تمهيد
تعرضُ هذه المقالة الإرهاصاتِ السوسيوسياسيّة المرافقة لبناء الدّولة السّوريّة الجديدة وذلك بتجلية بعض الأسس الفكريّة الحضاريّة والمدنيّة التي وجب أن ترافق بناء الدوّلة الجديدة؛ فمن الواضح أنّ تشكيلَ النّظام الجديد يواجه تحدّياتٍ أهمّها شَرْعَنة العُـنف من أجل بناء منظومة أمنيّة قويّة، كما يواجه بعض المفكّرين ما يسمّى متلازمة الجاذبيّة السّياسيّة وكاريزما القائد المنتصر التي تجعل حدود النّقد السياسيّ البنّاء مستوحِشا ومحاصَرًا بقيودٍ شعبويّة والتي قد تشكّل استمرارًا لحجاب الجهل الّذي تخفّى به النّظام البائد. كما تُقدّم هذه المقالة قراءةً استشرافيّة لمستقبلِ النّظام السّياسِيّ الجديد وفق أسئلةِ علم الاجتماعِ السّياسيّ أهمّها مدَى قدرة الدّولة الجديدة في بناء منظومة قائمة على الحِياد القيِمِيّ بعيدًا عن تديين السّياسية. ونظرًا لأنّ سوريا تواجه ثنائية (أكثريّة – أقليّة) تعرض هذا المقالة تفسيرًا عَمَليا لمبدآ العدالة في بناء الدّولة وفق رؤية المفكّر الأمريكيّ جون رولزJohn Rawls، وهذا المبدآن: مبدأ الحريّات الأساسيّة، ومبدأ الفارق. تنتظم المقالة في ثلاثة عنوانات: الأوّل: حجابُ الجهلِ الأسَديّ استمرارٌ أم أفول. الثاني: خوفُ الأقليّةِ: الحُريّات الأساسيّة ومبدأ الفارق الثالث: تديينُ السّياسةِ وأولويّات الحِياد القيِمِي في بُنية الدّولة السوريّة الجديدة.
أوّلًا: حجابُ الجهلِ الأسَديّ استمرارٌ أم أفول
إنّ أهمّ ما يميّز الحكم الأسدِيّ لسوريا ظهور الذّاكرة الّتي لا تُنسى، فبعد سقوط نظام الأسد في الثّامن من ديسيمبر 2024 تلاشى الحكم الشمولِيّ، أو الأصح حكم العائلة الواحدة مخلّدًا ذاكرة من المآسي، والأوجاع أصابت كلَّ فردٍ سوريّ من فقرٍ، وتهجيرٍ، وتجويع خلال سنوات الثّورة (2011-2024) أو ما سبقها من سنوات سيطر الخوف الجمعيّ على تفكير الفرد السّوريّ. إنّها الذّاكرة الّتي آلت إلى المجتمعِ السّوري دون وصيّة، جاءت الحريّة معلنةً عن نفسِها، فما كانَ من الشّعب السّوري إلّا أن يستقبلَ تلك الزّائرة، فإمّا أن تكون الحريّة شبحًا ينشر الرّعب، أو يزيد الظلام أكثر، أو أن تكون نورًا تُرفد حياة السّوري أملًا وإشراقًا.
إنّ الوصيّة تشكّل حالة تواصلٍ بين الوارثِ، والموروث؛ فبعد سنوات الاحتلال الألمانِيّ لفرنسا الّتي لم تدم سوى أربع سنوات كتب الشّاعر الفرنسيّ رينيه شار Rene Char قولته المشهورة ” آلَ إليْنَا تُراثُنَا مِن دونِ وَصيّة” [1] وإن كان يقصد أنّ الاحتلال النازيّ خلّف تركة من الأوهام أورثها للشّعب الفرنسِيّ، ولكن ماذا يقول السّوريّ عن تركةِ النّظامِ الأسدِيّ؟ نعم لعلّ الرّئيس المخلوعِ بشّار الأسد في صبيحة الثّامن من ديسمبر كتب وصيّته الوهميّة تاركًا ما يملك من مقتنياتٍ للشّعبِ السّوريّ، ولكن الأوحش من ذلك مقتنيات الفرديّة، والأنانيّة، الطّمع، حبّ التوحشّ، إنّها إرثُ الأسدِ دون وصيةٍ.
تمزيق الذّاكرة كما تُمزّق الوصيّة هي أنجع حالة لعدم استمراريّة حجاب الجهل الأسديّ، فمن الواجب ترك العاطفة المليئة بالحسرة، والسّير نحو تعميق مفهوم الحريّة لدى الفردِ السّوريّ؛ فالحريّة ليست كلامًا سياسيّا، ولو كانت الحريّة سياسة لكان الأمر حاسمًا، ولكن مفهوم الحريّة أوسع من السياسة وأعقل منها إنّها حالة باطنيّة ترَى المستقبلَ المشرق دون أحقاد، أو فردانيّة، أو طائفيّة. إنّ الحريّة لحظة تأمّلٍ مع الذّات تبحث عن الأحلامِ تستشعرها وتحاول تحقيقها، إنّ الحريّة حالة طردٍ للأوهام تنفثها بعيدا.
في رسالة إبكتيتوس[2] الشّهيرة عن الحريّة يبين مفهوم الإنسان الحرّ بقوله: “إنَّ الحُرَّ هو الّذِي يَحيَا كَمَا يَشاء”[3]، وفي المنظومة السورية الجديدة وجب أن يتمحور هذا المفهوم العام نحو تعريف آخر: إنّ الحرّ في سوريا هو الذي يحيا دون إرث الفرديّة أو محاولة إنتاجها، إنّ الحر في سوريا هو من يحب المواطنة ويسعى لرفعتها، إنّ ما يشاؤه الفرد السوري مواطنة مع الآخرين مساكنة مع الحاضر الجديد.
من منطلقاتِ حجابِ الجهلِ الأسدِيّ تثبيت شِعارِ: الأسد أو نحرق البلد، وهذا عنوان شعبوي بامتياز يحمل تحته شعاراتٍ فلسفيّة أعمق. وأهمّ هذه الشّعارات ما قاله لامارتين: ” لَا وطنَ إلّا للكرَاهِيّةِ والأنَانيّةِ، الأُخوّةُ لَا وطنَ لَهَا”، لا يجب أن تكون تلك المقولة من وصايا الأسد غير المكتوبة. لعلّها وصيّة موت سوريا الجديدة إن أراد الشعب ذلك. إنّ من الأنجح أن تسير المواطنة في سوريا نحو شعار “الأخوّة وطُننا الكبير”.
تبقى الفرديّة أهم عنصر في محبّة الوطن، والانطلاق منها تعني طمأنينة سياسيّة مطلقة، وبذلك شعار ماركوس أوريليوس[4] مهم في تنشئةِ الفرديّة في حبّ الوطن إذ يقول:” بِحسْبكَ من حديْثٍ عَمَّا يكونُه الرّجلُ الصّالحُ، كُنْ رجُلًا صالِحًا”؛ فعندما تكونُ رجلًا صالحًا تُعيق كلّ مكوّنات الكراهيّة الّتي قد تأتِي، إنّ المواطنَ المُخلصَ عونٌ وثروة.
على الرّغم من ضرورة الحسّ الفردِيّ في مواجهةِ تركة الأسد القاسية، لكنَّ الحالة الجمعيّة لها أهميّة كُبرى، ودورٌ محورِيّ في تمزيق ذاكرة العُبوديّة، والبَدْء بتكوين مواطنة صالحة؛ إذ يبدأ الحسّ الجمعِيّ وفق الذّاكرة الجمعيّة الّتي وحّدت الشّعب السّوري مع أنّها ذاكرةُ الموت والدّمار لكن” أنْ ننسَى فترَةً من حَياتِنا، هو أنْ نفقدَ الصّلة بأولئك الّذين كانوا يحيطون بنا في تلك الفترة” [5]، ومن هنا تأتي ضرورة النسيان متقاطعة مع سوريا الجديدة، أي سوريا الموحّدة بأبنائها، وطوائفها ففي الواقع النّسيان الجمعي أسهل، وأيسر من الفرديّ وليكن التاريخ أرشيفًا نتعلّم منه.
من الأمور الضّروريّة للانتقال النّفسيّ من الحكم الأسدِيّ هو التّمجيد المضلّل الّذي يشكّل حجابًا أكبر لحجاب الجهل الأسديّ أي أن ينظر الشّعب السّوري إلى أنّ المسؤول القادِم من الفندق، أو من الخندق هو خادم لرفعةِ سوريا، ويكون حبّه بقدر إنجازه في سوريا الجدية لا بقدر ما أنجَز في سوريا الثّورة؛ فالتضحيات لا يعنى بها فرد واحد ولا ظل واحد، وأنّ كاريزما الجنرال المنتصر تظهر بخدمة الشعب، وقدرته على إخراج المواطن السّوري من ذاكرة الموت والعبودية إلى حياة الكرامة والإنسانيّة.
إذا زاد التفكير بأنّ الشعب السّوري هو ضحيّة جمعيّة لإرث من حجاب الموت فوجب هنا أن يعيد الشعب تشكيل ذاته، ورفد إنسانيته بمستقبله لا بذاكرته بعيدا عن الرغبة العدوانية التي ظهرت بوتيرة مقلقة ومربكة في الساحل، وفي مدينة السويداء وهنا نستذكر ما قاله ممدوح عدوان:” ولكنْ هُناكَ طرفًا آخر يتحمّلُ مَسؤوليّةَ إيقاظِ الرّغبةِ العدوانيّةِ هو الضّحيّةُ ذاتُها” [6]وهنا سيكون عنوان المحور القادم عن خوف الأقليات في سوريا الجديدة.
ثانيًا: خوفُ الأقليّةِ: الحُريّات الأساسيّة ومبدأ الفارق
ما حدث من أحداث بعد الثامن من ديسمبر يدعو للقلق والخوف، هذا الخوف ما وجب أن يكون عند الأقليّة، بل يجب أن يجمع كلّ أطياف الشّعب السّوريّ، نعم هناك رغبة في إيقاظ الضحيّة نفسها، لكن تبقى سوريا دولةُ الدّولةِ الواحدة إن صح التعبير.
إنّ موضوع “الإخوة الأعداء” حاضر بعد التحرير بصورة مستفزة، وجب أن يعلم الشّعب السوريّ أنّ المبارزة الملكيّة السحريّة من أجل العرش غير حاضرة وغير مجدية، وأنّ سوريا الجديدة ليست بلاد أنغوليا القديمة (NKOLE)[7].
من الواضح من خلال تتبع الأحداث العسكريّة التي حصلت بعد التّحرير أنّ الأقليّة تخاف من أمرين: الخوف من انتقام المنتصر، وهذا ما حدث مع مجموعات وعوائل في السّاحل السّوري وذلك بلجوئهم لقاعدة حميميم الرّوسيّة العسكريّة فارّين من فكرة الانتقام. أمّا الخوف الآخر فهو الخوف من الهامش، وهذا ما حصل مع الطّائفة الدّرزيّة أي الخوف من التهميش المنظّم. ولكن التّعامل مع المشهد جعل القارِئ للحدث السّوريّ ينظرُ إلى أنّ الأقليّة تتوارث هذين الأمرين (الموت والهامش) وأتوقع أنّ هذين الخوفين هما اصطناع ذهنيّ تتشاكل فيهما الرّؤية الداخليّة، والصّراعات الإقليميّة، والبعد التاريخيّ. أمّا الرؤية الدّاخليّة فهي مرتبطة عند كل أطياف الشّعب السّوري أي البحث عن تجديد اقتصادي نوعي وفعّال، والتشاكل الثاني هو الصراعات الإقليمية؛ فتوجّه الطائفة العلوية لاستنجاد النظام العراقي أي البحث عن أُخوّة الطائفة والابتعاد عن أخوة الوطن، وتوجه الدروز نحو الكيان المحتل بصفته المخلّص من الحكم الجديد. أمّا التشاكل الأخير والمتصل بالرؤية التاريخيّة فهو يتعالق مع أصحاب السّلطة الجديدة وذلك برفع شعار تاريخي وهو الأمويّة الجديدة فجاء الرد أيضا نحو لا أموية جديدة.
لا يمكن أن تعدّ (الداخليّة الإقليمية التاريخية) أساس الصراع بل هذه عوامل إدراكيّة أدركها المتأثر من تلك النزاعات. الأغرب من ذلك أن أي قارئ للمشهد ينظر لهذا الصراع وكأنه حدث متوقع وهو من إفرازات حجاب الجهل الأسدي، وهل ستكون الطائفية وصراع أقلية أغلبية زادُ الدّولة السّورية إلى الأبد، وهنا يمكن التدخّل بأدواتٍ نظريّة للتقليل من هذا الزاد في بناء الدولة السّورية الجديدة وإسقاط ما أنتجه المفكّر الأمريكيّ جُون رولز حول نظريّة العدالة Theory of Justice مع العلم أنّ هذه النظرية تحتاج إلى الإقناعِ الفرديّ، والجمعي؛ فمثلا مبدأ الحريّة يقوم على أولويات مُطلقة هي: حُريّة الضّمير والفِكر، حُريّة التّعبير والاجتماع، حقُّ المشاركةِ السياسيّة، الانتخاب والترشح، حريّة عدم التعرض للاعتقال التعسفيّ.[8]
مبدأ الفرق أو (الفارق) وهو مبدأ اقتصادِيّ عام يساعد في نهضة الدّولة السّورية والتخفيف من الزاد الطائفي إذ يقوم هذا المبدأ على ضرورة وجود فوارق اجتماعيّة وسياسية أي ما أسميه (الطبقيّة السّعيدة) والتي فسّرها رولز تفسيرًا اجتماعيا إي لو أدّى السّماح لأصحاب المشاريع بالربح الكبير إلى خلق فرص عمل وتحسين أوضاع الفقراء، فذلك مقبول. أما إذا زاد الأغنياء غنى والفقراء فقرًا، فهو غير عادل.
الأهم من ذلك أن هذين المبدأين يحتاجان لفترة زمنيّة ليست بالقصيرة لإقناع من هم في السّلطة والشّعب السّوري بطوائفه المتنوّعة أنّ سوريا تتجه لتحقيق العدالة المطلقة من حريّات ومن فوارق تنتظم بينهما. بالتأكيد لا يمكن إغفال أن الدّولة السوريّة الجديدة بعيدة عن هذا الطرح لكن نذكر مثالًا استوقافيا: أنّ سوريا استعجلت في طرح قانون الانتخاب المؤقت، والوصول إلى انتخابات حرّة ونزيهة من أجل العجلة في تحقيق مبدأ العدالة، ولكنّه وللأسف استعجال غير تقنيّ لذلك وجب ترتيب مبدآ العدالة في سوريا: الأوّل مبدأ الفارق، ومن ثم مبدأ الحريّة الذي يحوي حرية الانتخاب والترشّح وهنا نستعير المثال السياسيّ ” السّلطة في الشّعب، النفوذ في مجلس الشيوخ” بوصفه استخفافًا في المسألة السياسيّة لأن السوريين يعيشون في متاهة الشأن السياسي وذلك في الانتقال من جيل دكتاتوري إلى جيل ديموقراطي مقيّد على حدّ كتابة المقال.
إنّ الديموقراطيّة المقيّدة[9] التي تحاول السلطة الجديدة أن تمحورها في البنية السياسية جاء في إطار خطاب العنف؛ فللأسف رغم الحديث عن خوف الأقلية ظهرت بوادر العنف معلنة أنّها أقوى من كل العدالة وقوانينها. ولكن وبالرغم من ذلك يمكن الاستعانة في المفكر الألماني فالتر بينيامين Walter Benjamin إذ كتب مقالة مهمة في العنف والأغرب من ذلك أنّ محاور دراسته في تقسيمه للعنف يمكن إسقاطه على الدّولة السورية في حدود أشهر ما بعد التحرير أي بأقل من عام على التحرر من نظام الأسد البائد.
فِعليّا، الدولة السّورية الجديدة نشأت عبر عنف تأسيسيّ: ثورة وحروب، هذا العنف أطلق عليه فالتر ما يسمّى: العنفُ المؤسس للقانون؛ أي أنّ قانون الدّولة الجديد يكون قائمًا على العنف وهنا يمكن إسقاط حالات القتل الفرديّة التي قام بها الجيش الجديد في الساحل ظانين أن العنف هو المؤسّس للقانون، وذلك في حدود معارك خاضوها في فترة زمنية قصيرة (معارك الثورة). وهناك ما يسمّى: العنفُ الحافظ للقانون أي حفظ القانون بالقوّة من أجل حماية الاستقرار، والنظام وهو مستخدم دائما في كل الدول، ولكن عندما استخدم في سوريا خصوصًا في فرض القانون (في صراع البدو والدروز) تدخلت قوى تسمّى إقليمية مثل الكيان الصهيوني مباشرة متجاهلة الفرق بين العنف المؤسّس للقانون، والعنف الحافظ للقانون وكذلك تدخل أبواق إعلاميّة لعدم معرفتها الفرق بين القانونين[10].
لعلّ خوف الأقليّة مصحوب بخوفٍ إقليمي وهو أصعب من الخوف الدّاخليّ، وفي توافقهما ستعيش سوريا في رُهابٍ مستمر يوقف عجلة التقدّم الأمني والاقتصاديّ. وهنا يظهر الخوف المستقبليّ من أن يصبح رأس النظام السوري الجديد أحمد الشرع قائدًا لمرحلة العُنف الأسطوريّ وكأنّه الإله زيوس الذي أسّس سلطته بالقوة متناسين أن السّلطة الجدية هي نتاج كفاح وثورة ابتدأت في آذار 2011 ولم تكن إلا استمرارا لنضالات ما قبل قبل الربيع العربيّ. وهنا يقودنا شجون الحديث نحو المحور الثالث من المقال ردّا على الخلفية الدينية لرأس السلطة الجديد وسؤال هل الشرع سيكون زُيوس سوريا الجيد؟ أو معاوية الثاني؟
ثالثًا: تديينُ السّياسةِ وأولويّات الحِياد القيِمِي في بُنية الدّولة السوريّة الجديدة
في تصريحات ملتبسة انتشرت مقولة لأحمد الشرع مفادها: ” “أنا لستُ امتدادًا للأحزاب الإسلامية، سواء التنظيمات الجهادية أو الإخوان المسلمين، ولست امتداداً للربيع العربي.” تبين فيما سبق بأنها فهم عام لأحد الصحفيين الذين قابلوا الشرع وهو نديم قطيش. في محتوى التصريح الذي شكّل تناقضات متنوعة يمكن استنساخ مآلات المحور الذي نتحدث عنه أي الوصول إلى مصطلحات ومفاهيم تتعلق في البنية السّياسيّة للدولة السّورية الجديدة وفق الخطاب الديني للمنتصر أي الخلفية الدينية السلفيّة لجبهة فتح الشام. ولكن ما الحل لهذه الإشكالية خصوصًا مع وجود تيارات يسارية متنوعة في سوريا؟
في وجهة نظر استقلالية هناك حلول متنوّعة قد يكون أنجعها مبدأ الحياد القيمي الّذي فسر لها المفكّر ماكس فيبر وخلاصته أنّ العلم والمعرفة يجب أن تكونا محايدة تجاه القيم والإيدلوجيا”[11] والمعنى الذي نريده أنّ الدّولة السّورية الجديدة يجب أن تكون محايدة في المنظومة السياسية والأخلاقية والاجتماعيّة، ولكي تكون محايدة بلطف وجب أن يكون هناك تنظير فعلي وحقيقي لبنية أخلاقية جديدة في المجتمع السوري يكون نتاجه الأخلاق والدين والحرية أي وجود مجتمع مدنيّ متماسك من خلال مؤسساته وتفعيل هذه المؤسسات.
لكن يبقى السؤال هل إنشاء مجتمع مدني سوري بحاجة لأولويات الحياد القيمي، تكون الإجابة ببساطتها نعم لأن النضال الذي أسس لسقوط نظام الأسد كان نضالا جمعيا بإبعاد النظر على من وصل إلى السلطة، والنضال الجمعي هو الذي سيساعد على تنشئة حالة مدنيّة دون شرخ طائفي، أو مذهبيّ مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ مبدآ العدالة (الحرية- الفارق) بنجاحهما ينجح المجتمع المدنيّ وفق بنيته الحضاريّة[12].
إنّ هنالك فارقا بين تديين المجتمع وتديين السياسة، فالمجتمع السوري مجتمع محافظ وفق مبادئ تتعلق بالأخلاق، ولكن تديين السياسة هي حالة انفصاليّة ومرجعيّة وهميّة تتشارك فيها سرديّة تاريخيّة وذاكرة جمعيّة، لا يعني هذا الكلام التصدي للدين؛ فالدين حقيقة وامتداد ثقافي وتاريخيّ، ولكن مرجعيات المجتمع المدني يجب أن تكون أكثر عقلانيّة من أجل مواطنة سعيدة ودولة قوية.