استهلال
ماذا يحدث عندما ينتفض عامّة الخلق في الأحياء المهمّشة في المدن والأرياف ويكوّنون سلطتهم الخاصّة؟ ماذا لو استغلّوا ساحات التهميش والإقصاء المفروضة عليهم ليفرضوا سلطتهم، على الرغم من هيبة الدولة وجبروتها؟ ومن المثير للانتباه حقًا أنّه كلّما زاد القمع وتعدّدت ضروب المذلّة والإهانة والإحباط اليوميّ كان هذا دافعًا نحو المواجهة العلنية السافرة، أي إن الأنظمة الأشدّ قمعيّة هي الأكثر تعرضًا لأعنف تعبير عن الغضب. والسؤال متى تمارس هذه السلطة سلوكًا عنيفًا يصل إلى حدّ الغضب المستعر وممارسة الانتقام والتصفية الدمويّة الفعليّة للعامّة حين يتطاولون ويتجرؤون عليها، وكيف يحدث ذلك؟
يحدث هذا التحوّل عندما تُدرك السلطة المدعومة بأجهزة أمنية متوحشة إمكانات الخطر المضمر في هذه المساحات -الساحات- للخطاب الذي يتداوله العامة من وراء ظهرها، وينال فعليًا من سطوتها وهيبتها، تلك الهيبة التي أُسست على القوة والقمع والاستبداد والخوف ولم تبنَ على تعاقد اجتماعي ورضى وقبول وتبادل للحقوق والواجبات بين الحاكم والمحكوم. إنّ السلطة تعي بغتة الإمكانات الخطرة لتنامي هذا الخطاب وتطوره وتراكمه وانتشاره والذي قد يغدو تربة خصبة ممهدة لحدوث التمرّد الفعليّ أو الثورة الحقيقية، حيث يعدّ إنذارًا مبكّرًا ملوّحًا بإمكانات اختلال العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بل اختلال النظام والأمن، وحتى اهتزاز العقد الاجتماعي والسلم الأهلي. وتزداد وطأة المسألة وخطورتها حين لا يكتفي هؤلاء الرعاع -كما تصفهم السلطات الغاشمة في إعلامها الرسمي- بالأقاويل والشائعات، بيد أنهم يحاصرون السلطة ويراقبونها ويخترقون عوالمها السريّة -أناشيد إبراهيم قاشوش في ساحة العاصي في مدينة حماة- منتهكين قدسيتها المزعومة.
ذلك أن العامّة من ثوار الثورة السورية، قد كوّنوا سلطة خاصّة بهم داخل الدولة مع بدايات الثورة السورية “التنسيقيات” وكانت رئاستها من عامّة الثوار المغمورين -جمال معروف معلم بناء، معمار، من جبل الزاوية في ريف إدلب- وغيره ممن كانوا يتزعمون الناس ميدانيًا، ويقضون في أمورهم، ويحققون مصالحهم، ويحمون أمنهم وسلامتهم. وكان الناس في الأحياء الهامشية الفقيرة في المدن والأرياف السورية، والذين حملوا الثورة على أكتافهم قد رفعوا “العلم” الخاص بهم، والذي هو العلم الحالي الذي يشير إلى الثورة السورية وهو نفسه علم الجمهورية السورية الذي رُفع أول مرة عام 1932 عندما كانت البلاد تحت الانتداب الفرنسي، والذي عُرف شعبيًا من خلال مسلسل “باب الحارة”. رفعوه فقطعوا بذلك شعرة “معاوية” بينهم وبين السلطة الحاكمة في دمشق، فجنّ جنون السلطة بأجهزتها الأمنية كافة، بل نكاية بها، راحوا يشكلون سياجًا أمنيًا وقائيًا لحماية مئات القادة من الثوار السوريين، وتقديم الدعم المادي والمعنوي لهم، وما أكثر هؤلاء القادة في سياق الثورة السورية التي امتدت سنوات طوال وشهدت كثيرًا من صعود الجبال وهبوط الوديان في مسيرتها، هؤلاء القادة عملوا جاهدين -وعمدوا ذلك بالدم فعلًا لا قولًا- لتحقيق حلم الانتصار الذي كان يراود كثيرًا من قادة الثورة السورية.
ما الذي فعله هؤلاء القادة من الثوار بالناس في سورية، وكيف استطاعوا قيادة هذه الثورة العارمة التي بدأت شوكتها تقوى بفعل انتظام صلاة أيام الجُمعة في المساجد؟ نعم، لقد أدّت أيام الجُمعة في المساجد دورًا محوريًا في الثورة السورية، وقد سعت الأجهزة الأمنية بكل قوة لمنع خروج هذه التظاهرات من المساجد، ولكنها أخفقت في ذلك، وفي النهاية خسرت رهان الحل الأمني. أعود هنا إلى ما لاحظته الدكتورة هالة أحمد فؤاد أستاذة الفلسفة الإسلامية -التصوف الإسلامي في كلية الآداب بجامعة القاهرة نقلًا عن “جيمس سكوت” أحد أهم علماء السياسة والأنثروبولوجيا في عصرنا في تفسيره لهذه المسألة في كتابه المميز “المقاومة بالحيلة- كيف يهمس المحكوم من خلف ظهر الحاكم” حيث يرى أن: “الخضوع والإذعان الإكراهي في المجتمعات الحيّة، لا ينبئ عن استسلام حقيقي أو اقتناع فعلي، بل إنه نتاج الخوف من العقاب والرقابة المهددة. ويؤدي التهديد الشديد إلى ردة فعل عكسية حيث ينمو خلف قناع الخضوع التمرد والمخالفة وليس العكس، وكأن الإكراه يحصن الخاضع ظاهريًا ضد الإذعان المنشود ويولد لديه الرغبة العارمة في التمرد العنيف. أكانت هذه المواجهات أو أعمال التحدي والعنف المعلنة التي يمارسها المقموعون مدبرة ومنظمة أم عفوية وغير مدروسة، أكانت نتاج تراكم طويل لتراث مكتوم مستتر مقاوم للسلطة بأشكال متخفية ومراوغة، أم نتاج رقابة صارمة حالت دون نمو هذا التراث المكتوم وتراكمه، بل عزلت المحكومين بعضهم عن بعض، وحرمتهم إمكانات التفاعل والتواطؤ، فإن ميدان تفجر التحدي العلني سيغدو دومًا الميدان الأكثر براحًا وحرية لاتصال المحكومين بعضهم ببعض اتصالًا حقيقيًا مؤثرًا. بل إنّ هذا الميدان سيغدو مساحة يكتشف عبرها كل من القامع والمقموع طاقاته الحقّة وإمكاناته المضمرة عبر بلوغ الصراع بينهما ذروته، وتوتره ما بين تجاوز المقموع لجميع الحدود وانتهاكه لجميع المعايير والقوانين والقيم من ناحية، وعنف الرد السلطوي وأشكال الردع والعقاب شديدة العنف والقسوة والصرامة، من ناحية أخرى”.
مقدمة
في نهاية المطاف، وبعد سنوات من الآمال العريضة والخيبات الكبيرة التي أثقلت كاهل الثورة السورية، جاء يوم الانتصار على يد أشدّ الفصائل الإسلامية راديكالية -يا للهول، من كان يظن بأن الثورة السورية ستنتصر!- نعم، انتصرت الثورة السورية في ليلة الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 بعد كفاح مرير دام أكثر من عقد، حيث هرب الرئيس السوري بشار الأسد مع بعض أفراد أسرته في طائرة خاصة نقلتهم عبر أجواء مشحونة بالتوتر إلى حليفهم اللدود فلاديمير بوتين في موسكو، وقد أعلن بشار الأسد أكثر من مرة عبر الصحافة العربية والدولية أنه لن يهرب، ولكنه هرب، وانتصر الحلم، هل كان حلمًا بالفعل، نعم، كان حلمًا بكل تأكيد. وبعد أيام من ذلك الحدث الجلل اعترفت الثورية المتمردة والسجينة السابقة والتي كانت منضوية تحت راية أشدّ الفصائل الشيوعية راديكالية -حزب العمل الشيوعي- الروائية السورية حسيبة عبد الرحمن في لقاء مُتلفز مع حسين الشيخ مقدم برنامج بودكاست “بتوقيت دمشق”، قائلة: (إن عصب الحراك الذي جرى في سورية من بداية ربيع عام 2011 كان إسلاميًا) وأضافت: (وهذه قناعتي، ولم أغيرها. هذه الملاحظة تأكدت لي مذ بدأتُ في مراقبة حراك مدينة دوما من ريف دمشق بصورة دقيقة، حيث ذهبت إليها مع بداية الحراك، مع العلم أنني لم أرَ هذا المشهد في المكان الذي أسكنه في حي “كفر سوسة” الدمشقي. في المجمل كان يسند حراك الشارع السوري ويحركه ويدفعه إلى الأمام “إسلاميون” بطيفهم الواسع من الإسلام التقليدي إلى الإسلام الشعبي إلى الإسلام المتشدد والذي أصبح راديكاليًا لاحقا). وتعقيبًا على كلام المناضلة حسيبة عبد الرحمن، وما يُثير الانتباه حقًا أنها استطاعت قراءة الواقع بهذه النظرة الثاقبة. هل لأنها ابنة هذه الثورة وتعرف شحمها ولحمها؟ وهي تبدو محقة في هذا الأمر تمامًا، ولو خالفها في رؤيتها هذه كثير من رفاقها في حزب العمل الشيوعي، هل هذا مديح؟ نعم، أعترف بأنني أثني على حسيبة عبد الرحمن وأشد من أزرها في موقفها هذا.
على هامش انتصار الثورة السورية
حركة الاحتجاجات، أو قل الثورات، التي شهدها الشارع العربي حاولت قرض أو قصّ الظلم والاستبداد من حياة الناس، ويمكننا هنا تأكيد فكرة تقول: هذه الاحتجاجات على امتداد الوطن العربي لم تستلهم قيمها ورموزها من الفكر السائد عند النُخب المثقفة التقليدية، أو كما يصفهم المفكر العراقي هادي العلوي: أهل الثقافة المترجمة -وأنا هُنا لا أُعيب هذه الاتجاهات الفكرية- ذلك لأن هذه العقائد الفكرية التقليدية بقيت في العالم العربي هامشية معلقة على جسم الثقافة والوعي العربيين لا جذور لها وحسب، بل لا تبدو في الصورة التي هي عليها قادرة على الردّ على مطالب احتجاج عوام الخلق، وفهم أبعاد هذه الاحتجاجات الشعبية المتعددة والشاملة التي تبحث بدورها عن تغير شامل في مفهوم شرعية السلطة. وتنسف بذلك تلك الأبنية القانونية التعسفية -المخالفة لأبسط حقوق المواطن والمُواطَنة- والتي حكمت جمهوريات العسكر وأوصلت المواطن فيها إلى حالة العبودية بأبشع صورها.
إن عوام الأرياف ورعاع المدن الذين يعيشون على هامش الحياة السياسية والذين تمردوا بطرائق فجّة أرعبت أنظمة الحكم العسكرية، لا يخافون من ذلك التغير الشامل ، والذي سينقل المجتمع إلى باب الحرية الذي “بكل يد مضرّجة يُدقُّ”. بل ظهر الخوف جليًا عند المرعوبين من أهل الثقافة المترجمة وأهل السلطة. وبما أن القوى التقليدية لم يعد بإمكانها أن تتحول إلى منهل لقيم جديدة، معارضة وشعبية، وأن تواكب ممارسة متجددة وتقود تجربة تاريخية جديدة، إضافة إلى أنها عند تراجع النظام العام تراجعت معه، وربطت نفسها به نظرًا إلى خوفها من هذه الاحتجاجات الشعبية الفجّة العارمة. والسؤال: كيف تنضج هذه الاحتجاجات في ظل التغول في القتل من حاكم عسكري فظ، غليظ القلب، خالٍ من الضمير والوجدان، وهروب أهل الثقافة المترجمة إلى الظل خوفًا على عيونهم من نور الشمس الساطع.
ضوء من كارل ماركس
سأطرح سؤالًا وأحاول في الجواب وضع أساس فكري لبناء هذه المقالة الإشكاليّة والتي لا يتفق الجميع على متانة بنيانها، والقصد هنا أن توضع الأمور في سياقها الصحيح، بمعنى أن ننهج نهج التفكير المستقيم ونبتعد عن التفكير الأعوج. وفي العموم أحاول من خلال طريقة تفكير ماركسية، عبر نهجها الأشهر “الديالكتيك” تقديم جواب عن سؤال مهم في هذه المرحلة من الثورة السورية: هل يحتفظ أحمد الشرع بزمام السلطة؟ وليسمح لي القارئ هنا بكشف أحد أقوى مناهج الماركسية في التفكير وهو يُخالف ما يتفق عليه أهل الماركسية السورية اليوم: السياسة هي التعبير المكثف عن الاقتصاد كما يقول ماركس. وكارل ماركس عرّف المادية الجدلية “الديالكتيك” بأنها المنهج الفلسفي الذي يُفسر تطورات الطبيعة والفكر الإنساني والمجتمع استنادًا إلى قوانين مادية وموضوعية، لا تعتمد على وعي الأفراد أو رغباتهم، بل تتحدد بالعلاقات المادية بين البشر في سياقها التاريخي والاجتماعي. وقد خالف بذلك فلسفة أستاذه هيغل الذي رأى أن الأفكار هي المحرِّك الأساسي للتاريخ؛ إذ أكد ماركس أن الوجود الاجتماعي هو ما يُحدّد الوعي، بمعنى أن الأفكار لا تغيّر العالم، بل الصراع الاجتماعي “الطبقي” بين الحاكم والمحكوم، بين الظالم والمظلوم، بين العمال ورأس المال هو ما يدفع عجلة التاريخ إلى الأمام. وهنا أطمح بوصفي باحثًا أن أتعلّم من الواقع الاجتماعيّ في حركته، وأندمج فيه، وبذلك أقف على أرض مُنتجة، أحرثها، وأبذرها، أتعب في سقايتها، وتعشيبها، وتنميتها، ومن ثمّ أحصد، أسوق المحصول إلى البيدر، أُذرّي، في يوم ريح، وأجمع حبًّا. لأن معادلة الوقوف على أرض فكريّة صلبة لم تَعد برهانًا راسخًا، البناء المُشيّد لا بد له من أرض جبليّة صلبة، راسخة، تحميه من العوامل الطبيعية، أما نحن معشر البشر الذين ندّعي امتلاك نظريّة علميّة للمعرفة، فإننا نحتاج دائمًا إلى إعادة إنتاج قيمنا المعرفيّة وفقًا لحركة الواقع، وهذا في ظني “لب فلسفة كارل ماركس”، ذلك أن العلم والنظريّة العلميّة تبدأ من الواقع التجريبيّ في حركته، لتعطي لهذا الواقع دفعة إلى الأمام في سبيل حياة أفضل للبشريّة.
تعال معي لنسقط طريقة التفكير هذه على الواقع السوري اليوم، فماذا نجد؟ نجد عديدًا من القوى السياسية أفرادًا وجماعات في الداخل والخارج يُطالبون بأن تكون الدولة بعد انتصار الثورة السورية: ديمقراطية علمانية تعددية تشاركية، تضع دستورًا يعتمد المواطنة في تعامله مع الأفراد، وتحقيق المساواة الكاملة بين مكونات الشعب السوري في التمثيل الحكومي والبرلماني والمؤسساتي، وهذا يعني دولة تشبه ما أنتجته الحداثة الأوروبية. لا شك في أن هذا حق، ولكن هل نكون مثل الذي “يغني في الطاحون”؟ من يصنع هذه الدولة المنشودة، ويقوم على حمايتها؟ الجماهير، الشعب، الأحزاب، النُخب، أم من؟ نحن بذلك نعيد قلب الماركسية رأسًا على عقب، بعد أن أوقفها كارل ماركس على قدميها، ومن ثم نعود إلى مثالية هيغل، ألم نتفق قبل قليل على أن “الأفكار” لا تصنع دولة بل الواقع الاجتماعي -البنية التحتية- بما فيه من روافع اقتصادية وسياسية واجتماعية هي -أي الروافع- من يحدد بناء هذه الدولة. لقد ذكرت بوضوح أنني أتعامل مع المنهج الماركسي، ومن ثم وفقًا للمادية التاريخية، القاعدة الاقتصادية -علاقات الإنتاج- يُحدّد شكل البناء الفوقي: السياسة، الدين، القانون، الثقافة، إلى آخره. فالتاريخ لا تصنعه الأفكار المجردة، بل الناس في عملهم اليومي، في طريقة كسبهم لأرزاقهم. عندما يبدأ الناس في الإنتاج وتستقر حياتهم يصنعون نظامًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا يشبههم، ولكن، أنت لا تثق بهذه المُعادلة أليس كذلك؟ وتسأل: ما قصد الماركسية من أن الأفكار لا تُغير العالم، وهل هي تُناقض عبارة ماركس الشاب في أول حياته قبل أن ينضج، وصارت واحدة من أشهر ما قاله: “الفلاسفة لم يفعلوا غير أن فسّروا العالم بأشكال مختلفة، ولكن المهمة تقوم في تغييره”. من يُغيّر العالم يا ماركس؟ وقف كارل ماركس بقوة وعزيمة ولهجة شديدة في كتاباته مع ثوار كومونة باريس الذين هبوّا لاقتحام أبواب السماء في ربيع عام 1871 وقد قال ماركس فيهم ما قال. وعشيّة انتصار البلاشفة في روسيا حاجج لينين في كرّاسه المشهور الصادر أول مرة عام 1918 في بطرسبورغ بعنوان: هل يحتفظ البلاشفة بالسّلطة؟ بأنّ المرتعبين من التغيير عادة ما يسلّمون بالثورات، نعم، ولكن شرط ألا تسفر عن وضع معقّد جدًا. ولكن هل يمكن أن توجد ثورات كهذه؟ الثورات، وإن بدأت في وضع قليل التعقيد في الظاهر، تسفر على الدوام، خلال تطورها، عن وضع معقّد جدًا، ذلك لأنّ الثورات الحقيقيّة، العميقة، الشعبيّة، على حدّ تعبير كارل ماركس، هي في النهاية عملية معقّدة ومؤلمة إلى أقصى حدّ.
وقد لا تكون هذه الحياة الجديدة الناتجة من الثورات أفضل من سابقتها القديمة، بل قد تكون حياة الناس ومؤسسات الدولة في عطالة لا يحسدون عليها، وهذا مفهوم، لأنّ الصيرورة التاريخيّة تفيد بصعوبة التنبؤ بنتائج الثورات العارمة. يقول المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه صديق فيدل كاسترو وأرنستو تشي غيفارا في عدد خاص من مجلة “لوبوان” الفرنسية ترجمه لي صديقي المترجم السوري غسّان غنّوم: (أحد مفارقات الثورات أنّها تؤدي إلى إبطاء سير الأشياء، بعد تسارع كبير في البداية، قبل أن يتحول لاحقًا إلى منظومة مكابح ثقيلة. هناك في الثورات مناسبات كثيرة للفرح والبهجة، ولكن أيضًا للحزن والعزاء، وعلى المدى الطويل تتحول البهجة إلى مرارة، وأحيانًا كثيرة إلى كوابيس).
وفي رأيي، إن الثورات تسير بالمجتمع خطوتين إلى الوراء وخطوة إلى الأمام، لأنّها بالمجمل كفاح جامح ضارٍ. لذلك لا يألف هذه الثورات الرجل المعلّب الخارج توًّا من معطف قصة “الرجل المعلّب” التي كتبها الروسي أنطون تشيخوف، بيليكوف بطل قصة تشيخوف -نموذج من البشر يخشى كل جديد وكل مبادرة ومع ذلك يُحاول بكل جهده فرض سطوته على مجتمعه- شخصية أصيلة تميل في مجمل تصاريف الحياة إلى وضع نفسها في ما يشبه العلبة المغلقة أو كما نقول في مدينة إدلب: “حطب في قطرميز”. ترى هذه الشخصية في كلّ جديد وفي كلّ تغير مشكلة، لذلك “يعلّب” نفسه ويعزلها ويحميها من المؤثرات الخارجية. كان الواقع “حياة الناس” يثير أعصاب السيد بيليكوف ويُخيفه، ويرميه في دوامة قلق دائم، وربما لكي يبرّر وجله هذا، وتقزّزه من الحاضر، كان يمدح الماضي دائمًا. وكان السيد بيليكوف يسعى إلى إخفاء أفكاره في علبة. فلم تكن واضحة له إلّا الأوامر الحكومية التي تأتي في نشرات دورية أو في الصحف الرسمية التي تمنع شيئًا ما. كان ذلك بالنسبة إليه واضحًا ومحددًا، ممنوع وانتهينا.
صديقي المهندس الشيوعي
كنتُ أعرف مهندسًا غنيًا في بلدتي الصغيرة في الشمال الغربي من سورية يشبه إلى حدّ ما صديقنا بيليكوف، ولكنّه كان ثوريًا، بل قل شيوعيًّا بلا تردد، أما اليوم -بعد قيام الثورة السورية- يرتجف خوفًا، ويتململ ضغينة من هؤلاء الرعاع -ثوار الثورة السورية- الذين هبوّا لاقتحام أبواب السماء، ومهندسنا المثقف الذي زار بلدانًا أجنبية عدّة يقول: لو أنّ هؤلاء الثوار من أهل الريف والأحياء الفقيرة في المدن كانوا أكثر تحضّرًا، أكثر ثقافة، أكثر تنظيمًا، أكثر دراية بما يفعلون؛ لو كانوا أصحاب برامج واضحة في ثوراتهم، لو أنّها كانت أقل همجيّة، لو أنهم لم يخرجوا من المساجد، مع إني أوافق معهم على حتمية الثورة الاجتماعيّة بوجه عام، ولكن عندنا، هذه ليست ثورة، بل هاوية، ومن العار أن أُشارك فيها، لا أستطيع ذلك. وها هو أيها السيدات والسادة يهرب الآن، بكل بساطة، ويترك الرعاع تقود الثورة.
قد يكون صاحبنا المهندس مستعدًا لقبول الثورة الاجتماعيّة لهؤلاء الرعاع، الغوغاء، الدهماء، الحشد، العامّة، سمهم ما شئت، والمشاركة فيها، لو أن التاريخ يوصل إليها بهدوء ونعومة، وملاسة، ورقّة، مثلما يصل قطار سريع حديث إلى المحطة. حيث يفتح رقيب المحطة باب العربة بكلّ رصانة، ويهتف قائلًا: محطة الثورة الاجتماعيّة لينزل الجميع. لقد شهد هذا الرجل ثورات عديدة وقرأ عن ثورات في بلاد بعيدة، وهو يعرف أيّ عاصفة من المشاعر المتأجّجة ترافق على الدوام مثل هذه الثورات الشعبيّة الغاضبة حتى السلميّة منها. ويقينًا بأنّه يدرك كم من ملايين المرات ينبغي أن تكون هذه الثورات أشدّ هيجانًا، حين يستنهض الذّل والاستبداد والعسف السواد الأعظم من الشعب المحكوم بأجهزة أمنية متوحشة.
هذا كله يفهمه صاحبنا نظريًا ولكنه لا يقرّ به إلا من رؤوس شفتيه، فقط بسبب الوضع المعقّد جدًا. وهو يحفظ بكل تأكيد مقولة لينين الشهيرة: “لا حركة ثورية من دون نظرية ثورية” ويتمنى من كل قلبه أن تكون الثورات أكثر لينًا في خطوطها وزواياها الحادة، وجذرها التربيعي والتكعيبي، ويسأل من جديد: ألا يذهب الوطن إلى وضع معقّد جدًا؟ والجواب: إنّ الشعب الذي ثار ضدّ الطغيان العسكريّ لجهاز أمن الدولة يُتابع تحطيم سلطة العسكر التي سلبته حريته وكرامته ووضعته تحت سلطة نظام عسكريّ فجّ. الأمل الوحيد له هو انتصار الثورة، وتأليف حكومة تشبهه وإغلاق الأبواب على العسكر في السكنات، لأن عمل العسكر الأساسي حماية حدود البلاد وليس الجلوس في القصر الجمهوري.
هل يحتفظ أحمد الشرع بالسلطة؟
نعود بعد هذه المقدمة التي سلطنا الضوء فيها على بعض المفهومات التي احتاجت إلى تصويب، لطرح السؤال من جديد: هل يحتفظ أحمد الشرع بزمام السلطة، هل من جواب فصيح صريح في الأفق المرئي؟ وهل هو بالفعل رجل المرحلة السورية الحديثة؟ كان التفكير في السؤال عملية شاقة ومخيفة تمامًا بالنسبة إلي، كما كنتُ أتخيل، عندما طرحت السؤال على نفسي، أما الجواب فقد كان اجتراءً في بعض الأحيان، ومع ذلك فقد شعرت بأهمية المحاولة. في “العلوم السياسية” ينطلق الكاتب من قاعدة، ويُسدّد نحو هدف، ويحمل قولًا ما، إن الجملة السديدة الأفضل هي الجملة الذي يُبذل فيها جهدٌ كبير. وها أنا أحاول من خلال تجربتي العملية مع اليسار -أكثر من أربعين عامًا مع الحزب الشيوعي السوري- والذي خبرت مطبخه جيدًا وما يُطبخ فيه. لا أستطيع توقع الجواب عن هذا السؤال المحوري بعد انتصار الثورة السورية، ولكن هي محاولة جادة لتلمس طرف الخيط الذي يقودنا إلى جواب واقعي حقيقي، أنا هنا أطرح أسئلة، حتى لا نكون كحاطب ليل، نريد أن نعرف أين تتجه سورية في الواقع الفعلي مع القيادة الجديدة التي أمسكت بزمام السلطة، وقد قال لينين في مناسبة ما: إن الواقع أشياء عنيدة. وأقول مع القائل: النار لا تؤكل بملاعق من خشب على كل حال.
لينين وأحمد الشرع
طرحتُ السؤال على عدد لا بأس به من الرفاق والأصدقاء والمعارف من الجنسين، كثير منهم أحجم، ومن ثمّ تردد في الجواب، وما أدهشني أن بعضهم كان جوابه حاضرًا وسريعًا وكأنه كان يتوقع السؤال، مع العلم بأن لا باع له في السياسة ولا ذراع، ومع ذلك كانت أجوبتهم عقلانية وفيها حكمة مكتسبة من الحياة اليومية الغنية في تجاربها. وشكرني أحدهم لأنني استعملت “زمام السلطة” حتى لا يُساء فهم السؤال. في اللغة: تولى زمام الأمر/ تولى زمام الحكم: تولي السلطة.
أعود إلى لينين، وما علاقة لينين بأحمد الشرع؟ لو عدنا إلى المجلد السابع من مختارات لينين التي طبعتها دار التقدم في موسكو في عشرة أجزاء بداية من عام 1978، وقرأنا ما كتبه لينين عشية انتصار البلاشفة، لأدركنا أن أبو محمد الجولاني في معركة ردع العدوان استعمل الأسلوب نفسه الذي اختاره لينين في نهجه السياسي وتكتيكاته وخططه، وحتى في رسائله ومقالاته إلى رفاقه في اللجنة المركزية لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي في روسيا، وقد نوّه لينين بأن: “الحكومة تهتز، فيجب الإجهاز عليها مهما كلّف الأمر، التباطؤ في العمل أشبه بالموت”. يقول لينين موجهًا خطابه إلى أعضاء اللجنة المركزية: “أكتب هذه الأسطر في الرابع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر1917 والوضع حرج ما بعده حرج، وواضح في منتهى الوضوح أن التباطؤ في المعركة هو حقًا وصدقًا أشبه بالموت، إنني أبذل جهدي كله لكي أقنع الرفاق بأن كل شيء متعلق بشعرة، وبأنه ترد في جدول الأعمال الآن قضايا لا تحلها الاجتماعات ولا المؤتمرات بل يحلّها فقط الكفاح المسلّح، لا يجوز الانتظار، ينبغي بأي ثمن كان، اليوم مساءً، أو ليلًا، إسقاط الحكومة وتنحيتها، وتسلّم السلطة، لا يجوز الانتظار، فمن الممكن خسارة كل شيء”. وفي صباح اليوم التالي كانت السلطة في يد اللجنة الثورية العسكرية التي يسيطر عليها البلاشفة. لقد أدرك لينين بعبقريته المعروفة -وكان متخفيًا على هيئة عامل بسيط، وباسم مستعار، لأن الأجهزة الأمنية كانت تُلاحقه، فكان مطلوبًا حيًّا أو ميتًا- أن الثمرة قد أينعت وحان قطافها واليوم لا غدًا.
معركة ردع العدوان
في 27 أيار/ مايو 2023 وسط مؤتمر لأهالي مدينة حلب المهجرين وناشطيها ووجهائها استضافه أبو محمد الجولاني في ريف إدلب. قال: إن الجاهزية العسكرية وصلت إلى أعلى مداها، وإني أراكم تجلسون في حلب كما تجلسون أمامي الآن. انطلقت معركة “ردع العدوان” في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 في مفاجأة لم يتوقعها أحد. وفي مواجهة الفصائل المشاركة كانت خطوط النظام في ريف حلب الغربي تتهاوى أسرع من المعتاد، وكانت القلوب ترتجف لاحتمال انتهاء المعركة كسابقتها إلى انتصار منقوص، يتسبب بحملات قصف انتقامية على منطقة محاصرة مكتظة نعمت بالهدوء لأكثر من أربع سنوات من وقف إطلاق النار. لكن الأهالي في إدلب وريف حلب كانوا مُهيَئين نفسيًا بعد أن راجت شائعات بدء المعركة ست مرات في فترة لم تزد على خمسين يومًا، وفي آخر مرتين كانت المؤشرات أوضح. وكانت البداية في فتح هيئة تحرير الشام نيرانها معلنة بدء معركة لم يتوقع أكثر المتفائلين أنها ستتخطى مدينة حلب، في حين كان المخططون قد رتبوا كل شيء لإدارة منطقة تشمل مدينة حماة الواقعة وقتئذ تحت سيطرة النظام السوري.
وبعد اثني عشر يومًا من معركة “ردع العدوان” التي استمرت مسيراتها المظفرة من الشمال إلى الجنوب من دون توقف، انهارت قوات نظام بشار الأسد، وانتهى حكمه، ما فتح الباب أمام نظريات مؤامرة حاولت تفسير الحدث الهائل المعارض للمنطق. لكن الحقائق، وإن غابت عنها التفاصيل، كانت بادية للمتابع المدقق. فالتجهيز العسكري، والتقنيات الجديدة، والتخطيط الدقيق، وتوقيت المعركة المرتبط بتغيرات إقليمية رسمت صورة الإعداد لمعركة أسقطت بشار الأسد، فحققت ما فقد كثيرون الأمل في تحققه.
طار بشار الأسد، هاربًا، من دمشق إلى القاعدة الجوية الروسية في “حميميم” ومنها إلى موسكو، وأوعز ضباط الجيش لجنودهم أن النظام سقط، وشاهد الدمشقيون من نوافذ بيوتهم جنود الأسد يرمون أسلحتهم في الشوارع ويطرقون الأبواب طلبًا للباس مدني. وفي الساعة الرابعة وخمس وأربعين دقيقة فجرًا، أعلنت إدارة العمليات العسكرية رسميًا، عبر قنواتها على وسائل التواصل، دخول قواتها العاصمةَ دمشق. وفي الخامسة فجرًا صعد شبان يهتفون فرحًا على دبابة متروكة وسط ساحة الأمويين، وركنت أربع شاباتٍ سيارتهنّ قربها مع صوت عبد الباسط الساروت يغنّي “جنّة جنّة جنّة.. جنّة يا وطنّا”، مُعلنين سقوط الأسد ونظامه.
من ذا الذي يجب عليه أن يأخذ السلطة؟
في حوار مع باربرا ليف مساعدة وزير الخارجية الأميركية السابقة لشؤون الشرق الأدنى، يسألها إبراهيم حميدي رئيس تحرير مجلة “المجلة” اللندنية: في رأيك، ما سر صمود أحمد الشرع سياسيًا؟ هل يعود ذلك إلى كاريزميته؟ لقد وصفه دونالد ترامب في أيار/ مايو هذه السنة بأنه قائد شاب وجذاب.
تُجيب: لن أستخدم مثل تلك العبارات، لأنها قد تُفهم على نحو خاطئ. لكنه بالفعل يتمتع بكاريزما واضحة، ويملك قدرًا كبيرًا من الشرعية في نظر السوريين، وهو أمر بالغ الأهمية في بلد خرج توًّا من حرب مدمرة. لقد خاض قتالًا طويلًا، وفي نهاية المطاف، كان إسقاط نظام الأسد تحت قيادته. جزء كبير من بقائه يعود أيضًا إلى قدرته على التنقل بين دوائر شديدة التباين، بدءًا من جماعات متطرفة مثل “القاعدة” و”جبهة النصرة”. إنه ليس مجرد قائد ميليشيا، بل سياسي بارع، وقد بدا ذلك جليًا في حواري معه -التقت به مرات عدة- تفكيره لا يقتصر على منطق المقاتل، أكان متطرفا أم لا. إنه يفكر بعقلية رجل دولة، ويقدم تحليلًا دقيقًا للقضايا التي تهم السوريين، وعلى رأسها الاقتصاد والأمن. كما أنه يبدو مدركًا لأخطاء الولايات المتحدة في العراق، ولا يريد تكرارها في سورية. لديه قدرة واضحة على التكيف مع المتغيرات، واتخاذ قرارات تنبع من الواقع لا من نموذج جامد يسعى لفرضه.
من يأخذ السلطة؟ هذا لا يهم الآن، من البديهي أن يدخل أبو محمد الجولاني قصر الشعب في دمشق منتصرًا، هو الذي انطلق من إدلب بمقاتليه الذين سلّحهم ودربهم ورسم تفاصيل معركة انتصارهم، ليتسلّم السلطة ويصبح الرئيس أحمد الشرع. وقد فعلها لينين حين انتصر البلاشفة في الثورة الروسية وأخذوا السلطة. يقول لينين في رسالته إلى اللجنة المركزية: إن أخذ السلطة هو شأن الثورة، وهدفها السياسي يتضح بعد أخذها، من الهلاك التمسك بالشكليات، ومن حق الثورة أن تحل مثل هذه المسائل بالقوة، وهذا ما أثبته تاريخ جميع الثورات، وإن الثوريين يقترفون جريمة لا قياس لها إذا فوتوا الفرصة مع علمهم أن خلاص البلاد والعباد يتوقف عليهم.
لينين عبقرية فذَّة لا يمكن مقارنتها بغيرها. لينين كان فريد عصره، ولا أظنه تكرر ولن يتكرر، ليس لأن النساء عقيمة، بل هي حبّالة ولّادة، ولكن الشخصية التاريخية الفاعلة بحجم لينين لها مهادها الطويل العريض، والشرط التاريخي الذي أنتج ظاهرة لينين قد يكون فريدًا ومن شبه المستحيل تكراره، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فإن قدرة لينين على العمل والجدل الفكري خارقة للمألوف عند البشر، فهو على استعداد للجدل معك في كل قضية وهذه ميزة نادرة، كان موسوعة من الأفكار المتحركة، ولم يرزح تحت ثقل الجمود العقائدي، كان لينين أحد الأحرار الكبار في الفكر والحياة، فأنت لو تأملت في ما تركه من مؤلفات لهالَك حجمها، فتتساءل متى كان يأكل وينام ويُحب ويقرأ ويكتب ويتريض!، لا شك في أن لينين كان يملك دماغًا عبقريًا قادرًا على توليد الأفكار بذكاء وفطنة وسرعة بديهة يُحسد عليها.
وجهة نظر شخصية
يقول الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف في مقدمة كتابه البديع “داغستان بلدي”: إن الإنسان في حاجة إلى سنتين ليتعلم الكلام وإلى ستين سنة ليتعلم الصمت. نعم، الصمت نجاة، ولسانك حصانك إن صنته صانك، وكان على أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية إن أرادت الاستمرار أن تدعم السلطة أو أن تصمت وتغض الطرف عن ممارسات السلطة التي وصلت حدّ الإجرام المنظم والمنفلت من عقاله، بل أن تؤيد أفعالها علانية، لذلك راحت أحزاب الجبهة تنفخ في قِرب مقطوعة. طوال خمسين عامًا وهي تعزف لحن السلطة، فهل أطربت؟
وفي يوم لا يخطر على البال، جاءت لحظة الحقيقة عشية انتصار الثورة السورية، فقد نقلت وكالة الأنباء السورية سانا مساء الأربعاء 29 كانون الثاني/ يناير 2025 مجموعة قرارات أعلنت عنها إدارة العمليات العسكرية في أعقاب اجتماع للفصائل بدمشق منها: نعلن حل حزب البعث العربي الاشتراكي، وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وما يتبع لها من منظمات ومؤسسات ولجان، ويحظر إعادة تشكيلها تحت أي اسم آخر، على أن تعود جميع أصولها إلى الدولة السورية.
لم أفهم البيان أول الأمر، وحصل الالتباس لدي في حرف العطف “و” أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، لأن الجبهة الوطنية التقدمية من الكيانات المستقلة موجودة في المحافظات السورية كلها، وأحزاب الجبهة كيانات مستقلة أخرى، هل كان المقصود “حل” الجبهة الوطنية التقدمية وما يتبع لها من منظمات ومؤسسات ولجان، ويحظر إعادة تشكيلها تحت أي اسم آخر، على أن تعود جميع أصولها إلى الدولة السورية. أم حل “الأحزاب” المُشاركة في تشكيل الجبهة الوطنية التقدمية التي دعمت نظام حافظ الأسد وابنه بشار الأسد؟ يُفهم من السياق “حل” الأحزاب المشاركة في الجبهة الوطنية التقدمية وليس حل الجبهة فقط، ولكل منهما منظمات ومؤسسات ولجان، وهل يعني ذلك “حل” الاتحاد العام لنقابات العمال والاتحاد العام للفلاحين؟ من هنا حصل الالتباس. تتشكل الجبهة الوطنية التقدمية من: حزب البعث العربي الاشتراكي، حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، الحزب الشيوعي السوري “جماعة خالد بكداش”، الحزب الشيوعي السوري الموحد جماعة “يوسف الفيصل”، حزب الوحدويين الاشتراكيين، حركة الاشتراكيين العرب، الحزب الوحدوي الاشتراكي الديمقراطي، حزب العهد الوطني، حزب الاتحاد العربي الديمقراطي، الحزب السوري القومي الاجتماعي، الاتحاد العام لنقابات العمال، الاتحاد العام للفلاحين.
خمسون عامًا متواصلة من عرض مسرحية “الجبهة الوطنية التقدمية” والسؤال الملح: كم من الأموال العامة صُرفت على هذه الجبهة وممثليها في جميع المحافظات السورية من أجل أن تحمي البلاد والعباد، ولكنها انتهت بفشل ذريع؟ وفي نهاية المطاف توقفت فاعلية أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وأغلقت الأبواب على هذه الأحزاب، ودخلت الجبهة وأحزابها في طور “التعليب” كما السمك في علب السردين، وما زلت تسأل: هل يحتفظ أحمد الشرع بزمام السلطة؟ يا سيدي نعود -والعود أحمد- إلى كارل ماركس في قوله: يصنع الناس تاريخهم بأيديهم، لكنهم لا يصنعونه كما يحلو لهم؛ لا يصنعونه في ظروف يختارونها بأنفسهم، بل في ظروف يواجهون تداعياتها مباشرة، وتكون مُعطاة لهم وموروثة من الماضي.