رؤية إصلاحية لإعلام وطني جديد وزارة الإعلام السورية؛ من بوق للسلطة، إلى جريدة للوطن

طوال عقود حكم نظام الأسد، شكّل قطاع الإعلام في سورية إحدى الأدوات المركزية في تثبيت الاستبداد وتغييب الحقائق وتوجيه الرأي العام، وبدلًا من أن يكون الإعلام الوطني مساحة للتعددية والحوار الحر، خضع بالكامل لسلطة الأجهزة الأمنية، وتحول إلى منبر للدعاية للسلطة، وأداة لقمع الرأي الآخر والتحريض ضده، الأمر الذي أفقده الصدقية وأبعده عن الجمهور السوري.

ومع سقوط الدكتاتورية وبدء مرحلة الانتقال نحو دولة يطمح السوريون لأن تكون ديمقراطية حرة، تبرز ضرورة ملحّة لإعادة بناء رؤية جديدة للإعلام تعكس القيم الوطنية والمبادئ الديمقراطية، وهذا التحدي الذي تتطلبه المرحلة لا يقتصر على إصلاح بنية وزارة الإعلام السورية وتحديث القوانين القائمة المتعلقة بالنشر التقليدي والإلكتروني الموضوعة منذ عهد الأسد، بل يمتد إلى إعادة صياغة فلسفة الإعلام ذاته لدى السلطة وطريقة تعاملها معه؛ من كونه وسيلة للسيطرة والتوجيه، إلى ركيزة للشفافية والمساءلة وبناء الثقة مع المجتمع.

في الدول الديمقراطية الحديثة، لم يعد هناك وجود لوزارات إعلام تقليدية وإشراف حكومي مباشر على الإعلام المحلي، واستعيض عنها بهيئات مستقلة تشرف على قوننة العمل الإعلامي وضمان حرية الصحافة والتعددية وحق الإعلام في الوصول إلى المعلومات، وانطلاقًا من هذا المبدأ، فإن الهدف النهائي من هذه الرؤية يتمثل بتحويل وزارة الإعلام السورية إلى “الهيئة العليا للإعلام” في نهاية المرحلة الانتقالية، إلى حينه هناك إصلاحات ضرورية وحاسمة على وزارة الإعلام والسلطة السورية اتخاذها لتحرير الإعلام السوري من إرث الاستبداد، وتحويله إلى قطاع مهني، مستقل، وتعددي، يساهم في ترسيخ ثقافة الحرية والمواطنة، ويدعم مسار العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.

هذه الورقة التي عملت عليها طوال أكثر من شهر، تقدمت بها لوزير الإعلام شخصيًا في 25 أيار/ مايو من هذا العام بعد اجتماع سابق جمعني به في دمشق في الشهر السابق، لكنني لم أتلقَّ أيَّ رد بشأنها حتى الآن لا سلبًا ولا إيجابًا، على الرغم من ذلك لاحظت الأخذ ببعض مقترحاتها، حيث أسست وزارة الإعلام بالفعل مديرية لمكافحة التضليل والمعلومات الخاطئة في حزيران/ يونيو، فيما تعمل حاليًا على وضع مدونة سلوك مهنية للعمل الإعلامي في سورية، وكلا الأمرين اقترحتهما في هذه الدراسة تفصيلًا.

إعادة تعريف

لتعمل وزارة الإعلام على نحو عصري يلائم مرحلة تحرر البلاد من الدكتاتورية، يجب أن تعيد تعريف مهمتها، من كونها مجرد أداة دعاية سلطوية تمثل الدولة، وجهة مخوّلة بتقرير حدود الخطاب العام ومحتواه، إلى جهة تنظيمية للفضاء الإعلامي الوطني، تساعده ولا تعرقله، وتعزز أجواء حرية التعبير والإعلام التعددي في البلاد، تمهيدًا لتتحول في نهاية المرحلة الانتقالية إلى هيئة عليا مستقلة وفق أسس جديدة ومختلفة، أسوة بالنماذج المشابهة في الدول الديمقراطية الحرة.

من إعلام الدولة إلى إعلام الوطن

يتطلب تحقيق هذه الرؤية من وزارة الإعلام اتخاذ أربعة إجراءات ضرورية، هي:

  1. إعادة هيكلة الوزارة.
  2. خلق بيئة تشريعية عصرية للإعلام.
  3. تعزيز المهنية والصدقية والإعلام الوطني.
  4. التمهيد للتحول من وزارة إلى هيئة عليا وطنية للإعلام.
  5. إعادة هيكلة وزارة الإعلام

تطوير مهمة وزارة الإعلام لتحقق رؤيتها الجديدة المقترحة، يستلزم إعادة هيكلتها الإدارية، بحيث يجري إلغاء مديريات قائمة كانت في السابق جزءًا من أدوات السيطرة على الإعلام، وإحداث مديريات جديدة تلائم المرحلة وفق الآتي:

أ- إلغاء مديريات وأقسام قائمة

• مديرية التوجيه المعنوي والإعلامي: تمثل رقابة سياسية مباشرة على الإعلام وتُلغي استقلالية الصحافة.
• مديرية الرقابة الإعلامية: الرقابة المسبقة تُعدّ انتهاكًا مباشرًا لحرية التعبير ويجب أن تُستبدل بالرقابة المجتمعية والقانونية بعد النشر.
• دائرة ضبط وسائل الإعلام الخاصة: لا يجوز لوزارة الإعلام أن تتحكم في وسائل الإعلام الخاصة أو تمنح التراخيص بناءً على الولاء.

ب- إحداث مديريات جديدة

مديرية حرية الإعلام وحماية الصحافيين:
رصد انتهاكات حرية الصحافة والإعلام.
تلقي شكاوى الصحافيين والمؤسسات الإعلامية.
إصدار تقارير سنوية عن حرية الإعلام في سورية.
مديرية تطوير الإعلام العام والمجتمعي:
الإشراف على تطوير الإعلام العمومي.
تعزيز التعددية الثقافية واللغوية في وسائل الإعلام.
دعم إنشاء إذاعات وتلفزيونات محلية مجتمعية.
مديرية الشفافية والوصول إلى المعلومات:
وضع آليات تسهّل وصول الإعلام والمواطنين إلى المعلومات العامة والحكومية.
تدريب موظفي الدولة على التعامل مع الصحافيين بشفافية.
إصدار تقارير دورية عن التزام الحكومة بحرية المعلومات.

مديرية التحقق الإعلامي ومحاربة التضليل:
دعم مشاريع التحقق من الأخبار والمعلومات (Fact-Checking).
تنظيم حملات توعية حول الأخبار الكاذبة ومخاطر التضليل الرقمي.
التعاون مع منصات التواصل الاجتماعي لمواجهة المعلومات الكاذبة.
مراجعة الخطاب الإعلامي وإزالة آثار التحريض والطائفية.
ملاحقة المروجين لخطاب التحريض والطائفية.

مديرية التدريب والتطوير الإعلامي:

إنشاء أكاديمية إعلاميه بالتعاون مع أقسام الصحافة والإعلام في الجامعات السورية لتدريب الصحافيين وتأهيلهم لسوق العمل.
تنظيم ورش عمل في أخلاقيات الإعلام، الصحافة الاستقصائية، والتقارير الحقوقية.
تدريب موظفي الوزارة المستمر.

  1. خلق بيئة تشريعية عصرية للإعلام

لخلق بيئة تشريعية صحية للإعلام السوري، يجب أولًا تعديل القوانين الناظمة القائمة حاليًا، والتي تمارس رقابة مسبقة على الإعلام، وتعاقب الصحافيين على ممارسة عملهم، وتعقد عملية الترخيص للمؤسسات وتغرقها بالمطالبات والموافقات، وثانيًا، سنّ قوانين جديدة تصوغ بيئة تشريعية جديدة للإعلام الوطني، تتيح له العمل باستقلالية من دون تدخل، وتمنحه حق الوصول القانوني للمعلومات، وتضمن له حرية ممارسة دوره وطرح الموضوعات والرؤى والأفكار، من دون خشية من العقاب والانتقام.

أ- إلغاء أو تعديل القوانين القمعية

سنّ النظام السابق سلسلة طويلة من القوانين والتشريعات التي جعلت العمل الصحفي محفوفًا بالمخاطر، وتسببت بالحد من حرية الصحافة والصحافيين وسهّلت اتخاذ إجراءات انتقامية ضدهم، ومن دون إلغاء وتعديل هذه التشريعات التي لا يزال كثير منها قائمًا حتى الآن، لا يمكن تغيير بيئة العمل الصحفي في البلاد، وأهم هذه القوانين:

1 – قانون المطبوعات (القانون رقم 50 لعام 2001) وتعديلاته لعام 2011:

هذا القانون وُضع ظاهريًا لتنظيم العمل الصحفي لكنه فعليًا جعل من إصدار الصحف أو المجلات عملية معقدة جدًا تتطلب موافقات أمنية وموافقات من وزارة الإعلام، كما تتضمن إجراءات عقابية واسعة بحق الناشرين والصحافيين، وقد أجرى النظام السابق عام 2011 تعديلات على القانون سميت القانون رقم 108 الذي جاء في سياق ما سماه “الإصلاحات الإعلامية”، لكنه احتفظ بالطابع القمعي للقانون السابق، بل أضاف إليه بنودًا جديدة تسمح للسلطة بممارسة رقابة إضافية.

أبرز المواد القمعية في قانون المطبوعات:

• (المادة 8 وما بعدها) الترخيص المسبق للمطبوعات: يعطي سلطة تقديرية واسعة للجهات الحكومية لمنع إصدار أي صحيفة أو مجلة من دون وجود معايير واضحة.

(المادة 51) المسؤولية الجنائية للصحافي: تعاقب الصحافيين بالسجن والغرامة على النشر الذي يُعدّ مخالفًا للنظام العام أو الآداب العامة، أو مسيئًا “لوحدة الوطن” أو “هيبة الدولة”، وتستخدم عبارات فضفاضة تعطي مجالًا واسعًا لتجريم الرأي.

(المادة 29) المسّ بـ “رموز الدولة” و”الأمن القومي”: تُستخدم هذه المادة في قمع أي انتقاد للسلطة ومؤسساتها، وقد استغلها النظام السابق بصورة واسعة لملاحقة الصحافيين وأصحاب الرأي.

(المادة 52) غرامات باهظة: تفرض غرامات مالية تعجيزية على المخالفات الصحفية، ما يشكل وسيلة ترهيب للصحافيين، وأداة قانونية لإغلاق وسائل الإعلام بصورة غير مباشرة عبر إرهاقها ماليًا.

(المادتان 46 و47) مسؤولية مدير التحرير ومالك المطبوعة: تحمّل هذه المواد كلًا من مدير التحرير والناشر مسؤولية قانونية مباشرة على ما ينشره الصحافيون في وسائلهم، ما يجعلهم عرضة للملاحقة الدائمة، ويجبر الناشرين على خفض مستوى حريات الصحافيين، ووضع رقابة ذاتية مسبقة على ما ينشرونه.

(المادة 58) حظر المطبوعات الأجنبية: تمنح لوزارة الإعلام الحق الكامل في منع توزيع المطبوعات الأجنبية إذا عُدّت “مخالفة للسياسة العامة”.

2- قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2022 (القانون رقم 20):

جاء هذا القانون تعديلًا لقانون سابق صدر بالاسم ذاته بالمرسوم التشريعي رقم 17 لعام 2012 ، وزاد القيود على نحو كبير عن سابقه، وقد شكل هذا القانون في عهد الأسد إحدى أبرز الأدوات لتقييد حرية التعبير في الفضاء الإلكتروني، ومنحها سلطة واسعة لتجريم النقد والمعارضة، واستُخدم على نحو واسع لمعاقبة كثير من المواطنين والصحافيين واعتقالهم.

أبرز المواد القمعية في قانون الجرائم الإلكترونية:

• (المادة 22) التشهير عبر الإنترنت: استخدمت لمعاقبة الصحافيين الذين ينشرون معلومات عن فساد موظفي الدولة أو رجال الأعمال حتى لو كانت صحيحة، وتعاقب بالسجن من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة حتى ثلاثة ملايين ل.س.

(المادة 24) نشر محتوى كاذب على الشبكة: استخدمت على نحو متكرر لتجريم النقد السياسي أو الاقتصادي، بدعوى نشر معلومات كاذبة “من شأنها المساس بهيبة الدولة أو النيل من مكانتها، وتعاقب بالسجن من سنة إلى خمس سنوات وغرامة يمكن أن تصل إلى خمسة ملايين ليرة سورية.

(المادة 27) نشر محتوى يسيء إلى سمعة الموظف العام: جرّمت فعليًا انتقاد أي موظف حكومي، وتعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من مليونين إلى أربعة ملايين ل.س.

(المادة 28) نشر محتوى يمسّ شرف أو كرامة شخص: مادة غامضة، يمكن استخدامها ضد أي منشور ناقد، حتى لو كان موضوعيًا، ويعاقب المتهم بالسجن من ثلاثة أشهر إلى سنة، وغرامة تصل إلى مئة ألف ليرة سورية.

المادة (43) ضبط الأجهزة الرقمية: تستخدم لترهيب الناشطين وتسمح بمصادرة أجهزتهم وبياناتهم الشخصية من دون حماية كافية للخصوصية.

3- قانون العقوبات العام:

نظر القانون المدني العام إلى ما تسمى “جرائم النشر” بوصفها أفعالًا جنائية، وتعامل مع الصحافيين والعاملين في حقل الإعلام بوصفهم مجرمين مساويًا بينهم وبين القتلة واللصوص من دون تمييز في إجراءات التقاضي والجزاءات.

أبرز المواد القمعية في قانون العقوبات:

• (المواد 285 و286) وهن نفسية الأمة: تنص على عقوبة السجن لكل من “يوهن نفسية الأمة” أو “يذيع أخبارًا كاذبة توهن الشعور القومي”، وقد استخدمت ضد صحافيين لمجرد تغطيتهم للاحتجاجات.
• (المادة 50) الضرر المعنوي للمؤسسات: استُخدمت مبرّرًا لرفع دعاوى نيابة عن مؤسسات الدولة ضد الصحافيين، بحجة “إلحاق الضرر بسمعة الوزارة أو المؤسسة”، حتى لو كانت تلك المؤسسة متورطة بالفساد.
• (المادة 164) الضرر المعنوي لموظفي الدولة: تُستخدم هذه المادة لتبرير رفع دعاوى تعويض ضد الصحافيين بحجة أن تقاريرهم “ألحقت ضررًا معنويًا” بمسؤول أو مؤسسة.
• (المواد 146، 557) التشهير: استُخدمت لملاحقة ومقاضاة الصحافيين والتضييق عليهم خلال قيامهم بعملهم لكشف الفساد أو التقصير، وتعطي الحق لأي شخص متضرر بـ”الكرامة أو السمعة” أن يطالب بتعويض مادي، وقد فُسّرت هذه المادة مرارًا لمصلحة مسؤولين أو رجال أعمال نافذين لرفع دعاوى ضد الصحافيين أو المواقع المستقلة.

ب- سنّ قوانين وتشريعات جديدة

إصلاح البيئة التشريعية والقانونية للإعلام السوري يتضمن:

• إدراج مادة صريحة في الدستور تضمن حرية الرأي والإعلام: وتمنع إصدار قوانين تحدّ من استقلالية الصحافة والصحافيين وحريتهم في ممارسة عملهم.
• سنّ قوانين شفافية وحرية المعلومات: تضمن وصول الإعلام إلى المعلومات العامة، وحماية مصادر الصحافيين.
• تأسيس محكمة خاصة بالإعلام: تخضع لإجراءات قانونية خاصة للصحافيين والعاملين في حقل الإعلام المتهمين بارتكاب ما تسمى “جرائم النشر”، وتحترم دورهم وصفتهم وطبيعة عملهم، ويقوم على هذه المحكمة قضاة مؤهلون ومتخصصون، ويتخذون القرارات بسرعة وسهولة على نحوٍ لا يعرقل عمل الصحافيين والمؤسسات ولا يستنزفهم بالوقت والإجراءات.

  1. تعزيز المهنية والصدقية والإعلام الوطني

إيمانًا بدور الإعلام في بناء سورية جديدة، ديمقراطية وتعددية، تقوم على الحرية والكرامة والعدالة، وتأسيسًا على حق المواطن في المعرفة، فإن على وزارة الإعلام تنظيم الممارسة الإعلامية، بعيدًا من الوصاية أو التوجيه السياسي، وبما يضمن الصدقية، ويحمي السلم الأهلي، ويعزز الهوية الوطنية الجامعة، وذلك عبر اعتماد مدونة “السلوك الأخلاقي والمهني للإعلام السوري” قائمة على المعايير الدولية المعتمدة في مجال حرية الصحافة، تجري صياغتها بالتشاور مع نقابات الصحفيين والمجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية الحكومية والخاصة، بحيث تكون ميثاقًا مهنيًا ملزمًا لجميع العاملين في الحقل الإعلامي على الأراضي السورية.

المبادئ العامة لمدونة السلوك الأخلاقي والمهني:

• حرية الصحافة مصونة: لا يجوز فرض رقابة مسبقة على الإعلام أو حجب المعلومات إلا بما يتوافق مع الدستور والقانون.
• الصدقية والموضوعية: الالتزام بعرض الوقائع بدقة وتوازن، مع احترام التعددية في الآراء.
• الاستقلالية: استقلال المؤسسات الإعلامية عن السلطات السياسية والحزبية والدينية والمالية.
• المصلحة العامة: تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الفئوية أو الشخصية.
• الشفافية: حق الجمهور في معرفة مصادر المعلومات ما لم تتعارض مع حماية الخصوصية أو سلامة المصدر.

المعايير الأخلاقية للمدونة:

  1. رفض خطاب الكراهية: الامتناع عن نشر أو ترويج أي محتوى تحريضي يقوم على أساس طائفي، عرقي، ديني، مناطقي أو جنسي، إلا ضمن إطار المكاشفة الوطنية والرغبة في التوصل إلى توافق.
  2. الموضوعية والمساواة في التمثيل: إتاحة الفرصة أمام المكونات السورية جميعًا للتعبير عن نفسها بصورة عادلة ومتوازنة، وعدم الانزياح لمكون ضد آخر.
  3. حماية الضحايا: عدم استغلال صور أو شهادات الضحايا على نحو ينتهك كرامتهم أو يزيد من آلامهم.
  4. احترام الخصوصية: الالتزام بعدم التدخل في الحياة الخاصة للأفراد من دون مبرر واضح يخدم المصلحة العامة.
  5. التحقق من المصادر: منع نشر الشائعات والأخبار الكاذبة، واعتماد التحقق المهني قبل النشر.

معايير العمل المهني:

  1. حق الرد والتصحيح: منح الأفراد والمؤسسات حق الرد على ما يُنشر بحقهم، ونشر التصحيحات بوضوح.
  2. فصل الرأي عن الخبر: التمييز الواضح بين المادة الإخبارية والمقالة التحليلية أو الرأي الشخصي.
  3. التوازن والتعددية: الحرص على تمثيل وجهات النظر المختلفة في القضايا الخلافية.
  4. المصادر المجهولة: استخدامها بحذر، فقط عندما تكون المعلومات ذات أهمية عامة ولا يمكن الحصول عليها بطرائق أخرى.
  5. السلامة المهنية: الالتزام بمعايير السلامة للصحافيين في الميدان، وحمايتهم من التهديدات والانتهاكات.

4- التمهيد للتحول من وزارة إلى هيئة وطنية للإعلام

للانتقال إلى إعلام وطني عصري، حر وحقيقي، يجب على وزارة الإعلام أن تمهّد للتحول من شكلها وكيانها الحالي التابع للحكومة، لتصبح هيئة عامة ذات استقلالية، مع انتهاء المرحلة الانتقالية عام 2030 كما أعلنت السلطة، ووضع دستور دائم للبلاد.

هذه الهيئة التي نقترح تسميةً لها الهيئة السورية للإعلام العام Syrian Public Independent Authority، ستكون الشكل الجديد الناظم للإعلام في البلاد على غرار الدول الديمقراطية وبعض الدول المجاورة كلبنان.

الهيئة السورية للإعلام العام SPIA

هيئة إعلام عام مستقلة تمثل المصلحة العامة على غرار BBC البريطانية، تموَّل من الدولة لكنها تُدار من مجلس مستقل يمثل النقابات والمجتمع المدني والجامعات، وتقوم على:

الاستقلال التحريري والإداري.
الشفافية المالية.
التعددية والتنوع.
خدمة الجمهور، وليس السلطة.
تخضع لرقابة شعبية وبرلمانية، مستقلة عن السلطة التنفيذية.

الآلية المقترحة:

تأسيس الإطار القانوني المستقل:

إصدار قانون إنشاء “الهيئة السورية للإعلام العام SPIA “، ينص على:

استقلال الهيئة وحظر التدخل الحكومي أو الحزبي في سياساتها.
إنشاء مجلس إدارة مستقل يُنتخب من البرلمان الممثل للشعب.
تأسيس صندوق تمويل هجين من الدولة والمواطنين والمتبرعين والريع الإعلاني.

مهمات الهيئة:

وضع سياسة إعلامية عامة عصرية في سورية تضمن الحريات وتراعي التنوع.
مراقبة امتثال المؤسسات الإعلامية العامة والخاصة لمدونة السلوك والأخلاق.
منح التراخيص للمؤسسات الإعلامية وفق شروط محددة ومعلنة.
الإشراف على المؤسسات الإعلامية العامة المنقولة من تبعية الدولة.
إصدار تقارير أداء سنوية شفافة تنشر للعموم ويطلع عليها مجلس الشعب بانتظام.

  1. مجلس الأمناء:

يعيّن البرلمان مديرَ المجلس وأعضاءه.
يتكون من ممثلي النقابات المهنية، والجامعات، والقضاء، والمجتمع المدني.

  1. مؤسسات الهيئة:

تحوّل تبعية مؤسسات إعلام الدولة كالصحف والهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ومؤسسة الإعلان إلى ملاك الهيئة.
يعين مجلس أمناء الهيئة مدراء مؤسسات الإعلام.

  1. التمويل:

عوائد مؤسسة الإعلان، ودخل الإعلانات.
رسوم إعلامية رمزية على فواتير المواطنين (الكهرباء، الاتصالات…) كما في بريطانيا.
دعم حكومي ثابت غير مشروط يحدده البرلمان.
المساهمة العامة من المتبرعين المحليين.
الشراكات والبرامج الدولية المعنية بدعم حرية الإعلام، على أن لا يرتبط ذلك بأي اشتراطات غير مهنية ووطنية.
يُمنع التمويل المباشر من أي جهة حزبية أو أمنية أو من الدول الخارجية.

في الختام

المطلوب اليوم ليس إعلامًا بديلًا يخضع لسلطة جديدة، بل فضاء مفتوح يعكس التعدد، يحارب خطاب الكراهية، يضمن حرية التعبير، ويعزز قيم العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. وبهذا فقط يمكن أن يكون الإعلام السوري شريكًا في صناعة مستقبل مختلف، أكثر إنسانية، وأكثر عدلًا، وأكثر التصاقًا بأحلام السوريين. وإن الرؤية المقترحة أعلاه تحقق هذه الأهداف، فيما لو أرادت إدارة الشرع حقًا أن تقدم نموذجًا مختلفًا عن السياسات والآليات والوسائل التي اتبعها النظام السابق للسيطرة على الرأي العام وإغلاق آفاق الوعي والحرية أمام السوريين.

  • كاتب وصحافي سوري، من مواليد مدينة داريا في ريف دمشق 1977، إجازة في العلوم -جامعة دمشق، دبلوم في التأهيل التربوي-جامعة دمشق، كاتب سيناريو تلفزيوني، مدير عام مؤسسة شبابلك الإعلامية 2005-2011، ينشر في العديد من الصحف والمواقع العربية.

مشاركة المقال: