تمهيد يهدف إلى إيضاح طبيعة البحث
في إطار بحث محدود، سأحصر حديثي عن ديناميات وعوامل عميقة شكلت هوية دروز السويداء، بالتوافق مع بنائهم كيانًا (إدارة ذاتية) مستقلة طورًا أو تحت جناح السلطنة العثمانية الرمزية أطوارًا، ثم دويلة، في ظل الاحتلال الفرنسي. وسأعالجها انطلاقًا من عدّ الهوية إحدى أهم مكونات الذاكرة الجمعية لجماعة خاضت وقائع التاريخ وتوالي الصراعات الدموية والسياسية، في سبيل صيانة الأمن والاستقرار اللذين لم يكن من السهل تأمينهما من دون حروب ومسيل دماء، وهو المسار الذي اتخذته السويداء ولم تقصر منذ نشأتها عن القيام بكل ما يطلبه تحقيق السيادة على أرضها وحماية مصالحها. وقد أفلحت بإدارة صراعات دامية، حققت لها مهابة وأقنعت كل من تقصدها بشرٍّ أن يتركها وشأنها أو أن يكسب ودّها ويتحالف معها.
وأمام قلقها إزاء تعثر مسارها وتراكم خيباتها، من حليف نكث بعهد أو دولة راعية تنكرت، صارت تبات متحفزة، تنام نومة الذئب المتوجس لغدر طارئ أو عدوان مبيّت. إنها حال السويداء التي اشترت هويتها بثمن غالٍ، وارتأيت أن أضع للبحث عنوانًا: (هوية السويداء أزمة الذاكرة أم صعوبة الاختيار وأوهامه؟) وقد اختصرت التفاصيل في الصراعات القديمة والمديدة، لكي أقارب وقائع الاقتحام الكارثي الأخير في 13 تموز/ يوليو الماضي، بما يدعم مسار البحث ويؤكد وصولنا إلى انغلاق صادم وعقدة صلبة خطرة، قد تؤدي إلى تفكك بنيان الدولة السورية، ونمو الهويات القاتلة على حساب الهوية الوطنية الجامعة. ومن الطبيعي أن ما سأخلص إليه، ليس إلّا وجهة نظر شخصية وقراءة خاصة، قد تتوافق وقد تختلف عما يجري تداوله في كلا الجبهتين المتقابلتين.
القسم الأول
أولًا: الهجرات وبناء الكيان الدرزي[1]
أدى الصراع الدموي المتجدد بين الدروز (الإخوة الأعداء) من قيسيين ينسبون إلى قيس عيلان في الحجاز، ويمنيين جنوبيين ينسبون إلى لخم وملوك حمير، إلى تدفق موجات من المهاجرين من لبنان وفلسطين ومناطق شمال حلب إلى جبل حوران، بوصفه البقعة الوحيدة المتوافرة والممكنة لإقامتهم، بعد أن سالت دماؤهم وخسروا عددًا من قادتهم من آل حرفوش وعلم الدين وغيرهما. بينما حسم القيسيون (أرسلان وجنبلاط) المتحالفون مع الأمير الشهابي المعركة الأخيرة في عين دارة عام 1711 لمصلحتهم. وقد شكلت هذه الهجرة ثقلًا كبيرًا وساهمت في ترسيخ أقدام اليمنيين في تلك الهضبة البركانية عسيرة المسالك، والمتكاملة مع امتداد سهل حوران من الجنوب إلى الشمال، ومن شرقه حتى تصل إلى أراضي ريف دمشق، حيث يخترقها بطول نحو مئة كم الطريق الدولي الذي بات يصل السويداء بمدينة دمشق التي تُعدّ بوابتها الوحيدة على العالم. وفي شرق هذا الطريق تترامى صحراء واسعة تمتد إلى حدود العراق شرقًا، ثم يحدها ما صار يعرف بالمملكة الأردنية الهاشمية من جنوبها. وتتوزع في أرضها سهول متباينة وصخور بازلتية، وتنتشر في قراها وبلداتها الخربة وأوابد من الآثار الرومانية والنبطية واليونانية والإسلامية. وكان على القادمين الجدد أن يتوالفوا مع مناخها البارد وأمطارها وثلوجها الغزيرة شتاء، مع استمتاعهم بمناخ صيف معتدل ونسمات جبلية رقيقة وناعمة.
كانت تلك البقعة الجغرافية، شبه خالية إلا من بضع عائلات مسيحية عريقة تسكن المكان وأخرى سنية ورعاة من البدو، إلى حين توافد الدروز ضمن جماعات متتالية، حتى غدوا أكثرية طاغية وسمي جبل حوران باسمهم (جبل الدروز) دلالة على هوية أكثرية سكانه ومكانهم في آن واحد. أما دمشق فتلك حكاية أخرى، إذ لم تكن مجرد جسر لعبور دروز الجبل، بل مقرًا لكثير من عائلاتهم في باب المصلى وأحياء المدينة القديمة، وصولًا إلى جرمانا في أطراف الغوطة الشرقية وأشرفية صحنايا والدير علي في الغوطة الغربية إضافة إلى مناطق أخرى، تناثروا أو تكاثفوا فيها وسط أحوال متنوعة ومتبدلة. وكما هي الآن لم تكن دمشق مجرد بوابة حيوية لجنوبها الجبلي، بل متنفسها وصلة وصل لها مع العالم الخارجي، ولا سيما بعد أن أغلقت اتفاقية سايكس/ بيكو حدودها الجنوبية باتجاه عمان، وحدودها الجنوبية الغربية باتجاه القدس، حيث كان فرسان الجبل يجوبون السهول والصحارى متنقلين بحرية خلف حوائجهم وعلاقاتهم، باتجاه أراضي نجد والحجاز من جهة، والقدس وفلسطين من جهة ثانية من دون أي حواجز دولية.
أ) الهجرة الأولى إلى الجبل
تجمع الروايات مع تجاوز بعض التفاصيل، على أن (علي علم الدين) قاد مجموعة من حلفه اليمني، بعد هزيمتهم أمام القيسيين 1666 في برج الغلغول (باب إدريس) في بيروت القديمة، وحلوا في اللجاة قرب نجران. ويربط الأستاذ شبلي العيسمي[2] هروب خمسة وخمسين رجلًا من آل الحمدان من جبل الشوف 1103هـ 1691م بعد قتلهم أربعة من رجال القيسيين وحلولهم في بلدة بريكة في جبل حوران، ومن تبعهم من آل أبو فخر في العام التالي، وسكناهم في قرية (ريمة)، ثم تعاونهم معًا في صد هجمات البدو. وبالتقاطع بين الروايات العديدة، أصبح من المؤكد لدينا أن (الحمدان) هم الشيوخ المؤسسون، وهم من ثبتوا أقدام الدروز في جبل حوران. حيث تزايد بأسهم مع قدوم خليل الحمدان وجماعة من مهاجري صفد، وتعميرهم عددًا من قرى خربة في اللجاة وشهبا، ثم إخراجهم لـ(بني سويدان) من السويداء إلى خربة غزالة و(بني دحدل) إلى معربة وغصم وطيسية في سهل حوران، وبذلك أحكموا سيطرتهم الكاملة على المكان.
ب) الهجرة الثانية 1711م والأهم
تدفقت جماعات اليمانية (علم الدين وحرفوش وآخرون) بعد خسارتهم في معركة عين دارة 1711 م التي قطعت دابرهم من لبنان، فتركوا ديارهم وأرزاقهم للقيسيين الذين تلقوا دعم آخر الأمراء الشهابيين، ثم وبدعوة من حمدان الحمدان وإغرائه بالخصب وتوفير المساكن للقادمين، توافدت أعداد كبيرة من دروز لبنان، وجبل الشيخ، والجبل الأعلى في حلب، ومن صفد وجبل الكرمل في فلسطين، ثم قدم آخرون بعد أن ضيّق عليهم حاكم صفد الشيخ ظاهر العمر، وبعد أن شن ابنه الحروب ضد دروز صفد بجبل عامل في لبنان، وكذلك بعد أن أرهق حاكم عكا أحمد باشا الجزار كاهل الدروز بالضرائب، وبطش بمعارضيه وبمن تخلفوا عن دفع الضرائب.
ج) الهجرة الثالثة 1812م
قدمت جماعات درزية من جهات حلب وضفاف العاصي ومن لبنان، بعد انتصار بشير الشهابي على حليفه بشير جنبلاط في (بعدران 1775 /1825) وبطشه بأنصاره، ثم بعد المواجهات الدامية مع إبراهيم باشا الذي رفضوا طلباته بالتجنيد الإجباري، والسخرة، والضرائب الكبيرة، ومحاولة تجريدهم السلاح، كي لا يظلوا مكشوفين أمام هجمات العشائر البدوية، من جهة الصحراء.
د) الهجرة الرابعة بعد حرب 1860م في لبنان ودمشق
عن الهجرات الجماعية التي أعقبت حرب 1860، أرسل القنصل الفرنسي رسالة لدولته، قال فيها[3]: إن الشيخ قاسم أبو فخر استقبل ثلاثة آلاف لبناني في بلدة نجران وجرى توزيعهم على قرى الجبل”. أما آخر الهجرات الجماعية فقد جرت عام 1866م إثر اشتباكات مسلحة بين دروز حاصبيا وراشيا مع بيت أبي اللمع الدروز ومع الشهابين السنة الذين تنصروا، ونجم عن ذلك نزوح سبعمئة عائلة درزية، وقد بنوا 18 قرية جبلية.
ومن اللافت للنظر أن معظم تلك العائلات التي قدمت من مناطق متباينة، لم تزل تحتفظ بنسبها إلى مناطقها التي قدمت منها وترتبط في ما بينها بعلاقات قربى، فهناك (الحلبية، والصفدية، والشوفي، والمتني وغيرهم). وأن معظم من تدافعوا للسكن في جبل حوران كانوا أبناء الحروب والنزاعات السياسية بتقاطعاتها المختلفة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، ولا شك في أن بعضهم كان من قادتها أو من أشقيائها، وهو ما يمكن متابعة انعكاساته السلبية والإيجابية في وعي الجبليين، وفي البنية العصبية والسيكولوجية للشخصية النمطية الفردية، أو في تكوين وبنية الذات الجبلية التي لم تزل تتوارث في جيناتها ذلك العصب الانفعالي المتأزم بصفة خاصة، تلك البنية التي اكتسبوها في ظروف متباينة ومتتالية ونضجت تحت جلودهم.
وبحسب تقدير المستشرق جون لويس بركهارت 1810 فإن سكان الجبل لم يتجاوز عددهم عشرة آلاف نسمة حينذاك، ولكن لم ينته القرن حتى بلغ عددهم 25 ألف نسمة، وفي عام 1960 بلغ عددهم مئة ألف، ثم تصاعد ليبلغ 234243 عام 1975م، ثم في عام 1981 بلغ عددهم 312009 بنسبة 2,2 في المئة من سكان سورية. أما قبيل الثورة السورية عام 2011 فقدر عددهم بنحو سبعمئة ألف نسمة.
ثانيًا: المشيخة الحمدانية على الجبل وبداية تشكل الهوية
أ- تأسيس ثلاث مشيخات
لم يقف انشقاق (الموحدين) الدروز عن الدولة الفاطمية في بداية القرن العاشر الميلادي، واتباعهم لمذهب التوحيد عند الدعوة والترويج لعقيدة مغايرة بدأت بسردية خاصة وتصورات ميتافيزيقية مدعمة بمجادلات منطقية ونظرات فلسفية، بل تعداها إلى البدء ببناء هوية مذهبية ثقافية متينة، تتماهى بين العقيدة والعشيرة، وتبنى على رصيد حواري إسلامي خاضه المعتزلة وإخوان الصفا وعلماء الكلام وغيرهم في عهد الخليفة العباسي المأمون، قبل أن يحظره المعتصم وينتصر للأشعرية، وعلى فلسفة اليونان.
وبتجاوز تاريخ طويل ومرير استمر أكثر من سبعة قرون، مرت به الجماعات الدرزية وبنت خلاله دويلات وكيانات في لبنان، قبل أن يتجدد الصراع القيسي اليمني ويضطر اليمنيون إلى الهجرة إلى جبل حوران مجردين من كل شيء، ليبدؤوا بناء أسس عيشهم من تحت الصفر، بقيادة شيخ مشايخ[4] الحمدان الذي اتخذ من مدينة السويداء مركزًا لزعامته، ومنها راح يوزع الأراضي على القادمين في المدينة والقرى، ويعين شيخًا تابعًا له في كل قرية. ومع زيادة عدد القادمين والتوسع في استثمار الأراضي وضرورات الحامية والمصالح العامة، التفَّ المهاجرون حول شيخهم وأسسوا ثلاث مشيخات متكاملة؛ أهمها مشيخة الحمدان في مدينة السويداء، ومشيخة آل أبو فخر(نجران) ثم مشيخة آل القلعاني (شقا). واحتفظ الحمدان لنفسه بالزعامة ولقب بـ(شيخ المشايخ)، فهو وحده من يعين شيوخ القرى ويعزلهم، وهو من يدعو للاجتماعات ويعقد الاتفاقات العامة، ويسمح للبدو بالمرور والرعي في الجبل لقاء أتاوة تسمى (القيود) وأخرى تسمى القلاط، وهي تجبى مقابل الإقامة الموقتة والماء والمرعى. كما أنه المسؤول عن إعلان الحرب والسلم وتحصيل الرسوم وكثير من الصلاحيات الخاصة برجال السلطة، وقد تصاعدت سطوة شيوخهم وتعاظمت هيبتهم، حتى أوكل ولاة المنطقة ومتصرفو حوران لهم الحماية من اعتداءات البدو، وأقرّ العثمانيون بزعامتهم وعدّوها أمرًا واقعًا، بل لقد ظلوا نحو ثلاثة عقود مستقلين لا يخضعون مباشرة للعثمانيين. ولكن ما إن عزّز الحمدان استقلاله بانتصاره على إبراهيم باشا المصري، حتى غدا بمنزلة الحاكم العثماني في الجبل ويرتبط بوالي دمشق مباشرة، وحافظوا على استقلالهم هذا حتى عام 1868 م. ثم عاد العثمانيون وفرضوا سلطتهم على المشيخة والتابعين لها، وصاروا يكلفون عصابات دينية وقبلية بجمع أموال (الميري)، بوصفها ضريبة على الأملاك السلطانية التي كانت: “تحت تصرف الأمير الحاكم الممثل للسلطان العثماني، والذي يعدّ وحده المؤتمن شرعًا على الأموال العامة التي تصب في الخزينة”.
ب- إدارة شيخ المشايخ (الزعيم الحاكم)
كان شيخ المشايخ يسيطر على نصف الأراضي، بينما يسيطر مشايخ الدرجة الثانية على ربع مساحة قراهم، بينما يستثمر الفلاحون الأرض الباقية ولا يملكون حق التصرف بها أو ملكيتها. ويلتزم مشايخ القرى بجمع الضرائب لمصلحة العثمانيين، ولا بدّ من إرضاء الشيخ الزعيم بالهدايا والأتاوات. بينما ظل الفلاح مرهونًا لرضى المالك، فإن غضب منه جزره باحتقار قائلًا: (خذ بابك وارحل، فما أنت إلّا زرّاع طلّاع، سنتك بيوم ويومك بسنة). وهكذا تمادى معظم شيوخ الحمدان بتشددهم على الفلاحين، مستندين إلى نفوذهم عند الوالي العثماني وسطوة عسكر السلطنة، وقد وصل بهم الاستغلال إلى الاستيلاء على ذكور حيوانات الفلاحين، ونذكر مثالًا على ذلك، إرغام الزعيم الحمداني عديدًا من وجهاء القرى على الرحيل، بسبب رفضهم لأوامره، وحينما طالبه حمد النجم جربوع بإلغاء السخرة على الرجال والنساء والإعفاء من تسديد الضرائب المتراكمة للسلطنة، اقتحم رجال الحمدان مضافات أل جربوع، وهجروهم إلى قرية كناكر ولم يعودوا إلا في فترة لاحقة، كما اقتحم رجاله قرية (كفر اللحف) وأحرقوها.
من هنا تحددت نهاية حكم الحمدان، بعد أن اشتط آخر زعمائهم، وأكد الحمدان رفض طلبات وفد من الفلاحين والفلتية (من لا يملكون أرضًا يزرعونها) بإيقاف عمليات ترحيل الفلاحين، وإلغاء السخرة، وتمليك الأرض لمن يزرعها وغير ذلك[5]. فعرضوا مطالبهم على الشيخ إبراهيم الأطرش بن إسماعيل الذي بدأ نجمه يلمع بدعم من العثمانيين، فقبل هذه المطالب، ثم لم يلبث أن استغل سخط العامة على سلطة الحمدان ومضى فاستولى على عرى المركز الثاني للزعامة من يد شيخها هزاع الحمدان 1869، وعينه العثمانيون مديرًا لناحيتها، ثم تابع الطرشان فانتزعوا السويداء وانتهت مشيختهم سلميًا، بينما بدأت زعامة الطرشان عام 1874 واستمرت حتى انضوى الجبل ضمن الدولة السورية 1941م.
ولما تابع زعماء الطرشان نهج أسلافهم الحمدانيين، هبت الانتفاضة الفلاحية الثانية في عام 1888 وانتهت بتقليص حصة الشيخ الزعيم من النصف إلى ربع الأراضي، وشيوخ القرى من الربع إلى الثمن، ما عدا دار عرى التي احتفظت بكل ما في يدها. ثم عاد انقسام العائلات حادًا وداميًا في ما عرف بـ(الشعبية والطرشان) عام 1946 وجرت تسوية الصراع والصلح بتخلي شيوخ الأطرش عن قسم من الأراضي، وساد الهدوء الجبل بعدها وبسطت السلطات السورية سيطرتها عليه.
ج- السويداء.. إدارة التشارك المدني والدفاع الوجودي عن الذات
ظل البدو يغيرون على الدروز ويقطعون طريق قوافلهم إلى دمشق، وحاول زعماء قبيلة الفحيلي البدوية فرض سيطرتهم على الدروز وخيروهم بين دفع الأتاوة أو العودة إلى حيث أتوا، فنشبت معركة كبيرة في نجران مع أعداد هائلة من البدو، لكن الدروز هزموهم وحققوا انتصارًا كبيرًا عليهم، ساهم في فرض مهابتهم واحترامهم في كامل محيطهم. وكما في عصرنا الحالي، ظلت علاقاتهم مع سهل حوران يحكمها العقلاء ويجددون روح التعايش والسلم الأهلي. وقد ذكر محمد كرد علي كيف كانت السلطنة العثمانية تغذي الكراهية وتغض الطرف عما يعانيه الدروز وسكان حوران عامة، فيقول[6]: “ولم يتوان هؤلاء العثمانيون عن تأليب أصحاب النفوس الضعيفة لإثارة الفتن ومهاجمة الدروز، حتى إذا ما فشلوا في مواجهتهم، عمدت هي(السلطنة) إلى إرسال حملة عسكرية بدعوى إقرار الأمن وتأديب المخلين بالنظام”.
وخارج هذه النزاعات المدفوعة، يقول الألماني بركهاردت[7]: “مكثت هذا اليوم في عرى، في بيت الشيخ شبلي الحمدان الذي هو ألطف وأكرم شخص، أتيح لي أن أعرفه في سورية، حيث استقرّ في قريته فلاحون من جميع أنحاء حوران، وقد وصل إلى عرى منذ عهد قريب جميع أفراد الطائفة المسيحية في السويداء وعلى رأسهم خوري الروم، حتى صارت عرى واحدة من أكثف سكان هذه المنطقة”.
كما يذكر التاريخ أن شيخ قرية عرمان (نجم الأطرش) ناصر أهالي حوران في ربيع 1874، حين هددتهم السلطنة العثمانية بعد رفضهم دفع الضرائب المجحفة، وقال: “إنّ صراع حوران هو صراعنا … سوف نتحد مع إخواننا المنكوبين في حوران. سوف نلاقي عدونا على عتبة دارنا قبل أن يدخل حرمتها، ولأن الحق معنا، والله إلى جانبنا، فإننا لن نقهر أبدًا”.
القسم الثاني
مضافات الجبل منتديات اجتماعية وبؤر سياسية ثورية
طوال قرنين من الزمن ظلت مشيخة الحمدان حازمة، تدار ذاتيًا من مضافاتهم، وحين أسقطهم الأطرش بمساندة العثمانيين عام 1874 تابع هؤلاء النظام المشيخي الوراثي. وخلال الحرب العالمية الأولى تحول عديد من مضافات الجبل إلى ملاجئ آمنة للشخصيات العربية والسورية المناهضة للسلطنة العثمانية. ولما أعلنت ثورة الشريف حسين في الحجاز 1916م أسرع سلطان الأطرش بالانضواء تحت لوائها، ورفع العلم العربي الذي أهداه إليه الشريف حسين عبر منسق الثورة مع الجبل المجاهد الدمشقي نسيب البكري، والذي كان أول من رفع علم الثورة العربية فوق دار مضيفه حمد البربور في أم الرمان، ولما تقدمت جيوش فيصل شمالًا قاد سلطان قوةً وهاجم العثمانيين في سفوح تلول المانع في 30 أيلول/ سبتمبر 1918. وعلى سبيل المثال لا الحصر، لقد استقبلت مضافة معذى المغوش في قرية خلخلة الشهيد (عبد الغني العريسي وعمر بساط)، كما استقبلت مضافة نجم عز الدين في قرية الثعلة قائد ثورة الشمال إبراهيم هنانو لنحو ستة أشهر. واستمرت هذه الظاهرة في فترة النضال الوطني ضد الفرنسيين. ولقد وثق مؤرخ الشام محمد كرد علي في كتابه الشهير خطط الشام دور المضافات في الجبل، بقوله[8]: “ولكن الغلات التي استغلوها أهل الجبل لم يقدّموا منها شيئًا للدولة على الرغم من إلحاح القائد العام عليهم، فحفظوا حبوبهم في أهرائهم حتى شحّت في الشام….. ولولا ذلك لجاع أهل مدينة دمشق نفسها” ويتابع كرد علي: “ولذلك كان جمال باشا يحرق الأرم عليهم ولو خرجت دولته (العثمانية) ظافرةً لأرسلوا حملة على هذا الجبل تهلكه وتخربه. وهذه النوبة تعد من مآثر الدروز وهي أنهم آووا في جبلهم نحو عشرين ألف لاجئ من العرب والترك على اختلاف هوياتهم”.
ولم تقتصر فاعليات أهل الجبل على حروبه الخارجية، بل قاموا بانتفاضتين داخليتين ضد المستبدين من أبناء جلدتهم، وكانت انتفاضتهم العامية الثانية هي الأهم والأكثر تنظيمًا وفاعلية، وتعد سابقة زمنيًا في هذا المجال، حيث انطلقت عام 1888م بعد أن نكث إبراهيم الأطرش بوعوده للفلاحين واستقوى بالعثمانيين الذين عينوه قائم مقام على الجبل، فهبت العامة وطردت شيوخ الطرشان فلجأ هؤلاء إلى قلعة المزرعة، وأمام مطالبة المنتفضين بعزل إبراهيم الأطرش واستبداله بسعيد الحمدان، وجه العثمانيون حملة مساندة، التقت بالعامية في الشقراوية وأوقعت في صفوفهم نحو 400 ضحية. وعلى الرغم من ذلك استطاعت العامية تثبيت ملكية الأرض للفلاحين (الطابو) وأنزلت حصة الزعيم من النصف إلى الربع، وشيوخ القرى من الربع إلى الثمن، من دون أن تمس دار الزعامة في عرى. كما أُلغي الترحيل وخُفّفت السخرة، وبهذه التسوية توقفت ثورة العامية الثانية، وعاد الطرشان إلى مواقعهم. وبسبب هذه التطورات العاصفة والمتلاحقة استحق جبلهم صفة (الإقليم البركاني) التي أطلقها عليه الجنرال ديغول[9]، إضافة إلى كلام الشاعر الفرنسي لامارتين، حيث قال: (في زمن معركة نافارين 1827م لجأ الأوروبيون الخائفون من انتقام الترك إلى الدروز ومكثوا عندهم آمنين وكان شعارهم كل الناس إخوة).
أما علاقتهم بالسلطنة العثمانية فظلت تراوح بين الاستقلال الذاتي والتابعية المباشرة، والمثال الآتي يشير إلى هذا التغير المفاجئ تبعًا لمزاج الوالي، فقد استاء مدحت باشا والي دمشق من حيازة زعماء الجبل على استقلال نصفي، فوجه قواته العائدة من الحرب الروسية/ العثمانية عام 1887 لإخضاع الجبل إخضاعًا تامًا، وحين أخفق في نزع الزعامة الدرزية عن أزرع، استغل النزاع الدامي بين الجبل وسهل حوران بما سمي (عرس فهيدي)، وحاول استعادة 13 قرية من يد الدروز وإعادتها لشيوخ حوران، فنشبت معركة حامية، حيث أوقع فرسان الجبل بالجيش العثماني خسائر فادحة، قبل أن يتوسط القنصلان الفرنسي والإنكليزي وتصدر توجيهات من الصدر الأعظم بإبرام اتفاقية أصبح الجبل بموجبها مستقلًا عن سلطة متصرف حوران ومرتبطًا مباشرة بوالي دمشق، ثمّ تشكلت ضابطة دركية من أبناء السويداء وفي جميع المجالس المنظورة بالقانون، واستثني الجبل بموجبها من الخدمة العسكرية، وعين العثمانيون سعيد تلحوق اللبناني قائم مقام على السويداء، ولم يمض عام واحد حتى أعادوا تابعية الجبل إلى متصرفية حوران الكبير.
ثانيًا: من جبل الدروز إلى جبل العرب إلى محافظة السويداء
أطلق الوالي مدحت باشا اسم (جبل الدروز) على جبل حوران في برقية أرسلها إلى الباب العالي 1878م أول مرة، ثم ذكره المستشرقان الفرنسيان دوسسو وباكلير في كتابهما رحلة إلى الصفا وجبل الدروز، ثم غدا إمارة بعد أن منحه الأمير فيصل اللقب نظرًا إلى مناصرته في مسار الثورة العربية الكبرى. وحين استولى الفرنسيون على سورية، أعلنوا (جبل الدروز) دولة مستقلة والأمير سليم الأطرش حاكمًا عليها في 1 أيار/ مايو 1921، ثم وزعوا الجبل إلى مناطق ونواحٍ. أما حكاية جبل العرب فتعود إلى الصحافي الأردني عجاج نويهض الذي ألقى كلمة في حفل وداع سلطان الأطرش وثواره العائدين من منفاهم (وادي السرحان) 1937 في عمان متجهين إلى الجبل، بعد نحو عام من توقيع معاهدة استقلال سورية وصدور العفو عن الثوار، وفي خطابه بالغ الحماسة، امتدح نويهض سلطان الأطرش ورفاقه، وقال: “أنتم عائدون اليوم إلى جبل الدروز… لا بل إلى جبل العرب… نعم جبل العرب، هذه هي التسمية الحقيقية، وكل ما سواها غير مقبول[10] فمن استقبل الوطني والملهوف والهارب من جور الاستعمار من مناطق العرب كلها لا يمكن أن يطلق عليه غير جبل العرب”. سُرّ القائد سلطان الأطرش بهذه التسمية وأقرها، وفي جلسة لاحقة للبرلمان السوري عام 1938 أكد فارس الخوري “أن هذا الجبل كان وما زال موطنًا للعرب، جميع العرب، وحري بنا أن نسميه جبل العرب بدلًا من جبل الدروز”.
وفي الكيان الوطني السوري، سرعان ما صُدم القائد سلطان الأطرش بمحاولات تهميشه المبكرة، وذلك حين بادر الرئيس شكري القوتلي إلى تقليد المجاهد صالح العلي وسامًا في أول احتفال لعيد الجلاء، بينما تجاهل سلطان الذي قاطع الاحتفال وأقام احتفالًا كبيرًا في مدينة السويداء. أما أديب الشيشكلي الذي اجتاح محافظة السويداء عام 1954 محاولًا اعتقال سلطان الأطرش، بسبب إرساله رسالة تأييد منه إلى مؤتمر حمص الوطني 1953 نقلها ابنه منصور الذي حضر المؤتمر، وطلب إليه بعض الحاضرين أن تبدأ الثورة من السويداء. ولما توسعت الاعتقالات وشملت قيادة البعث والشيوعيين والطلبة، ثم اعتُقل منصور الأطرش في أثناء عودته من دمشق مصطحبًا محفظة مملوءة بالمناشير البعثية المعادية، هبّ الجبل وخُيّل للشيشكلي أن الثورة قد بدأت ودفع بالجيش إلى محافظة السويداء. وفي هذا السياق يأتي ما نقله باتريك سيل من كلام الشيشكلي[11]: “أعدائي على شكل أفعى رأسها في السويداء وبطنها في حمص، وذنبها في حلب، فإن سحق الرأس ماتت الأفعى”.
ولقد أثار اجتياح الجبل مزيدًا من التظاهرات الغاضبة في حماة ومعظم المدن السورية، وترك جرحًا عميقًا في الوجدان الجمعي الجبلي، لم يشفه إلا اغتياله في البرازيل علي يد (نواف غزالة) في كانون الأول/ نوفمبر عام 1964 انتقامًا لما أوقعه من الضحايا، وصار الأهالي يُنادَون بنواف غزالة بوصفه حاملًا لجينات البطولة، وغدا اسمه مشهورًا، يتردد في الأغاني والأحاديث والأهازيج الشعبية. وما إن توفي في كانون الأول/ نوفمبر 2005 حتى أُقيم له حفل تأبيني كبير، بتدبير من قوى الأمن التي وجدت فيه فرصة لتهييج الغرائز وتوسيع الهوة بين الأكثرية والدروز، ولا سيما أنه قد توفي بعد اتهام نظام الأسد بمقتل رفيق الحريري في 14 شباط/ فبراير 2005 بنحو سبعة أشهر.
وأختصر هنا الحديث حول تهميش ضباط الجبل وسياسييه بدءًا من حركة 23 شباط/ فبراير 1966 ولم يبق إلّا سليم حاطوم المحتمي بقواته، ما دفعه إلى اعتقال القيادة القطرية عند اجتماعها في السويداء بقصد الانقلاب على صلاح جديد، غير أن تهديد حافظ الأسد بقصف السويداء أدى إلى إخفاق الحركة، فاضطر حاطوم إلى اللجوء إلى الأردن، وبقي حتى استُدرج بخديعة من رفاق الأمس، ليعدم ميدانيًا في دمشق من دون أي محاكمة. وفي عهد الأسدين لم يمثل الجبل إلّا بمناصب هامشية، واستخدم بشار الأسد منصور عزام في القصر، وجرى توريط عصام زهر الدين بمجازر دير الزور حتى لُقّب بـ(سفاح دير الزور)، فيما استُخدمت لونا الشبل شماعةً واستُنزفت حتى موتها بحادثة مشبوهة. وبعد اختصار حالات استهداف المحافظة إلى حدها الأدنى، لا بد من الإشارة إلى مدى إهمال السلطات المتعاقبة للتنمية والخدمات في تلك المحافظة الطرفية الفقيرة والمغلقة من جهة الأردن جنوبًا، علمًا أنه كان يمكن توفير اللوجستيات اللازمة لتشجيع السياحة في محافظة تعد من أغنى المحافظات السورية بالآثار المتعاقبة والتنوع.
ثالثًا: بعض سمات مجتمع السويداء
قد تكون صفات المجتمع النخبوي الأبوي التراتبي (اللاديني) هي الصفات الواضحة والغالبة على مجتمع السويداء منذ فترة النضال لنيل الاستقلال السياسي وما بعدها، وحيث يمكن رؤية شريحة واسعة منفتحة وعلى درجة كبيرة من الوعي والثقافة العامة، تركن العقيدة جانبًا وتنخرط في النضال السياسي الحزبي في حزب البعث والحزب الشيوعي ثم الناصري، تاركة للمتدينين (الأجاويد) حياديتهم وحرية ممارسة طقوسهم وشعائرهم ضمن حلقاتهم المغلقة. وفي هذه الفترة ازدادت مشاركة المرأة المتعلمة في النشاط السياسي والمدني، وتصاعد دورها وتأثيرها إلى حده الأقصى خلال الانتفاضة المراتونية عام 2013.
ولكن صفة اللاديني لا تنفي بالضرورة العصبية الطائفية، فسرعان ما تكشف مظاهر تلك النزعة الباطنية المنطوية على حساسية فائقة عن مضمونها، عبر الالتحام بالكتلة الاجتماعية الصلبة كلما استشعرت خطرًا عامًا أو مسّها ضرر أو أي استهداف طائفي مادي أو معنوي. وهذه الظاهرة لا تقتصر على الدروز بل تطال الطوائف الدينية المختلفة التي تعاني قلق الانتماء والحيرة والإرباك، في بلد لم ينجز مهمات الدولة الوطنية العامة. وفي مجتمع السويداء، يمكن أن تتلمس العين البصيرة والرؤية النافذة مظاهر ثقل العين الاجتماعية المراقبة مشكلةً الضمير الجمعي والوجدان العام الموازي لدور الأنا الأعلى، حين يوازن الفعل بالأخلاق والقيم، ويعمل مراقبًا خفيًا ومؤثرًا غير مباشر في تربية الفرد، ويحدد له خط سيره وسلوكه، ويرسخه بوصفه ثقافة عامة تتوافق مع منظومة متطلبات التهذيب الاجتماعي وروائز القيم والعادات والتقاليد، والتي تزداد قوتها المعنوية الضاغطة كلما قويت الشوكة وشبكة علاقات القربى والوعي بالذات الكلية، حيث يرتبط مفهوم القرابات المعنوية بمفهوم الدروز سلسلة. وهذا التشبيه البليغ بالسلسلة مرتبط بفكرة التقمص التي تعني أن كل درزي محكوم بالدوران في دوامة الموت والولادة المتكررة ضمن نطاق طائفته الدرزية حصرًا ويفضي إلى الدم الصافي، وتداعياته المتمثلة بقوة التحام وتماسك اللحمة الدرزية (النعرة) قياسًا على الخلطة البشرية التي يتعايشون معها. ومن هنا اتخذ التكاتف والتآزر طابعًا عقائديًا معززًا لبعده الإنساني.
رابعًا: السويداء في الثورة السورية 2011
بسبب فقر المحافظة، وارتفاع نسبة المهددين في رواتبهم، وضخامة عدد المهاجرين من الجيل الشاب، وشيء من عوالق القلق والخوف الأقلويّ الغريزي والتوجس من الخطر القادم، وتوافقًا مع مبدأ من تعرفه أفضل من قادم مجهول، لم تستطع النخب الجبلية أن تستجر مجتمعها الأهلي لتملأ الساحات بالمتظاهرين. وعلى الرغم من أن كوادر المحافظة المؤهلة الكارهة للسلاح قد انخرطت في العمل المدني والإعلامي بصورة لافتة، إلّا أنها لم تنجُ من التشكيك في موالاة نظام القتل وتحميلها مسؤولية تأخر سقوط النظام، مع تجاهل دور الفصائل السلفية والجهادية في تشتيت الساحة، وتراجع الدعم الدولي للثورة، وخاصة عندما جعل الأميركي محاربة تنظيم الدولة الإرهابي أولوية على إسقاط النظام وهذا ما رفضته الفصائل. ومع طغيان سلاح الفصائل واستمرار توالدها السرطاني على أيدي الممولين الخارجيين، وتحوّل المجلس الوطني ثمّ الائتلاف بعده، إلى مجرد غطاء سياسي للصراع المسلح الذي تهيمن عليه الفصائل المستأجرة والتي تمكنت من اختطاف الثورة وأسلمتها، أعلن في السويداء عن تشكيل فصيل (رجال الكرامة) بقيادة وحيد البلعوس عام 2013، وبرز الفصيل بصفته أوضح تمثيل للهوية الجبلية الدرزية. إلّا أن اغتياله المبكر عام 2015 م مع عدد كبير من كوادره، حال دون نضوج تجربته وتجاوزها المنطقة الرمادية، على الرغم من تنفيذها عمليات عدّة مناهضة لأمن النظام في المحافظة، وهي –بتقديري- التي سرعت بقرار تصفيته. وعلى الرغم من أن حركته قد وفّرت الحماية لآلاف من شبان الجبل الذين امتنعوا عن الالتحاق بجيش الأسد، ظل شعاره (دم السوري على السوري حرام) متجاوبًا مع ما ينطوي عليه المجتمع الأهلي من هواجس ومخاوف، أكثر من كونه حالة انفصال حقيقي عن النظام ومؤسساته. ولقد توضحت في فصيله حالة جبلية درزية مرتبكة، تتبرأ من تداعيات المعارك الدائرة على الأرض، وتتوعد من يحاولون الاعتداء على الجبل. وظل خطابها يصب في حماية الهوية الدرزية وصيانة الأرض والعرض، ولما فقدت الحركة قائدها الكارزمي، مالت إلى الهدوء والعقلانية بقيادة الشيخ يحيى الحجار، واكتفت بالرد على الأفعال والحوادث الطارئة التي كان أهمها تصدي رجالها بقوة لاقتحام قطعان داعش للقرى الجبلية العزلاء عام 2018، إلى جانب تنفيذ بعض الإجراءات الميدانية، كطرد المجرم راجي فلحوط وعصابته.
خامسًا: من الشخصية السورية العامة إلى الجبلية الدرزية
لو قيّض لي أن أبتكر نموذجًا افتراضيًا لشخصية درزية سورية، لجمعت مكوناتها من موروثات سورية وأخرى جبلية صلبة تتصف بالجد والمثابرة والطموح، وإن كانت تتأثر بتجدد قلق الانتماء والقلق الوجودي بسبب الاستهداف المستمر لهويتها الدرزية (الصغرى)، فإنها تبدع بفضل قابليتها الفائقة للتعايش والاعتراف المتبادل مع الآخر الذي ما زال ينظر إليها بوصفها فائضًا عن حاجة المجتمع الأكثري الشعبوي ببنيته التحتية العقائدية، التي تعاني أزمة الاندماج بمحيطها المتوافق مع دولة قاصرة وناقصة السيادة، ولم ترتق إلى مستوى الدولة العامة. وقد تضاعف قلقها مؤخرًا بعد سيطرة سلطة ذات عقيدة سلفية جهادية، في مجتمع أكثري عمومي يرى فيها استعادة دولة السنة، متناسيًا أن البعث قد قوّض سلطة المدينة بطابعها الإسلامي المعتدل، وأن العودة إلى تقاليد الحكم المدني غير المرتهن لأيديولوجيات عصابية ولا يقوم على الغلبة، وحده طريق الخلاص لسورية الوطنية والسوريين جميعًا.
خاتمة: صعوبة الخيار الوطني والختام
واقعيًا لا يمكنني اختزال أزمتنا الوطنية الحالية، بمجرد ردها إلى انقسامات هوياتية إثنية وطائفية وعشائرية، كما لا يمكنني تبرئتها من ارتهانها لصراعات مصالح دولية متشابكة ومتحولة. ولكن أولًا وأخيرًا، لا يمكننا تجاهل أثر غياب حيادية الدولة النسبية (دولة الأمة) بوصفها الكيان الوحيد الذي تنمو وتتجسد فيه هويتها الوطنية الجامعة، وذلك أنه كلما تعقد المشهد الوطني وتعاظم التهديد وتزايدت الأخطار المحيطة بالهويات الثقافية وجرى التضييق على خياراتها المشروعة واستهدافها، تفاقمت أزمة (الهويات القاتلة) وصعب تفكيك تعقيداتها وإعادة إدماجها بالهوية الوطنية الغائبة أصلًا، في ظل نظام الغلبة العصبوي، وعندما لم تحتمل الشخصية الفصامية المفعمة بسعار الأسلمة الجهادية الصبر، سارعت إلى الكشف عن جوهرها الإحلالي الجهادي وهويتها الدينية العصبوية واستغلال الهرم السلطوي، لتنفيذ نزعاتها الإلغائية المؤدلجة بالأموية والأبد والحكم “بالصرماية”. وقد تجلى ذلك في اقتحام الساحل لمواجهة (الفلول) بقوى بدائية غرائزية، منفلتة من كل عقال، وتكرار الأمر في جرمانا وأشرفية صحنايا، وعملية تفجير الكنيسة. وفي وقت تجاهلت فيه السلطة الموقتة محاولات المجتمع المدني والسياسي في السويداء التواصل والدعوة للتعاون في بناء الدولة، كانت هي قد أحكمت خطتها لغزو السويداء الآمنة بحجة مواجهة الهجري لتجريده من السلاح، فيما ظلّ السلاح الاستراتيجي الثقيل في أيدي الفصائل التابعة لها، الأمر الذي أفسح المجال لتدخل العدو الإسرائيلي بذريعة حماية الدروز. علمًا أن ضربات إسرائيل على المهاجمين لم تبدأ إلا بعد تنفيذ الاجتياح وارتكاب جرائم الحرب والإبادة المريعة، وحين أحكمت السلطة حصارها الخانق على المحافظة، بدت وكأنها قدمت الدعم المعنوي لكاريزما الهجري، ليكون بديلًا من المجتمع الجبلي.
ولمن لم يجد تفسيرًا مقنعًا لموقف السويداء، أقول: إن فارقًا موضوعيًا قد ميز هوية دروز السويداء التي انضوت بغيرية في الكيان السوري، وهي كيان ذاتي له هويته وخصوصيته، وعبرها انتقل ثوارها من أوهام النضال القومي المباشر مع الثورة العربية الكبرى إلى الثورة الوطنية السورية الكبرى، ثم انضووا بأول كيان للدولة السورية، بوصفهم كيانًا ذاتيًا يجتمع على الهوية الثقافية التي نمت وتكاملت واستقلت في حضن السياسة خلال قرنين من الزمن تقريبًا، وبها تجاوزت فترات عصيبة أكانت خلال مواجهة العثمانيين أم إبراهيم باشا المصري أم في حروب متجددة، وحين هدأت جبهاتها الخارجية، انكفأت لتصفية حساباتها مع الاستبداد الداخلي وفي سبيل الجاه والملكية. وبهذا بدا أن هذا التاريخ المديد والصعب لكتلة درزية جبلية متماسكة، قد أكسبها مراسًا صعبًا وجعل خيارها أو إرضائها أصعب، قياسًا على مناطق سنية أو مختلطة، تماهت مع السلطنة العثمانية ولم تنجز في أي وقت مضى كيانات مستقلة أو تجسد هوية ثقافية خاصة.
قد يفيدنا هذا التذكير بفهم أعمق لطبيعة الهوية الثقافية التي تمكّن الهجري من الهيمنة عليها، بعد أن ساعده الخوف من قبضة سلطة وصفها بالتطرف والإرهاب، وهي تضغط على عنق السويداء بقصد إخضاعها لإرادتها. وبها تمكن من الاستثمار بالقطيعة النفسية، بين مجتمع درزي بل جبلي مكلوم، وسلطة تتحمل مسؤولية كارثة غير مسبوقة في السويداء. وهنا وحيث يصبح الحفاظ على الوجود وصيانة الدم أولوية، تتقلص أهمية الجغرافية الوطنية (القاتلة) ويلتبس الوجود بالنزوع الانفصالي، على الرغم من أنه الخيار الأسوأ، وربما بدا لبعضهم علاجًا موقتًا في ظل خلو الفضاء السوري من عمل جاد لتدارك هذه المخاطر وتفكيك العقد المستحكمة، وعلى رأسها عقدة تسلط أقلية جهادية هبطت على دمشق بالبارشوت الدولي وكلفت بتنفيذ مآرب خارجية، فضربت بمبدأ المواطنة والحرية والديمقراطية وحقوق المواطنة عرض الحائط.
ومن الطبيعي أن تكون السويداء التي ابتلعت الطعم كله ودفعت أغلى تكاليف الكارثة، وباتت تنادي بالمحاسبة العادلة وردّ الاعتبار لما لحق بأهلها من مهانات، لن تكون الخاسرة الوحيدة وفقًا لما يتردد من شعارات انفصالية، تشير إلى فقدان عامة السويداء ثقتها تمامًا بسلطة دمشق، حتى باتت لا تأمن على أبنائها في الجامعات ولا في أي مجال آخر. ولقد بات الأمر يتطلب حلًا إداريًا وسياسيًا وقضائيًا إسعافيًا، يبدأ من المحاسبة الفعلية ودفع الضرر والتعويض المادي والمعنوي، وصولًا إلى تطبيق القرار 2254 القاضي بالتشارك في هيئة حكم أو سلطة غير طائفية، وفي ما عدا ذلك، سيدفع السوريون تكاليف هذه السياسة العصبوية الرعناء من مستقبل وحدتهم الوطنية، حيث لن تكون السويداء إلّا الجزء المحرك والدافع نحو أحد خيارين؛ إما التحرك باتجاه الحل الوطني الموضوعي، وإما الانزلاق إلى الخيار العصبوي التقسيمي الذي يهدد الدولة السورية بجميع طوائفها. وهنا يكمن مقتل الوطنية السورية التي لا سبيل لإنقاذها إلّا بالحكمة والتوافق وليس بالوعيد برفض التقسيم والفدرلة.
إنّ الاستغراق في العاطفة، والانفعال والغلو في مديح الذات الطائفية (الهوية الثقافية) لا يفضي إلا إلى مزيد من الاستلاب، وقتل الشخصية القابلة للتشارك والاندماج الوطني، وهو ما يتطلب في وضعنا الحالي تفكيك التباسين عدوين متقابلين: أولهما الالتباس بين جهاديي السلطة الموقتة في دمشق، وبين الإسلام العمومي الذي اتسع منذ أربعة عشر قرنًا لتوليد طوائف ومدارس إفتاء ووجهات نظر، لم تخرجه عن جوهره الإيماني بل صانت بعده القيمي والأخلاقي والتشاركي، وكذلك بينه وبين الوطنية السورية التي لا يمكن أن تقوم إلا على تحييد العقيدة عن الشأن العام، وإفساح المجال لتشارك المتباينين في الهوية الوطنية السورية الجامعة. أما الالتباس المقابل، فيقوم على فصل الهجرية عن الدرزية العمومية وتحرير الهوية من اختزالها في شخصه، ومن طموحه لتأسيس درزية ولائية تابعة وشبيهة بولاية الفقيه، إذ لا يمكن أن تقوم إلا على استبداد ديني ملتبس باسم الطائفة وزعيمها الذي قد يتطلع إلى استنساخ شخصية حسن نصرالله في صورتها وظروفها الدرزية ضمن دويلة مستقلة أو فدرالية. وهذا يستدعي ترسيم الخطوط الفاصلة بين الوطنية الديمقراطية المطلوبة وبين الطائفة التي صعدت بمحنتها إلى موقع سياسي انفصالي. بينما تقتضي الموضوعية تحرير السياسة من القوالب الدينية المؤدلجة ومن تماهي الديني بالسياسي الذي يبقيها سيادة ناقصة، تعجز عن تلبية وإدارة مصالح أهلها، وتظل مرهونة للحماية الخارجية والالتزام الوظيفي بمصالحه.