ولادة المصطلح

أول من نحت المصطلح عربيًا وبات متداولًا في الإعلام هو المستشار المصري “محمد سعيد العشماوي” من خلال كتاب له، حمل الاسم نفسه صدر منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حيث فنَّد فكرة السلطة السياسية للإسلام؛ لأن تسيس الدين ـــبحسب رأيهـــ هو إعلان حرب على المجتمع بوصفه مجتمعًا جاهليًا، فالحاكمية فكرة غير صحيحة، لأن الحكم والمسؤولية هي للبشر فعلًا، (لذا يجب) تفسير آيات القرآن وفقًا لظروفها التاريخية، أي تاريخية النصوص؛ فالعدالة تسبق العقوبة في الإسلام([5]).

في حين يذهب بعضهم إلى أن ولادة المصطلح بمسمى “الإسلام الأصولي” بدأت بعد إعلان الدكتور “حسن الترابي” ـــعندما كان في السلطةـــ أنه يطمح لتكوين إمبراطورية إسلامية، تنطلق من السودان، فعُقد في واشنطن عام 1994 مؤتمر عالمي بعنوان “خطر الإسلام الأصولي على شمال أفريقيا” عدَّ نظام السودان “الإخواني” امتدادًا للثورة الإيرانية، ثم تغير المصطلح إعلاميًا في أثناء أحداث العشرية السوداء في الجزائر إلى “الإسلاميون المتطرفون” في تسعينيات القرن المنصرم، وعندما وقعت أحداث 11 أيلول/ سبتمبر في أميركا، استقر الإعلام على مصطلح الإسلام السياسي.

لكن “ويكيبيديا” تخبرنا أن الأستاذ الجامعي الفرنسي “جيل كيبل” رئيس برنامج الدراسات الشرق أوسطية والمتوسطية، أول من استخدم هذا المصطلح عام 1983 في أطروحة له بعنوان (حركات الإسلام السياسي في مصر أنور السادات) واستعمل وصف “حركات الإسلام السياسي” للدلالة على الحركات الإسلامية التي تجعل من الإسلام أساس التنظيم السياسي للمجتمع. إلا أننا نعتقد أن المستشار العشماوي هو أول من نحته؛ إذ إنه أطلق المصطلح قبل “جيل كيبل” في مقالاته ومحاضراته التي جمعها في ما بعد منتصف الثمانينيات في كتاب حمل الاسم نفسه، فتاريخ مقالات ومحاضرات العشماوي يثبت أنه أول من قال به.

الإسلام السياسي وتعريفاته

الإسلام السياسي هو مصطلح مستخدم سياسيًا وإعلاميًا وأكاديميًا، لتوصيف تيارات دينية تعمل في حقل السياسة وتنتمي للإسلام، وتؤمن فيه بوصفه النظام الأمثل للحكم، فعندما نراقب سياسة دعاة الإسلام السياسي، يكون تعريفه عندنا بأنه أدلجة للدين؛ باستخلاص نظريات سياسية ونسبها للإسلام، هدفها الوصول إلى السلطة لقيادة الدولة والمجتمع، وفق رؤيتهم الدينية لا الدين ذاته، لاعتقادهم أن الدين منظومة شاملة لشؤون الحياة كلها، تبدأ من العبادة وتنتهي بالسلطة وجوبًا، ومن ثم فهؤلاء يفسرون الإسلام سياسيًا، ولا يرون الإسلام إسلامًا مكتملًا إن لم يكن قائدًا للدولة والمجتمع.

“أوليفييه روا” (Olivier Roy) عالم سياسي فرنسي، متخصص في الإسلام السياسي، ومدير البرنامج الأوسطي في المعهد الجامعي الأوروبي بفلورنسا في إيطاليا، يُعَرِّف الإسلام السياسي: حركة فكرية جديدة تجتهد في تعريف الإسلام كنظام سياسي في الدرجة الأولى، وذلك على ضوء أبرز الإيديولوجيات في القرن العشرين([6]). وعلى الرغم من خلافه مع الإسلام السياسي، لكنه أكد في آخر كتبه “الجهاد والموت” أنه يرى أن وجود الإسلام في الإطار العام مهم للمجتمع الإسلامي، لأن إبعاد الدين عن حياة الناس بالأسلوب العلماني الحاد يساهم في شعبية التطرف؛ إذ يقدمه كما لو أنه المدافع الوحيد عن الإسلام المضطهد، ولكنه لا يرى أي مستقبل للإسلام السياسي، وأنه والتنظيمات الجهادية فشلوا([7]).

وعلى الرغم من أن مصطلح الإسلام السياسي بات موجودًا ومتداولًا في التعريف والتوصيف، إلا أنّه مرفوض عند دعاته، ويعلل أهم رموز الإسلام السياسي المعاصر الدكتور حسن الترابي رفضه للمصطلح؛ بوصفه نوعًا من أنواع (فَدْرَلَة) الإسلام ككل، بتقسيمه إلى إسلامات مستقلة عن بعضها بعضًا([8]).

كذلك يذهب المفكر الإسلامي “محمد عمارة” إلى مذهب الترابي نفسه بوصفه مصطلحًا يختزل الدين في السياسة، كما في كتابه “الإسلام السياسي والتعددية السياسية من منظور إسلامي”.

وبغض النظر عن رفض المصطلح أو قبوله، فقد بات عنوانًا إعلاميًا وبحثيًا لتوصيف مجموعة إسلاموية تفاهمت على مبادئ سياسية، تريد من خلالها الوصول إلى السلطة وقيادة الدولة والمجتمع باسم الإسلام.

 

نقد نظرية السلطة في الإسلام السياسي، سورية مثالًا

نظرية السلطة وإدارة الحكم لدى الإسلام السياسي تشوبها نقاط ضعف كثيرة بالمقياس على الدولة الحديثة، وإذا كان نقدها يقوم على معيارين أساسيين أشار إليهما المستشار “عبد الجواد ياسين”:

“الأول: النظرية السياسية في الإسلام نظرية وضعية لم يؤسسها النص (الدين) بل التاريخ أنشأها.
والثاني: هذه النظرية لا تستجيب لمعايير الحداثة السياسية والاجتماعية التي يفرضها واقع العصر”([9]).

ولكن هذين المعيارين يحتويان في طياتهما نقاط ضعف كثيرة لا بد من التوقف عندها.

إن عدم الاتفاق على شكل محدد للسلطة في “السقيفة” وبعدها، لعدم وجود نص ديني فيها، شطر المجتمع الإسلامي عموديًا، بدءًا من معارضة الأنصار الذين طالبوا بائتلاف حاكم بينهم وبين المهاجرين بقيادة سعد بن عبادة الذي انتهى مغتالًا، إلى خلافة أبي بكر التي كانت بحسب وصف عمر بن الخطاب (فلتة) أي مستعجلة، أدت إلى حرب أهلية، حتى الصراع (السُني/ الشيعي) الممتدة فصوله إلى يومنا هذا تخلله تشكيل (المُحَكِّمة) الخوارج طرفًا ثالثًا، وتوالت تلك الانشقاقات حتى عصرنا هذا.

النقطة الأولى: هل الإسلام دين ودولة أم دين دعوة؟

نقد مفهوم الدولة في الإسلام السياسي

تعدُّ الدولة في نظرية الإسلام السياسي هي الغاية، وتقدم أولويتها على الدين نفسه، عملًا بالقاعدة الفقهية (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) فأنصار الإسلام السياسي لا يرون الإسلام إسلامًا، إلا إذا كان ممثلوه يقودون الدولة والمجتمع. وتلك فكرة نشأت إثر سقوط الخلافة 1924، وعلى الرغم من خلاف جلّ العرب مع السلطنة العثمانية، لكن فكرة الإسلام السياسي بدأت بحلم عودة الخلافة عربيًا، ومع تقسيم الشرق البائس بوساطة الاستعمار الأوروبي، ومن خلال اتفاقية (سايكس/ بيكو) إلى أقطار، أصبح هذا التقسيم معترفًا به دوليًا، فباتت استراتيجية الإسلام السياسي أن كل فريق يعمل في قطره للوصول إلى السلطة حتى إذا وصلوا إليها في بلدانهم، حينئذ فإن الحلم المؤجل بعودة الخلافة يتحول إلى حقيقة باجتماع تلك الدول تحت حكم سلطان إسلامي واحد.

لكنْ، منذ ولادة الفكرة، هناك من تصدى لها من داخل الدائرة الإسلامية، وأبرز الأمثلة على ذلك الشيخ “علي عبد الرازق” من خلال كتابه الشهير “الإسلام وأصول الحكم” الذي صدر عام 1925 أكد فيه أن الإسلام لا علاقة له بالدولة، وأنه دعوة ليس من شأنها الدخول في مضمار السياسة، الأمر الذي أثار نقاشًا حادًا آنذاك ما بين المؤيدين لفكرته والمخالفين لها، ولا يزال هذا النقاش قائمًا حتى يومنا هذا. حيث قال فيه: “لا شيء يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى، في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلّوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم”([10]).

كما وضّح عبد الرازق أن نظام الدولة الحديثة المتشكل بعد الحرب العالمية الأولى، لا يسمح بعودة نظام الخلافة، وأن الخلافة نظام عفا عليه الزمن، ولا يليق بالدولة الحديثة، ولا علاقة للإسلام به، وليس من أصول الدين.

تقوم فكرة الكتاب الرئيسة على تفسير الإسلام بما يتفق مع التطور الغربي لمفهوم الدين، فرسالة النبي ﷺ ما هي إلا رسالة روحية ليس فيها إلا البلاغ لوجود آيات متضافرة، على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من جميع معاني السلطان. فهي رسالة لا تتضمن سلطة حكم، حيث كان النبي ﷺ رسولًا لدعوة دينية خالصة، لا تشوبها نزعة ملك ولا دعوة لدولة. وإنما أحدث ذلك المسلمون من بعده، وكانت الحكومة التي أقامها الصحابة من بعده حكومة دنيوية، ليست من أحكام الإسلام([11]). ولقد قال معارضو الكتاب فيه أكثر مما قاله مالك في الخمر.

وقبل ذلك رفض الفكرة برمتها الإمام “محمد عبده” عندما أكد أن مسلمي اليوم لا يجمعهم سوى القرآن، وإن الحديث عن الإمامة ـــ أي قيادة الدولة إسلاميًا ـــ فإنه مثار فتنة، يُخشى ضرره ولا يُرجى نفعه([12]).

ويتفق الشيخان عبده وعبد الرازق على أن الجمع بين السلطتين السياسية والدينية، رؤية مسيحية لا إسلامية؛ لعدم وجود نص قرآني بذلك، لذلك دعا عبد الرازق في كتابه المذكور إلى فصل الدين عن السياسة. وهناك مفكرون كثر اعترضوا على النظرية منهم “خالد محمد خالد”، و”سعيد العشماوي” وكذلك “فرج فودة” في جلِّ أعماله، والدكتور محمد شحرور وآخرون.

إنّ الإسلام السياسي يمنح لوجوده بالسلطة بُعدًا “ميتافيزيقيًا” بحيث يستمد شرعيته من الله لا من الشعب، وهذه “ثيوقراطية” مبطنة وغير ممكنة في دولة متعددة المكونات والطوائف. وإن إصرار الإسلام السياسي على قيادة الدولة والمجتمع بوصفها حقًا حصريًا له بدعوة الأغلبية إنما هو رفض للديمقراطية، وعندما يفرض مفهوماته الدينية المنسوبة للإسلام، فهو ينقلب على دولة المواطنة واستحقاقاتها، ومن ثم يظلم مكونات أخرى بسبب رؤيته التي ينسبها للدين. ولكن لا مانع من أن يقدم نفسه بوصفه حزبًا سياسيًا يرغب في السلطة من خلال السلوك الديمقراطي ومبدأ المواطنة، بشرط ألا يتكلم باسم الله، أو يحتكر حق تمثيل الإسلام. فالحال السورية اليوم لا تحتمل قيام حزب سياسي على أساس ديني أو طائفي أو قومي، وما سوى ذلك فأهلًا وسهلًا به، إن كان تشكيلًا سياسيًا يتقدم ببرنامجه من خلال العملية الديمقراطية للوصول إلى السلطة، ولا يستخدمها كالسلعة الصينية لمرة واحدة، وليكن تداول السلطة شعار التيارات السياسية كلها، وأما الاستبداد تحت أي ذريعة، فهو مخالفة بحق الوطن والمواطنة والإنسانية، وضد رسالات السماء كلها.

النقطة الثانية: هوية الدولة في النظرية السياسية للإسلام السياسي

في ظل حرب الهويات المتفاقمة في شرقنا البائس والتي ازدادت رقعتها في الربيع العربي، تقفز هوية الدولة كسؤال عندما يطرح الإسلام السياسي نفسه لقيادتها، ما هوية الدولة؟ وطنية أم دينية أم عرقية؟

الهوية في دولة ما تتجلى فيها سمات تميزها عن سواها، وينتمي أبناء الوطن كلهم إليها، ويعتزون بها، ولها عناصر تحددها كالموقع الجغرافي، والتاريخ المشترك، والعملة المشتركة، والعَلَم، والحقوق ذاتها، والواجبات عينها، الأمر الذي يجعل الجميع خاضعين لقانونها العام، ومدافعين عن أرضها، ولو تشتتت هذه السمات ستنهار الوحدة الوطنية، ونغدو شعوبًا لا شعبًا واحدًا.

نعم؛ إنّ الدراسات السوسيولوجية تؤكد أن لكل جماعة هوية توضحها خصائص تاريخية واجتماعية ودينية تعبر عن كل منها، ولكن عندما نجعل للدولة المؤلف شعبها من مكونات متعددة هوية ترمز لمكون واحد من مجموع المكونات لتميزه دستوريًا على الآخرين، هنا تصبح هوية الدولة حالة استعلائية لهذا المكون على الآخرين، ومن ثم تتهافت مقولات المواطنة كلها، ويضعف الانتماء الوطني، وهذه عقبة تعرقل تحقيق المشروع الوطني، واستقرار الدولة.

الحقيقة إنّ الهوية الدينية مشكلة لا حل، لأن التفسير السياسي للإسلام يحتاج إلى تفسير الانتماء العقدي فيه، ونحن في تاريخ الإسلام قرأنا عن صراعات وسفك دماء من أجل الانتماء العقدي، حدث ذلك في محنة خلق القرآن، ومرسوم الاعتقاد القادري، ومعارك الأيوبيين مع الفاطميين، والصراع المستمر بين أهل الحديث والأشعرية.

ولقد شهد تاريخنا صراعات حول الهوية الدينية إسلاميًا، كانت مخجلة بكل معنى الكلمة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، في سنة 447 ه حدث صراع بين الأشاعرة وأهل الحديث ببغداد، حتى منع أهلُ الحديث من الحنابلة الأشاعرةَ أن يحضروا صلاة الجمعة وصلاة الجماعة، وراح فيه ضحايا من الطرفين([13]). كما حدثت خلافات بين الأشاعرة والماتريدية على الرغم من أنهما مذهبان قريبان من بعضهما، ووصل الأمر بمفتي الشافعية “أبو منصور محمد البروي” في القرن السادس الهجري أنه أراد في أثناء زيارته لبغداد أن يفرض الجزية على الحنابلة، بحسب رواية سبط الجوزي في كتابه “مرآة الزمان”، كما أن هناك صراعات مذهبية وطائفية في تاريخنا يخجل المرء من ذكرها. فالهوية الدينية داخل الدائرة ذاتها ومع الآخر المختلف عنها، لغم للصراع وعدم استقرار الدولة.

لذا ولكوننا نعيش في وطن واحد، أبناؤه لهم انتماءات دينية وطائفية متعددة، فعندما نقول هوية الوطن إسلامية، هذا يحتاج منا تحديد سمات هذه الهوية، وهنا سنعود لنجتر الصراعات على الإسلام بين الهويات الإسلامية من الطوائف والملل الموجودة شتى، عندئذ ستغدو الهوية المفروضة مصدر خلاف لا اتفاق، وتفريق لا تجميع، وفُرقة لا وحدة.

لكنّ منظري الإسلام السياسي استغلوا التداخل الكبير في تاريخنا بين الدين والدولة، كي يطالبوا بهوية دينية للدولة، تتقدم على باقي الهويات، ولكن هذه الهوية الدينية وإن كانت تلبي رغبة أنصار الإسلام السياسي، إلا أنها مشكلة في الوقت نفسه مع المكونات غير المسلمة بالوطن من جهة؛ ومن جهة أخرى مشكلة مع القوميات السورية الأخرى التي يرى منظروها أن الدين ليس شرطًا وحيدًا ليجعلنا منصهرين في بلد واحد أو خلافة واحدة.

وإذا كان من حق المسلم أن يحتفظ بهويته، كذلك يعني من حق الآخرين من المكونات الأخرى أن يحتفظوا بهوياتهم في وطن متعدد الانتماءات الهوياتية، ولكن هذه الهويات يجب ألا تعلو على الهوية الوطنية الجامعة، وألا تميز جماعة عن أخرى. ومن ثم فإن “فوبيا” الهويات لا حل لها إلا بإقرار مبدأ المواطنة، وبها تنتفي هيمنة هوية على باقي الهويات، وتحتفظ كل هوية بسماتها، لكن المشكلة في رؤية الإسلام السياسي أنه يطرح هويته متمايزة وذات استعلاء على باقي الهويات، وتلك عقبة كبرى في طريق تحقيق المشروع الوطني وولادة دولة المواطنة بمعناها العميق.

ففي بحث مرشح لجائزة “شبكة الألوكة الإسلامية” بعنوان (الهوية الإسلامية والتحديات التي تواجهها) تقدم الباحثة “أمل بنت سليم بن سالم العتيبي” رؤيتها للهوية بقولها: “والهوية الإسلامية المتميزة بمرجعيتها الربانية، هي ما يعطي للمجتمع الإسلامي قيمته ويحفظ عليه تماسكه ولا عزة له بدونها“. وتتابع قولها: “في المجتمعات الإسلامية يعد الدين الإسلامي الهوية الأساسية والرسمية لها، فهو الانتهاء الحقيقي والرمز ومحور حياة المجتمع، من خلالها يتفاعل أفراد المجتمع، وحينما يضعف التمسك بالدين والالتزام به في نفوس الأفراد يظل هو الهوية المفقودة التي نبحث عنها، وذلك بحكم أننا مسلمون أولًا وأخيرًا، ولأنه ليس من الممكن أن نختار غير الإسلام هوية ونظل مع ذلك مسلمين، فنحن حينما ابتغينا الإسلام دينًا، فقد ارتضيناه هوية”([14]).

وعندما تؤكد الباحثة أن الهوية الإسلامية تتميز بمرجعيتها الربانية، إذًا نحن أمام هوية من نوع كهنوتي، مَن يخالفها أو يعارضها سيتهم باتهامات خطرة، وهذا يعني أننا أمام حرب هويات مع الآخرين، وضياع للهوية الوطنية الجامعة.

والمشكلة الحقيقية التي تعوق نهضتنا ليست الهويات المكوناتية على أهميتها، إنما الحقوق؛ حقوق المواطنة المتساوية، وحقوق الإنسان، والعطاء على الكفاءة لا على الولاء، فالتنوع الهوياتي ممكن أن يكون حالة ثراء حضارية؛ لأنه سنة من سنن الله في خلقه، ومن الممكن أيضًا إن لم نجد التعامل معه بروح المواطنة، أن يغدو شرارة تُشعل حربًا أهلية بين المكونات كلها.

صحيح أن العقود السالفة قد وقعت فيها مظلومية على المكون السني الحامل للإسلام السياسي، ولكن هذا لا يعني أن المكونات الأخرى لم تتعرض لمظلوميات، فالاستبداد ظلم الجميع، والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية هي مطلب الهويات كلها، والتمايز الهوياتي يقتل هذه المطالب ويفرغها من مضمونها([15]).

إنّ مجتمعنا السوري مجتمع متعدد الهويات الفرعية (دينية/ إثنية/ طائفية/ مذهبية)، وإن لم تكن هناك هوية وطنية جامعة تحتضن هذه الهويات كلها بالعدل، ستتباغض وربما تتحارب، والمطلوب تفاهم هذه الهويات على عقد اجتماعي لا تناقضها، من خلال ميثاق وطني محدد يلتزم به الجميع، يكون مقدمة الدستور المقبل للبلاد.

والهوية الدينية تجعل الولاء والبراء الديني مقدمًا على الولاء الوطني، وهذه ربما تكون مقدمة للانفصال عن الوطن وتفكك الدولة. فالتجارب القريبة تخبرنا أن الهوية الدينية كانت سببًا للانفصال، فعندما وصل الإسلامويون إلى السلطة ظهر ضعف نظرية السلطة وإخفاقها في إنتاج دولة حديثة فوقع الانفصال. فالهوية الدينية أدت إلى انفصال باكستان وبنغلادش عن الهند عام 1947، وأدى ذلك إلى نزوح ما يقارب 10 إلى 12 مليون شخص لأسباب دينية، وكانت أكبر عملية تهجير في حينها.

وفي العام 1948 بعد قيام دولة باكستان ببضعة أشهر وقعت حرب أهلية تخللتها جرائم ضد الإنسانية، حينما أعلن الرئيس “محمد علي جناح” أنّ اللغة “الأوردية” اللغة الوطنية للدولة الجديدة، على الرغم من أن 4 في المئة فقط من سكان باكستان كانوا يتحدثون بها آنذاك، واتُهِمَ مؤيدو استخدام اللغة البنغالية بأنهم شيوعيون وخونة وأعداء للدولة، وكان للجماعات الإسلامية المتشددة مثل “الرابطة الإسلامية”، وحزب “نظام الإسلام”، و”الجماعة الإسلامية”، و”جمعية علماء باكستان”، والميلشيات الدينية المتطرفة مثل “البدر” و”الشمس” دور في تلك الجرائم بالتعاون مع الجيش الباكستاني.

ثم انفصلت بنغلادش عن باكستان عام 1971 لأسباب هوياتية، بعد حرب أهلية أيضًا أدت إلى إبادة جماعية في بنغلادش، قام بها الجيش الوطني الباكستاني خلال الحرب الثالثة “حرب تحرير بنغلادش” في العام 1971 م نتج منها مقتل ما يقارب 3 ملايين شخصًا، وساهمت في تهجير ما يقارب 10 ملايين للأقاليم الغربية البنغالية والهند. وكذلك الإبادة الجماعية التي ارتكبتها باكستان الغربية ضد باكستان الشرقية، كانت بسبب مطالبتها بحق تقرير المصير لأسباب تتعلق بالهوية، وكان جزء رئيسي منها ضد الهندوس، أدى ذلك إلى نزوح عدد كبير منهم، وشكل الهندوس نحو 60 في المئة من اللاجئين البنغال إلى الهند حينها. وأجبر عديد من الهندوس على اعتناق الإسلام. وشملت تلك الإبادة حملة منهجية من الاغتصاب الجماعي، اتُهِمت بها القوات المسلحة الباكستانية وميليشيات مساندة إسلاموية تنتمي لتنظيم “جماعة إسلامي”([16]).

ولو بحثنا في أسباب انفصال جنوب السودان عام 2011 عن الوطن الأم في أثناء الحكم الإسلامي للسودان، نجد شبه إجماع على أن الهوية الدينية كانت وراء ذلك، بسبب الاضطهاد الديني الذي مارسه أهل الشمال على الجنوب، إذ جعلوهم مواطنين درجة ثانية، إضافة إلى فرض الثقافة العربية الإسلامية على الأفارقة من مسيحيين ووثنيين، فضلًا عن إهمال مشروعات التنمية في الجنوب. والأمر ذاته حصل في الصومال، وأدى إلى أيضًا إلى الانفصال، فعدم الإيمان والاتفاق على مبادئ المواطنة، وهوية وطنية جامعة، قسّمَ الصومال إلى صومالات، وأدخله حربًا أهلية لم تتوقف رحاها حتى يومنا.

الصراع على الهوية الدينية أو العرقية وعدم الاتفاق على هوية جامعة من خلال عقد اجتماعي متفق عليه، يؤدي إلى عدم استقرار الدولة، فعندما انتصر المسلمون الأفغان على الاتحاد السوفياتي عام 1989، وأراد الأفغان إقامة دولة، قاتلوا بعضهم بعضًا وسفكوا دماءهم، لأنهم أخفقوا في إقامة دولة حديثة تحتوي الجميع، فكلهم مسلمون لكن طغيان الهويات المذهبية والطائفية والإثنية، وقصور الوعي بكيفية إنشاء الدولة، أدى إلى حرب أهلية نتج منها تفوق جماعة محددة تمثلت بحركة “طالبان”، حيث فرضت بالقهر شروطها على باقي الهويات الإثنية والطائفية، وتكرر الصراع ذاته بعد خروج الأميركان من أفغانستان منذ أشهر قليلة.

هذا لا يعني أن الغرب كانت حالهم في الصراع على الهوية الدينية أفضل حالًا منا، ولكنهم بعد حروب دموية طويلة توصلوا إلى أن الدولة الحديثة والهوية الوطنية الجامعة هي الحل لصراع الطوائف الدينية، فالغرب لم ينهض إلا لسببين؛ الأول: التنوير الديني، والثاني: الانتهاء من حرب الهويات الدينية.

إن التاريخ معلم الشعوب؛ فأطول معركة في التاريخ كانت المعارك الطائفية في أوروبا، فحرب الثمانين عامًا بين إسبانيا ودولة المقاطعات السبع المنخفضة المتحدة (هولندا اليوم) كانت حربًا على الهوية الدينية. حتى جاءت اتفاقية “ويستڤاليا” وهي أول اتفاقيّة دبلوماسيّة في العصر الحديث؛ لترسي نظامًا جديدًا في أوروبا، بُني على مبدأ السيادة الوطنية، كما انتهت معها حرب الثلاثين عامًا بين ألمانيا وفرنسا وشمال إيطاليا وهولندا وكتالونيا بعد مفاوضات في مدينة (Osnabrück) التي باتت تلقب أوربيًا بمدينة السلام، ومدينة (Münster)، ووقع الاتفاقية عام 1648م مندوب الإمبراطور الروماني فرديناند الثالث ومندوبو فرنسا والسويد وهولندا وإسبانيا وباقي الإمارات الكاثوليكية والبروتستانتية التابعة للإمبراطورية الرومانية.

إذًا الهوية الدينية الواحدة والمفروضة على باقي الهويات الأخرى كانت سببًا لتلك الحروب كلها، وكان الوعي بضرورة الدولة الحديثة التي تجمع أبناء الوطن على هوية جامعة هو الذي أنهى تلك الحروب الهوياتية، وبدأ مسيرة النهضة الأوروبية، حيث كان التنوير قائدًا لتلك المسيرة، حتى أصبحت تلك الدول قبلة للمهاجرين واللاجئين المضطهدين دينيًا أو إثنيًا أو إيديولوجيًا من شرقنا البائس.

النقطة الثالثة: الولاء والبراء في مفهوم الإسلام السياسي

هناك نقطة ضعف أخرى في نظرية السلطة، تتمثل بعقيدة الولاء والبراء الدينية التي يوظفها الإسلام السياسي لحصد أصوات الناخبين المتدينين، وهي عقيدة متمكنة من الذهنية الإسلامية، تتجاوز حدود الدولة الوطنية لأسباب دينية بحت، ولقد بدت واضحةً في الإسلام السياسي الشيعي في العراق ولبنان واليمن وإيران، كما تسببت بمشكلة وطنية في مصر، إذ لا ولاء للدولة الوطنية([17]).

وهنا نتساءل: هل الدولة التي أقامها النبي ﷺ في المدينة قامت على نص ديني أم عقد اجتماعي وميثاق وطني؟ صحيفة المدينة تقول هي دولة عقد اجتماعي، والصحيفة التي هي محلُّ إجماع المسلمين لم تستند إلى أي نص ديني، على الرغم من أنها انتهت من حيث التطبيق بوفاة النبي ﷺ ولم تعد مفعّلة.

القرآن يقدِّم الولاء الوطني على الولاء الديني

“يطرح القرآن قضية الولاء بطريقة مدهشة؛ إذ يقدم الولاء الوطني على الولاء الديني، وربما يستغرب كثيرون هذا الاستنباط، فتعالوا لنقرأ ذلك: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ. سورة الأنفال، الآية 72.

وكما يقول الأستاذ “محمد نفيسة”: إنّ هذه الآية تؤكد أن الولاء الوطني مقدم على الولاء الديني. وهذا ما يمارسه البشر كلهم، ففي الحرب لا يقيم المتحاربون وزنًا للعلاقة الدينية في قضية وطنية، وهذه الآية طُبّقت عمليًا زمن الرسالة حيث أوضح الطبري في تفسيره ذلك فقال: لما أسرَ المسلمون العباسَ وعقيلَ ونَوْفل في معركة بدر، قال رسول الله ﷺ للعباس: افدِ نفسك وابني أخيك. قال: يا رسول الله، ألم نصلِّ قبلتك ونشهد شهادتك؟ قال: يا عباس، إنكم خاصمتم فَخُصِمتم! هنا الرسول لم يقبل من العباس إيمانه برسالته وشَهِد له وصلى معه وهو عمه؛ إنما قدم الولاء الوطني على الديني، وطالبه أن يفدي نفسه كأسرى مشركي قريش. فتم تقديم الولاء الوطني على الديني([18]).

إن أخطر داء يصيب الأديان عندما نحولها إلى أيديولوجية أو مشروع سياسي، وهذا ما فعلته التيارات الإسلاموية ذات المرجعية الدينية من أجل تحقيق مكاسب سلطوية من خلال خلط الدين بالسياسة. واستغلت مفهومات عقدية اجتهادية ووظفتها سياسيًا.

النقطة الرابعة: سلطة التاريخ، لا سلطة النص

لا يوجد نص قرآني يشير إلى موضوع نظام الحكم في الإسلام، كما لا يوجد حديث نبوي صحيح في الموضوع كذلك، وهذا متفق عليه عند المحققين والكتّاب في الفكر الإسلامي من الأطراف كلهم، حتى دعاة الإسلام السياسي أنفسهم. إذ توفي النبي الكريم ﷺ وترك الأمر شورى في اختيار نظام الحكم وأسلوب السلطة، وهذا من عظمة الإسلام؛ لأن الإسلام دين دعوة لا دولة، ولأن أنظمة الحكم وإدارة السلطة أشكالها متبدلة ومتغيرة بحسب الزمان والمكان.

والثابت بالاتفاق في هذا الشأن أن الإسلام لا سلطة ثيوقراطية فيه، ولا وجود لرجال الدين فيه أيضًا، ولا يحق للحكام أن يدّعوا أنهم يستمدون شرعيتهم من الله، هذا من حيث الأصل لا الواقع([19]). “وإن نظام الحكم الإسلامي السديد هو نظام ينبع من واقع المجتمع، وإرادة أبنائه، والذي يأخذ بأرقى المبادئ في الحرية والعدل والمساواة”([20]). فالسلطة فيه هي “حكومة تعبر عن الحقيقة الإنسانية، وتحترم إرادة الشعوب وكرامة الناس”([21]).

هذا يعني أن السلطة الراشدة في أي بلد كان ومنها البلاد ذات الأكثرية المسلمة، المواطن محورُها وغايتُها، والسهر على سعادته وأمانه وحريته وكرامته سياستُها، تحترم شعائر الآخرين، وتمنحهم حقوق المواطنة الكاملة، ولا تفرق بينهم سياسيًا أو اجتماعيًا، ولو غمطت حق أي مواطن فيها مهما كان انتماؤه الديني أو العرقي، فهي حكومة جائرة ظالمة والإسلام براء منها.

جميع الادعاءات المعاصرة بأحقية السلطة إسلامويًا، قامت على سلطة التاريخ لا سلطة النص، فقد احتلت السلطةُ التاريخَ الذي وصلنا كله، حتى صارت الثقافة الإسلامية أسيرة لذلك التاريخ، ومن ثم حكم التاريخُ رؤيةَ العقل الإسلامي في هذا الباب، حتى قام مقام النص في موضوعة السلطة ليشكل تاريخُ السلطةِ سلطةً للتاريخ علينا، وهذا ما جعل العقل أسيرًا للتاريخ؛ أي أسيرًا لشكل السلطة، يُقاس الإسلام في موضوعة السلطة على التاريخ لا على النص، وأصبح الإسلام السياسي يعاني استلابًا تاريخيًا يتنمر على من يعارضه باسم التاريخ، لا النص.

لذلك لم يستطع أيٌّ من منظري الإسلام السياسي أن يأتي بدليل قرآني أو نبوي صحيح على شكل الدولة ونظام الحكم في الإسلام، وأكثر منذ ذلك إن الخلافة التي يلهج بها هؤلاء، لم تكن يومًا بشهادة الفقهاء من أصول الإسلام أو فروعه، ولكنهم ذهبوا إلى مبدأ المصالح المرسلة على قاعدة “ما لم يتم الواجب به فهو واجب”.

ما عُرف لاحقًا بالإسلام السياسي بعد انهيار الخلافة، بدءًا من تَشَكُلِ جماعة الإخوان المسلمين نهاية عشرينيات القرن الماضي، ثم انشقاق الشيخ “تقي الدين النبهاني” وتشكيله لحزب التحرير الذي قدم نظريته في شكل الدولة الإسلامية في الخمسينيات، إلى النموذج السلفي الجهادي الذي خرج مؤسسوه (عبد الله عزام وأسامة بن لادن والظواهري) من رحم جماعة الإخوان، وعملوا بعد تأسيس تنظيم القاعدة على التلفيق بين النظرية الإخوانية والسلفية في السلطة، حتى جعلوا من “الجهاد” سبيلًا للوصول إلى الحكم. وما قدموه لأحقيتهم بالسلطة هو سلطة التاريخ، وهذا ليس مبررًا ليكونوا في السلطة. “فالتاريخ شيء والإسلام شيء آخر؛ فتاريخ المسلمين ليس دينًا، وعندما ننقد التاريخ فنحن نبرئ الإسلام، وإذا تمسكنا بالتاريخ فنحن نتهم الإسلام، وهنا خط الافتراق بين من يتعبد بالتاريخ، ومن يتعبد بالإسلام” كما يقول المفكر حسن بن فرحان المالكي.

فالقياس على الدولة الإسلامية منذ الخلافة الراشدة فالأموية ثم العباسية حتى العثمانية، قياس تاريخي لا نصي، لم يكن فيه نموذج ثابت لتلك الدول القائمة في التاريخ حتى يغدو مثالًا يُقاس عليه. ففي كل مرحلة كانت آليات الوصول إلى السلطة مختلفة عن سابقتها، طغى عليها فقه الغَلَبة، وجرت شرعنة سلطة أصحاب الشوكة، أي الانقلابات الدموية، وتلك شرعنة فاسدة، وهي نقطة ضعف بائنة في الفقه السياسي عندنا، أسست لفقه الاستبداد. وهذا من الأسباب التي دفعت المفكر الإسلامي “محمد عمارة” المدافع عن نظرية السلطة في الإسلام السياسي للاعتراف به، حتى قال منتقدًا الاستبداد في الحكم الأموي وما بعده، كما انتقد نظرية الحق الإلهي عند الشيعة: فنحن، وبقليل من التأمل، أمام شكل قديم من أشكال الفاشية الحديثة، وتأليه لفرد يزعم البعض أن له من القدرات والصفات مما لا يشاركه فيه فرد آخر، بل ولا تشاركه فيه الأمة كلها مجتمعة، والنتيجة هي احتقار الجماهير، وهذا الاحتقار هو المقدمة لاغتيال مصالحها لحساب من تخدمهم وتخدم مصالحهم هذه النظريات، والوسيلة النظرية إلى ذلك هي الزعم بأن السلطة ليست مدنية حتى تتولاها الأمة، وإنما هي دينية تستأثر بها السماء التي أنابت عنها حاكمًا، حسابه أمامها وليس أمام البشر المحكومين”([22]).

النقطة الخامسة: من سلطة التاريخ إلى سلطة التدين

ينطلق الإسلام السياسي في أحقيته بقيادة الدولة والمجتمع من منطلق يبدو أول وهلة محقًا، ولكن لو أعملنا عقولنا فيه سيتهافت سريعًا، يتمثل بأن المجتمع في شرقنا البائس مجتمع جلُّه متدين، لينطلق من نظرية أن المجتمع المتدين يحتاج إلى نخبة متدينة تقوده لديها شريعة قادت هذا المجتمع لقرون عديدة حتى سقط أنموذج الخلافة، ومن ثم هو ينطلق من سلطة التاريخ التي جعل منها حقًا دينيًا إلى سلطة تدين المجتمع لأحقيته بالسلطة.

لكنّ سلطة التدين ذاتها مشكلةٌ لا حل، فإذا سلّمنا بأن المجتمع جلّه متدين، فبأي إسلام نحكم، وإلى أي إسلام نحتكم؟ وتلك مسألة معقدة وليست سطحية كما يُظن، وعليها تترتب فتاوى تكفير، وهدر دماء، وأحكام بالردة والزندقة، لأننا اليوم أمام إسلامات لا إسلام واحد، فرقاؤها يتصارعون على الإسلام لا من أجله. فهل نُحْكم بالإسلام السلفي القائم على تكفير الأشعرية والماتريدية والجعفرية؟ ويرى أن أفكارهم تمتلئ بالشرك والوثنية، أم يقودنا الإسلام الأشعري المتصارع منذ ألف سنة مع التيار السلفي؟ أم الشيعة الجعفرية التي ترى في أهل السُنة نواصبَ وتعدّهم عدوها الأول، أم الإسلام التنويري المتهم بجميع أنواع التهم والعمالة والردّة؟ ثم، هل السلطة تكون بالغلبة والقهر كما هو رأي الحنبلية؟ أم تكون بالديمقراطية التي ترفضها التيارات الراديكالية وتعدّها شركًا؟ أم بالشورى مستحيلة التحقق بين الإخوة الأعداء إسلامويًا؟ لنصل إلى السؤال المختلف عليه: من يمثل الإسلام اليوم؟ ومن تُعْقَد له راية السلطة فيه؟

النقطة السادسة: ضعف النظرية في مبدأ المواطنة

النظرية السياسية عندهم تعاني مشكلات معاصرة، لا يمكن أن تحلها التقيّة السياسية؛ فغير المسلمين فيها أهل ذمة، وهذه الرؤية تسلب غير المسلمين حقوقًا سياسية واجتماعية وإدارية، فهل يمكن أن يتخلى الإسلام السياسي عن رؤيته لأهل الذمة؟ ويعدّهم مواطنين كاملي المواطنة؛ بمعنى لا يكون انتماؤهم لغير الإسلام مانعًا من تشكيلهم لأحزاب سياسية تسعى إلى السلطة؟

وهناك مشكلة أكبر هي من المسكوت عنه عند بحث هذا الأمر، تتمثل بالعلمانيين واليساريين فهؤلاء معظمهم من أصول إسلامية، فهل من خلال الإعلان عن أنفسهم بوصفهم علمانيين أو يساريين سيعدّهم فقهاء الإسلام السياسي مرتدين؟ ومن ثم يقيم عليهم حدّ الردة. وهل ما زال الإسلام السياسي مؤمنًا بحدّ الردة ذي الصناعة السياسية؟ ولدينا اليوم كتلة بشرية من اللادينيين واللاأدريين.

ثم؛ يأتينا الواقع الأكثر تحديًا؛ فنحن في سورية لدينا مكونات أخرى كالدروز والعلوية والإسماعيلية والجعفرية والمندائية والبهائية، والإرث الفقهي التاريخي يحكم بتكفيرهم، فكيف سيكون التعامل معهم؟ وهل انتماؤهم لتلك الطوائف يمنعهم حق المواطنة بمعناها العميق؟ تلك بعض المسائل المسكوت عنها في نظريتهم.

وتقفز في وجهنا مشكلة أخرى تتعلق بمعاش جميع المواطنين، وتتمثل بالمسألة الاقتصادية القائمة اليوم على التعامل البنكي بمعنى آخر الربا وفوائد البنوك. ولقد أثبتت تجربة البنوك الإسلامية إخفاقها، والحيل الفقهية كلها لتمريرها غير مقنعة، والإسلام لم يحدد لنا نظامًا اقتصاديًا بعينه، وهذا الأمر يُحسب له لا عليه؛ لأن علم الاقتصاد علم متبدل ومتغير، ولكن الإسلام وضع قيمًا أخلاقية تضبط حركة الاقتصاد لمنفعة المجتمع.

لذلك قلنا آنفًا إن معيار الدولة الحديثة في السياسة والاجتماع والاقتصاد يكشف ضعف نظرية الإسلام السياسي، أما عملية “الـترقيع” لعصرنتها؛ فلم تعد تنطلي على أحد بعد الأداء البائس لهم في الربيع العربي، هذا يعني أن النظرية السياسية عندهم مملوءة بالتخبط الفكري، والفقر الفقهي.

النقطة السابعة: معيار الدول الحديثة

إن نظرية الإسلام السياسي لا تستجيب لمعيار الدولة الحديثة في السياسة والاجتماع والاقتصاد التي انتهى إليها شكل الدولة المعاصرة اليوم، وهذا معيار مهم في نقد نظريتهم السياسية وتهافتها، فمبدأ “الحاكمية” الذي تؤمن به أغلبية الإسلام السياسي، والتي ابتدعها “أبو الأعلى المودودي” وعرّبها “سيد قطب” مهما كان تبريرها الديني، ومهما كانت تفسيراتها، فهي تنتهي إلى دولة “ثيوقراطية” مرفوضة في الإسلام، ولا تتلاءم مع العصر إلا إذا أرادت أن تكون دولة مارقة دوليًا.

ونظرية الحاكمية هي أسُّ البلاء الذي ضرب الإسلام السياسي بمقتل؛ فبعد أن عَرّبها سيد قطب أنتجت لنا “جماعة التكفير والهجرة” ومنها توالدت الجماعات المتطرفة كالجماعة الإسلامية في مصر إلى تنظيم القاعدة حتى “داعش” و”جبهة النصرة”، وكلها نماذج كفر بها المجتمع المتدين لكونها باتت مشكلة لا حل، فهل يجرؤ الإسلام السياسي أن يعلن براءته من الحاكمية؟

النقطة الثامنة: حكم الفرد المطلق، أم حكم المؤسسات؟

الفردية بقيادة الدولة والمجتمع في المفهوم السياسي الإسلاموي، هي نقطة ضعف أخرى تتعارض تمامًا مع معيار الدولة الحديثة؛ فالسلطة عند تيارات الإسلام السياسي تقوم على بيعة الفرد والتي من أسسها السمع والطاعة، لا على الانتخاب وتداول السلطة. ونظام البيعة لا يزال قائمًا في ثقافة وسلوك تيارات الإسلام السياسي كلها؛ ويعدُّ دينًا عندهم اعتمادًا على نصوص منسوبة للسنة النبوية كانت متوافقة مع عصرها، لكنها اليوم تختلف تمامًا مع شروط السلطة في عصرنا.

ونظام الدولة الحديثة يقوم اليوم على المنافسة السياسية بين الأحزاب المختلفة، ومن يفوز بها له مدة محددة لا يجوز دستوريًا مخالفتها، والسمع والطاعة ليس لمن يصل إلى السلطة إنما للدستور والقانون المنبثق عنه.

والشعب رعايا للدولة وليس للحاكم، والدولة الحديثة ليس فيها أهل ذمة، بل الجميع مواطنون لهم الحقوق ذاتها، وعليهم الواجبات عينها. فكلهم في ذمة الدولة، وليس في ذمة جماعة من الدولة أو جماعة تحكم الدولة، ولا ذمة طائفة.

والدولة الحديثة، تقوم السلطة فيها على نظام المؤسسات، فلا فردية بالقيادة، ولا أحادية بالأيديولوجيا، والانتماء الوطني يكون لمؤسسات الدولة، وليس للأفراد أو الأيديولوجيات., أما في نظرية السلطة عندهم فموضوع المأسسة لا يزال مشوهًا ومشوشًا، وعند الحديث عن رأس السلطة تقول نظرية السلطة في الإسلام السياسي بعدم جواز تولي غير المسلم السلطة، ولا أن يكون من مذهب خارج مذاهب أهل السنة، وهذا خلل بائن في حقوق المواطنة في نظريتهم السياسية.

فما زالت نظرية السلطة عندهم تنظر إلى سلطة الفرد لا سلطة المؤسسة، وعندما تحدّث الفقهاء عن مواصفات ولي الأمر (الحاكم)، تحدثوا عن مواصفات فردية شخصية، لكون النظرية كانت وما زالت قائمة على الفرد لا على المؤسسة، والسلطات الثلاث في الدولة الحديثة ــالتشريعية والتنفيذية والقضائيةــ منفصلة عن بعضها بعضًا، ولا تحكم بفردانية.

والمكتبة الإسلامية أفقر ما تكون بكتب ما تسمى “السياسة الشرعية” التي تتحدث عن السلطة والحكم، ولعل أشهر ما في المكتبة الإسلامية من هذا النوع هو كتاب (الأحكام السلطانية والولايات الدينية) للماوردي الذي وضعه كما قيل في أثناء فترة حكم الأمراء البويهيين في القرن الخامس الهجري، من دون أن ننسى أن الماوردي أحد الموقعين والداعمين للاعتقاد القادري، ويعدُّ كتابه هذا أهم مرجع في السلطة إسلاميًا، ومن المآخذ الكثيرة على كتابه أنه عندما تحدث عن شروط السلطة (الإمامة الكبرى) يلاحظ القارئ أنه يتحدث عن نظام ثيوقراطي على نحو كبير، منها قوله: الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع([23]).

وقد ذكر الماوردي سبعة شروط للإمامة كلها تقوم على الفردية من جهة، ومن جهة أخرى تقوم على العصبية القبلية، كما تمنع غير المسلمين من الوصول إلى السلطة. ونلاحظ حتى منصب الوزارة والوزراء فيها ممنوع عن غير المسلمين؛ وهي: 1– العدالة 2- العلم 3- سلامة الحواس 4- سلامة الأعضاء 5- الرأي المفضي إلى سياسة الرعية 6- الشجاعة 7- النسب القرشي وتنطبق هذه الشروط على الوزارة باستثناء النسب الذي يمكن أن يضم غير المسلمين([24]).

مما تقدم فإن الفقه السياسي لإدارة الدولة اليوم المسمى السياسة الشرعية في الاصطلاح الإسلامي، وبحسب ما هو عليه غير صالح البتة لإدارة الدولة الحديثة، وهذا باب يحتاج إلى مراجعات جادة منهم، ورؤية جديدة متناسبة مع شكل ومؤسسات الدولة الحديثة، حتى الكتب التي أُلفت مؤخرًا مثل كتاب (السياسة والحكم: النظم السياسية بين الأصول وسنن الواقع) للدكتور حسن الترابي، وكتاب (السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها) للشيخ يوصف القرضاوي، وغيرهما من الكتب المعاصرة، بقيت أسيرة للشروط العتيقة التي أنتجت في القرن الخامس الهجري وما بعده، وقد فقدت صلاحيتها تمامًا في قيادة دولة اليوم؛ إذ إنها تقوم على نظام البيعة لا على العملية الديمقراطية والانتخاب، كما تقوم كما أسلفنا على بيعة الفرد الأوحد، ولا تشترط مدة محددة لفترة حكمه، وهذا متعارض اليوم مع تحديد مدة السلطة زمنيًا من جهة، والانتخاب ليس لشخص المبايع إنما لبرنامجه في الحكم.

نتائج وخلاصات

إن إقحام الدين في السياسة هو تلويث لطهرانيته بأمور السلطة والحكم، وتلك إساءة له لا تشريف، ولقد عمد الإسلام السياسي على توظيف الدين توظيفًا مسيئًا حتى يصل إلى السلطة، وتلك “ميكافيلية” الدينُ أطهر منها. كما أنّ نظرية السلطة في الإسلام السياسي تقف على رجلين من قصب، متى اعترف منظروه بالتخلي عن الحاكمية والإقرار بمبدأ المواطنة الكاملة، تهاوت نظريتهم، وفقدت مشروعية ترويجها شعبويًا؛ لذلك لم ولن يفعلوا.

ونظريتهم في السلطة لا تستند إلى برهان ديني صحيح، إنما إلى شعارات مغلفة بالدين تدغدغ المشاعر الدينية عند البسطاء، فهم يريدون السلطة بأي وسيلة، ولكن عليهم في عصر الحداثة أن يعترفوا بشجاعة أن الإسلام لم يقدم نظامًا سياسيًا لإدارة الدولة، ولكن الإسلام بالتأكيد يطالب كل من يصل إلى السلطة بالعدل بين مواطنيه كلهم.

إن نقد نظرية الإسلام السياسي في السلطة والحكم، والدعوة إلى دولة المواطنة التي يتساوى فيها المواطنون كلهم بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والطائفية والقومية، يراها دعاة الإسلام السياسي لا تقل تهمةً عن التجديف الديني؛ بل هي تجديف من نوع جديد يقف ضد الدين، يتنمرون به ضد كل من يعارض أو ينقد نظريتهم في الحكم. ونحن لم ولن نقف في وجه الإسلام الذي نفتخر بالانتماء إليه، ولكننا نريد إسلامًا إنسانيًا يمنح الحقوق للناس كلهم، ولا يرى بعض أتباعه أن تدينهم يمنحهم استعلاءً على الآخرين، نريد إسلام الدعوة؛ لأن إسلام الدولة أساء لإسلام الدعوة، ومنطق المواطنة المعاصرة يرى أن للدين مكانته المحترمة، ولكنه في الوقت نفسه لا يراه حقًا في احتكار السلطة والدولة.

إذًا؛ اعتراضنا على النظرية هنا وليس على الدين، نحن ننقد النظرية السياسية ولا ننقض الدين، حيث إن فكرة الإسلام السياسي منذ نشأتها إلى يومنا هذا، تتحمل مع الاستبداد وزر أرواح ذهبت ضحية لها خلال عقود من الصراع مع الأنظمة المستبدة، فالفكرة تحولت إلى أيديولوجيا مخضبة بالدماء، وعندما ندعو إلى دولة المواطنة الكاملة ذلك لأننا نرى فيها العدل والحرية والكرامة المتحققة للمواطنين كلهم بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والعرقية أو “الجندرية”، ويصح أن نقول سورية دولة ذات أغلبية إسلامية، ولكن لا يصح في دولة الحداثة، أن تتحول هذه الأغلبية إلى قوانين، لأن قوننة ذلك سيؤدي إلى حالة طبقية بين أفراد الشعب، وهذا ضد مبدأ المواطنة.

الخلاصات

مما تقدم نخلص إلى ما يأتي:

• أنموذج الحكم في الخلافة الإسلامية التاريخي الذي قُدّم منذ الدولة الأموية حتى الخلافة العثمانية، لا يتناسب مطلقًا مع معايير الدولة الحديثة.
• نظرية السلطة في الإسلام السياسي لا تمتلك نصًا دينيًا يثبت مشروعيتها.
• النظرية تعاني غيبوبة عن المعاصرة ومساكنة للتاريخ الإمبراطوري.
• جميع الادعاءات المعاصرة بأحقية السلطة إسلامويًا قامت على سلطة التاريخ، لا سلطة النص.
• القياس التاريخي على دولة الخلافة قياس فاسد، ولا يتناسب مع دولة المواطنة المنشودة.
• أي سلطة مهما كان انتماؤها الأيديولوجي لا تحقق المساواة الكاملة والعدالة الاجتماعية والحرية لمواطنيها جميعهم مهما كان انتماؤهم الديني أو العرقي، فهي دولة استبداد.
• الواقع السوري لا يسمح بقيام دولة ذات مرجعية دينية، أو طائفية، أو قومية، فالشعب السوري مكون من طوائف ومذاهب وقوميات شتى.
• معيار الدولة الحديثة في السياسة والاجتماع والاقتصاد يكشف ضعف نظرية الإسلام السياسي.
• اعتراضنا على النظرية هنا وليس على الدين، ونحن ننقد النظرية السياسية ولا ننقض الدين.
• التاريخ شيء والإسلام شيء آخر؛ فتاريخ المسلمين ليس دينًا، وعندما ننقد التاريخ فنحن نبرئ الإسلام.
• نحتاج في سورية إلى هوية وطنية جامعة، والهويات الدينية والطائفية والعرقية ليست كذلك.
• من حق كل مكون سوري أن يعتز بهويته التي توضح خصائصه التاريخية والاجتماعية والدينية، شريطة ألا تعلو على الهوية الوطنية الجامعة المتفق عليها دستوريًا.

1- ـ أبو الأعلى المودودي، نظرية الإسلام السياسية، خليل حسن الإصلاحي (مترجم)، ط1 (بيروت/ لبنان: 1969)، ص 31.
2- ـ المرجع نفسه، ص49. راجع تفصيل ذلك عند أحمد الرمح، “كيف أصبحت الديمقراطية كفرًا”، ميدل إست أونلاين. middle-east-online.com/البداية-من-الهند-البعد-السياسي-السلطوي-لفكرة-الحاكمية
3- ـ أحمد التلاوي، “لماذا اتفق البنا والمودودي واختلف أبناؤهما وتقاتل أحفادهما؟!”. https://www.noonpost.com/content/14107
4- ـ أحمد الرمح، “كيف أصبحت الديمقراطية كفرًا”.
5- ـ سعيد العشماوي، الإسلام السياسي، ط 4 (مصر/ القاهرة: مكتبة مدبولي الصغير، 1996)، ص 8.
6- ـ أوليفييه روا، تجربة الإسلام السياسي، نصير مروة (مترجم)، ط 2 (لندن: دار الساقي، 1996)، ص 7.
7- ـ مقابلة صحفية مع أوليفييه روا. https://www.alfaisalmag.com/?p=11238
8- ـ حسن الترابي، الإسلام والمسألة السياسية، ط 1 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2003)، ص 236.
9- ـ المستشار عبد الجواد ياسين، السلطة في الإسلام، ج 2، ط 1 (المغرب/ الرباط: مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 2019)، ص 8.
10- ـ علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم، ط 2 (مطبعة مصر، 1925)، ص 103.
11- ـ المرجع نفسه، باب: رسالة لا حكم، ودين لا دولة، ص 64- 80، بتصرف.
12- ـ محمد عبده، الأعمال الكاملة، ج 1، ط 1، (القاهرة: دار الشروق، 1993)، ص 865.
13- ـ ابن كثير، البداية والنهاية، (لبنان: بيت الأفكار الدولية، 2004)، أحداث: 447 للهجرة.
14- ـ https://www.alukah.net/sharia/0/40298/
15- ـ راجع حول المظلومية للكاتب نفسه؛ دراسة بعنوان “المظلومية في سورية، ما الحل؟:” www.harmoon.org/reports/المظلومية-في-سورية،-ما-الحل؟/
16- ـ سارميلا بوس، الحساب الميت: ذكريات حرب بنغلاديش عام 1971.Bose, S. (2011). Dead Reckoning: Memories of the 1971 Bangladesh War. London: Hurst and Co. الصفحات 73 ــ 122. بتصرف.
17- ـ الشيخ العراقي الشيعي “واثق البطاط” يقول: إذا قاتلت إيران العراق سأقاتل مع إيران
https://www.youtube.com/watch?v=G2YuYLqP8wo
وهذا فيديو آخر تسبب بأزمة وطنية في مصر نتيجة تصريح المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين:
https://www.youtube.com/watch?v=eauvMppqc3U
18- ـ أحمد الرمح: “في غياب ميشيل كيلو.. عندما يفقد التديّن إنسانيته”، مركز حرمون للدراسات المعاصرة.
www.harmoon.org/reports/في-غياب-ميشيل-كيلو-عندما-يفقد-التديّن/
19- ـ في الواقع أصبح عندنا رجال دين ومؤسسات دينية تمارس التنمر على من يخرج عن رأيها، وأما السلطات الحاكمة فكانت ترى نفسها أنها قدر الله فقد أورد ابن كثير في البداية والنهاية (8/126.) أنّ معاوية بن أبي سفيان عندما أخذ البيعة لابنه يزيد بالقوة لتوريثه قال: إن أمر يزيد قضاء وقدر، وليس للعباد الخيرة من أمرهم. كما ذكر ابن جرير الطبري في تاريخ الأمم والملوك. (9/ 31) أنّ أبا جعفر المنصور خطب بالحجاج في عرفة قائلًا: أيها الناس: إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه، وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته وإرادته، وأعطيه بإذنه، فقد جعلني الله عليه قفلًا، إن شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم، وقسم أرزاقكم، فإن شاء أن يقفلني عليها أقفلني، فارغبوا إلى الله وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم من فضله ما أعلمكم.
20- ـ المستشار سعيد العشماوي، أصول الشريعة، ط 5 (بيروت: دار الانتشار العربي، 2004)، ص 192.
21- ـ المرجع نفسه، ص 193.
22- ـ الدكتور محمد عمارة، الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية، ط 1 (القاهرة: دار الشروق، 1988)، ص 23.
23- ـ علي بن محمد البصري البغدادي (الماوردي)، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، (القاهرة: دار الحديث، باب عقد الإمامة)، ص 15.
24- ـ المرجع نفسه، باب شروط الإمامة، ص 19- 20، بتصرف.

  • باحث وكاتب سوري، من مواليد 1962، مقيم في فيينا، مهتم بشؤون الإسلام السياسي والفكر التنويري، عضو في المنتدى العالمي للإسلام الديمقراطي، شارك في نشاط لجان إحياء المجتمع المدني في سورية عام 2003، وشارك في تأسيس ملتقى الحوار الوطني السوري، وله عشرة كتب مطبوعة، إضافة إلى عديد من المقالات والأبحاث والدراسات، ويكتب بصورة منتظمة في مركز مينا للأبحاث-فيينا.

مشاركة المقال: